الدبلوماسية... في عباءة السياسة والعلاقات الدولية

ستيفن تشان يحلل أدوارها المتنوعة في كتاب صدرت ترجمته العربية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

الدبلوماسية... في عباءة السياسة والعلاقات الدولية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

يكشف كتاب «تأملات في الدبلوماسية... حالات مقارنة في الممارسة الدبلوماسية والسياسة الخارجية» للبروفيسور الصيني ستيفن تشان، الأقنعة والأدوار المتنوعة للدبلوماسية على مدار حقبة طويلة من تاريخ العالم. وتبرز من خلاله خبرته كأستاذ للسياسة والعلاقات الدولية في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن. ويتضمن الكتاب، الذي صدر حديثا عن مكتبة الإسكندرية، وقدمت نسخته العربية المترجمتان المصريتان شيرين جابر وشريهان سعد، 12 فصلا، هي خلاصة محاضرات وتأملات ألقاها تشان في ندوة الدراسات العليا بجامعة أوروبا الوسطى في بودابست عام 2016، ودارت حول عدة محاور منها، «الدبلوماسية ونهاية السياسة الخارجية التي يعرفها العالم»، و«الدبلوماسية الشرق أوسطية التي لا يمكن التكهن بها»، و«دبلوماسية الصين الاقتصادية متعددة الأطراف»، و«قابلية الجهاد للتفكيك»، فضلا عن «الدبلوماسية الأفريقية وتنمية الوعي الذاتي»، استهدف بها المؤلف المناقشة والتحاور مع طلابه في أسمرة وجوهانسبرغ ورام الله وبودابست، وكذلك في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية بلندن، ولم تنبع أفكار وتأملات الكاتب من دراسته فحسب، بل أيضا من سنوات خدمته كموظف دولي لأمانة الكومنولث، والمبادرات الدبلوماسية العديدة التي التحق بها، وتراوحت بين المفوضيات العليا التي عمل بها في مناطق الحرب بأفريقيا، والمحادثات رفيعة المستوى التي قام بها في عديد من عواصم العالم الكبرى.
تحت عنوان «الأصيل والدخيل... شياطين إسرائيل في الألفية الجديدة» قال تشان إن شعور الإسرائيليين بوجود أزمة داخلية لا تقل خطورة عن الأزمات والتهديدات الخارجية التي تواجهها، يزيد من فكرة عدم الأمان والحاجة إلى «الأمننة» الدقيقة والشعور بالتهديد الوجودي، لطبيعة الشخص اليهودي ذي الهوية اليهودية، داخل الوطن اليهودي وينبع من الخوف من تجاوز عدد الفلسطينيين داخل حدود إسرائيل عدد اليهود، وأن تؤدي الأعداد الهائلة والممارسات الثقافية، بما فيها الدينية، لتغيير الهوية اليهودية القائمة على ثقافة يهودية بحتة، وذكر تشان أن العالم اليهودي أوريل أبولوف تناول فكرة الأمننة العميقة لـ«الشيطان الديموغرافي» بإسرائيل، لافتا إلى انشغال أبولوف، بوضع تحليل تفصيلي للخطاب الإسرائيلي المتعلق بذلك التهديد، وتناول مدى خطورته، حيث يرى أن الهوية وممارستها وأمنها وضمانها على المحك، ومن هنا ينبع العداء تجاه الفلسطينيين وفكرة إقامة الدولة الفلسطينية كمفهوم وسلطة إدارية، «فلطالما كان التهديد يأتي من الخارج ولكن الآن يأتي من الداخل».
وفي فصل «العالم يتحد وينفصل: على أحدهم أن يبقيه متحداً» خصص تشان حديثه عن مخاطر اندلاع حروب عالمية، وأشار إلى أن المركز السياسي والدبلوماسي لم يكن أكثر ما يميز الأمم المتحدة، وإنما امتازت بوكالاتها المتخصصة. فكانت اليونسكو بطريقة ما محاولة لاسترضاء الطبقات الثقافية التي قدمت المنطق المعياري للحرب ضد الفاشية، والافتراض بأن الحروب تبدأ في عقول البشر، وكذلك الوكالات المعنية بالصحة العالمية والتنمية العالمية وتقديم المساعدات للاجئين وممارسات العمل في هيكل عالميا يهتم بالتعاون الوظيفي الموجه في الأغلب نحو الدول النامية حديثا، لافتا إلى أن هذه المنظمات بقدر ما كانت مساعدة لتقديم تقنية واقتصادية منظمة من الأعلى إلى الأسفل، كانت في المقام الأول تعبيرا عن الهيمنة.
