حزب «العدالة» التركي يستعمل سياسة «العصا والجزرة» لتطويع وسائل الإعلام

إردوغان يعد الإعلام الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي «منصات للشتائم»

مذيعة على محطة «سي إن إن» التركية.. وفي الاطار أشهر المطبوعات التركية اليومية والأسبوعية
مذيعة على محطة «سي إن إن» التركية.. وفي الاطار أشهر المطبوعات التركية اليومية والأسبوعية
TT

حزب «العدالة» التركي يستعمل سياسة «العصا والجزرة» لتطويع وسائل الإعلام

مذيعة على محطة «سي إن إن» التركية.. وفي الاطار أشهر المطبوعات التركية اليومية والأسبوعية
مذيعة على محطة «سي إن إن» التركية.. وفي الاطار أشهر المطبوعات التركية اليومية والأسبوعية

تشكل العلاقة بين وسائل الإعلام والحزب الحاكم في تركيا مادة جدل واسع في البلاد، بعد انهيار الهدنة مع حزب العدالة والتنمية وزعيمه رجب طيب إردوغان في عام 2011، الذي وصل ذروته أخيرا مع الحرب التي يشنها الحزب والحكومة على ما يسمونه «الكيان الموازي»، الاسم الذي يطلقونه على جماعة الداعية الإسلامي فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة الأميركية ويسيطر على مجموعة واسعة من وسائل الإعلام التركية.
ويقوم حزب العدالة والتنمية بالتحكم في 6 صحف و8 قنوات تلفزيونية، يقول خصومه إنه تم شراؤها من خلال العمولات مقابل المقاولات أو المناقصات. لكن العنوان الأبرز للعلاقة مع الإعلام تتجلى في رئيس الجمهورية الحالي رجب طيب إردوغان الذي يمتلك علاقة جدلية بوسائل الإعلام التركية، وهو ما يثير المؤسسات الدولية التي ترعى حرية الإعلام، فيما قالت تقارير الاتحاد الأوروبي وبعض المؤسسات الدولية إن حرية الإعلام في تركيا قد تراجعت خلال الـ12 عاما الماضية أي منذ أن تولى «العدالة» سدة الحكم في البلاد.
وانتقد رئيس جمعية حماية الصحافيين، ومقرها نيويورك، جويل سيمون، في مقال بصحيفة الـ«غارديان» البريطانية، حرية الصحافة في تركيا. وتطرق في مقاله إلى تفاصيل الاجتماع الذي عقدته الجمعية مع إردوغان الشهر الماضي، قائلا: «إذا كان إردوغان يتصرف علنا بهذا الشكل مع مجموعة من الصحافيين الدوليين، فمن يعلم ماذا يقول في دائرة خاصة؟».
واستغرب سيمون في مقاله كيف أن إردوغان تجاهل في اللقاء الذي جمعهما المعتاد في التعامل مع هذه الأمور، فلم يعرب عن ولائه العميق الذي لا يتغير تجاه حرية الصحافة، أو يوضح السبب الذي يجعله يتخذ موقفا متوترا. ولفت سيمون إلى أن إردوغان لم يتبع هذا السيناريو المتعارف عليه، موضحا أن رئيس الجمهورية التركي شرع في الهجوم عليهم وأبدى موقفا مشاكسا منذ بداية الاجتماع. وأوضح أن إردوغان يصف أخبار وسائل الإعلام بـ«الانحياز والتدخل»، مضيفا أن «هدفه الرئيسي ليس الإعلام المحلي على الرغم من كثرة التوبيخات التي يوجهها له، بل (نيويورك تايمز) و(سي إن إن) العالمية، وأنه قال إنه لن يتسامح على الإطلاق مع الإساءات، كما ذكر أنه يعارض شبكة الإنترنت».
بدوره يقول، طارق أونال، وهو خبير إعلامي ومدير شبكة «روتا» للأخبار، إن عام 2011 نقطة تحول في علاقة حكومة «العدالة والتنمية» مع الإعلام بجميع وسائله، حيث بدأ الطرفان بسل السيوف لمواجهة كليهما الآخر، وأعلنت الحكومة على لسان رئيس وزرائها آنذاك أنها لن ترحم أيّا من وسائل الإعلام التي تقف بجانب الطرف المعارض لسياستها. و«لهذا السبب أقول إن (العدالة والتنمية) كان يستخدم أسلوب (التقية) منذ تولية السلطة حتى عام 2011، أو بمعنى آخر أسقط القناع عن وجهه في موضوع الحريات، والسبب في هذا أنه بعد أن تمكن من السلطة المطلقة في البلاد لم يعد يحتاج إلى ديمقراطية أو إلى إعلام حر يليق بالمعايير الدولية والأوروبية، وبهذا بداء الصراع بين الحكومة ووسائل الإعلام». ويقول أونال لـ«الشرق الأوسط» إن «إردوغان شخص لا يحب الإعلام والإعلاميين قطعا، وإنما استطاع الاستفادة منهم على مر السنين الماضية، ولهذا يستقبل الإعلاميين الذين يرى فيهم إمكانية لتمرير أفكاره والدعاية لحكومته وحزبه، ونرى هذا على أرض الواقع، لأنه يمنع جميع الإعلاميين والمؤسسات التي تنتقده من المشاركة في جولاته أو في المؤتمرات التي يعقدها».
ويرى أونال أن إردوغان «يكن العداء الأكبر لوسائل الإعلام الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي»، مشيرا إلى أنه في اجتماع لممثلي وسائل الإعلام الإلكترونية والحكومة والأكاديميين «كان واضحا أن إردوغان يرى الإعلام الإلكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي ليس إلا نافذة تسمح للناس بشتم الحكومة، باختصار هذه هي نظرة إردوغان للإعلام إلكتروني، ولهذا يطمح إردوغان بجميع الوسائل للحد من انتشاره، وإذا لزم الأمر تقليص حرية التواصل الاجتماعي بين الجميع، ويريد استصدار القوانين ليتيح لحكومته إغلاق أي مؤسسة إعلامية لا تروق له».
