«نداء الكوكو» لروبرت غالبريث بالعربية

تزامنا مع معرض بيروت الدولي للكتاب

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

«نداء الكوكو» لروبرت غالبريث بالعربية

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

بالتزامن مع معرض بيروت الدولي للكتاب، الذي انطلقت فعالياته، أول من أمس، تصدرت الترجمة العربية لرواية «نداء الكوكو» لروبرت غالبريث*، عن دار «نوفل» – «هاشيت أنطوان»، وهي من ترجمة عمر سعيد الأيوبي. وقد خصت الدار جريدة «الشرق الأوسط» بهذه المقتطفات الموسعة من الرواية قبل صدورها للأسواق

كان الأزيز في الشارع شبيها بطنين الذباب. احتشد المصوّرون خلف الحواجز التي تحرسها الشرطة، وهم يتمنطقون بكاميراتهم ذات العدسات الطويلة، وأنفاسهم تتصاعد كالبخار. استمرّ الثلج يتساقط على القبّعات والأكتاف، والأصابع المستترة تحت القفّازات تمسح العدسات وتجلوها. وبين الحين والآخر، تنطلق الطقطقات العَرَضية عندما يشغل المصوّرون المنتظرون الوقت بالتقاط صوَر للخيمة البيضاء المنصوبة في منتصف الطريق، ومدخل المبنى السكني المرتفع ذي الطوب الأحمر، وشرفة الطابق الأخير الذي سقطت منه الجثّة.
خلف حشد المصوّرين (الباباراتزي) المرصوص، تقف شاحنات مقفلة بيضاء تحمل على أسقفها أطباق سواتل ضخمة، وصحافيّون يثرثرون، بعضهم بلغات أجنبية، في حين يجوب المكان فنّيّو الصوت واضعين السمّاعات على رؤوسهم. ولتمضية الوقت، يقوم المصوّرون التلفزيونيون بتصوير «الباباراتزي» من الخلف، والشرفة، والخيمة التي تخفي الجثّة، ثم يغيّرون مواضعهم لأخذ لقطات واسعة تُظهر الفوضى التي دبّت في شارع مايفير الهادئ والمثلج، الشارع الذي تمتدّ على جانبيه أبواب سوداء لامعة تحيط بها أروقة من الحجارة البيضاء وتحفّها الشجيرات المشذّبة. كان المدخل إلى المبنى رقم 18 محاطا بشريط، وفي الردهة وراءہ، يُلمح عناصر من الشرطة، بعضهم خبراء جنائيون يرتدون ملابس بيضاء.
كانت محطّات التلفزة قد تلقّت الخبر منذ عدّة ساعات، واحتشد عند طرفَي الشارع أشخاص من عامّة الناس، يصدّهم مزيد من أفراد الشرطة ويمنعونهم من الاقتراب، بعضهم جاء عمدا للتفرّج، وآخرون توقّفوا لبعض الوقت وهم في طريقهم إلى أعمالهم وقد رفع الكثير منهم هواتفهم المحمولة عاليا لالتقاط الصوَر قبل أن يتابعوا طريقهم. ثمّة شاب لم يكن يعرف الشرفة المعنيّة، فراح يصوّر كلا منها بدورها، مع أنّ الشرفة الوسطى كانت ممتلئة بصفّ من الشجيرات، 3 شجيرات مشذّبة على شكل كرات مورقة لا تترك متسعا لوقوف أي إنسان.
أحضرت مجموعة من الشابّات الأزهار، وصُوّرن وهنّ يقدّمنها إلى أفراد الشرطة الذين لم يكونوا قد قرّروا بعد في أي مكان يضعونها، فتركوها على استحياء في مؤخّرة شاحنة الشرطة المقفلة، وهم مدركون أنّ عدسات الكاميرات تتابع جميع خطواتهم.
في غضون ذلك، تابع المراسلون الذين أوفدتهم القنوات الإخبارية التي تبثّ على مدار الساعة، سيلَ التعليقات والتخمينات بشأن القليل من الوقائع المحرّكة للمشاعر التي عرفوها.
«... من شقّتها في الطابق الأخير عند الساعة الثانية صباحا تقريبا. وقد أبلغ حارس أمن المبنى الشرطة..».
«... ليس هناك ما يشير بعد إلى أنّهم سينقلون الجثّة، ما دفع بعضهم إلى التخمين..».
«... لم يُعرف إن كانت بمفردها عندما سقطت..».
«... دخلت فرق إلى المبنى وستجري بحثا شاملا».
ثمّة ضوء موحش يملأ الخيمة. جثم رجلان على جانبَي الجثّة استعدادا لنقلها، ووضعاها أخيرا في كيس للجثث. كان رأسها قد نزف قليلا على الثلج، وسُحق وجهها وتورّم. واستحالت إحدى عينيها إلى تغضّن على الوجه، وظهر بياض الثانية باهتا بين جفنين متورّمين. عندما التمع ملبسها العلوي المزيّن بالبَرَق مع التغيّر الطفيف في الضوء، أعطى انطباعا مربكا بالحركة، كما لو أنّها تنفّست ثانية، أو أنّها تشدّ عضلاتها استعدادا للنهوض. واستمرّ تساقط الثلج على الخيمة محدثا صوتا خفيفا كأنّه نقر أصابع.
«أين سيارة الإسعاف اللعينة؟»
