خطاب العنصرية في الرواية الخليجية... الهامش والمهمّش

نقاد ومثقفون خليجيون يتحدثون إلى «الشرق الأوسط» عن دور الأدب في رصده وكشفه (2-2)

سليمان المعمري
سليمان المعمري
TT

خطاب العنصرية في الرواية الخليجية... الهامش والمهمّش

سليمان المعمري
سليمان المعمري

نشرنا يوم أمس (الأحد) الحلقة الأولى من مساهمات عدد من النقاد والكتاب الخليجيين عن دور الأدب في رصد العنصرية بمختلف أشكالها، ومساهمة الروائيين في تفكيك الخطاب العنصري. ويرى بعض المساهمين أن الرواية كانت من أجرأ الخطابات في مناهضة أشكال التمييز والتصنيفات القبلية والمذهبية المختلفة، وهذا دور تنويري يذكر للرواية دون غيرها من الوسائل الأخرى، بينما يرى بعض آخر أن الرواية لم تعمل على تجذير وكشف هذه العنصرية بشكل عميق، بل كانت مجرد مواقف ضبابية بسيطة لا تعود إلى الجذور إلا بحدود ضيقة.
وهنا مساهمتان من باحثة وروائي من عمان:
- «العنصرية» وأخواتها... الثيمة الأبرز وضوحاً في الرواية العُمانية
- الباحثة د. منى السليمي: رواية الهامش في التجربة الخليجية
في يوليو (تموز) 2019، حصلت الباحثة الناقدة العمانية منى بنت حبراس السليمي على شهادة الدكتوراه في الأدب، مع مرتبة الشرف والتنويه والتوصية بالنشر، وذلك عن أطروحتها «روائية الهامش؛ التجربة الخليجية نموذجاً»، في جامعة محمد الخامس في الرباط بالمغرب.
وعن هذه الدراسة، تقول الدكتورة منى السليمي: في أطروحتي «روائية الهامش؛ التجربة الخليجية نموذجاً»، شُغلت بالبحث في تمثيل هامش السود في الرواية الخليجية، ضمن جملة أشكال الهامش التي درستها، كما يوحي العنوان، وأفردت فصلاً كاملاً للحديث عن «الهامش العرقي» الذي اخترت لمقاربته ثلاث روايات رئيسة، وهي: رواية «الأشياء ليست في أماكنها» للعمانية هدى حمد، ورواية «القار» للسعودي علوان السهيمي، ورواية «لأني أسود» للكويتية سعداء الدعاس، إلى جانب ست روايات مساندة غذت مباحث الدرس، وهي: «الشويرة» للعماني محمد بن سيف الرحبي، و«شارع العطايف» للسعودي عبد الله بخيت، و«سيدات القمر» للعمانية جوخة الحارثي، و«الطقاقة بخيتة» للسعودي محمد المزيني، و«تبكي الأرض يضحك زحل» للعماني عبد العزيز الفارسي، و«ذكريات ضالة» للكويتي عبد الله البصيص. وقد لفتني تباين معالجة هذه الروايات للموضوع بمستوياته المختلفة، فمنها ما اتخذته موضوعاً رئيساً في النص، كما في «لأني أسود» و«القار» و«الشويرة»، ومنها ما اتخذته موضوعاً ثانوياً، كمعظم الروايات الأخرى المختارة.