وفي حديثه عن «نظريات السياسة الخارجية والعلاقات الدولية» يقول تشان إن الدبلوماسية ليست أمرا حديثا، ولكنها اكتسبت العديد من الخصائص في العصر الحديث، أما فكرة إرسال مبعوثين لنقل رسائل لدول أخرى فتعتبر قديمة وشائعة في العديد من الثقافات، مؤكدا على أن الدبلوماسية تعد سمة أساسية للحداثة، وقد عملت على إنهاء حقبة من الاضطرابات.
وتأسيس واحدة من أهم المبادئ الدولية، وهي أن الدولة العضو في النظام الدولي يجب أن تكون لها سيادة مُعترف بها، ورغم أن هذه المبادئ تم اختراقها أكثر من ممارستها الفعلية في السنوات التالية، إلا أن ذلك جلب حقبة من الدستورية، كان فيها للمواطنين حقوق أمام حكامهم، وتطور الأمر فيما بعد للسعي لأن تصبح تلك الحقوق قاعدة عابرة للدول.
ولفت تشان إلى أن مفهوم الدول القوية ما عاد مرتبطا فقط بمصالحها السيادية، ولكن أيضا بمصالحها في السيطرة على العلاقات الدولية، وقد أصبح مفهوم الدول القوية هو الأساس لنظام جديد تم تأسيسه بعد الحرب العالمية الأولى، وما نتج عنها من دمار دفع الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون إلى مغادرة بلاده لمدة ستة أشهر كاملة لفرض رؤيته بكيفية إدارة النظام الدولي، على أسس مبنية على الشفافية الدبلوماسية والتعاون الدولي.
وحسب وجهة نظر تشان، لم تكن السلطة الواقعية قائمة بذاتها في أي وقت من الأوقات، إنما كانت دوما تحت ظل معياري يكتنفه القانون الدولي. وكانت دائما تتعامل مع العلاقات الدولية كعلم والسياسة الدولية كممارسة، وكأنهما وجهان لعملة واحدة.
وأشار تشان إلى إقرار المفكر السياسي الأمريكي «جراهام أليسون»، في دراسة له بعنوان «جوهر القرار» عام 1971 بأنه لا يوجد طريق عقلاني مستقيم وحاسم، وتحدث عن ثلاثة نماذج دعا لها لصياغة السياسة الخارجية، لا تزال تستخدم كأدوات تحليلية حتى يومنا هذا، وهي «الفاعل العقلاني» الذي نسبته الولايات المتحدة إلى الرئيس كينيدي خلال أزمة الصواريخ الكوبية، ونموذج «العملية التنظيمية»، حيث تسعى الحكومة وقت الأزمات إلى تقسيمها، وإسناد كل جزء إلى وكالة أو إدارة حكومية متخصصة، ونموذج «السياسة الحكومية» وأهميته تظهر في لحظات الأزمات الحالكة، حيث يجب على أقوى الرؤساء وأكثرهم ثقة أن يتفاوض أو يستخدم الأساليب السياسية من أجل إتمام ما يشاء، لتجنب إساءة فهم أوامره أو تنفيذها بطريقة لم يقصدها، أما في الدول الديمقراطية، فعليه أن يستخدم الأساليب السياسية لإقناع الهيئة التشريعية والجمهور بأنه على صواب.
ولتوضيح الفكرة حول النماذج الدبلوماسية الثلاثة تحدث تشان عن فشل غزو كوبا عام 1961، وفضيحة خليج الخنازير، وحالة عدم الثقة التي انتابت كينيدي في نصائح وكالة الاستخبارات المركزية، وهجومه على الحلول الدبلوماسية من أجل الحفاظ على تأييد المستشارين العسكريين، ثم اتجاهه إلى زحزحة الرأي نحو الحصار بدلا من الضربات الجوية، وهكذا حسب تشان، نشأت فكرة الحصار البحري من خلال عملية سياسية، قام خلالها كينيدي ببعض الإيماءات السياسية حتى يتمكن الرئيس السوفييتي نيكيتا خروشوف من إنقاذ ماء وجهه السياسي، فوافق على عدم غزو كوبا، كما أصدر تعليمات لشقيقه روبرت كينيدي بأن يعد السوفييت سرّا بسحب الصواريخ الأميركية الموجهة إلى بلدهم من تركيا.
ويخلص تشان إلى أن «جوهر القرار» الذي اتخذه الرئيس الأميركي بشأن حصار على كوبا، ينطوي على جوانب من النماذج الثلاثة. فقد كان له، رغم قلة مخاطره مقارنة بالهجوم الجوي، صعوباته الهائلة ومخاطره الحتمية. وكان حجم ونطاق تلك المخاطر من النوع الذي لا يمكن معه ضمان نجاح أية عملية لصنع القرار من دون غطاء دبلوماسي حاذق.