استشاط المحقّق المفتّش روي كارفر غضبا بعد نفاد صبره. وهو رجل ضخم الكرش ذو وجه زهري بلون لحم البقر المملّح، تحيط حلقة من العرق بالإبطين في قمصانه عادة. حضر منذ أن سقطت الجثّة تقريبا، وقد تسرّب البرد الشديد إلى قدميه حتّى لم يعد يشعر بهما، واستبدّ به الجوع. دخل الخيمة المحقّق الرقيب إريك واردل وهاتفه المحمول مشدود إلى أذنه، وقال مجيبا من دون قصد عن سؤال مسؤوله: «ستصل سيّارة الإسعاف خلال دقيقتين. كنت أقوم للتوّ بإعداد مكان لتوقّفها».
تأفّف كارفر، وازداد غضبا لقناعته بأنّ واردل متحمّس لوجود المصوّرين، وأنّه تباطأ أمام اندفاعاتهم القليلة خارج الخيمة. بدا واردل وسيما بملامحه الصبيانية، وشعره المتماوج البنّي الكثيف الذي يغطّيه الثلج. قال وهو لا يزال ينظر إلى المصوّرين في الخارج: «سيتفرّق هذا الحشد على الأرجح عندما تُنقل الجثّة».
صاح كارفر غاضبا: «لن يذهبوا فيما لا نزال نتعامل مع المكان كمسرح جريمة قتل».
لم يردّ واردل على التحدّي غير المعلن. غير أنّ كارفر انفجر غاضبا على أي حال.
«لقد قفزت المرأة المسكينة، لم يكن هناك أحد سواها. ولا بدّ أنّ شاهدتك المزعومة كانت تحت تأثير المخدّرات».
«إنّها قادمة»، قال واردل، وأثار اشمئزاز كارفر عندما خرج من الخيمة ثانية لانتظار سيّارة الإسعاف على مرأى من الكاميرات.
أزاحت القصّة أخبار السياسة والحروب والكوارث جانبا، وبرزت كلّ رواية لهذه الحادثة وإلى جانبها صوَر لوجه المرأة الرائع الخالي من العيوب، وجسدها الرشيق المنحوت نحتا. وخلال ساعات، انتشرت الوقائع القليلة المعروفة كالنار في الهشيم: الشجار العلني مع صديقها الشهير، والعودة إلى البيت وحيدة، والصراخ المسموع، والسقوط النهائي القاتل.
هرب الصديق إلى منشأة لإعادة التأهيل، لكن الشرطة ظلّت حائرة. أمّا من كانوا معها في الليلة التي سبقت مقتلها فقد انشغلوا بالأخبار. امتلأت آلاف الأعمدة في الصحافة المطبوعة، وساعات من الأخبار التلفزيونية، وحظيت المرأة التي أقسمت أنّها سمعت مشادّة ثانية قبل أن تسقط الفتاة جثّة هامدة بالشهرة لمدّة وجيزة، وكوفئت بصوَر صغيرة الحجم لها إلى جانب صوَر الفتاة الجميلة القتيلة.
لكن، طرأ بعد ذلك ما أثار خيبة أمل وتحسّرا ملموسا، إذ ثبت أنّ الشاهدة كذبت، فانسحبت إلى مؤسّسة لإعادة التأهيل، وظهر المشتبه به الرئيس الشهير، كما لو أنهما «فتى وفتاة كوخ الطقس» اللذان لا يخرجان البتّة من المنزل في الوقت نفسه. في النهاية لا تعدو الحادثة أن تكون انتحارا. وبعد تبدّد لحظة المفاجأة، اكتسبت القصّة رواجا ثانيا ضعيفا. كتبوا أنّها كانت غير متّزنة، وغير مستقرّة، وغير جديرة بالنجومية الفائقة التي حملها إليها جمالها وجموحها؛ وأنّها رافقت طبقة ثريّة منحلّة الأخلاق فأفسدتها؛ وأنّ فساد حياتها الجديدة أحدث اضطرابا في شخصيّة هي في الأصل هشّة. وتحولّت إلى حكاية أخلاقية تبعث على ذلك الإحساس بالرضا الناشئ عن مأساة شخص آخر، لذا لمح الكثير من كتّاب الأعمدة إلى إيكاروس بحيث أفردت مجلّة «برايفت آي» عمودا خاصا لها.
أخيرا، تلاشت إثارة الحدث وخبت، ولم يعد هناك ما يُقال حتّى لدى الصحافيين، فقد سبق أن قيل الكثير.
مع أنّ سنوات عمر روبن إلاكوت الـ25 شهدت لحظات من الدراما والحوادث، فإنّها لم تستيقظ من قبل قط وهي على يقين من أنّها ستتذكّر اليوم التالي ما امتدّ بها العمر.
بعيد منتصف الليل، تقدّم منها ماثيو، صديقها منذ مدة طويلة، بعرض الزواج تحت تمثال إيروس وسط ميدان بيكاديلي. وفي غمرة الارتياح الشديد الذي أعقب موافقتها، اعترف أنّه كان يخطّط لتقديم الطلب في المطعم التايلندي حيث تناولا العشاء، لكنّه لم يحسب حساب الزوجين الصامتين إلى جانبهما اللذين تنصّتا إلى حديثهما بأكمله. لذا اقترح التجوّل في الشوارع المعتمة رغم احتجاجات روبن بأنّ عليهما أن يستيقظا باكرا، قبل أن يأتيه الإلهام ويقودها إلى درج التمثال وقد اعتلتها الدهشة. هناك، تخلّ للريح الباردة عن الحذر (على غير طريقة ماثيو المعهودة)، وطلب يدها راكعا على إحدى ركبتيه، أمام 3 مفلسين جاثمين على الدرج يتشاركون ما بدا أنّه قنينة كحول.
