الصراع على قصر قرطاج

سباق بين المرزوقي «الضحية» ابن الجنوب الصحراوي.. والسبسي العائد من زمن بورقيبة

الصراع على قصر قرطاج
TT

الصراع على قصر قرطاج

الصراع على قصر قرطاج

تتواصل الحملة الانتخابية على أشدها بين الرئيس الحالي المنصف المرزوقي، ورئيس حزب «نداء تونس» الباجي قائد السبسي، المرشحين للجولة الثانية في الانتخابات الرئاسية التونسية - المقرر إجراؤها قبل نهاية الشهر الحالي - لاختيار أول رئيس «للجمهورية الثانية».
منذ الإعلان عن النتائج الرسمية للدور الأول، التي قلصت الفارق بين قائد السبسي والمرزوقي في الدور الأول إلى 6 نقاط فقط - بعد أن كانت نحو 20 في استطلاعات الرأي - احتدت لهجة المتنافسين وأنصارهما وتطورت إلى مظاهرات وحملات إعلامية تخللتها أعمال عنف لفظي استنفرت طاقات غالبية صناع القرار في تونس لوقفها. وكان الولاء إلى الزعيم التاريخي لتونس الحبيب بورقيبة أو معارضته من أبرز «أوراق اللعبة». فما الذي يميز المرشحين لرئاسة تونس على الصعيدين الإنساني والسياسي؟.. هل يمثلان فعلا «عالمين متناقضين» باعتبار المرزوقي من أبناء الجنوب الصحراوي وأصيل عائلة بدوية فقيرة شردها بورقيبة بين تونس والمغرب بسبب «أب معارض»، بينما ولد قائد السبسي في العاصمة تونس وكان منذ أيام شبابه مقربا إلى بورقيبة.
ما الفرق بين المرزوقي «البدوي والزعيم الثوري المعارض لابن علي» وقائد السبسي الذي ولد في العاصمة وبها نشأ وتعلم قبل أن تتاح له منذ السنوات الأولى لاستقلال تونس فرص تقلد مناصب أمنية وسياسية ودبلوماسية عليا في الدولة توجها برئاسة البرلمان في السنوات الأولى من عهد بن علي؟
وهل تشقهما فعلا خلافات عميقة تبرر «اصطفاف» نحو مليون ناخب وراء كل منهما في الدور الأول للاقتراع العام يوم 26 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي؟.. أم أن جوهر المعركة بينهما أساسا سياسي مؤقت محوره صراع حول المواقع و«المناصب» توقفت عنده أغنية الفنان التونسي العربي الكبير لطفي بوشناق عن «السياسي»، التي اختتمها بمقطع فني جميل في البيت الرائع: «خذوا المناصب والكراسي لكن خلولي الوطن»..؟ اعتبر الخبير في الأنثروبولوجيا والخطاب السياسي د.كريم بوزويتة أن ميزة «الشخصية الانتخابية» للمرشح محمد المنصف المرزوقي هي التركيز على ورقة «الضحية»: فهو «ضحية» منذ طفولته بعد ترحيل والده المعارض لبورقيبة من تونس، ثم كان «ضحية» في عهد بن علي بسبب ما يعتبره «نضالا ضد التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان».
ضحية «النظام القديم»
المرزوقي يقدم نفسه دوما «ضحية المنظومة القديمة» التي تحاول تشويهه والإساءة إليه معتمدة على «الإعلام الحقير» ورموز «النظام السابق» و«الدولة العميقة» و«التجمعيين الفاسدين» أي نشطاء الحزب الحاكم في عهد الرئيسين بورقيبة وبن علي. ويضخم هذا «المنهج الانتخابي» تأثيرات عنصر «المؤامرات» الداخلية والخارجية التي تستهدف «الضحية» وحلفاءه بحجة أنهم «أوفياء لخط الثورة ولدماء شهدائها وجرحاها ولتضحيات أجيال من المناضلين التونسيين من أجل الحريات والكرامة» من مختلف التيارات.