مقالات ذات صلة

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون ألبير كامو

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً.

دوايت غارنر
ثقافة وفنون إبراهيم الكوني

الصحراء كمبتدأ وخبر في مكاشفات الكوني ومكي

في البدء لم تكن الكلمة. كان الصمت. صمتٌ لم يتردّد في أروقة الجنّة، استوطن قلب الصحراء. وفي الصحراء يولد المعنى قبل العبارة، وتتشكل الحقيقة قبل نصّها.

ندى حطيط
ثقافة وفنون بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

بسمة الخطيب في رواية «حائكات الأزل» تثأر للنساء بالغزل

رواية نسائية بامتياز، هي «حائكات الأزل» للأديبة اللبنانية بسمة الخطيب. بطلاتها يتحركن، وكأنما وجود الرجال في حياتهن هلامي، لكن وطأته ساحقة، ثقيلة، متسلطة وكاسحة

سوسن الأبطح (بيروت)

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي
TT

محاولة لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

محاولة  لإعادة تعريف علاقة الصغار بالذكاء الاصطناعي

في زمنٍ أصبحت فيه كلمة «ذكاء اصطناعي» جزءاً من الأخبار اليومية، يبقى السؤال الأهم: كيف نشرح هذا المفهوم لطفلٍ في العاشرة، دون أن نُخيفه... أو نُضلّله؟

هذا السؤال هو ما ينطلق منه كتاب «أنا والروبوت» للدكتور عميد خالد عبد الحميد، وهو أحد الكتّاب المساهمين في صفحة «علوم» في صحيفة «الشرق الأوسط»، حيث يكتب بانتظام عن الذكاء الاصطناعي الطبي وتحولاته الأخلاقية والمهنية. ويأتي هذا العمل موجّهاً لليافعين، وقد صدر حديثاً عن «أمازون للنشر» بنسختين عربية وإنجليزية.

الكتاب يقترح مقاربة تربوية هادئة لعلاقة الطفل بالتقنية، وهو لا يقدّم الروبوت بوصفه بطلاً خارقاً، ولا عدواً يهدد العالم، بل «كائن متعلم» يحتاج إلى من يرشده أخلاقياً.