ومن جانب آخر، حضرت الشخصية المهمشة (السوداء) بصفتها شخصية رئيسة في بعض تلك الروايات، بحيث أتيح لها التعبير عن موقفها من المجتمع الذي يهمشها، لنرى بعينها إذ تبئر القضية الأساس في النص. وفي حين جاءت شخصيات روايات أخرى ثانوية، انقسمت بدروها إلى شخصيات مستسلمة، كشخصية «ظريفة» في «سيدات القمر»، وشخصيات منفعلة معبرة عن رفضها للعالم الذي يهمشها، كشخصية «أمل» في رواية «الأشياء ليست في أماكنها». هذا فضلاً عن مستويات اللغة والتفضية (البيئة الزمانية والمكانية) التي أسهمت في تمثيل الشخصية المهمشة بصفتها جزءاً من الموضوع، يكشفانه ويتبادلان معه التأثير والتأثر.
وإذا كان الموضوع المهمش يقتضي لغة غير مركزية -لغة مُهملة- لغة غير مُعترف بها من المركز الذي تمثله السلطة التي تمارس تهميشها، أياً كانت هذه السلطة (وهي هنا السلطة الاجتماعية بالدرجة الأولى)، فإن التعبير عنه يستدعي -كما نفترض- لغة تَكسِر الأوفاق التي تواضع عليها المجتمع.
وقد وجدتُ أن بعض الروايات المنتقاة اختارت التعبير عن موضوعها بجرأة، متقحّمة المحظور، مخترقة أسيجة الذوق التي نصبها المجتمع لحماية واجهته البراقة، لا سيما أن هذا الموضوع بقي لعقود من عمر الرواية في الخليج مسكوتاً عنه، حتى ظهر بوتيرة لافتة في العقدين الأخيرين، في خضم موجة حرية التعبير التي رافقت أزمات الوطن العربي، وأسهمت في طرح موضوعات حساسة كان تناولها فيما مضى مغامرة غير مأمونة، كالطرح الطائفي وغيره من الموضوعات.
ومثلما تباينت مستويات المعالجة، تباينت المستويات الفنية في الروايات المدروسة، فوقعت بعض تلك النماذج في المباشرة، وقدمت الموضوع بصفته نقيضين: شر مطلق يمثله الأبيض (المركز - السلطة - المُهمِّش)، وضحية مطلقة يمثلها الأسود، كما في رواية «لأني أسود» التي افترضت شخصياتُها الرئيسة أن كل ما يقع عليها من ظلم إنما يقع عليها لأنها شخصيات سوداء.