كان ذلك في نظر روبن أكثر عروض الخطبة كمالا في تاريخ الزواج. حتّى إنّه كان يحمل في جيبه خاتما من الصفير ذا ماستين، وضعته فبدا ملائما تماما وظلّت تحدّق به في يدها المستندة إلى حِجرها طوال الطريق إلى المدينة. أصبح لديهما الآن قصّة يرويانها، قصّة عائليّة مضحكة من النوع الذي يُروى للأطفال؛ حيث تعثّرت خطته (أعجبها أنّه خطّط للأمر)، وتحوّلت إلى أمر عفويّ. أحبّت المتشرّدين، والقمر، وركوع ماثيو خائفا ومرتبكا على إحدى ركبتيه؛ وأحبّت إيروس وميدان بيكاديلي القديم المتّسخ، وسيّارة الأجرة السوداء التي استقلّاها إلى البيت في كلابِهام. لم تكن في الواقع بعيدة عن أن تحبّ لندن بأكملها، مع أنّها لم تعجب بها حتّى بعد شهر على إقامتها فيها، بل إنّ الركّاب الباهتين والمشاكسين المحتشدين في عربة المترو حولها بدوا مذهّبين من فرط تألّق الخاتم. عندما خرجت في ذلك النهار البارد من شهر مارس (آذار)، في محطّة مترو توتنهام كورت رود، فركت الجانب السفلي من خاتم الذهب الأبيض بإبهامها، وأحسّت بسعادة غامرة حين فكّرت في احتمال أن تشتري بعض المجلّات التي تُعنى بالزفاف في وقت الغداء.
تابعتها نظرات الرجال عندما شقّت طريقها عبر أشغال الطرق في أعلى شارع أكسفورد، وهي تدقّق في قطعة ورق في يدها اليمنى. كانت روبن فتاة جميلة بكلّ المقاييس، طويلة ذات جسد رائع، وشعر طويل أشقر مائل إلى الحمرة يتماوج عندما تسير بسرعة، وقد أضاف الهواء البارد لونا إلى وجنتيها الباهتتين. هذا أوّل أيّام عملها بمثابة سكرتيرة لمدّة أسبوع، فهي تؤدّي أعمالا مؤقّتة منذ أن قدمت لتقيم مع ماثيو في لندن، وينتظرها الآن الكثير من المقابلات «المناسبة»، كما وصفتها.
كان إيجاد المكاتب الأمر الأكثر صعوبة في الغالب في هذه الأعمال الرتيبة. فقد بدت لندن، بعد أن غادرت بلدتها الصغيرة في يوركشاير، مدينة واسعة ومعقّدة وعصيّة على الفهم. وكان ماثيو قد طلب منها ألّا تتجوّل حاملة خريطة، مما يجعلها تبدو بمثابة سائحة ويعرّضها للاستهداف، لذا اعتمدت في الغالب على خرائط رديئة رسمها لها أحد الأشخاص في وكالة التشغيل المؤقّت، لكنّها لم تقتنع بأنّ ذلك يجعلها تبدو مثل اللندنيين من أهل المدينة.
الحواجز المعدنيّة والجدران البلاستيكية الزرقاء المحيطة بأشغال الطرق زادت من صعوبة معرفة الاتّجاه الذي يجب أن تسلكه، لأنّها تحجب نصف المعالم المهمّة المرسومة على الورقة التي تحملها في يدها. عبرت الطريق الممزّق أمام برج مكاتب يحمل في خريطتها اسم «سنتر بوينت»، وهو يشبه كعكة وافل عملاقة مصنوعة من الخرسانة وتتميّز بنوافذها المربّعة المنتظمة، وشقّت طريقها في اتّجاه شارع دنمرك. وجدته مصادفة تقريبا، عندما سلكت زقاقا ضيّقا يُدعى «دنمرك بليس» وخرجت منه إلى شارع قصير تنتشر فيه واجهات المتاجر الملوّنة: واجهات مليئة بالغيتارات، وأجهزة الكي بورد، وكلّ أنواع الآلات الموسيقية. كانت حواجز حمراء وبيضاء تحيط بحفرة أخرى مفتوحة في الطريق، فاستقبلها العمّال الذين يرتدون سترات فلورية بالصّفير، لكنّها تظاهرت بأنّها لم تسمعه.
نظرت إلى ساعتها. تبيّن لها أنّها وصلت قبل الموعد بربع ساعة، لأنّها منحت نفسها هامش الوقت المعتاد تحسّبا في حال ضلّت الطريق. كان مدخل المكتب الذي تبحث عنه غريب الشكل مدهونا بالأسود، ويقع إلى يسار «12 كافيه بار». وقد كُتب اسم شاغل المكتب على قطعة من الورق المسطّر الممزّق أُلصقت إلى جانب الجرس الخاصّ بالطابق الثاني. لو كان يوما عاديا، قبل أن تضع الخاتم الجديد الذي يتألّق في إصبعها، لربّما وجدت ذلك منفّرا، غير أنّ قطعة الورق المتّسخة والدهان المقشّر على الباب يشبهان المتشرّدين في الليلة الماضية، مجرّد تفاصيل مشهديّة على خلفيّة قصّة غرامها العظيمة. نظرت إلى ساعتها ثانية (التمع الصفّير وقفز قلبها، ستشاهد توهّج هذا الحجر ما تبقّى من عمرها)، وقرّرت منشرحة أن تصعد باكرا وتُظهر أنّها متحمّسة لعمل لا يثير أي اهتمام لديها.