وعند قراءة السيرة الذاتية التي كتبها المنصف المرزوقي عن نفسه عام 2001 - أي قبل أعوام من وصوله قصر قرطاج - يتضح فعلا أن جزءا من أسباب تفوق المرزوقي في دراسته منذ طفولته في تونس ثم في المغرب وفرنسا عقلية «الضحية» التي تريد أن تتحدى كل خصومها بمن فيهم الزعيم الحبيب بورقيبة ورفاقه الذين اضطهدوا والده الشيخ محمد البدوي المرزوقي.
وكان محمد البدوي من زعماء الحركة الشبابية الوطنية بعد الحرب العالمية الثانية، وانحاز إلى الأمين العام للحزب الدستوري وزعيم أول معارضي بورقيبة صالح بن يوسف. فلما كانت الغلبة لابن يوسف أجبر على الفرار إلى المغرب حيث قضى بقية عمره هربا من الاغتيالات والاعتقالات التي شملت كثيرا من رفاقه «اليوسفيين».
وقد كلفت هجرة المرزوقي الأب عائلته ضائقة مالية وصعوبات تحداها «الضحية» المرزوقي الابن بالتفوق في الدراسة في تونس قبل أن يدعوه والده إلى طنجة حيث تفوق في المدرسة الفرنسية على أترابه الفرنسيين. وبفضل ذلك التفوق تمكن «الضحية» من متابعة دراساته الجامعية في كلية الطب بستراسبورغ بفضل منحة تعليم حكومية فرنسية. وفي فرنسا تعرف على شريكة عمره الفرنسية التي أنجبت له ابنتيه مريم ونادية.
لكن «الضحية» عاد إلى تونس بعد 15 عاما قضاها في فرنسا ليبدأ مغامرات وصراعات علمية وجامعية وسياسية أسهم خلالها حسب كتاباته عن سيرته الذاتية في تطوير الطب بتونس. وكانت إحدى محطات «ثأر الضحية لوالده» نشره مؤلفات عن الطب المغاربي فاستقبله الزعيم بورقيبة عام 1981 ليوسمه ويوشح صدره بـ«وسام الجمهورية» تقديرا لبحث طبي أعده وشارك به في مسابقة «جائزة بورقيبة للطب المغاربي». ومكنت تلك الجائزة «الضحية» ووالده من «إعادة الاعتبار» لعائلة فقيرة انحاز «كبيرها» قبل 27 عاما إلى معارضي بورقيبة وفاء لشعارات «منظمة صوت الطالب الزيتوني الثورية». وشاءت الأقدار أن «عدو الأمس» بورقيبة «اضطر» لتكريم نجلها اعترافا بكونه «كسب التحدي» بفضل تفوقه العلمي، حسب المؤرخ والكاتب التونسي محمد ضيف الله.
علماني.. ينحاز إلى الإسلاميين
يؤكد الدكتور المنصف المرزوقي في كتابته عن سيرته الذاتية قبل 10 أعوام من وصوله إلى السلطة أنه بدأ مسيرته «قوميا عروبيا اشتراكيا» على غرار تيار عريض من شباب الستينات والسبعينات في القرن الماضي الذين تأثروا بالزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر وزعماء التيارات اليسارية العالمية.
لكن «نكسة حرب يونيو/ حزيران، 1967» ومستجدات أخرى جعلت المنصف المرزوقي يخير التعمق في الدراسات الجامعية والطبية والمطالعة على العمل الحزبي الميداني تنفيذا لنصيحة والده - الذي يطيب له تسميته «الديكتاتور الأكبر» - بكون «بوابة الانتصار على إسرائيل وعلى القوى الاستعمارية تبدأ عبر التفوق العلمي مثلما فعل اليهود منذ عقود». ويعتد المرزوقي بنجاحات على هامش مسيرته العلمية الجامعية، بينها تفوقه على الطلبة الفرنسيين في جامعته في مسابقة فتحت لطلبة جامعته الفرنسية عن «المهاتما غاندي»، مما مكنه من زيارة للهند وجامعاتها من شمالها إلى جنوبها طوال شهر كامل. وقد تركت تلك الزيارة أثرها عليه مدى الحياة حسب تصريحاته.