الروائي سليمان المعمري: نماذج تناول العنصرية في الأدب العُماني
هناك نقطتان جديرتان بالذكر قبل الخوض في مسألة تناول الأدب للعنصرية؛ أولاهما أن هذه الآفة الاجتماعية الإنسانية لا يكاد يخلو منها مجتمع، متحضر أو متقهقر، ما دامت نزعات «التفوق» المتوهمة متحكمة بالبشر بعضهم ضد بعض. أما الأخرى فهي أن تاريخ الأدب العالمي، منذ هوميروس إلى اليوم، ما هو إلا تاريخ مجابهة لمثل هذه النزعات التي تجعل العِرق أو الدين أو اللون أساس المفاضلة لدى البشر، ولذا فإن هذا الموضوع كان -ولا يزال- موضوعاً مفضلاً لدى الأدباء، يعبرون من خلاله عن إنسانيتهم، قبل أي شيء آخر، ويؤكدون عبر رواياتهم وقصصهم وأعمالهم الأدبية أن «ما يمنع الناس من العيش معاً هو حماقتهم، وليست اختلافاتهم»، كما قالت يوماً الروائية الفرنسية آنا جافلدا.
ولأن الخليج جزء لا يتجزأ من هذا العالم الموبوء بكثير من الأمراض الاجتماعية، وعلى رأسها العنصرية، ولأن الأدب هو مرآة الناس والمجتمع، كما يقال، فقد كان طبيعياً أن يجد هذا الموضوع مساحة في أدبنا الخليجي تتناسب وانتشاره في مجتمعاتنا.
وتبرز على الفور واحدة من أشهر الشخصيات الروائية العُمانية، وهي «ظريفة» في رواية «سيدات القمر» لجوخة الحارثي، تلك العبدة المستسلمة لعبوديتها بسبب حبها لسيدها ومالكها التاجر سليمان، بعكس ابنها «سنجر» الذي كان «التكأة الفنية» لجوخة في إدانتها لهذه العنصرية والاستعباد. توبخ ظريفة سنجر لمجرد أنه سمى ابنته اسماً مما تعدها أسماء الأحرار: «... أيش؟ ... سيقتلك التاجر سليمان؛ تسمي على اسم أهله وأولاده؟ أنت جنّيت يا ولد؟ تكبّر راسك على من ربّاك وعلّمك وزوّجك؟»، ليردّ عليها سنجر من بين أسنانه: «اسمعي يا ظريفة، التاجر سليمان رباني وعلّمني وزوّجني لمصلحته هو، من أجل أنّي أخدمه، وتخدمه امرأتي وأولادي. لكن لا يا ظريفة، التاجر سليمان ما له دخل بي، نحن أحرار بموجب القانون، أحرار يا ظريفة، افتحي عيونك، الدنيا تغيّرت، وأنت تردّدين حبابي وسيّدي، كل الناس تعلّموا وتوظّفوا، وأنت مثل ما أنت، عبدة التاجر سليمان وبسّ، هذا الشايب الخرفان، افتحي عيونك يا ظريفة، نحن أحرار».
شخصية أخرى لا تُنسى في الرواية العُمانية، وهي شخصية «خديم ولد السيل» في رواية «تبكي الأرض يضحك زحل» لعبد العزيز الفارسي (القائمة الطويلة لجائزة البوكر العربية 2008)، ذلك الشاب الأسود الذي ينتسبُ إلى «السيل»، أي إلى الطبيعة، فهو مجهول الأب، وقد رباه بطل الرواية «المحيان»، وعاش في كنفه. وفي ذروة الرواية، يستجيب خديم لإغراءات الفتاة الجامعية عايدة للهرب معاً خارج القرية الظالم أهلها، لكن أهل القرية طاردوهما وقتلوهما كليهما. ولأنه ابن السيل، فقد غضب الأب (الطبيعة) فهبط من علٍ وجرف جميع من شاركوا في قتل خديم وعايدة إلى حيث لا يُعثر لهم على أثر. وتنتهي الرواية بعثور الأهالي الذين كانوا يبحثون عن ناجين من السيل على طفل أسود جديد في طشت نحاسي، كان على ما يبدو تعويضاً من الطبيعة لمحيان عن خديم الذي مات.
وإذا كانت ظريفة وخديم قد عانيا من كونهما عبدَيْن مؤكدَين في نظر عنصرية المجتمع، فإن ثمة من يعاني أكثر منهما بسبب طرده من جنة الأحرار من جهة، وجحيم العبيد من جهة ثانية، إنهم أولئك الذين اختار لهم مجتمع العنصريين لفظة «البيسر» أو «البياسر» للدلالة على هذا النبذ من المنزلتين. وخير من عبر عن هؤلاء في الأدب العُماني رواية «الأشياء ليست في أماكنها» للروائية هدى حمد، من خلال شخصية «أمل»، بطلة الرواية التي تقول لها أمها: «لست عبدة يا أمل، ولست حرة بالكامل أيضاً». أمل التي تنجح في التمرد على واقعها بالقراءة، تسأل خالتها: «ماذا سيحدث حين أقرأ كثيراً يا خالتي؟»، فتجيب الخالة: «ستعثرين على نفسك». وهذا ما حدث بالفعل، لقد عثرت أمل على نفسها بالقراءة والوعي والثقافة.
ومن شخصيات الأدب العُماني الشهيرة التي عانت من العنصرية، وناضلت في سبيل البحث عن حريتها، شخصية «زهرة» في رواية «الطواف حيث الجمر» لبدرية الشحي. وهذه فقط أمثلة للتمثيل لا الحصر، فلا يكاد أديب عُماني إلا وتناول هذا الموضوع في نص واحد على الأقل من نصوصه القصصية أو الروائية.

