فؤاد حسين... وجه التصالح بين القومية والمذهب

شخصية كردية فيلية في منصب وزير خارجية العراق

فؤاد حسين... وجه التصالح بين القومية والمذهب
TT

فؤاد حسين... وجه التصالح بين القومية والمذهب

فؤاد حسين... وجه التصالح بين القومية والمذهب

على منصب رئاسة الجمهورية العراقية اختلف الكرد لأول مرة على الشخصية التي تمثلهم. برهم صالح الرئيس الحالي... أم فؤاد حسين الوزير الحالي؟ والواقع أنهم كانوا دائماً منذ ما بعد عام 2003. وحين يختلفون على كل شيء في إقليم كردستان العراق، يأتون موحَّدين إلى بغداد إلا مرة واحدة... أما السبب فهو فؤاد حسين الكردي الفيلي من حيث القومية الشيعي المذهب من حيث الديانة.

للخلافات بين الحزبين الرئيسيين التاريخيين في كردستان العراق تاريخ حافل قبل سقوط النظام السابق.
الحزبان المقصودان هما «البارتي»، وهو مختصر اسم «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، بزعامة مسعود بارزاني، و«اليكتي»، وهو مختصر «الاتحاد الوطني الكردستاني»، الذي أسسه وتزعمه جلال طالباني حتى وفاته عام 2017 في أحد مستشفيات ألمانيا حيث كان يتلقى العلاج.
في عام 2018 تنافس على منصب رئاسة الجمهورية الدكتور برهم صالح مرشحاً من الاتحاد الوطني، على الرغم من وجود خلافات داخل الاتحاد كادت تطيح بفرص صالح للفوز بالرئاسة، لولا تحوّل لم يكن محسوباً لأطراف كثيرة - في المقدمة منها الحزب الديمقراطي الموحّد والشديد التماسك - والدكتور فؤاد حسين المدعوم بقوة من بارزاني.

آليات «المحاصصة»
ومعلومٌ أنه في العراق ما بعد عام 2003 يجري تقاسم كل شيء على أساس المحاصصة العرقية والطائفية، وبالذات بين المكوّنات الرئيسية الثلاثة، أي الشيعة والسنة والكرد. وإذا كان عرب العراق ينقسمون مذهبياً إلى سنّة وشيعة، فإن الكرد بدورهم ينقسمون أيضاً إلى شيعة وسنة... لكن بطريقة تبدو مسكوتاً عنها لأسباب كثيرة، تقف في المقدّمة منها غلَبة البعد القومي على الكرد من منطلق البحث عن هوية موحّدة يمكن أن تفضي مستقبلاً إلى دولة كردية.
ولقد كان الاستفتاء الذي أُجري في الإقليم على إنشاء هذه الدولة عام 2017 أول محاولة عملية من هذا النوع بعد تأسيس «الإقليم الكردي»، بموجب الدستور العراقي النافذ بعدما جرى التصويت عليه بأغلبية كردية - شيعية كاسحة عام 2005.
يضاف إلى ما تقدَّم عامل مهم، هو أن الكرد الشيعة الذين يُطلق عليهم اسم «الكرد الفيليّون» يُعدّون أقلية بالمقارنة مع غالبية الكرد الذين ينتمون إلى الطائفة السنية، ثم إن غالبية الكرد الفيلية يسكنون مناطق في شرق العراق خارج نطاق حدود إقليم كردستان. ومن هؤلاء فؤاد حسين نفسه، الذي فشل في منازعة صالح على منصب الرئاسة فتولى منصب وزير المالية في حكومة عادل عبد المهدي، وها هو اليوم يتبوأ منصب وزير الخارجية في حكومة مصطفى الكاظمي.