وكان المرزوقي يحاول خلال كامل المدة التوفيق بين توجهه القومي العربي و«علمانيته» ومواقفه التي تدعو إلى الفصل بين الدين والدولة. لكن شاءت الأقدار أن يصبح المرزوقي، الذي أكد في مذكراته أنه لم يكن «يرتاح للإسلاميين» ولا لأقصى اليسار، عضوا في قيادة الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في الثمانينات بعد عودته إلى تونس، ثم عين رئيسا لها عام 1989 بعد أن عين بن علي كاتبيها العامين حمودة بن سلامة والدالي الجازي ثم رئيسيها سعد الدين الزمرلي ومحمد الشرفي وزراء في حكومته. وخلافا لتوقعات أصدقائه العلمانيين وفي الحزب الحاكم تطور المرزوقي إلى «أكبر مدافع عن الإسلاميين» الموقوفين والمعتقلين مطلع التسعينات خاصة بعد أن تأكد مقتل ما لا يقل عن 30 من بينهم تحت التعذيب، وتعرض آلاف منهم إلى التعذيب. وقد تسببت تلك المواقف في إبعاد المرزوقي عن قيادة المنظمة الحقوقية التونسية عام 1994 ثم سجنه بعد إعلانه الفجائي نيته الترشح لرئاسة الجمهورية في انتخابات أكتوبر من العام نفسه، في مبادرة «استغربها وقتها أصدقاؤه وخصومه» حسب الجامعي والقيادي في رابطة حقوق الإنسان زهير بن يوسف.
* بين بورقيبة وبن علي
* ولا ينكر المنصف المرزوقي أنه، على غرار الغالبية الساحقة من المعارضين والكتاب المستقلين، انحاز بعد 1987 إلى رئيس تونس الجديد زين العابدين بن علي، حيث لم يسم هؤلاء إبعاده لبورقيبة «انقلابا»، بل رحبوا بحزمة الإصلاحات التي أعلنها وشرع في تنفيذ بعضها وبينها إصدار «عفو تشريعي عام» عن كل السجناء والمنفيين السياسيين السابقين وبينهم آلاف من الإسلاميين والنقابيين واليساريين ووالد الرئيس المرزوقي الشيخ محمد البدوي الذي عاد إلى موطنه بعد أكثر من 30 عاما من الغربة «لأنه أقسم ألا يعود في عهد بورقيبة حيا أو ميتا» حسب تعبير نجله في مذكراته. وقد نشرت للمنصف المرزوقي في الأعوام الثلاثة الأولى مقالات عديدة بالعربية والفرنسية تساند إصلاحات بن علي. لكن العلاقة بين الرجلين توترت خلال الأعوام الـ15 الأخيرة من حكم بن علي عندما تبنى المرزوقي تقييما «ثوريا» لابن علي ونظامه، وأصبح منذ عام 2000 يرفع شعار «نظام بن علي لا يصلح (بضم اللام) ولا يصلح (بفتح اللام)». وتعاقبت انتقادات المرزوقي لنظام بن علي والمقربين منه إلى درجة أن بعض خصومه وأصدقائه الحقوقيين - مثل خميس الشماري وفرج فنيش وعبد اللطيف الفوراتي وخميس قسيلة - أصبحوا يصفونه بـ«الثورجي» و«الفوضوي سياسيا»، لا سيما عندما رفض عام 2001 الاعتراض عن حكم غيابي صدر بسجنه لمدة 8 أشهر. وكاد التفويت في فرصة الاعتراض يتسبب في اعتقاله بحجة أنه يرفض التعامل مع «القضاء والمؤسسات التي تخضع لحكم بن علي». وكان رفاقه الحقوقيون رفضوا هذا الموقف بحجة أن الحقوقيين «يعارضون القوانين التعسفية والمؤسسات القمعية لكنهم يتعاملون مع الواقع بهدف تغييره دون تبني منطق (ثوار الجبل) الذين يتمردون على الواقع بكل مكوناته».