وقال أونال: «أنا أعمل في المجال الإعلامي منذ الثمانينات، وأنا شاهد على أن جميع الحكومات كانت تدعم أو تنشئ بعض وسائل إعلام تستطيع من خلالها أن تنقل وجهه نظرها للشارع، أي تصبح لسان حالها والناطقة باسمها، ولكن تلك الحكومات لم تكن تشن حملات ترهيب وإقصاء لوسائل الإعلام الأخرى كما تفعل حكومة (العدالة والتنمية)».
ويشير إلى أن وسائل الإعلام الموالية تنقسم إلى 3 فئات؛ فئة برأسمال الحزب، وفئة أجبرت على الولاء، وفئة أخرى هي الإعلام المكمم. ويعطي مثلا كيف أن الحزب قام بإنشاء إعلام برأسمال الحزب مباشرة ليكون لسان حاله ومن بينها «تلفزيون 24»، وفضائية «آ» للأخبار، و«تلفزيون 360»، هذه الفضائيات الـ3 أقيمت برأسمال الحزب لتكون الناطقة باسمه، وهذا هو القسم الأول من الإعلام. أما القسم الثاني، فيتكون من قنوات موالية مثل «القناة الـ7» و«قناة ألف» و«تلفزيون آ.ت.ف»، وتلك القنوات اختارت أن تكون موالية لأنه توجد لأصحابها مصالح مع الحكومة. كما يوجد قسم ثالث من الإعلام، وهو الإعلام المكمم، الذي أجبر على الخضوع للحكومة لكي يبقى على قيد الحياة، وأكبر مثال على هذا، مجموعة «دوغوش» للإعلام التي توجد فيها قناة «إن تي في» الإخبارية، ومجموعة «دوغان» التي تمتلك العشرات من الفضائيات، ومن بينها «سي إن إن تورك».
ويوضح أونال أن وسائل الإعلام التي أنشأها «العدالة والتنمية» تمول بطريقتين؛ «الأولى الإعلانات للشركات والمنتجات الخاصة، والثانية الإعلانات الحكومية لمؤسسات الدولة وهي من أهم الإعلانات التي تريد وسائل الإعلام أن تأخذها، فنرى أن وسائل إعلام الحكومة تعج بإعلانات بنوك الدولة؛ (خلق بنك) و(زراعات بنك) وخطوط الطيران التركية، كما أن أكثر الشركات الخاصة في تركيا تتسابق لإعطاء الإعلانات لتلك القنوات لأنها تريد أن تنال رضا الحكومة لكي تمنحها من مناقصات من الدولة، وبعض الشركات تعطي إعلانات لإبعاد بلاء الحكومة عنها سواء في الضرائب أو في معاملاتها الرسمية».
ويتابع أونال أن «الأمر نفسه ينطبق على صحفهم الموالية؛ وعلى رأسها جريدة (ستار) التي اشتراها المقربون من إردوغان، وجريدة (ميلاد) التي لا يصل عدد المطبوع منها إلى 10 آلاف نسخة، ولكنها تأخذ نصيبها في الإعلانات مثل جريدة (حرييت) أو جريدة (زمان) التي تبيع مليون نسخة، ومقدار الإعلانات الذي أخذته جريدة (ميلاد) من المؤسسات الحكومية في 3 أشهر من هذا العام يصل إلى 900 ألف ليرة، أي نحو 400 ألف دولار. في المقابل أخذت جريدتا (حرييت) و(زمان) في الفترة نفسها نحو مليون ليرة، أي 450 ألف دولار. باختصار جريدة لا تمثل 10 في المائة من حجم جريدة (حرييت) تتساوى معها في إعلانات الدولة».
ودخلت جريدتا «اقشام» و«يني شفق» حلقة الموالاة نتيجة المصالح المشتركة بين أصحابها وحكومة «العدالة» لتكون لسان حال الحكومة.. وبالنسبة لجريدة «صباح»، فقد جمع رجال الأعمال الموالون لحزب العدالة والتنمية أموالا وقاموا بشرائها لتكون ناطقة باسم «العدالة والتنمية».
ويقول جيهون بوزكرت، رئيس تحرير قسم الأخبار السياسية في جريدة «آيدنلك» المعارضة إنه «منذ أن اعتلى إردوغان وحزب (العدالة) سدة الحكم في البلاد وهو يحاول أن تكون جميع وسائل الإعلام في تركيا تحت سيطرته بالكامل، ويظهر هذا جليا في إجابته عن الأسئلة التي يوجهها له الصحافيون؛ إذ يجيب عن الأسئلة بطريقة لم يعتدها أي صحافي في العالم، فمن بين الأجوبة التي رد بها على صحافي لم يعجبه السؤال الذي وجهه إليه، أن قال له بأن رائحة فمه نتنة». ويرى بوزكرت أن «هذا الأسلوب يدل على أن إردوغان لا يتحمل النقد أو الاعتراض على وجهه نظره».
وأشار إلى أن المتعارف عليه في جميع أنحاء العالم أن الحكومات تنتقد بحدة من جميع وسائل الإعلام لأن السلطة بيدها، و«لهذا مع مرور الزمن بدأ الحقد من قبل إردوغان يزداد يوما بعد يوم على وسائل الإعلام التي تنتقده، وبدأ بإقصاء المؤسسات الإعلامية التي تنتقد إجراءات حكومته ودعم المؤسسات التي تنهال عليه بالمديح». ويقول: «منذ عدة سنوات اقتصر المدعوون من الصحافيين على طائرة رئيس الوزراء على ما نسميهم بالصحافيين الموالين فقط لا غير، كما أنهم هم الوحيدون الذين يقبل إردوغان إجراء اللقاءات الصحافية معهم».