وزير «متنازَع عليه»
وُلِد فؤاد حسين في قضاء خانقين التابع إدارياً لمحافظة ديالى، وهو قضاء متنازَع عليه بين العرب والكرد، أو بين بغداد وأربيل، أو الحكومة المركزية وحكومة إقليم كردستان العراق بموجب المادة 140 من الدستور العراقي.
ومن ثم، هذا القضاء، مع مناطق وأقضية - بل محافظات كاملة مثل محافظة كركوك - منطقة متنازع عليها بين الطرفين... تماماً كما أن فؤاد حسين نفسه الذي خسر سباق الرئاسة؛ فكوفئ بمنصب وزير المالية - وهو منصب سيادي - يبدو شخصية متنازعاً عليها.
لكن الحقيقة أن فؤاد حسين، الذي شغل على مدى سنوات طويلة منصب رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان العراق لم يكن له وجود في بغداد على مستوى المناصب في العاصمة الاتحادية. ذلك أن الحزبين الكرديين الكبيرين كانا يرشحان على مدى سنوات ما بعد 2003 سياسيين كرداً؛ بعضهم يُعدّون من الشخصيات التاريخية في التراتبية الحزبية، مثل جلال طالباني الذي شغل منصب رئيس الجمهورية، وفؤاد معصوم أستاذ الفلسفة وأحد مؤسسي حزب «الاتحاد الوطني الكردستاني»، الذي خلف طالباني في منصب رئاسة الجمهورية، ثم الدكتور برهم صالح الذي ينتمي إلى الجيل الثاني في «الاتحاد الوطني الكردستاني»... ولقد تولّى رئاسة الجمهورية خلفاً لمعصوم.
والملاحَظ هنا أن ترشيحات الاتحاد الوطني تذهب، في الغالب، في اتجاه منصب رئاسة الجمهورية، وذلك نتيجة لتقاسم المناصب بين الحزبين في بغداد والإقليم؛ حيث يأخذ «الحزب الديمقراطي» حصة الأسد من مناصب الإقليم في عاصمته أربيل، وبجانب ذلك يحصل أيضاً على حصص وزارية مهمة في العاصمة بغداد.
وحقاً، صدّرت أربيل إلى بغداد شخصيات بارزة شغلت مناصب مهمة، مثل روز نوري شاويس الذي شغل لفترة وطويلة منصب نائب رئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، وهوشيار زيباري الذي شغل على مدى سنوات طويلة (2003 - 2014) منصب وزير الخارجية، قبل أن يتحول بعدها في حكومة حيدر العبادي إلى تولّي منصب وزير المالية. والمعروف أنه عندما أقيل زيباري من هذا المنصب تعكّرت العلاقات بين مسعود بارزاني، زعيم «الحزب الديمقراطي الكردستاني»، والسلطات في بغداد، تحديداً، الطبقة السياسية الشيعية التي أخذ عليها الكرد - وبالذات بارزاني - تخليها عن اتفاقات استراتيجية سابقة عُقدت مع التحالف الشيعي أطلق عليه «التحالف التاريخي بين الكرد والشيعة».

«انفصالي» اتحادي
الاستفتاء الذي أجراه إقليم كردستان في سبتمبر (أيلول) عام 2017 من أجل تهيئة الأرضية لإنشاء «الدولة الكردية»، كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر بعير العلاقة بين التحالفين الكردي والشيعي، وتالياً بين حكومتي المركز والإقليم.
غير أن الأمر لم يقف عند هذا الحد؛ إذ إنه في حين كان إقليم كردستان موحّداً من عام 2003 إلى يوم الاستفتاء في عام 2017 بينما بغداد متفرقة، انقلبت المعادلة تماماً مع الاستفتاء؛ إذ وقفت الفعاليات السياسة في بغداد موحَّدة في رفضها القاطع إنشاء الدولة الكردية المستقلة، حتى من منظور العرب السنَّة، وذلك لكون الغالبية العظمى من المناطق المُتنازع عليها بين الطرفين - تحديداً في شمال العراق - تقع على خطوط تماس غالبية سكانها من العرب السنّة.
أما إقليم كردستان فقد بدا متفرقاً ومنقسماً على نفسه حيال الاستفتاء، الذي انتهى إلى الفشل، وكانت نتيجته هي بسط يد الدولة العراقية المركزية (لأول مرة) على مناطق بقيت لفترة طويلة حكراً على سيطرة سلطات الإقليم على الرغم من أنها تعود إدارياً إلى بغداد، ومنها قضاء خانقين الذي ينتمي إليه فؤاد حسين نفسه.
بل إن الأهم من هذا كلّه أن الخلافات الكردية - الكردية تصاعدت إلى حد كبير بين الحزب الديمقراطي وفرع من «الاتحاد الوطني الكردستاني». وكان الفرع الذي قاد الخلاف مع «الديمقراطي» ينتمي إليه رئيس الجمهورية الحالي برهم صالح. وهذا الفرع، وإن كان قد صوّت بـ«نعم» في الاستفتاء الكردي من منطلق حلم أي كردي في إنشاء دولة، فإنه لم يصرّ على إجراء الاستفتاء... وما كان أصلاً متحمساً لإجرائه، مثل خصمه، فيما بعد في بغداد فؤاد حسين، الذي كاد «يضيع المشيتين» بين قوميته «الكردية» ومذهبه «الشيعي»، وهي مفارقة لم يلتفت إليها إلا ليلة التصويت على منصب رئيس الجمهورية.