روايات وعنصريات: نماذج خليجية
> رواية «أنثى تشطر القبيلة» لإبراهيم شحبي (السعودية): يواجه «شاهر»، والد «تغريد» الذي قرر أن يزوجها لفرد من خارج القبيلة، الإقصاء ومقاطعة القبيلة.
> رواية «بنات الرياض» لرجاء الصانع (السعودية): يفشل «فيصل» بعد أن وقع في حب «ميشيل» أو «مشاعل» في إقناع أمه بالزواج منها لأسباب قبلية.
> رواية «القارورة» ليوسف المحيميد (السعودية): تناقش أزمة التمييز العنصري حيث تثير التمييز المناطقي: «ما بقي إلا أتزوج حساوية».
> رواية «ستر» لرجاء عالم (السعودية): تثير زواج «فهد» ابن الشيوخ من «طفول» الجداوية لأسباب اقتصادية ومستويات معيشة.
> رواية «أبو شلاخ البرمائي» لغازي القصيبي: رواية ساخرة تضج بتسمية العنصريات المحلية عبر التقابلات التي تنهض عليها العنصرية: القبلي يقابله الخضيري، والسني يقابله الشيعي، والنجدي يقابله الحجازي. وبسخرية حارقة، يتعمد «أبو شلاخ» أن يختم نسبه الطويل بابن خضير. عندها، يصرخ والد «وضحا» التي جاءها خاطباً: «خضيري وجاي تخطب بنتي؛ قم ما أنت من مواخيذنا».
> رواية «جاهلية» لليلى الجهني (السعودية): تثير الرواية إشكالية التمييز على أساس اللون: الأسود في مقابل الأبيض، حيث تقف الفتاة «لين» بلونها الأبيض متسائلة: «هل أخطأت عندما أحببت رجلاً أسود».
> رواية «صمت الفراشات» ليلى العثمان (الكويت): ذكورية الرجل واضطهاد المرأة.
> رواية «لأني أسود» لسعداء الدعاس (الكويت): تناقش التمييز العنصري على أساس لون البشرة.
> رواية «الأشياء ليست في أماكنها» لهدى حمد (عمان): تناقش التمييز ضد المرأة.
> رواية «القار» لعلوان السهيمي (السعودية): تناقش التمييز العنصري ضد السود: «سكتت، فربما شعرت بأنني أقصدها لأنها في نهاية المطاف امرأة بيضاء، لكنني لا أستطيع أن أغفر لكل هؤلاء البيض الذين يشعرون بأنهم مثل الآلهة، فهل لأنني رجل أسود أستحق كل هذه القسوة».
> رواية «تبكي الأرض يضحك زحل» لعبد العزيز الفارسي (عمان): العنصرية تجاه السود.
> رواية «الطواف حيث الجمر» لبدرية الشحي (عمان): تتتبع قصة هروب فتاة عمانية (زهرة) هربت من موطنها (نزوى) إلى جزيرة زنجبار (الرواية تتناول مرحلة الاحتلال العماني لأجزاء من أفريقيا، وبينها زنجبار). وكانت زهرة مغرمة بمواطنها سالم الذي تركها ليتزوج من شابة زنجبارية. والرواية تتحدث عن العمانيين من أصل أفريقي، والتمييز الذي يلاقونه، حيث تزوج سالم «السوداء بأنفها الأفطس».
> رواية «المشراف» عبيد السهيمي (السعودية): التمييز المناطقي (صفر سبعة)، في إشارة لمواطني جنوب البلاد... والتمييز العصري (العبد قربان الخرافات).



العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

نيتشه
نيتشه
TT

العرب في كتابات الفلاسفة الألمان

نيتشه
نيتشه

كان حضور العرب في كتابات الفلاسفة الألمان متفاوتاً جداً، ويتراوح بين الإعجاب الحضاري، والنظرة الاستشراقية، والاستعمال الرمزي لخدمة فكرة فلسفية عندهم. هيغل أحياناً يجعل العرب أو الإسلام رمزاً لمرحلة تاريخية تمثل «وحدة الروح» أو الانفجار الروحي للتوحيد، أكثر من كونه يدرس المجتمعات العربية نفسها بتفاصيلها الواقعية. والرومانسيون الألمان استخدموا العربي رمزاً للفروسية والصحراء والحرية والشاعرية الشرقية، لا بوصفه إنساناً تاريخياً فعلياً.

لم يكن العرب موضوعاً مركزياً دائماً، بل ظهروا غالباً داخل سياقات أوسع تتعلق بالدين، والتاريخ، والروح، والحضارة، وعلاقة الشرق بالغرب. ومع ذلك، فإن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن دائماً سلبية، بل نجد لدى بعض كبار الألمان قدراً واضحاً من الإعجاب بالحضارة العربية والإسلامية، بل إن بعضهم رأى فيها تفوقاً أخلاقياً أو روحياً على أوروبا نفسها.

هيغل

عند هيغل، يظهر العرب ضمن فلسفة التاريخ بوصفهم لحظة تاريخية كبرى مرتبطة بالإسلام. كان يرى أن الإسلام حمل فكرة التوحيد الكوني بصورة جذرية، وأنه حرّر الروح من الوثنيات المحلية والقَبلية؛ ولذلك نسب للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا. وكان يعدّ ظهور الإسلام انفجاراً تاريخياً هائلاً وحّد قبائل متفرقة داخل رؤية كونية واحدة. حتى بعض الشروح الحديثة لفلسفة هيغل ترى أنه نظر إلى النبي محمد بوصفه الشخصية التي استطاعت توحيد العرب عبر قوة الفكرة والإيمان. ويعرض هيغل ظهور الإسلام بوصفه لحظة تاريخية نجحت في توحيد العرب تحت مبدأ روحي واحد.

لكن موقف هيغل ظل مزدوجاً، فقد أعجب بالقوة الروحية والحضارية للإسلام، ومع ذلك عدّ المرحلة العربية الإسلامية مرحلة انتقالية لم تصل، حسب منطقه الديالكتيكي، إلى الدولة العقلانية الحديثة التي رأى تحققها في أوروبا الجرمانية. ولهذا؛ يُتهم أحياناً بأنه استخدم الإسلام داخل سردية أوروبية تجعل أوروبا نهاية التاريخ.

أما فريدريش نيتشه، فكان أكثر جرأة في مديح العرب والمسلمين. لقد رأى في الحضارة الإسلامية بالأندلس مثالاً على القوة والحيوية والرقي، وهاجم المسيحية الأوروبية؛ لأنها دمّرت تلك الحضارة. وفي كتابه «المسيح الدجال» امتدح المسلمين لأنهم، في رأيه، حافظوا على روح القوة والكرامة والحياة، في حين كانت الكنيسة الأوروبية تميل إلى الزهد وقمع الغرائز. وقد كتب نيتشه بإعجاب واضح عن الأندلس الإسلامية، عادَّاً أن أوروبا خسرت كثيراً بسقوطها.

ومن الطريف أن نيتشه لم يمدح العرب فقط حضارياً، بل أخلاقياً أيضاً؛ إذ رأى أن الإسلام يحرّض على وجود رجال أقوياء وأصحاب إرادة، في حين رأى في المسيحية، كما فهمها، ديناً يميل إلى تمجيد الضعف. ولهذا؛ نجد عنده مقارنة حادة بين «الفروسية» الإسلامية وبين ما عدَّه انحلالاً أوروبياً. حتى إنه استخدم مثال الحمّامات العامة في الأندلس ليقول إن الحضارة الإسلامية كانت أنظف وأكثر تحضراً من أوروبا المسيحية في بعض العصور.

غوته

أما غوته، فهو ربما الشخصية الألمانية الكبرى الأكثر انفتاحاً على العرب والإسلام. لم يكن إعجابه سطحياً، بل وصل إلى حد التفاعل الروحي والأدبي العميق. فقد تأثر بالقرآن وبالشعر العربي والفارسي، وكتب «الديوان الشرقي للشاعر الغربي» متأثراً بحافظ الشيرازي والروح الإسلامية عموماً. وتشير دراسات عدّة إلى أن غوته كان يرى الشرق جزءاً ضرورياً من اكتمال نضج الإنسانية، بل إن بعض الباحثين نقلوا عنه فكرة أن الغرب لا يكتمل دون شرقه.