تدور القصة حول طفلة فضولية تكتشف روبوتاً صغيراً، فيبدأ بينهما حوار بسيط يتدرج نحو أسئلة أكبر: كيف تتعلم الآلات؟ هل تفهم ما تقوله؟ هل يمكنها أن تشعر؟ ومن المسؤول عن قراراتها؟

في هذا البناء السردي، لا يُثقل النص بالمصطلحات التقنية، بل يشرح فكرة «تعلّم الآلة» عبر مواقف حياتية قريبة من الطفل: الواجب المدرسي، الصداقة، الخطأ، والاختيار. وهنا تكمن قوة الكتاب؛ فهو لا يكتفي بتبسيط المفهوم، بل يزرع في القارئ الصغير حسّاً نقدياً مبكراً: الآلة قد تحسب بسرعة، لكنها لا تختار القيم.

والمعروف أن المكتبة العربية، رغم ثرائها في أدب الخيال، لا تزال محدودة في أدب التقنية الموجّه للأطفال، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالذكاء الاصطناعي. وغالباً ما تُستورد المفاهيم جاهزة من سياقات ثقافية أخرى.

«أنا والروبوت» يحاول أن يقدّم سرداً مختلفاً، يُبقي الإنسان في مركز المعادلة، ويجعل من التقنية موضوع حوار لا موضوع خوف، وهو لا يعامل الطفل باعتباره متلقّياً ساذجاً، بل قارئ قادر على التفكير. ففي المشهد الأبرز من القصة، حين يجيب الروبوت بإجابات دقيقة وسريعة، تكتشف البطلة أن الدقة لا تعني الفهم الكامل، وأن السؤال الأخلاقي أعمق من الإجابة الحسابية. وهكذا تتحول القصة إلى تمرين مبكر على التمييز بين «المعرفة» و«الحكمة».


اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر
TT

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

اعتراف تولستوي الممنوع من النشر

في عام 1879 كان الكاتب الروسي الأشهر ليف تولستوي، صاحب «الحرب والسلام» و«آنا كارنينيا» يبلغ من العمر 51 عاماً في أوج مجده وثرائه الإقطاعي الأرستقراطي عندما تساءل فجأة: «ماذا بعد كل ما وصلت إليه؟ ما جدوى حياتي وما الهدف منها؟». شعر وقتها بأنه لم يحقق شيئاً، وأن حياته بلا معنى، فكتب أهم ما مر به من أحداث وتساؤلات ليتأملها ويبحث عن إجابات لها، مثل العلم والفلسفة والدين، ويصل إلى التصور الذي سيخرجه من الأزمة الفكرية والروحية العميقة التي جعلته يفقد كل رغبة في الحياة.

على هذه الخلفية، أصدر كتابه الموجز القيم «اعتراف» الذي سرعان ما منعته السلطات الرسمية الروسية، آنذاك، من النشر، حيث أدانت ما تضمنه من قلق وحيرة ومساءلة المستقر والثابت من مفاهيم معتادة، قلما يلتف إليها الآخرون في زحام حياتهم اليومية.

أخيراً صدر عن «دار الكرمة» بالقاهرة طبعة جديدة من الكتاب، من ترجمة أنطونيوس بشير (1898 - 1966) الذي أشار في تقديمه للكتاب إلى أنه أقدم على نقل العمل إلى قراء العربية «رغبة في إطلاع أبناء قومي على ما فيه من الحقائق الجميلة والدروس النافعة راجياً أن يقرأه الأدباء بما يستحقه من العناية».

وأضاف أنطونيوس أن ترجمته لمثل هذه المؤلفات لا تقيده ولا بصورة من الصور بأفكار المؤلف وآرائه فهو حر في معتقده، ولكنه من المعجبين بأسلوب تولستوي «الخالد»، فهو وإن كان بعيداً عن الرغبة في فصاحة الكلام، وهذا ظاهر من تكراره لكلمات كثيرة في الصفحة الواحدة بل في العبارة الواحدة فإن الفكر رائده والمنطق السديد رفيقه في جميع ما يكتب.

ومن أجواء العمل نقرأ:

«وبعد أن فشلت في الاهتداء إلى ضالتي في المعرفة والعلم والفلسفة شرعت أنشدها في الحياة نفسها مؤملاً أن أجدها في الناس المحيطين بي فبدأت أراقب الرجال الذين مثلي وألاحظ كيفية معيشتهم وموقفهم تجاه السؤال الذي حيرني وقادني إلى اليأس ممن هم مثلي في مركزهم الأدبي والاجتماعي.

