تغييرات جذرية تعصف بـ«صوت أميركا»... ومحطاتها ومنصّاتها

TT

تغييرات جذرية تعصف بـ«صوت أميركا»... ومحطاتها ومنصّاتها

بعد أكثر من عامين من إصراره على تعيين صديقه وأحد أكثر المؤمنين برؤيته السياسية، نجح ستيف بانون كبير الاستراتيجيين السابق للرئيس دونالد ترمب في تعيين مايكل باك، على رأس «الوكالة الأميركية لوسائل الإعلام العالمية» أو ما تسمى اختصارا «البي بي جي»، إحدى أكبر المؤسسات الإعلامية العالمية الممولة من الكونغرس والموجهة نحو الخارج، والتي تشرف على «صوت أميركا» ومحطات إذاعة وتلفزة ومنصات رقمية أخرى.
لم يكن تثبيته هو المفاجأة، بل سرعة الإجراءات التي اتخذها قبل أقل من أسبوع على تسلمه منصبه، حيث نفذ ما وصف «بمجزرة الأربعاء»، عبر إقالته الفورية لرؤساء محطات وراديو تلفزيون «مارتي» وشبكة الشرق الأوسط «الحرة»، وراديو «آسيا الحرة» وراديو «أوروبا الحرة» ومنصة التكنولوجية المفتوحة، فيما يتوقع أن يعين جيفري شابيرو، المحسوب أيضا على ستيف بانون، على رأس تلفزيون كوبا، وانضمام سيباستيان غوركا، أحد أشد المناصرين لترمب وبانون إلى صوت أميركا.
وقال كبير الديمقراطيين في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ السيناتور بوب مننديز، إن ما جرى ليلة الأربعاء «يؤكد ما كنا نخشاه من وراء تعيينه. إنه آت لتنفيذ مهمة سياسية لتدمير استقلالية الوكالة الأميركية للإعلام وتقويض دورها التاريخي». وأضاف مننديز أن طرد رؤساء شبكة الوكالة وتفكيك مجالس إدارتها لتثبيت الحلفاء السياسيين للرئيس ترمب، يعد انتهاكا صارخا لتاريخ هذه المنظمة ومهمتها التي قد لا تتعافى منها أبدا.
وبعيد تسلم باك منصبه بساعات قدمت رئيسة تحرير «صوت أميركا» أماندا بينيت ونائبتها ساندي سوغاوارا، استقالتهما في كتاب واحد. وكتبتا «لقد حان الوقت بالنسبة لنا للمغادرة»، من دون أن تذكرا أي أسباب أخرى ما عدا تسلم مايكل باك لمنصبه. وأضافتا «مع تثبيت مجلس الشيوخ له، يحق له استبدالنا بمساعدين له في صوت أميركا».
وحصل باك الذي رشحه ترمب منذ بداية العام 2018 لهذا المنصب، على موافقة مجلس الشيوخ في جلسة تصويت جرت الأسبوع الماضي، نال فيها موافقة 53 صوتا جمهوريا، مقابل اعتراض 38 صوتا ديمقراطيا. وعكس هذا التصويت مجددا عمق الانقسام السياسي الذي بات يخترق المؤسسة السياسية الأميركية، حيث الخلافات هي العنوان الأبرز بين الحزبين، خصوصا في سنة انتخابية يراها الجميع حاسمة في رسم مستقبل سياسات الولايات المتحدة داخليا وخارجيا.
منذ أن طرح اسمه، أثار مايكل باك اعتراض أعضاء مجلس الشيوخ من الحزبين، بسبب إشكاليته السياسية ومواقفه التي اعتبرت منحازة للمتشددين اليمينيين. ونجح الديمقراطيون في عرقلة تثبيته لنحو سنتين، بعدما أثاروا قضية تهرب ضريبي بحق شركته الخاصة، لا يزال المدعي العام في العاصمة واشنطن ينظر فيها. وساندهم في اعتراضهم هذا رئيس لجنة العلاقات الخارجية السابق في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري بوب كوركر، أحد أشد المنتقدين لترمب، الذي لم يترشح لعضوية الكونغرس بعد انتهاء مدته. ورغم تسلم السيناتور جيم ريش رئاسة اللجنة بعده، إلا أنه لم يكن مستعجلا لتثبيته رغم صداقته مع الرئيس، إلى أن بدأ ترمب هجومه على «صوت أميركا» قبل نحو شهرين، بعد اندلاع أزمة الفيروس التاجي مع الصين.