* روبرت غالبريث هو الاسم المستعار للكاتبة البريطانية ج. ك. رولينغ، مؤلفة سلسلة «هاري بوتر» الشهيرة، ورواية «منصب شاغر»



مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
TT

مصر تتصدر جوائز «كتارا» للرواية العربية... والسعودية تحصد جائزتين

‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)
‏تتويج الفائزين بجائزة ⁧‫«كتارا» للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة (قنا)

أعلنت المؤسسة العامة للحي الثقافي في قطر «كتارا» أسماء الفائزين بجائزتها للرواية العربية في دورتها الثانية عشرة لعام 2026، خلال حفل استضافته دار الأوبرا بالعاصمة الدوحة، مساء الخميس، وشهد تتويج 14 كاتباً وناقداً من 9 دول عربية، وسط حضور مصري تصدر النتائج بـ4 جوائز، فيما حصدت السعودية جائزتين.

وسجَّلت هذه الدورة من جائزة «كتارا» للرواية العربية رقماً قياسياً بلغ 2610 مشاركات، وهو أعلى عدد منذ تأسيسها عام 2014، بينها 1488 رواية غير منشورة و245 مشاركة من دول الخليج.

السعودية تحصد جائزتين

في فئة الروايات المنشورة، فازت الكاتبة السعودية مها اليمني عن روايتها «يداي لا ترتجفان»، إلى جانب المصرية سمر نور عن «آشا الجعران والقمر»، والسوداني مهند الدابي عن «حصار الغزالة واو».