وحسم المرزوقي الخلاف بأن غادر البلاد واستقر في فرنسا وعاد للتدريس في جامعاتها وأسس فيها منذ 2001 حزبه الصغير «حزب المؤتمر» الذي ضم بين أعضائه منذ تأسيسه «منشقين عن حركة النهضة» بينهم عماد الدايمي الأمين العام الحالي للحزب، والوزير السابق في حكومة الترويكا سليم بن حميدان، والسفير السابق خالد بن مبارك. كما استقطب المرزوقي في نفس الحزب شخصيات من اليسار التونسي، مثل المحامين عبد الرؤوف العيادي ومحمد عبو وعبد الوهاب معطر وسامية عبو.. إلخ
* من العلمانية إلى التحالف مع الإسلاميين
* ويتهم عدد من السياسيين والكتاب والجامعيين التونسيين، مثل المنصف عاشور وسمير الطيب وآسيا العتروس، المنصف المرزوقي بكونه تطور تدريجيا من علماني يساري قومي إلى «حليف قوي لحركة النهضة» في المنفى ضد بن علي ثم في تونس بعد يناير (كانون الثاني) 2011 ضد خصومها اليساريين والليبراليين مثل الباجي قائد السبسي وزعامات «أقصى اليسار الماركسي» مثل حمة الهمامي. لكن المرزوقي يورد في مذكراته أنه لم يختر حلفاءه لأن تمسكه بمبدأ الفصل بين الدين والدولة وبمرجعياته العلمانية لم يمنعه من الابتعاد عن بعض العلمانيين واليساريين الذين أورد أنه اكتشف «موافقتهم في مجالسهم الخاصة على قمع بن علي لحركة النهضة وللإسلاميين من منطلق عدائهم للفكر الإسلامي والقومي العربي جملة وتفصيلا». وشبه المرزوقي في مذكراته هؤلاء «العلمانيين واليساريين المتطرفين» بنظرائهم العنصريين في «أقصى اليمين وأقصى اليسار في فرنسا حيث العداء للإسلام وليس للإسلاميين وللعروبة وليس لتيار من القوميين».
ثنائية الحقوقي ورجل الدولة
وإذ يجد المرزوقي نفسه اليوم في واجهة الأحداث والمنافس القوي للباجي قائد السبسي للرئاسة، فإن الكثير من خصومه ومنتقديه، مثل الكاتب والوزير السابق للتعليم العالي عبد السلام المسدي والجامعي ناجي جلول، يعتبرون أن «نقطة ضعفه الكبرى ثنائية الحقوقي ورجل الدولة». ويتهم المرزوقي من قبل سياسيين بارزين، مثل الحقوقي حمودة بن سلامة وزعيم الحزب الجمهوري أحمد نجيب الشابي، بكونه «خلط بعد توليه رئاسة الجمهورية بين مواقفه الحقوقية وواجبات التحفظ والتريث بصفته رجل دولة لا يحق له أن يدلي بتصريحات متسرعة مثل تلك التي انتقد فيها مواقف الجزائر من النزاع الصحراوي مع المغرب أو المنعرج العسكري الأمني في مصر منذ يوليو (تموز) 2013».

* يعترف للباجي قائد السبسي خصومه وبعض أعدائه بكونه رغم تقدمه في السن لا يزال من أكثر الشخصيات السياسية الوطنية «كاريزما» وقدرة على التأثير في الرأي العام عندما يظهر في وسائل الإعلام بما يذكر الكهول والشيوخ والعجائز بـ«كارزيما» الزعيم الراحل بورقيبة.