باك هو مخرج أفلام محافظ تربطه علاقات وثيقة بستيفن بانون، ويرأس مجموعة إعلامية غير ربحية تدعى «بابليك ميديا لاب»، أفيد أنه حول من أموالها مبلغ 1.6 مليون دولار من التبرعات التي تحصل عليها، إلى شركة إنتاج مستقلة يرأسها أيضا تدعى «مانيفولد برودكشن». ويقول الديمقراطيون إن باك لا يمكن ائتمانه على مؤسسة ممولة من أموال دافعي الضرائب، بميزانية تفوق 250 مليون دولار سنويا. وقال السيناتور بوب مننديز خلال جلسة تثبيته: «هل من المناسب أن نعين مايكل باك؟ هل يجب تثبيته عندما يكون قيد التحقيق؟ بعد أن كان غير أمين مع مجلس الشيوخ ومصلحة الضرائب، نظرا لاستخدامه المزعوم لمنظمة صغيرة غير ربحية للإثراء الذاتي، هل يمكننا أن نثق أنه لن يستخدم الموارد الهائلة للحكومة الأميركية لجيبه الخاص؟» غير أن رئيس اللجنة السيناتور جيمس ريش دافع عن باك قائلا: «هذا الرجل مؤهل بشكل فريد لشغل هذا المنصب، لقد قام بعمل رائع».
ترمب من جهته غرد على تثبيت باك قائلا: «مبروك لمايكل باك! لا أحد لديه أي فكرة عن هذا النصر الكبير لأميركا. لماذا؟ لأنه سيدير «صوت أميركا» وكل ما يرتبط بها».
ترمب ومنذ بداية عهده اتخذ سلسلة مواقف مثيرة للجدل تجاه موقفه من الإعلام، واصفا غالبية مؤسساته، وخصوصا التي تعارضه، بأنها إعلام كاذب. وفيما يخشى معارضوه أن يستغل هذا المنفذ الإعلامي للترويج لأجندته السياسية، وخصوصا تجاه الخارج، يرى آخرون أن مواقف بعض المؤسسات الإعلامية المعارضة، بالغت في هجماتها على ترمب. وتتهم بعض المؤسسات باتخاذها مواقف مثيرة للجدل تجاه دول تعتبرها إدارة ترمب، معادية أو منافسة كإيران وسوريا وروسيا والصين وفنزويلا وتركيا. غير أن أصواتا أخرى أشارت إلى أن الدور الذي كانت تلعبه «صوت أميركا» وشقيقاتها اضمحل، أو على الأقل تراجع كثيرا في العقد الأخير، في ظل مراوحة خطابها الإعلامي وقصوره عن التعبير عن موقف الإدارة الأميركية، بمعزل عن الحزب الذي ينتمي إليه الرئيس. وكذلك تراجع برامجها الموجهة، أمام منافسين آخرين في شبكات إعلامية باتت تبث محليا وعالميا وعبر الأقمار الصناعية والرقمية. ويرى هؤلاء أن المحطة التي تأسست عام 1942 بهدف الترويج لـ«قصة أميركا» ومواجهة الدعاية النازية، تحتاج إلى إعادة تعريف بعدما باتت تنتمي إلى حقبة عفا عنها الزمن.
ترمب كان أعرب مرارا عن رغبته في السيطرة على «صوت أميركا» واصفا إياها في عدد غير قليل من المرات بأنها أصبحت «صوتا للاتحاد السوفياتي، وللشيوعية». وقبل نحو شهرين نشر دان سكافينو مستشار البيت الأبيض للاتصالات، ما وصفه بقصة «صوت أميركا مع الصين» في تغريدة له على تويتر مع تعليق يقول: «دافعو الضرائب الأميركيون يمولون الدعاية الصينية عبر صوت أميركا الممول من الحكومة الأميركية! عار!!» وبعد أيام زاد ترمب على تغريدة سكافينو ووصف صوت أميركا بأنها مثيرة للاشمئزاز، وطالب مجلس الشيوخ بتأكيد حزمه في تعيين مايكل باك.
وما يثير حفيظة المعترضين على تعيين باك، أنه قد يعمد إلى تحويل المؤسسة إلى بوق إضافي لترمب، ويلغي استقلاليتها التحريرية. ويرفض باك تلك المخاوف ويقول إنه لن يسمح بتحويل المؤسسة إلى آلة دعائية لترمب. لكن أوساطا في «صوت أميركا» رفضت الكشف عن اسمها قالت لـ«الشرق الأوسط» إن حالة من القلق تسود في صفوف الموظفين، خصوصا بعد استقالة رئيسة التحرير ونائبتها. وفيما عبر موظفون في «شبكة الشرق الأوسط» عن الهواجس نفسها، قال هؤلاء إنهم يخشون حركة إقالات واستقالات كبيرة معربين في الوقت ذاته عن تخوفهم من تراجع صوت المرأة في المؤسسة وفقدان استقلاليتها وتحولها إلى منصة للمتشددين اليمينيين.
يعمل في «صوت أميركا» نحو 1100 موظف، بميزانية سنوية تفوق 250 مليون دولار، وتنتج أخبارا إذاعية وتلفزيونية ورقمية بـ47 لغة وتبث في جميع أنحاء العالم وخصوصا في البلدان المحكومة بنظم استبدادية. ويتبع لها محطات شقيقة هي راديو أوروبا الحرة وراديو ليبرتي وراديو آسيا الحرة وتلفزيون كوبا وراديو وتلفزيون فاردي بالفارسية وشبكة الشرق الأوسط وراديو سوا...



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.