وتحدث بوزكرت عن الضغوط التي تتعرض لها الصحافة المعارضة، متهما إردوغان بأنه «قام بالتعاون مع شريكه في السلطة آنذاك جماعة فتح الله غولن بتلفيق اتهامات للإعلاميين والصحافيين الذين كانوا ينتقدونه، بالضلوع في مؤامرة للانقلاب على الحكومة المنتخبة، كما قامت الحكومة بالضغط على الشركات والمؤسسات الخاصة لعدم إعطاء وسائل الإعلام المعارضة لهم إعلانات حتى لا تستطيع هذه الوسائل الاستمرار في البث أو النشر وتكون نهايتها إما البيع أو الإفلاس وإغلاق مكاتبها». وأشار إلى أن أول ضحايا «إردوغان – فتح الله غولن» هو زعيم حزب الشباب جيم أوزان الذي كان يمتلك أيضا وسائل إعلام قوية مثل قناة «ستار» وهي من أكثر القنوات مشاهدة في تركيا وجريدة «ستار» أيضا، وأنه «تم تلفيق التهم لمجموعته الإعلامية ووضعت الدولة يدها على التلفزيون والجريدة والمنشآت التي تعود لعائلة أوزان، مما أجبره على الهروب خارج البلاد، ومن ثم بيعت الجريدة والتلفزيون للمقربين من حكومة إردوغان»، مضيفا أنه تم أيضا «إخضاع كثير من المؤسسات الإعلامية بتخويفها بأن يكون مصيرهم مصير جيم أوزان ووسائل إعلامه».
ويرد بوزكرت قوة الإعلام الموالي لحزب العدالة والتنمية إلى أن المقربين من الحكومة بدأت تهطل عليهم الأموال نتيجة المشاريع والمناقصات التي كانوا يأخذونها من الدولة، و«كانوا بحاجة إلى مؤسسات إعلامية تبرئ وتنقي فسادهم، ولهذا قاموا بإنشاء خزائن لجمع الأموال لشراء المؤسسات الإعلامية التي وضعت الدولة يدها عليها، وكانت صحيفة (صباح) و(تلفزيون آ.ت.ف) من أهم وسائل الإعلام التي اشتراها المقربون من إردوغان».
وفي المقابل، يتهم جيم كوجك، وهو كاتب ومحرر في جريدة «يني شفق» الموالية، ما سماه «الكيان الموازي» بالتسبب باعتقال الكثير من الصحافيين الذين لا تتناسب أفكارهم مع أفكار الكيان الموازي. ويقول كوجك لـ«الشرق الأوسط» إن «تركيا تعيش الآن أفضل فترات حرية الإعلام في تاريخها الحديث، فالجميع يكتب ويرسم وينقد كما يشاء، لكن الحرية لا تعني الاعتداء وشتم وتوبيخ الآخرين، فحرية الفرد تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين».
ويضيف: «لا توجد دولة في العالم تسمح لأي صحافي بأن يسب أو يشتم رئيسا أو مسؤولا انتخب بطريقة شرعية، لكننا نرى في وسائل التواصل الاجتماعي أن الرئيس يحقر ويشتم في بعض وسائل الإعلام الإلكتروني، فمن الطبيعي أن تقوم مؤسسات القضاء في تركيا بتحريك دعاوى ضد من يتطاول على مسؤول في الدولة». ورأى أن «هذه الإجراءات عندما تطبق في بريطانيا أو ألمانيا أو أميركا يكون الأمر طبيعيا، ولكن عندما تطبق في تركيا تكون انتهاكا لحريات الإعلام».
وإذ اعترف بوجود صحافيين اعتقلوا بتهمة الانتماء لتنظيمات محظورة، فإنه كرر اتهامه «الكيان الموازي» بتلفيق التهم، مشيرا إلى أن «الأغلبية العظمى من الدعاوى القضائية التي أقيمت ضد الصحافيين كانت على أساس السب والشتم والتعدي على الحريات الشخصية للمواطنين ومن بينهم مسؤولو الدولة».
ويشير كوجك إلى أن «الكيان الموازي» يمتلك الكثير من وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة، «فهم كانوا يمهدون لانقلاب على الشرعية، ولهذا من الطبيعي أن تكون هناك محاسبة لتلك الوسائل، وبقدر الإمكان تقليص مجال عملها وانتشارها». ويقول: «السيد إردوغان بصفته رئيسا منتخبا يتقبل وبكل صدر رحب الانتقادات الإيجابية والمعقولة، ولكنه لا يتحمل بأي شكل من الأشكال التطاول عليه وعلى حزبه أو على أي مسؤول في حكومات (العدالة والتنمية)، وهذا شيء طبيعي لمن يريد المحافظة على سمعة حزبه وحكوماته»، معتبرا أنه «من الطبيعي أن يقوم بدعم مؤسسات إعلامية موالية له مثل (قناة 24)، أو مجموعة جريدة (صباح) لكي تستطيع الصمود أمام أقدم وأقوى مجموعات إعلامية يتحكم بها رجال أعمال لا يوجد لهم هدف غير تحقيق مكاسب مادية على حساب الشعب».
وأضاف: «في البداية كان يتبع حزب (العدالة) صحيفة وتلفزيون، أما اليوم فقد أصبح له الكثير من وسائل الإعلام، وأنا لا أرى في هذا أي محظور، وهو شيء طبيعي جدا أن يكون لكل حزب وسائله الإعلامية، ومن الطبيعي أن يكون هناك إعلام بديل غير الإعلام الذي اعتدناه من إعلام النخب الذي يوجه ويخدم فقط رأس المال ورجال الأعمال. أما بالنسبة لعدم السماح لبعض وسائل الإعلام بالدخول إلى الاجتماعات أو الفعاليات التي تقوم بها رئاسة الجمهورية أو الحكومة، فهي تصرفات عادية لأن هذا لا يطبق على الجميع، بل فقط على وسائل الإعلام التي تتبع الكيان الموازي»، موضحا أن «هذا القرار أتى بعد أن أثبت القضاء أن الكيان الموازي كان يخطط للانقلاب على الشرعية، ولهذا تم منع جميع وسائل إعلامه من المشاركة في الاجتماعات الرسمية، وهو نوع من أنواع أخذ الحيطة والحذر»، مشيرا إلى أن الحكومات التي كانت قبل «العدالة» كانت تحظر دخول كثير من الوكالات والصحف إلى اجتماعاتها، و«أيضا رئاسة الأركان كانت تحظر دخول العشرات من الصحف، ومن بينها جريدة (زمان) ووكالة (جيهان) و(يني شفق) وجريدة (عقد) وجميع الإعلام المحافظ لم يكن يسمح لهم بالدخول إلى رئاسة الأركان».



هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات. وعدّ باحثون الأمر مؤشراً على «استمرار خسارة التلفزيون لهيمنته»، لكنهم أكدوا أن «الفرصة لا تزال قائمة لاستعادة الدور من خلال استغلال ميزة البث المجاني».

وأعلنت جوائز «إيمي» أخيراً نقل بث حفلها السنوي إلى منصة «برايم فيديو» بدءاً من العام المقبل (2027)، وذلك بموجب اتفاقية مدتها ست سنوات أبرمتها «أمازون»، و«أكاديمية التلفزيون». وينعى هذا الإعلان «مسيرة استمرت سبعة عقود من قيام شبكات البث التلفزيوني ببث الحفل الذي يكرّم أفضل الأعمال التلفزيونية سنوياً».

وقال رئيس «أكاديمية التلفزيون» كريس أبريجو إن «الاستمرارية جزء كبير مما نبحث عنه. ومع شريك واحد على مدى ست سنوات، يمكننا حقاً التعلم معاً، والبناء من عام إلى آخر معاً»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس».

ونقلت «أسوشييتد برس» عن رئيس «برايم فيديو» واستوديوهات «أمازون إم جي إم» مايك هوبكنز، قوله: «نحن في سباق مع الزمن، وعلينا البدء في العمل».

ومنذ عام 1955 يتم بث حفل جوائز «إيمي» سنوياً بالتناوب بين أربع محطات تلفزيونية رئيسة. وكانت «إن بي سي» أول من بثه على المستوى الوطني، وآخر من استضافه الشهر الماضي. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، كان الحفل يتم تدوير بثه سنوياً بين «إيه بي سي»، و«سي بي إس»، و«فوكس»، و«إن بي سي»، فيما كان يعرف بـ«صفقة العجلة».

وترى أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي بليبيا، الباحثة في الإعلام الرقمي مي عبد الغني، أن «انتقال بث جوائز (إيمي) إلى (برايم فيديو) يمثل تحولاً بنيوياً ذا دلالة رمزية يعيد بها تعريف ماهية الوسيط التلفزيوني عبر نقل الاحتفاء بالصناعة إلى بيئتها الرقمية الحاضنة». وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الانتقال يحقق عولمة مباشرة للحدث بالوصول المجاني المتزامن إلى أكثر من 240 دولة ومنطقة، وهو ما يعالج التآكل الديموغرافي لجمهور البث الخطي عبر استقطاب الأجيال الرقمية الشابة، في خطوة تفكك مفهوم (الحدث الإعلامي) الكلاسيكي، والطقس الجمعي الموحد لحساب استهلاك فردي مجزأ، وتكرس، في الوقت ذاته، هيمنة عمالقة التكنولوجيا على الفعاليات الحية الكبرى واقتصادات إعلانات التلفزيون المتصل».

استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب)

وتؤكد الباحثة مي عبد الغني أن «التلفزيون التقليدي خسر هيمنته التاريخية على صناعة الدراما الفاخرة، والترفيه عالي التكلفة لصالح المنصات الرقمية التي استقطبت الميزانيات الضخمة، والجوائز الكبرى، مما حوّل الشاشات الكلاسيكية إلى مساحات لإعادة العرض والبرامج منخفضة التكلفة»، وتلفت إلى أن ذلك «تزامن مع تآكل ديموغرافي حاد، وتراجع الاشتراكات، وظاهرة (قطع الكابل) نتيجة تحوّل الأجيال الشابة شبه الكامل نحو البث الرقمي، الأمر الذي أفقد التلفزيون الحصة الكبرى من زمن الشاشة اليومي، ومكانته كحاضن أوحد للثقافة الجماهيرية».