مكافأة الخاسر

وهكذا، بين إجماع كردي - كردي شبه متوافق عليه مع ضمانات من قيادات شيعية بارزة... وبين انقسام كردي - كردي واضح في غياب أي ضمانات بالمطلق خاض الدكتور برهم صالح (الأمين العام المساعد لـ«الاتحاد الوطني الكردستاني») معركة رئاسة الجمهورية ضد فؤاد حسين (رئيس ديوان رئاسة إقليم كردستان).
حسين، الكردي القومية الشيعي المذهب، جاء إلى بغداد بأمل احتلال منصب رئاسة الجمهورية بعد 16 سنة من تسلمه مناصب مختلفة داخل إقليم كردستان، كان في معظمها قريباً جداً من الزعيم الكردي التاريخي مسعود بارزاني.
أما صالح، فكان من أوائل من صدّرهم إقليم كردستان إلى بغداد بعد سقوط بغداد. وفي بغداد، احتل عدة مناصب مهمة، منها منصب نائب رئيس الوزراء ووزير التخطيط، قبل أن يعود إلى الإقليم ليحتل هناك موقع رئيس حكومة الإقليم مناصفة مع نيجيرفان بارزاني رئيس الإقليم الحالي.
لقد بدت المنازلة بين الرجلين داخل قبة البرلمان غير متكافئة لصالح حسين، المدعوم بقوة من بارزاني الذي كان قد حصل على تعهُّدات من كبار قادة الشيعة في بغداد بدعم مرشحه، مقابل مرشح «الاتحاد الوطني» الذي لم يكن مدعوماً من قيادات بارزة في حزبه... ولم يكن يُعرف الجو حياله في العاصمة بغداد.
ولكن ما إن بدأ التصويت داخل البرلمان حتى كانت كفة صالح قد رجحت بشكل كبير في وجه منافسه حسين. وعندما تطلب الأمر جولة ثانية من التصويت، انسحب فؤاد حسين. وهكذا، فاز برهم صالح بالرئاسة بغالبية برلمانية كبيرة جاءت أصواتها من كل الكتل بمن فيها الكتل الشيعية التي تعهد زعماؤها بدعمه في البرلمان.
مع هذا، لم يخرج حسين، بعد خسارته منصب الرئاسة، خارج الوفاض، ولم يعُد إلى إلى الإقليم... بل بقي في بغداد ليتسلم واحدة من أهم الوزارات السيادية الست، ألا وهي وزارة المالية. ومع أن إسناد المنصب إليه بدا لبعض الوقت ترضية (أو قُل مكافأة) له في أول الأمر، فإنه باعتراف كثيرين سرعان ما نجح في إدارة الوزارة، على الرغم من الاتهامات التي وُجّهت إليه بمحاباة الإقليم.
من جهة أخرى، وعلى الرغم من أن هذه الاتهامات بقيت موضع خلاف، فإن كثيراً من الأطراف والنواب في الكتل الشيعية أعلنت رفضها التام إعادة توزير أي وزير (حتى لو كان ناجحاً) من أعضاء حكومة عادل عبد المهدي المستقيلة في حكومة مصطفى الكاظمي الجديدة... وفي مقدمة من شملهم «الفيتو» على العودة، فؤاد حسين. بل وصل الأمر إلى أنه إذا تطلب الأمر إعادة بعض الوزراء الناجحين فإن فؤاد حسين ما كان من بينهم.
غير أن المفارقة اللافتة تجسّدت في أنه بينما لم يعُد أي من الوزراء الذي وُصفوا بـ«الناجحين» في حكومة عبد المهدي، كان فؤاد حسين الوزير الوحيد العائد وبوزارة سيادية من الدرجة الأولى... أما الوزارة فهي الخارجية.
بهذه الحصيلة عاد الكرد ثانية إلى تسلُّم حقيبة وزارة الخارجية بعدما كان هوشيار زيباري قد تسلمها فترة طويلة قاربت 11 سنة متصلة، هي الأطول بين كل وزراء الخارجية العراقيين في كل العهود، بمن في ذلك أشهر وزير خارجية في عهد صدام حسين... وهو طارق عزيز، الذي شغل المنصب لنحو 8 سنوات.

بطاقة هوية
* وُلد فؤاد حسين في مدينة خانقين عام 1946 (عمره 74 سنة)
* درس في جامعة بغداد وتخرج فيها عام 1971. ومن ثم تابع دراسات عليا في العلاقات الدولية في هولندا
* متزوج من سيدة هولندية، ويجيد اللغة الهولندية بجانب الكردية والعربية والإنجليزية
* كان ناشطاً في تنظيمات الطلبة الأكراد في أوروبا
* شغل منصب وزير المالية في حكومة عادل عبد المهدي (2018 – 2020)



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.