وجدت أن أبناء الطبقة التي أنا منها يلجأون إلى وسائل أربع للهرب من الحياة القائمة، وأولى هذه الوسائل الجهل، فإن أصحابه لا يدركون ولا يريدون أن يفهموا أن الحياة شر وكل ما فيها باطل وقبض الريح. إن أبناء هذه الطبقة وأكثرهم من النساء أو الشبان الصغار وبعض الرجال الأغنياء لم يفهموا قضية الحياة ولم ينظروا إليها كما نظر إليها شوبنهاور وبوذا فهم لا يرون الوحش الذي ينتظرهم ليفترسهم ولا الجرذين اللذين يقرضان الغصن المتعلقة عليه معيشتهما، ولذلك يلحسان نقط العسل القليلة التي يشاهدونها حواليهم برغبة ولذة.

ولكنهم يلحسون هذا العسل إلى أجل مسمى لأنهم لن يلبثوا أن يجدوا ما يلفت أنظارهم إلى الوحش، حينئذ تفارقهم لذتهم ورغبتهم معاً. من هؤلاء وأمثالهم، لم أقدر على أن أتعلم شيئاً لأن الإنسان يتعذر عليه أن يتجاهل ما هو واثق بمعرفته.

ووسيلة الهرب الثانية هي الوسيلة التي يلجأ الشهوانيون وعباد أهوائهم الجامحة وهي تقضي على أصحابها أنهم بالرغم من معرفتهم أن كل ما في الحياة من اللذيذ والجميل باطل عند التحقيق، فإنه يجب أن يغمضوا عيونهم عن رؤية الوحش والجرذين ويطلبوا في الوقت نفسه كل ما يمكنهم الحصول عليه من عسل الحياة الباطلة».


الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول
TT

الأدب والسياسة والاستبداد اللغوي

ديغول
ديغول

في سؤال مركزي ورد في ثنايا كتاب «سياسة الأدب» لجاك رونسيير، نقرأ ما يلي: «لماذا انتحرت إمَّا بوفاري في رواية فلوبير الشهيرة (مدام بوفاري)؟»، منطق الرواية يقول إنها أنهكت بالديون وحصار الدائنين، ولأنها لم تتواءم مع حياة لم تكن هي التي حلمت بها. لكن الناقد رانسيير يقترح علينا جواباً آخر مفاده: «أن البطلة انتحرت لأنها قرأت روايات رومانسية في الدير الذي نشأت فيه، هي التي ألهمتها الطموح القاتل، وبالنتيجة لقد انتحرت لأنها قرأت كتباً». يمكن إذا أن نعتبر علاقة «اللغة الأدبية» بقارئها تنطوي على قدر كبير من الهيمنة والتسلط، ويمكن الاستدلال على هذا الافتراض بعشرات الأدبيات العقائدية والسياسية التي دفعت بأصحابها إلى مصائر مظلمة، لعل أقربها للذهن في السياق العربي «معالم في الطريق» لسيد قطب، الكتاب الذي أفضى بقرائه إلى مصائر شبيهة بمصير مؤلفه.

والظاهر أن اللغة، وتحديداً لغة الأدب، برغم رحابة حضنها، تحمل في ثناياها طبيعة مزدوجة؛ فهي تارةً مهد الطمأنينة، وتارةً أخرى أداة للاستبداد والسيطرة. اللغة أمٌّ، بكل ما تحمله الأمومة من معاني التهذيب والتعليم. فعبر أبجديتها نكتشف شساعة الحياة وتفاصيلها الدقيقة، وبأضوائها ندرك أن الصمت ليس إلا ظلاً قاسياً وظلاماً موحشاً. بيد أن لهذه الأمومة «سلطة»، تماماً كسلطة الأم في مملكتها الأسرية، لكنها في الفضاء العام تتحول إلى سطوة تتجاوز السيطرة الناعمة لتبسط «قيداً حريرياً»، هو في عمقه حديدي، على الحدود والمجتمع والمعتقد.