في المقابل، ترى مي عبد الغني أن «بقاء التلفزيون يرتكز على تفوقه البنيوي في نقل الفعاليات الرياضية الحية، والتغطيات الإخبارية اللحظية دون مخاطر الاختناق التقني لشبكات الإنترنت، فضلاً عن تجذره في تقديم الخدمة العامة والمحلية التي تعجز عنها المنصات العالمية».

كما تشير إلى أن «التلفزيون يشهد انبعاثاً وظيفياً عبر نموذج القنوات المجانية المدعومة بالإعلانات لحل معضلة (إرهاق الاختيار) بالتوازي مع أزمة المنصات الرقمية الناتجة عن (إرهاق الاشتراكات)، وتشبّع السوق». وتقول إن «المنصات ذاتها لجأت لاستعارة آليات التلفزيون التاريخية، كالإعلانات، والجدولة الدورية، ما يؤكد استمرار التلفزيون كوسيط تكميلي متكيّف في بيئة إعلامية مختلطة».

وفي ظل المنافسة المحتدمة بين المنصات والتلفزيون، تقترح الباحثة في الإعلام الرقمي أن يعيد التلفزيون صياغة نموذج عمله عبر عدّة ركائز هي: «الاحتكار الهندسي والتشغيلي للبث المتزامن الفوري للفعاليات الرياضية، والأخبار العاجلة دون اختناق تقني، واستنساخ التجربة الخطية رقمياً عبر قنوات البث التدفقي المجاني المدعومة بالإعلانات، والتحول إلى مُجمِّع رقمي يقدم باقات موحدة تدمج المنصات المتنافسة والإنترنت لحل أزمة تشتت الفواتير، وإرهاق الاشتراكات».

وتضيف أنه على التلفزيون أيضاً «ترسيخ قربه العضوي من المجتمعات المحلية عبر تغطيات الخدمة العامة والطوارئ التي تعجز الخوارزميات المعولمة عن تعويضها، وأخيراً تبني نماذج هجينة تجمع بين منصات البث والجدولة الذكية القائمة على النشر الأسبوعي، للحفاظ على الزخم الجماهيري، واستدامة العوائد الإعلانية».

وتأتي خطوة جوائز «إيمي» بعد شهور من إعلان «جوائز الأوسكار» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي نقل حفلها عبر «يوتيوب» بدءاً من عام 2029.

فريق مسلسل The Studio الفائز الأكبر في حفل جوائز «إيمي» الشهر الماضي (أ.ب)

ويقول عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين خالد القضاة إن التطورات الأخيرة «تشكل خطراً حقيقياً على المؤسسات الإعلامية الكبرى، وخاصة التلفزيونات الكبرى، لأنها لم تعد وحدها من يحتكر البث». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «فضاء الإنترنت أتاح للمؤسسات ذاتها أن تنشئ منصات، وتمولها، وتخاطب مباشرة الجمهور بما تريده، دون وساطة، أو رقابة، أو شروط رئاسة التحرير، أو سياسات تلك المؤسسات في البث».

ويشدد على ضرورة أن «تتخلى المؤسسات الإعلامية عن التاج الذي وضعته على رأسها، وتنزل إلى هموم الناس، وتبث مواد وأفكاراً قادرة على تحقيق التواصل مع الجمهور، والإجابة عن أسئلتهم».

كما يقول إن «المؤسسات الإعلامية الكبرى، والتلفزيونات العالمية، ما زالت لديها الفرصة، شريطة أن تعيد إنتاج نفسها بما يحقق رغبات الجمهور، وأن تستغل الميزات التي وضعتها المنصات الإلكترونية».

ويضيف: «تبقى التلفزيونات هي ملاذ الملايين، لأن الإنترنت يُمكن أن يكون متاحاً في دول، ومكلفاً في أخرى، وساعات البث الطويلة هي استنزاف لحزم الإنترنت، ما يشكل عبئاً على المواطنين». ويشير إلى أن «فكرة البث المجاني تُعد فرصة للتلفزيونات»، وإن «ظلت التحديات حقيقية في ظل اشتداد المنافسة مع المنصات»، على حد تعبيره.

وشهدت جميع عروض الجوائز تقريباً انخفاضات حادة في نسبة المشاهدة، وظلت جوائز «إيمي» تتخلف باستمرار عن «الأوسكار» و«غرامي» و«غولدن غلوب» حتى مع نمو الإشادة بالعروض التي تكرمها، حيث استقطب حفل الجوائز في ذروته أكثر من 20 مليون مشاهد، بينما يستقر الآن حول 7 ملايين مشاهد، وفق مراقبين.

ويشير الباحث المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي محمد فتحي إلى أن قرار انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة رقمية بعد عقود طويلة من البث التلفزيوني «يفتح نقاشاً مهماً حول مستقبل الإعلام، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية التلفزيون، بقدر ما يعكس تغيراً في طريقة وصول الجمهور إلى المحتوى، وفي طبيعة المنافسة على حقوق البث، والإعلانات، والمشاهدين».