وتكشف الدراسات الحديثة عن إعجاب غوته بالقرآن نفسه؛ إذ وصف أسلوبه بأنه «مهيب وعظيم وسامٍ». كما كان يرى في الإسلام بعداً روحياً عميقاً افتقدته أوروبا الحديثة. بل إن بعض نصوصه دفعت كثيرين إلى الاعتقاد بأنه كان متعاطفاً بقوة مع الإسلام، حتى إنه كتب عبارة شهيرة مفادها أن الجميع «يعيشون ويموتون في سلطان الإسلام». ولم يقتصر اهتمام غوته على الإسلام بصفته ديناً، بل امتد إلى الأدب العربي نفسه. فبعض الدراسات تؤكد أن اهتمامه بالعرب امتد إلى الأدب العربي القديم والثقافة العربية عامة.

نسب هيغل للعرب دوراً تاريخياً عظيماً في نشر «الروح الكونية» من الأندلس حتى آسيا

أما شوبنهاور فلم يكتب كثيراً عن العرب مباشرة، لكنه تأثر بالحكمة الشرقية عموماً، خصوصاً الهندية والفارسية، وكان يرى في الأديان الشرقية عمقاً ميتافيزيقياً تفتقر إليه الحداثة الأوروبية.

كانط

وعند كانط نجد موقفاً أكثر تحفظاً. فقد كان مهتماً أساساً بالعقل والأخلاق والمعرفة، لا بالحضارات بوصفها موضوعاً مستقلاً. ومع ذلك كتب أحياناً عن العرب ضمن حديثه عن الشعوب والأديان. واعترف بقوة الإسلام التاريخية وقدرته على توحيد الشعوب وتحريكها، لكنه بقي أسير التصنيفات الأوروبية في القرن الثامن عشر، حيث كانت الشعوب تُرتّب ضمن هرم حضاري أوروبي المركز. وتحدث عن الحرملك العثماني في بعض كتاباته الأنثروبولوجية والجغرافية، خصوصاً حين كان يتحدث عن عادات الأتراك والعلاقات بين الجنسين في الشرق. لكنه لم يتحدث عنه بوصفه دراسة تاريخية مستقلة، بل استخدمه غالباً مثالاً على ما كان يسميه الأوروبيون آنذاك «الاستبداد الشرقي» أو على اختلاف البنية الاجتماعية والأخلاقية بين الشرق وأوروبا. وكان يرى أن عزل النساء داخل الحرملك وكثرة الجواري يعكسان، في نظره، غياب العلاقة الأخلاقية المتساوية بين الرجل والمرأة كما تصورها الفكر الأوروبي التنويري.

هذا ما كُتب في التاريخ، أما الفلسفة الألمانية الحديثة فقد بدأت تظهر فيها مراجعات للتمركز الأوروبي، خصوصاً بعد نقد الاستشراق والاستعمار، وأصبح هناك اهتمام أكبر بالدور العربي الإسلامي في تكوين الحضارة الأوروبية نفسها. وهكذا، يمكن القول إن صورة العرب في الفكر الألماني لم تكن صورة واحدة، بل تراوحت بين الإعجاب الروحي والحضاري العميق، والنقد أو الاختزال أو التهميش، لكنها في جميع الأحوال تكشف عن أن العرب كانوا حاضرين في الوعي الألماني بوصفهم قوة تاريخية وثقافية لا يمكن تجاهلها.

* كاتب سعودي


«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة
TT

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

«المسافر بلا متاع » لجان آنوي في طبعة جديدة

سيدة ثرثارة تتظاهر بالرفعة والمكانة وتفتعل أناقة القول وكرم الغاية وهي الصفات التي تتميز بها طبقة المجتمع الأرستقراطي، مع أنها في الواقع امرأة غليظة المشاعر، نفعية منافقة، تخدع نفسها بالمظاهر كما تخدع سواها، رغبةً منها في أن تُخفي حقيقة جوهرها كامرأة أوتيت حب المال بشراهة والرغبة في فعل أي شىء للحصول عليه.