إن أعتى الطغاة، عبر التاريخ، لم يبسطوا نفوذهم بالجيوش فحسب، بل التجأوا أولاً إلى «سطوة اللغة» لغرس عقائدهم في العقول. فاللغة وسيلة طيعة بيد الجميع: رجل الدين، التاجر، المثقف، والمعارض المنشق؛ كلهم يسعون عبرها للزحف نحو منصة المجد. وبما أن اللغة «أنثى» في صفتها الأمومية، فهي لا تقبل بوجود «ضرة» تزيحها عن عرشها. هذا التنافس الأنثوي اللغوي هو ما يفسر عدم قدرة لغة مسيطرة على التواؤم مع لغة أخرى تزاحمها الفتنة والإشعاع، ويمدنا التاريخ الإنساني بأمثلة عديدة لنماذج «الاستبداد اللغوي» الذي يهدف إلى محو الهوية المهزومة لضمان سيادة المنتصر. ولعل المثال الأبرز هو ما فعله الملك الإسباني شارل الخامس، حفيد الملكين الكاثوليكيين، حين أصدر قراره الشهير بمنع شعب غرناطة المسلم من استعمال اللغة العربية. لم يكن القرار مجرد إجراء إداري، بل كان إدراكاً بأن الدولة المنتصرة لا يمكن أن تطمئن لسيادتها بوجود لسان غريب يتغلغل في البيوت والأسواق. لقد أراد أن تكون «القشتالية» الأم الوحيدة الصالحة، التي تطوي الجميع تحت جناحها، محولةً «الأعجمي» إلى متحدث باللسان الغالب ليشارك الجموع فرحة الفهم المشروط بالتبعية.

وعلى المنوال ذاته، سار الزعيم التركي مصطفى كمال أتاتورك، في بداية القرن العشرين، حين سعى لانتزاع الدولة التركية من جسد الخلافة العثمانية. اعتُبرت التركية اللغة القومية الوحيدة، وحُظر ما سواها في المؤسسات والمجتمع. ورغم بقاء لغات كاليونانية والأرمنية والعربية في النسيج الاجتماعي لمدينة كوزموبوليتية مثل إسطنبول، فإنها تحولت إلى «لغات مضطهدة» ومحبوسة في البيوت، بعد أن لفظها حضن «الأم الرؤوم» للدولة القومية الناشئة.

الحق أن معارك اللغات لا تتجلى على الصعيد القومي فحسب، بل تمتد إلى الوجدان الفردي. فلا يمكن أن تتعايش اللغات بسلام في وجدان الفرد، ثمة دوماً حروب أهلية بينها، ظاهرة أو مستترة، قد تتجلى في استعمال بعضها في أوساط مخملية وأخرى في سياقات مبتذلة، وثالثة للتواصل، ورابعة للغزل أو الخطابة، وخامسة للكتابة، أتحدث هنا عن قَدَر يجعل أشخاصاً معينين ضحايا نزاع لغوي متعدد، قد تكون فيه اللغات المكتسبة أزيد من خمس، لغة الأب ولغة الأم، ولغة البيت، ولغة المحيط، ولغة الاستعمال التي قد تكون مختلفةً تماماً عن لغات الأصول، غير المهضومة أو المكتسبة على نحو سيّئ. هكذا تنشأ تجربة عصابية بالنسبة للمنتمين لهذا الواقع اللغوي، يمكن العودة هنا إلى تجربة الملك شارل الخامس نفسه، وريث عروش إسبانيا وألمانيا والنمسا والإمبراطورية الرومانية المقدسة، وإيطاليا وفلاندرز... لكن لغته اليومية لم تكن الإسبانية، ولا الألمانية ولا الهولاندية ولا الإيطالية، وإن ألمّ بأغلبها، كانت لغته الأساسية هي الفرنسية التي احتضنه بلاطها. لقد مثل نموذج الملك الذي لا يتحدث لغات شعوبه، إلا على نحو سيئ، لهذا يمكن تفسير انشغاله بمنع استعمال العربية في إمبراطوريته.