ويقول فتحي لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا التحول ليس مجرد تغيير للقناة الناقلة، إنما مؤشر على أن المنصات الرقمية أصبحت قادرة على استضافة أحداث كانت مرتبطة تاريخياً بالتلفزيون التقليدي». ويشدد على «ضرورة التمييز بين انتقال حفل واحد أو حتى مجموعة من الأحداث إلى منصة رقمية، وبين اختفاء التلفزيون بوصفه وسيلة إعلامية»، مؤكداً أن «لكل منهما نموذجاً مختلفاً للوصول إلى الجمهور، وتحقيق الإيرادات».

ويرى أن «المسألة لا تتعلق باختفاء التلفزيون، وإنما بفقدانه احتكار الوصول إلى الجمهور، والأحداث الكبرى؛ فلا يزال التلفزيون يمتلك عناصر قوة، منها الانتشار الواسع، والأخبار المحلية، والتغطية الميدانية، والقدرة على الوصول إلى جمهور لا يعتمد بالضرورة على الإنترنت، أو الاشتراكات الرقمية». ويقول: «قد يخسر التلفزيون بعض جمهوره وإيراداته؛ لكن هذا لا يعني أن خسارته حتمية، أو أن المنصات ستستحوذ على كل أشكال المشاهدة».

كما يوضح فتحي أن «الحل لا يكمن في محاولة هزيمة المنصات بأدوات التلفزيون القديمة، بل في إعادة تعريف دور التلفزيون، وتطوير نموذج عمله؛ عبر الاستثمار في المحتوى الذي يصعب استبداله، مثل الأخبار الموثوقة، والتحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الميدانية، والبرامج التي تقدم تحليلاً»، إضافة إلى «التحوّل إلى مؤسسة إعلامية متعددة المنصات، وفهم الجمهور، وتنويع مصادر الإيرادات بعيداً عن الشكل التقليدي للإعلانات التلفزيونية».

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات


تصاعُد المخاوف بسبب خاصية تقييد روابط النشر على «فيسبوك»

شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
TT

تصاعُد المخاوف بسبب خاصية تقييد روابط النشر على «فيسبوك»

شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)

في خطوة نحو مزيد من «التقييد»، تختبر شركة «ميتا» فرض قيود جديدة على عدد الروابط الخارجية التي يُمكن لصفحات «فيسبوك» نشرها مجاناً كل شهر.

ورغم أن الناشرين الإخباريين مستثنون من التجربة حتى الآن، غير أن خبراء أعربوا عن قلقهم من هذه الخاصية، وحذروا من أن «الاستثناء قد يكون مؤقتاً»، وأنه على الناشرين الاستعداد من الآن لمرحلة جديدة من «تضييق الخناق على الوصول للجمهور».

كانت شركة «ميتا» المالكة لـ«فيسبوك» قد أعلنت في سبتمبر (أيلول) الماضي عن توفر خدمة «ميتا ون» للاشتراك، التي تتضمن مزايا مثل شارات التوثيق وتحليلات أوسع للجمهور وأدوات أكثر لجدولة المحتوى.

لكن أبرز ما في هذه الخاصية هو استخدامها عملياً لفرض مقابل مالي على حق نشر الروابط الخارجية، إذ تختبر «ميتا» حداً شهرياً لعدد الروابط على صفحات «فيسبوك» و«إنستغرام» التجارية. ومن دون اشتراك، قد تصطدم الصفحة بسقف يبلغ رابطين فقط شهرياً على «فيسبوك».

وحسبما نشرت صحيفة «بريس غازيت» البريطانية، أخيراً، يُطبق القيد حتى الآن على صفحات مختارة فقط، تشمل حسابات الأنشطة التجارية وبعض صُناع المحتوى ممن فعّلوا «الوضع الاحترافي»، بينما يواصل آخرون النشر بلا قيود.

ووفق الصحيفة، فإن «الناشرين الإخباريين مستثنون من القيود، دون أن توضح (ميتا) كيف تعرّفهم»، مشيرةً إلى أن ناشرين صغاراً «أُبلغوا ببلوغ الحد المجاني». واللافت أن القيود لا تقتصر على الروابط في المنشور، بل تمتد إلى حيلة «الرابط في التعليقات» أيضاً. وأفاد مستخدمون في التجربة بأن «روابطهم تظهر كنص عادي غير قابل للنقر بعد بلوغ الحد».

ويرى مدير جامعة أبو ظبي - فرع دبي، أستاذ الأعمال الرقمية المشارك أنس النجداوي، أن «قرار (ميتا) الجديد بمنزلة تحوّل جوهري في النموذج الاقتصادي لمنصات التواصل الاجتماعي، وليس مجرد فرض رسوم على نشر الروابط الخارجية». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك» الذي استفاد لسنوات من المحتوى الإخباري لجذب المستخدمين، أصبح يسعى إلى تعظيم عوائده من خلال التحكم في حركة الجمهور وإبقائه داخل المنصة لأطول فترة ممكنة. وهذا يعكس تحوّل العلاقة مع المؤسسات الإعلامية من شراكة في توزيع الأخبار إلى علاقة تجارية تتحكم فيها المنصة بشروط الوصول إلى الجمهور».

وفي تقدير النجداوي، «قد يستمر استثناء المؤسسات الإخبارية مرحلياً لتجنب الضغوط الإعلامية والتنظيمية، لكنه ليس ضمانة دائمة، خصوصاً إذا أثبت نموذج الاشتراكات جدواه الاقتصادية». ويشير إلى أن «الأهم أن المؤسسات الإخبارية قد تتأثر حتى مع استمرار استثنائها، نتيجة تراجع قدرة المستخدمين والصفحات الأخرى على مشاركة روابط أخبارها».