أما فئة الروايات غير المنشورة، فشهدت فوز السعودي ناصر الشريف عن روايته «الصوت الذي لم يبلغه زرياب»، والجزائرية سارة سلتي عن «قد نلتقي»، والفلسطينية هدى المشهراوي عن «للموت يوم آخر».

وتبلغ قيمة كل جائزة في الفئتين 30 ألف دولار، مع ترجمة الروايات الفائزة إلى الإنجليزية، وطباعة الأعمال غير المنشورة.

الدكتور خالد السليطي يُسلِّم خلف آل خلف الفائز في فئة الروايات القطرية المنشورة جائزته (كتارا)

النقد الروائي وروايات الفتيان

في فئة الدراسات التي تُعنى بالبحث والنقد الروائي، فاز 3 نقاد، وهم: الدكتورة أمل إرحيم من فلسطين عن دراستها «الرواية العربية المعاصرة وفتنة السينما... رواية مصائر: كونشرتو الهولوكوست والنكبة أنموذجاً»، والدكتور حميد الكتاني من المغرب عن «الرّوايةُ العربيةُ علَى عتبةِ التطوّرِ دراسة في التّحْقيبِ من منظورِ المصطلحِ النقدي التصنيفي»، والدكتور محمود فرغلي من مصر عن «تمثّلات البيئة في الرواية: قراءة إيكولوجية في أعمال زهران القاسمي».

وتبلغ قيمة كل جائزة في هذه الفئة 30 ألف دولار، كما تتولى لجنة الجائزة طبع الدراسات الفائزة ونشرها وتسويقها.

أما في فئة رواية الفتيان، ففاز كل من: خديجة تلي من الجزائر عن روايتها «خيّاط طولقة»، والدكتورة منال الجراش من اليمن عن «نظارة شمسية»، وهاني القط من مصر عن «مملكة الحجر»، وتبلغ قيمة كل جائزة 15 ألف دولار لكل فائز، وستتم طباعتها ونشرها.

وفي فئة الرواية التاريخية غير المنشورة فازت نهى فهيم من مصر عن روايتها «غروب ألكازار»، بينما فاز في فئة الرواية القطرية المنشورة خلف آل خلف عن روايته «العهد والميثاق».

الدكتور خالد السليطي يُكرِّم نهى فهيم الفائزة في فئة الرواية التاريخية غير المنشورة (كتارا)

من تكريم الرواية إلى صناعة ثقافية

قال الدكتور خالد السليطي، مدير عام «كتارا»، إن ارتفاع عدد المشاركات يعكس اتساع حضور الجائزة لدى الكُتَّاب العرب، مشيراً إلى أن المؤسسة تعمل على تطوير منظومة للنشر والترجمة والترويج للأعمال الروائية.

وربط السليطي بين تجربة الجائزة والاحتفاء بـ«الأسبوع العالمي للرواية»، الذي يمتد من 13 إلى 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بعد مبادرة تقدَّمت بها «كتارا» إلى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو»، بدعم من المنظمة العربية «الألكسو».

من جانبه، أكد محمد ولد أعمر، مدير عام «الألكسو»، أهمية الاستثمار في الكتاب والترجمة، وتوسيع فرص وصول الأدب العربي إلى القراء خارج المنطقة، مبيناً أن الجائزة تسهم في دعم الإنتاج الروائي وتطوير الصناعات الثقافية.

وتشير نتائج الدورة إلى اتساع المشاركة الجغرافية في الجائزة، مع حضور كُتَّاب من الخليج والمشرق والمغرب العربي. كما يبرز العدد الكبير للروايات غير المنشورة إتاحة المسابقة فرص النشر أمام أصحاب المخطوطات الذين لم تصل أعمالهم بعد إلى الدُّور.


أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير
TT

أفلام الرعب... حكاية الرحلة من الانتقاص والتهميش إلى «الرقي»

هناء العمير
هناء العمير

الكتابة لا تأتي سهلة وسريعة غالباً. وهذه المقالة جاءت بطيئة فكرةً وكتابة. لذا، ابتسمت سروراً لمّا قرأت تدوينة (تغريدة) الناقد السينمائي فهد الأسطاء في الخامس من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي. لقد أعطاني، مشكوراً، رأس الخيط، فكان كـ«خيط أريادني» الذي أمسكت به، وتتبعته لأخرج من متاهة التشتت والحيرة بسبب بدايات اقترحت نفسها، فلم أستقر على واحدة منها.