تلك هى الدوقة ديبون ديفور التي تعد من أبرز الشخصيات الرئيسية في مسرحية «المسافر بلا متاع» للكاتب الفرنسي جان آنوى، ترجمة وتقديم الناقد والمترجم المصري البارز الدكتور أنور لوقا (1927 - 2003)، والتي صدرت أخيراً منها طبعة جديدة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن سلسلة «روائع المسرح العالمي».

تتكشف حقيقة السيدة ديفور حين نعرف أنها لم تصطحب الفتى جاستون، الذي فقد ذاكرته في أثناء الحرب العاليمة الثانية من أسرة إلى أسرة، لمجرد إعادته إلى أحضان أهله رحمةً به ورحمةً بهم، بل للمطالبة بمكافأة تتمناها نظير عنايتها المزعومة به في السنوات الأخيرة.

ولذلك يرافقها مستشار قانوني وكَّلته بمصالح جاستون، ورفضت دون نقاش احتمال أن يكون جاستون ابن بائعة ألبان أو عامل كهربائي بسيط ممن تعرفوا على صورته والتمسوا أن يقابلوه، وأصرت على أن تأتي به إلى «آل رينو» أصحاب هذه الدار الكبيرة المليئة بالأثاث الفاخر والخدم والحشم.

أما جاستون فلا يتعرف من «آل رينو» على أحد ولا تذكِّره أنحاء الدار بأي شيء. عبثاً يتصفح وجوه الحاضرين الذين أسرعوا للقائه بلهفة المشتاقين وهم أمه وأخوه وزوجة أخيه، وعبثاً يطوف في أركان المنزل والحديقة، فالجميع هنا من سادة وخدم يؤكدون أنه جاك رينو بعينه، لا سبيل إلى الشك في شخصيته، وها هم يحاولون دون جدوى أن يقنعوه بأنه واحد منهم.

وحسب أنور لوقا، استوحى جان آنوى فكرة العمل من مسرحية «سيغفريد» للكاتب الفرنسي جان جيردو، وجعل بطله جاستون هو الآخر فاقداً للذاكرة، ولكن سيغفريد وإن كان ضحية نفس المرض نفسه، إلا أنه طراز آخر من الرجال، فهو زعيم ممتاز ولامع، غزير الثقافة، في حين أن جاستون يسقط، كشخصيات آنوى عادةً، في أوحال واقع ملوث بالنفاق والأكاذيب.

وقفز اسم جان آنوى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى صدارة المشهد الأول بين كتّاب المسرح الفرنسي المعاصر بسبب براعته في المزج بين الكوميديا والتراجيديا، مع تقديم شخصيات شديدة الحنين إلى عالم النقاء والبراءة والحق والخير، شديدة السخط على أوضاع الواقع آنذاك القائمة على الإثم والرذيلة.

وُلد جان آنوى في مدينة بوردو بفرنسا في 23 يونيو (حزيران) سنة 1910 وهو ينتمي إلى عائلة متواضعة، إذ كان أبوه خياطاً وكانت أمه تشتغل بعزف الكمنجة، ولهذه النشأة يرجع دون شكٍّ ميله إلى تصوير الفقر ووطأته على نفوس الفقراء في عدد من مسرحياته. التحق بعد ذلك بكلية الحقوق إلا أنه اضطر إلى أن يتركها بعد عام ونصف عام ليكسب عيشه بالعمل في إحدى دور الإعلان.

وفي «المسافر بلا متاع» تتجلى براعة الصياغة المسرحية لدى آنوى، كما تؤدي وحدة الموضوع والمكان والزمان إلى تركيزشديد ينتج عنه عمق التأثير، فهو لا يقسم مادته هنا إلى الفصول ولا يعتمد المشاهد التقليدية بل إلى لوحات طويلة أو قصيرة، متأثراً ببعض أساليب السينما، إلا أنه احتفظ بروح المسرح على نحو أخَّاذ.


«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،