وعن الآثار المتوقعة لهذا القرار على الناشرين، يقول النجداوي إن «الخطر الحقيقي لا يقتصر على تراجع زيارات المواقع الإخبارية وخسارة العوائد الإعلانية، بل يمتد إلى جودة المعلومات ومصداقيتها، إذ قد يكتفي المستخدم بالعناوين والمقتطفات المتداولة دون الرجوع إلى المصدر الأصلي والتحقق من التفاصيل والسياق».

تختبر «ميتا» فرض قيود جديدة على عدد الروابط الخارجية التي يُمكن لصفحات «فيسبوك» نشرها مجاناً كل شهر


كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
TT

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)

قد تختلف الإعلامية كلود أبو ناضر هندي عن غيرها في ممارسة مهنتها؛ فهي إعلامية ملتزمة ومهنية، ترى نفسها باحثة عن الحقيقة مهما كانت صعبة، ومناضلة من أجل قضايا بيئية واقتصادية، واجتماعية وطبية وغيرها.

كذلك، فهي تقول إنها تأبى إلا أن «تكشف المستور» وتقدّمه على الشاشة، ولم تتطلّع يوماً إلى بريق الأضواء من باب الشهرة. فالكاميرا بالنسبة إليها وسيلة تعكس هموم الناس وأوجاعهم، أما أهدافها فبسيطة وواضحة، تصبّ في مصلحة البلد وأهله، من دون أن تعبأ بتهديدات تتلقاها أحياناً من هنا وهناك.

برنامج «تحقيق»

البرنامج التوثيقي «تحقيق»، الذي تعدّه أبو ناضر هندي على شاشة تلفزيون «إم تي في»، هو الأحدث في مسيرة إعلامية تنقّلت خلالها بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. وللعلم، منذ انطلاق أولى حلقات البرنامج عام 1987، كانت تُدرك أن مهمتها لن تكون سهلة. وبعد إقفال «إم تي في» عام 2001 بقرار صادر عن مجلس الوزراء يومها، توقّف البرنامج، ثم ما لبثت أن أعادت إطلاقه عام 2009، لتفتح من خلاله ملفات ترتبط مباشرة بحياة اللبناني ويومياته حتى الساعة.

ومن ملفات تزوير الدواء والاتجار بالأعضاء والمخدِّرات، وصولاً إلى قضايا التلوّث البيئي، وأخرى تتعلق بحروب العراق وسوريا وجنوب لبنان، استطاعت أبو ناضر أن تترك بصمة إعلامية خاصة في لبنان والعالم العربي.

وعلى مدى نحو 50 دقيقة، كانت حلقات برنامجها توثّق من خلال عمل استقصائي حثيث، المشكلات بالصوت والصورة. فكانت الأرض «ملعبها» ومركز تحقيقاتها، مُستبعِدة الأسلوب الإعلامي الذي يدور في أروقة الاستوديوهات.

برنامج من هذا النوع يشكّل نموذجاً في الإعلام المرئي الاحترافي المنبثق من العمل الوثائقي. فأبو ناضر كانت سبّاقة في اعتماده، أسوةً بما كانت تقدّمه قنوات فرنسية وأوروبية، قبل أن يصبح هذا النوع من البرامج مادة أساسية في عدد من القنوات الفضائية العربية.

كلود أبو ناضر هندي... هدفها فتح ملفات حياتية (كلود أبو ناضر هندي)

يناسب مختلف الشرائح

تعلّق أبو ناضر في لقاء مع «الشرق الأوسط» على برنامجها فتقول: «كنت الوحيدة في الشرق الأوسط عندما أطلقت فكرة البرنامج الوثائقي. وقمت بلبننته ليناسب بمضمونه مختلف الشرائح الاجتماعية. ولوّنته بمواضيع متنوعة؛ حتى لا تقتصر متابعته على فئة معينة».

والواقع، لم تلجأ أبو ناضر إلى استضافة سياسيين وزعماء أحزاب أو فعاليات رسمية للترويج لبرنامجها وزيادة نسبة مشاهدته، بل خصّصته لمعاناة الناس وأفراحهم وهمومهم في آن، وأرادته مرآة للحقيقة، لا مساحة لتلميع صورة هذا السياسي أو ذاك.

كان نضالها الأبرز - كما توضح - مُنصبّاً على «البيئة»؛ إذ لديها قناعة بأن هناك مافيا تعمل على تدميرها بشكل ممنهج وعن سابق تصوّر وتصميم... و«لذا؛ فتحتُ ملفات كثيرة في هذا المجال، بدءاً من تلوث نهر الليطاني، مروراً بمشكلة الكسّارات والمرامل، ووصولاً إلى أزمة النفايات».

وعمّا إذا كانت قد استطاعت تسجيل أهداف في شِباك أعداء الطبيعة، تردّ: «تسجيل الهدف تلو الآخر كان الإيقاع الذي ألتزم به وأرغب في تحقيقه. ولكن، مع الأسف، اكتشفت أن هذه الأهداف لا تؤلم المافيات التي تقف وراءها، حتى لو سمّيتها بأسمائها. الفساد المستشري في منظومة تحكمنا منذ أكثر من 40 سنة، ولا يهمّها سوى جمع مبالغ طائلة لتعبئة جيوبها، ولو على حساب الناس».