لكن بصرف النظر عن كون أحادية اللغة هي الطريق الملكي إلى الانغلاق والتطرف، فإن الوجود بين لغات شتى يوحي بترف لساني مهلك أحياناً، ورفاه ثقافي لا تحتمله الحياة اليومية، المسكونة بالشظف والخصاصة وانعدام الحيلة. فالتجوال بين اللغات والمفردات والمجازات يبدو شبيهاً بلحاء طبقي، يداري العزلة القاتلة وراء جدران القلاع الحصينة، وفقْدِ القدرة على التدفق. مثلما أن اختيار لغة لا يفهمها العامة، ولا تنتمي للجذور وللحنايا، ولا يتكلمها الباعة والعمال والفلاحون، يتجلى بوصفه امتيازاً سلطوياً، كذلك كانت لغات كرادلة روما والقسطنطينية، ولغات القياصرة والأباطرة والملوك من بيزنطة إلى روسيا القيصرية إلى مصر الخديوية، ظل آخر للهالة المعقدة للسلطة، ومزيج من الغموض والفخامة والقداسة. لقد كانت إحدى التهم الأساسية التي توجهها محاكم التفتيش للهراطقة في القرنين الخامس عشر والسادس عشر، قراءة الكتاب المقدس، الذي حظرت الكنيسة تقليب صفحاته من قبل العامة، و لم يكن مترجماً لأي لغة شعبية، كان محصوراً في مجتمع الإكليروس ولغاته، ولقد مثل الاقتراب منه دوماً إخلالاً بمبدأ طبقية اللغة وقداستها، التي لا يمكن أن تنتهك، وإلا ابتذلت معها هيبة السلطان.

وغني عن البيان، ثلاثة أرباع السياسة «قول»، لهذا كان امتلاك «اللغة» دوماً قاعدة في ممارسة السلطة. زعماء وقادة وملوك عديدون ذكرهم التاريخ بأقوال بليغة «تستبد» بالأذهان، من علي بن أبي طالب إلى لينين، ومن عبد الملك بن مروان إلى شارل ديغول... لا جرم إذن أن تنتسج بين عوالم السياسة والأدب صلات قرابة وجدل، فيرتقي أدباء معروفون سدة الحكم، في سلسلة طويلة ينتظم فيها لسان الدين بن الخطيب إلى جوار ابن خلدون والمعتمد بن عباد، وليوبولد سيدارسانغور وأندري مالرو وفاكلاف هافيل... شعراء وخطباء وروائيون ومسرحيون كانوا في الآن ذاته ملوكاً ورؤساء ووزراء وسفراء، وكانت السياسة لديهم أدباً حقيقياً تنتقى فيه الكلمات لتطرز المصائر جنباً إلى جنب مع القصائد والخطب والرسائل، ما دامت السياسة هي فن الإقناع والنفاذ إلى ضمائر الناس وأفئدتهم.

وبقدر ما كانت الألمعية في السياسة مرتبطة بالنبوغ البلاغي، فقد كان الإخفاق فيها - في أحيان كثيرة - متصلاً بالعي، وضعف البداهة، وركاكة القول. لذلك كان دوماً من المستحب في عوالم السياسة ألا يتكلم الإنسان كثيراً، إن لم يكن قوله جذاباً، وله القدرة على فتنة المستمع إليه، واستمالته إلى رأيه؛ وبتعبير موجز من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول، حيث إن المفعول سيكون مناقضاً، والثمن المؤدى عن ذلك الإخفاق الأدبي والسياسي، سيكون باهظاً. لقد كتب على العمود الأيمن من فناء الانتظار في قاعة العرش بقصر الحمراء، حكمة تقول: «قلل الكلام تخرج بسلام».

من الأفضل أن يختصر السياسي أو يصمت إن لم يكن صاحب سطوة في القول حيث إن المفعول سيكون مناقضاً