وعلى الرغم من بلوغه الـ89 لا يزال كثير من أنصار السياسي المخضرم وخصومه، بمن فيهم زعامات من التيارات الإسلامية واليسارية مثل راشد الغنوشي وعبد الرزاق الكيلاني وسمير الطيب، ينظرون إليه نظرة «المنقذ» السياسي الذي نجح بعد انهيار حكم بن علي مطلع 2011 في تجميع غالبية السياسيين من مختلف التيارات حوله وحول حكومته الانتقالية. ويقر هؤلاء بكون «دهاء الباجي قائد السبسي» كان وراء نجاحه في إجهاض «مؤامرات» داخلية وخارجية كثيرة حاولت أن تمنع إنجاز أول انتخابات تعددية في أكتوبر 2011، كان معروفا أن نتيجتها ستكون تفوقا ساحقا للإسلاميين من نشطاء حركة النهضة وحلفائها العلمانيين، وبينهم حزب الرئيس المصنف المرزوقي.
ويقر خصوم زعيم حزب نداء تونس وخصومه، مثل زعيم حزب العمل الوطني الديمقراطي عبد الرزاق الكيلاني، بدور قائد السبسي شخصيا في إقناع العلمانيين «المتشددين» في تونس وفي العواصم الغربية وصناع القرار في واشنطن وباريس وبروكسل، بكون «الإسلام لا يتناقض مع الديمقراطية» وبكون العلمانيين التونسيين الذين جربوا عقودا من المواجهات الأمنية مع الإسلاميين وقادة حركة النهضة يؤمنون اليوم بالتوافق بين كل الأطراف السياسية التونسية «بمن في ذلك أنصار راشد الغنوشي وعبد الفتاح مورو وحمادي الجبالي وعلي العريض الذين حوكموا في عهدي بورقيبة وبن علي بالإعدام والمؤبد بسبب أفكارهم وتحركاتهم السياسية».
ويؤمن كثير من السياسيين من أنصار الباجي قائد السبسي بأن «اعتدال» زعيمهم وشخصيته «الوفاقية» كانا وراء تسليم مؤسسات الدولة إلى أول حكومة منتخبة يوم 27 ديسمبر من العام نفسه في مشهد تاريخي بقصر الحكومة بالقصبة وقع بثه على الهواء مباشرة إلى العالم أجمع.
وكان الحدث رمزيا من حيث تأكيد الصبغة السلمية للانتقال الديمقراطي في محفل جلس فيه كل وزير جديد إلى جانب الوزير المتخلي، فيما وقف رئيس الحكومة الجديد حمادي الحبالي مع سلفه الباجي قائد السبسي باسمين، وتبادلا الخطب والقبلات والابتسامات، قبل أن يعقدا جلسة رسمية سلم خلالها الباجي خليفته «الوثائق السرية والاستراتيجية» للحكومة والدولة.
* مرحلة ما بعد تأسيس الحزب
* لكن التقييمات لقائد السبسي تباينت أواسط عام 2012 بعد أن خرج الباجي قائد السبسي عن صمته وأسس مع ثلة من الشخصيات السياسية حزبا سياسيا أطلقوا عليه تسمية حزب «نداء تونس»، أعلنوا أنه مفتوح للمستقلين والنقابيين واليساريين ومنخرطي حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الذي وقع حله مباشرة بعد ثورة يناير 2011 ضمن ما سمي باستراتيجية «القطيعة مع الماضي ومع النظام السابق».
وقد فجر تأسيس الباجي قائد السبسي ورفاقه لحزب ضم بعض وزرائه في حكومة 2011 انتقادات بالجملة لـ«المنقذ» السابق الذي أصبح يعتبر «محاميا عن إعادة رموز النظام السابق للحكم وللحياة العامة».