أطلق الناقد الأسطاء تدوينته وفي حضنها تدوينة أخرى تتضمن بوستر فيلم «جحيم العابرين»، الترجمة السينمائية لروايةٍ بالعنوان نفسه للروائي أسامة المسلم. الفيلم من إخراج هناء العمير، وسيناريو المسلم نفسه. تكشف التدوينة معرفة الأسطاء ومتابعته لأعمال العمير، وتعبر عن إعجابه بأفلامها ابتداءً من أولها، الوثائقي «بعيداً عن الكلام». ثم تأتي جملة تنتهي بعلامة التعجب: «لم أتصور أن يكون أول أفلامها الطويلة من هذا النوع!» يقصد أن يكون فيلم رعب وإثارة. ويختم تدوينته بـ«لكن هنا يكمن التحدي!».

لا يخفي تقبل الأسطاء لفكرة إخراج هناء العمير لفيلم رعب نبرة التعجب في كلامه. لكن أتوقع أن آخرين في الوسط السينمائي وخارجه لن يتقبلوا الفكرة. وهذا ليس غريباً، ففي عالم السينما المحلية الصغير، هناك من يصنفون أنفسهم بأنهم صُنّاع أفلام مستقلة ونخبوية، لا تجارية. يقصدون بالتجارية «أفلام الجنرا/ genre films»، رغم أنه لا يوجد تضاد إطلاقاً بين أن يكون المرء صانع أفلام مستقلاً وبين صنعه أفلاماً توضع في خانات التصنيف الأجناسي السينمائي. كما أن رفض «أفلام الجنرا»، ومنها أفلام الرعب، ليس من أسباب نشوء السينما المستقلة، حسب القليل الذي أعرفه عنها. فبإمكان صانع الفيلم المستقل أن يصنع فيلماً من «الأنواع غير النخبوية!»، ولا يفقد استقلاليته، فالمعول عليه، وما يصنع فرقاً بالفعل، ليس نوع ما يصنع، وإنما كيف يصنعه، فـ«الأوديسة، 2026» لكريستوفر نولان، مثلاً، فيلم جنرا «فانتازيا وأكشن» ولكنه مختلف حتى عن النسخ السينمائية الأخرى من ملحمة هوميروس. كما أن العديد من أفلام الرعب هي إنتاج مستقل مثل: «الشيطان في الداخل» و «مشروع ساحرة بلير» و «نحن» و«أُخْرج» و«نشاط خارق للطبيعة».

فهد الأسطاء

الرفض ظاهرة مألوفة

الرفض أو الازدراء لبعض الفنون أو الأجناس الأدبية والفنية، خصوصاً في بدايات ظهورها ظاهرة مألوفة ومتكررة. فمن يتصور أن الرواية «معشوقة الجماهير»، التي يتزاحم الكثيرون للقفز على عربة فرقة كتابتها، كانت تُعد في بداية ظهورها شكلاً أدبياً أقل قيمة وأدنى منزلة من الشعر والمسرح الكلاسيكي؟ وصمها رجال الدين والنقاد، على السواء، بالتفاهة، وحذّروا من إفسادها القراء، فيما كانت تحظى بإقبال شعبي على قراءتها، لكن «طاح حطب» الرفض والازدراء تدريجياً.

وفي القرن الماضي، قابلت الدراما الإذاعية/التلفازية «أوبرا الصابون - Soap Opera» الانتقاص والوصم بالتفاهة، وبأنها فن رخيص وهابط، بالإضافة إلى إطلاق قائمة من الأسماء الانتقاصية عليها مثل «washtub weeper/washboard weeper»، وحتى الاسم «أوبرا الصابون» يحمل سخرية ضمنية بجمعه بين متناقضين: الأوبرا كفن راقٍ والصابون المرتبط بالغسل وإزالة الأوساخ، وإشارة إلى ارتباط ظهور «أوبرا الصابون» بإعلانات شركات إنتاج الصابون. ولم يكن موقف الناقد منها مختلفاً؛ إذ أشاح عنها بوجهه وعيونه كما فعل مع الرواية في البداية. ولم يسلم من السخرية حتى جمهورها من النساء. وكان على «أوبرا الصابون» الانتظار من بداية الثلاثينات حتى سبعينات القرن العشرين لتشهد التغير الإيجابي في موقف النقاد منها. وأما الآن، فعندما يُقَلِّبُ المرء صفحاتِ المراجع في كتاب أو كتابين عنها، يُصاب بالذهول من ضخامة الجهود المستثمرة في نقدها ودراستها.