ومن ثم، تواصل كلامها فتقول إن الخبرة التي حصدتها في مشوارها الإعلامي المتنوع وظّفتها في برنامجها التلفزيوني، «أنا أتطلّع دائماً إلى تطوير نفسي من خلال متابعتي لبرامج وثائقية أجنبية. وحتى أثناء مشاهدتي فيلماً سينمائياً، أستعير منه أفكاراً موسيقية وبصرية لأخزّنها في ذاكرتي. إن شغفي بمهنتي كبير، وهو ما حضّني على رفض الاستسلام أو الشعور بالإحباط طوال سنوات العمل».

بحثاً عن الحقيقة

وسألناها: «هل فوجئتِ بواقع لبنان عندما غصتِ في زواريبه بحثاً عن الحقيقة؟»، فأجابت: «ما فاجأني بالفعل اللبنانيون أنفسهم. فعندما زرت إحدى المناطق الريفية القصية ووقفت على مشاكل أهاليها، سألتهم لماذا لا يزالون ينتخبون الأشخاص أنفسهم، في ظل التقصير بتقديم أي خدمات اجتماعية ولوجستية؟ فكان جوابهم صريحاً بشكل صادم؛ إذ قالوا لي إن زعماءهم يشترونهم بأثاث منزل أو أدوات كهربائية وحفنة من الدولارات، وهم راضون بواقعهم هذا. وهكذا، عندما تكون المحاسبة غائبة عن أجندة لبنان الرسمية، تصبح الخيارات مفتوحة على عناصر تسهم في تخلّف الشعب وزيادة نسبة الفقر».

بالتوازي، ذكرت أبو ناضر أنها لم تملك يوماً توقعات كبيرة من أداء السياسيين في لبنان... «جلّهم جزء من منظومة عميقة تتدخّل في كل شاردة وواردة، ويمارسون فيها الفساد كي يبقوا شعبهم خاضعاً. فلماذا أتوقّع منهم المختلف؟».

وعمّا إذا استطاعت، من خلال برنامجها «تحقيق»، إحداث تغيير على أرض الواقع، ردّت: «ربما استطعت أن أغيّر في عقلية الناس وطريقة تفكيرهم، بعدما عرّفتهم إلى الحقائق الصادمة. وكلمة الشكر التي يستقبلونني بها تكفيني وتروي عطشي من أجل بناء مجتمع أفضل».

ثم قالت إنها، رغم الصدمات التي واجهتها على أرض الواقع، ترفض الاستسلام. وإنها تشبه مهمتها بالطبيب الذي يستمر في معالجة مريضه من دون أن يفقد الأمل.

داخل الاستوديو (كلود أبو ناضر هندي)

العلاقة بلبنان الوطن

لذا؛ عندما تتكلّم عن علاقتها بلبنان، تلمس ارتباطها الوثيق به. وتضيف: «كلّما تعرّفت إليه عن قرب، ازداد تعلّقي به. لقد جُلت في جميع المناطق من دون استثناء، وتعرّفت إلى أهلها من الشمال إلى الجنوب. وجميعهم شعب طيب ومضياف. أعتبر وطني من أجمل بلدان العالم، ليس من باب التبجّح والتعالي، بل لأنه خُلق بمناخات وطبيعة تزخر بالتنوّع لا نجدها في أي بقعة أخرى على الأرض. وأي موضوع أقاربه يخص لبنان، أتناوله بحماسة كبيرة. أفرح مرات وأحزن مرات أخرى، لكنه يبقى وطني وشغفي الأكبر وملهمي. فجميع حواسي ومشاعري تتأجّج عندما أزور أي منطقة فيه، من شدة حبّي له».

لا تفكير بالانتقال إلى مجال السياسة

بالتوازي، لا تفكّر أبو ناضر هندي في دخول العمل السياسي بتاتاً، رغم أن فرصاً كثيرة عُرضت عليها. وتعلّق: «لا شك في أن بعض حلقات برنامجي كانت تشكّل خطراً على منظومة فاسدة. نعم، تلقيت تهديدات وإنذارات، خصوصاً في مواضيع تناولت الكسارات والمرامل، لكنها لم تستطع إيقافي عن مواجهة المنظومة بالحقائق المطلوبة».

وسألناها عمّا إذا كان برنامجها قد تأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، فأجابت: «لا أبداً؛ لأن المعلومات والحقائق التي تُنشر عبرها ليست موثّقة وموضّبة ومشرّحة كما أقدّمها أنا. فالعمل الوثائقي لا يضاهيه أهمية أيّ عمل إعلامي آخر. فهو يشبه سيارة فارهة لا يستطيع أي شخص قيادتها وامتلاكها... ومواضيعي تأتي ضمن حلقات متكاملة، بمحتوى غني بالصوت والصورة».

وبالفعل، حصلت كلود أبو ناضر هندي على أكثر من جائزة أكاديمية وثقافية، واختيرت واحدة من أفضل الشخصيات الإعلامية لعام 2014 من قِبل «إم سي إنترناشونال» MC International. كما نالت لقب «شخصية العام 2011»؛ تقديراً لإنجازاتها المتميزة، من «المنظمة العربية للتنمية الإدارية» التابعة لجامعة الدول العربية وأكاديمية تتويج للتميز والجودة.

وختاماً، رداً على سؤالنا عن الملف الذي ترغب في فتحه من جديد، قالت: «قد أعيد فتح ملفات عدة بمقاربة جديدة، وفي مقدّمها موضوعا تلوث البيئة والفساد. فأي موضوع يتّصل بالإنسان يمكن أن نتناوله أكثر من مرة ومن نواحٍ مختلفة».

خصّصت كلود أبو ناضر هندي برنامجها لمعاناة الناس وأفراحهم