ولم تقف الأمور عند هذا الحد، فقد أصبح قائد السبسي عرضة لانتقادات غير مسبوقة. واتهم من قبل زعامات قومية عربية ويسارية وإسلامية بالتورط في انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان عندما كان مديرا للأمن ثم وزيرا للداخلية والدفاع ما بين 1955 و1969. وأثيرت ضده قضايا في المحاكم بتهمة الضلوع في قتل المعارضين لبورقيبة وتعذيبهم وفي تبرير محاكمات استثنائية ضد بعضهم، وبينهم وبين المجموعات القومية العربية «اليوسفية» الموالية لجمال عبد الناصر ثم العسكريين الذين حاولوا الانقلاب على بورقيبة في 1962 وصولا إلى الطلبة القوميين واليساريين الذين تظاهروا في الجامعات والشوارع ما بين 1964 و1969.
* من مؤسسي المعارضة
* إلا أن أنصار قائد السبسي يدافعون عن زعيمهم وعن انخراطه المبكر في الدفاع عن الحريات منذ انسحابه من مؤتمر الحزب الحاكم في المنستير عام 1971 مع ثلة من وزراء بورقيبة السابقين مثل أحمد المستيري، بسبب مطالبتهم بإدخال إصلاحات سياسية على نظام الحكم. وكان قائد السبسي من بين السياسيين الليبراليين الذين كتبوا وقتها في وسائل الإعلام العالمية، مثل «لوموند» الفرنسية، للمطالبة بتحرير الحياة السياسية. وكلفتهم تلك المواقف قرارا بطردهم من حزب بورقيبة في مؤتمر 1974 الذي صادق على إجراءات متشددة وعلى «انتخاب بورقيبة زعيما للحزب والدولة مدى الحياة». وقد لعبت تلك المجموعة دورا في تأسيس أول منظمة مستقلة لحقوق الإنسان في العالم العربي في 1977 وأول حزب معارض في 1978.
لكن بعد إعلان بورقيبة الانفتاح على المعارضة مطلع 1980 وتعيين الكاتب والمثقف الليبرالي محمد مزالي رئيسا للحكومة، انسحب قائد السبسي من المعارضة والتحق مجددا بحزب بورقيبة، فعين وزيرا معتمدا لدى رئيس حكومته ثم وزيرا للخارجية حتى 1986 تاريخ تعويضه بشخصية من موطن بورقيبة المنستير تولت مطولا حقيبة سفارة تونس في باريس الهادي مبروك، فيما عين السبسي سفيرا لدى ألمانيا إلى ما بعد تسلم بن علي الحكم في قصر قرطاج بقليل في نوفمبر (تشرين الثاني) 1987.
* اختلف مع بن علي مبكرا
* وإذا كان بعض خصوم قائد السبسي يشككون في شخصية «المنقذ»، التي يصفه بها الخبير في الخطاب السياسي محمد الجويلي، بحجة أنه عمل مع بن علي رئيسا للبرلمان حتى عام 1991، فإن أنصاره ينوهون بكونه اختلف مع بن علي مبكرا، وهو ما يفسر إحالته إلى التقاعد السياسي منذ ذلك الحين، وإن مكنه من عضوية اللجنة المركزية للحزب الحاكم حتى 2003.
لكن بصرف النظر عن كل هذه التقييمات المتباينة يعتبر الجامعي سعيد بحيرة، القيادي في حزب نداء تونس، أن «من بين نقاط قوة قائد السبسي» أن لديه قدرة على تجميع التونسيين والسياسيين بكل ألوانهم، وأصبح يتزعم لأول مرة حزبا يضم شخصيات «من عدة تيارات دستورية وتجمعية ويسارية وقومية ونقابية بينها الأمين العام الأسبق لاتحاد نقابات العمال الطيب البكوش الذي اختاره أمينا عاما للحزب».
في السياق نفسه، اعتبر خالد شوكات، الكاتب والعضو القيادي في الحزب، الذي انشق في التسعينات عن «النهضة»، أن «قائد السبسي معجزة أهداها الله إلى تونس اليوم ليعيد تجميع السياسيين الذين فرقتهم 4 أعوام من الصراعات».



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.