جوردان بيل

الرعب والطريق الطويل إلى الشرعية

تشبه رحلة فيلم الرعب من الانتقاص إلى الاحترام رحلة «أوبرا الصابون»، وإن تكن رحلته إلى الاحترام والشرعية أطول. وكان تركيز أفلام الرعب المبكرة على العنف الدموي والوحوش وتقديمها المتعة الرخيصة، وضحالتها من الناحية الفكرية أسباب اكتسابها السمعة السيئة، وتعرضها للازدراء والتهميش، وبالتالي نأي النقاد والباحثون عنها، باستثناء مقاربات نقدية قليلة ومتباعدة.

في الثمانينات التفت النقد ونظرية الفيلم إلى فيلم الرعب بشكل غير مسبوق، والطريف أن الخصائص التي كانت السبب في النفور منه، أصبحت نقاط تقاطع المقاربات النقدية السيكولوجية والآيديولوجية والنسوية والأسطورية لفيلم الرعب. التقت تلك الدراسات بمناهجها المختلفة عند فكرة أن الرعب السينمائي يشكل خطاباً مضاداً للثقافة السائدة. وسعت إلى نبش المضمر في أفلامه، وبرهنت بعمق مقنع، منفتح للاختلاف في الوقت نفسه، على أن أفلام الرعب ليست دائماً وسيط ترفيه رخيص لا ترتبط الحكايات التي يرويها بالأوضاع والظروف السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية التي تؤطر إنتاجها وتلقيها. أذكر، مثلاً، كتاب الدكتور روبن وود «هوليوود من فيتنام إلى ريغان، 1986» وكتاب باتريك لوتشانيو «هم أم نحن... تأويلات نموذجية لأفلام غزو الكائنات الفضائية، 1987». كان لهذين الكتابين دور أولي مؤثر في تغيير رؤيتي وموقفي من أفلام الرعب، وتحولي تدريجياً من الاشمئزاز إلى تقبل الرعب السينمائي والقراءة عنه من حين لآخر.

وود ولوتشانيو

تمثل هوليوود بعلاقتها بالثقافة السياسية في الولايات المتحدة الفكرة المحورية في كتاب وود، حيث يقدم قراءة تحليلية، جادة وعميقة، لأفلام السبعينات وبداية الثمانينات إزاء خلفية من حرب فيتنام والحركات النسوية وفضيحة ووتر غيت والسياسة الجنسية. يظهر الرعب في فصول كتاب وود ليس مجرد ترفيه رخيص وهابط يهرب المشاهد خلاله من قضاياه وهمومه، إنما كـ«جنس/ genre» سينمائي يمتلك إمكانات تمثيل الأزمات والمخاوف الاجتماعية والسياسية؛ والتعبير عن المخاوف والقلق المجتمعي.

ويركز لوتشانيو في كتابه على أفلام الخيال العلمي وأفلام الوحش/الوحوش في خمسينات القرن العشرين، والحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية والشيوعية في ذروتها، والمخاوف التي أثارتها من الشيوعية والسلاح النووي واحتمال الغزو وما ينتج عنه من اضطرابات وانعدام الاستقرار. يتبنى لوتشانيو في مقاربته لموضوع كتابه نظرية كارل غوستاف يونغ، خصوصاً مفهوم اللاوعي الجمعي وفكرة النماذج الأصلية (archetypes)، لتوضيح أن الكائنات الفضائية الغازية والوحوش إسقاطات للاوعي الجمعي، تمثيلات تكشف للمجتمع الأميركي مخاوفه ورغباته وصراعاته النفسية.

شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية

هل الرعب شرعي؟

وبينما الدراسات والمقالات تتراكم حولها، كانت أفلام الرعب في سيرورة تطور شكلي وجمالي وموضوعاتي. وقد شهد العقدان الأول والثاني من الألفية الثالثة نوعاً جديداً ومختلفاً من أفلام الرعب، توفرت فيه خصائص وملامح أفلام السينما الفنية. دفع هذا التطور إلى تغير الموقف المؤسسي منها، فلم تعد مهمشة توصد أبواب المهرجانات أمامها، أو تفتح أبواب بعضها ولكن لا تتاح لها فرصة المشاركة في المنافسات على الجوائز.

يعنون براد وايزمان الفصل 23 في كتابه «الرعب بلا قناع، 2023» بالسؤال: «هل الرعب شرعي؟/ ?Is horror Legit»، وتنبسط أسفله صورة المخرج جوردان بيل رافعاً تروفي الأوسكار. يستهل وايزمان الفصل بـ: «كان عام 2018 استثنائياً بالنسبة لأفلام الرعب. فللمرة الأولى، رُشِّح في عام واحد فيلمان ينتميان إلى فئة الرعب لجائزة أفضل فيلم في حفل توزيع جوائز الأوسكار (203)». الفيلمان هما «أخرج/ Get Out» لجوردان بيل، و«شكل الماء/The Shape of Water» للمخرج غييرمو ديل تورو. ورغم أن تصنيف «شكل الماء» فانتازي رومانسي، يعتبره وايزمان فيلم رعب لأن «جذوره راسخة في أدب الرعب». يشير ضمنياً هنا إلى فيلم «مخلوق البحيرة السوداء». ولـ«أخرج» تصنيف آخر أيضاً، فهو أحد أفلام الرعب التي أطلق عليها مصطلح «الرعب الراقي/elevated horror» تمييزاً لها عن أفلام الرعب «الكلاسيكية». اللافت أن بعض المخرجين رفضوا المصطلح، واعتبروه تمييزياً وإقصائياً، ومن أولئك الرافضين جوردان بيل حسب تصريح له في «فرايتي /Variety 31/10/2022»: «لا أريد أن يظن الناس أنني أحاول صنع أفلام «راقية» أو «ذات قيمة فنية رفيعة». أعتقد أن هذا فخّ لا أتقبله تماماً؛ لأنني، كما تعلمون، أحبّ صنع أفلام مجنونة وصادمة. أحبّ صنع أفلام غريبة لا يُفترض بي في الأساس أن أصنعها، وأحياناً أحبّ أيضاً أن أتحدّى الناس الذين ينظرون إلى الأمور من الجانب الآخر».

تُرى هل المخرجة هناء العمير، مثل جوردان بيل، صنعت فيلماً لا يفترض أن تصنعه؟ من هم أولئك الذين ينظرون إليها من الجانب الآخر وتتحداهم بصنع «جحيم العابرين»؟ أهو التحدي نفسه الذي يشير إليه الناقد الأسطاء؟ ما دلالات رفض بيل والآخرين لوصف أفلامهم بـ«الراقية»؟ ما معنى أن يكون التصنيف الجديد فخاً؟ أعجبني رفض بيل ونظرائه للمصطلح، للتصنيف الجديد، وكذلك إصراره على صنع الأفلام التي يحب، لأسباب قد تكون الإجابة عنها موضوعاً لمقالة أخرى!!

* كاتب وناقد سعودي


محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار
TT

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

محمد بن حمودة يقرأ تجربة محمود مختار

صدر عن «منشورات رامينا» بلندن كتاب «محمود مختار والمراهنة على تحويل الآثار إلى تراث حيّ» للدكتور محمد بن حمودة، في دراسة تتناول تجربة النحات المصري وعلاقتها بالنهضة الثقافية، وتعيد مساءلة القراءات التي أحاطت بمنجزه، انطلاقاً من سؤال تحويل الآثار المصرية القديمة إلى تراث فاعل في الحاضر، قادر على تغذية الإبداع وتجديد الصلة بين الفن والمجتمع.

يقع الكتاب في 234 صفحة، وتجمع مقاربته بين البحث الجمالي والفلسفي والنقد الثقافي، مع العودة إلى كتابات مختار وشهادات النقاد والباحثين الذين تناولوا تجربته. ويبحث المؤلف في المسافة بين استلهام الموروث وإعادة إنتاج أشكاله، وبين الاحتفاء بالفنان واستمرار مشروعه، متوقفاً عند الشروط التي تجعل المنجز الفني إرثاً متجدداً، وعند العوامل التي قد تحصره في ذاكرة تستعيد لحظة ازدهاره.

ينطلق بن حمودة في التمهيد من رسالة وجّهها مختار إلى محمد حسين هيكل، عبّر فيها عن قلقه من إهمال الفن في مشروعات الإصلاح، ودعا إلى مساندته ضمن نهضة ثقافية تتصل بحياة الناس. ويقرأ المؤلف هذه الدعوة مدخلاً لفهم مراهنة مختار على «تذويب الفني في الثقافي»، وربط العمل التشكيلي ببيئته وذاكرتها وهواجسها، وتوسيع مشاركة المجتمع في التجربة الفنية.

ومن خلال هذا المنطلق، يتابع الكتاب عودة مختار إلى الفن المصري القديم، ويبحث في الإمكانات التي وجدها فيه لصياغة لغة نحتية حديثة. فالآثار، وفق المقاربة التي يطورها المؤلف، تستعيد فاعليتها حين تدخل في علاقة إبداعية مع سياقات جديدة، وحين تصبح مصدراً للاستلهام وإعادة التوظيف. ويتقدم الإبداع عبر هذه العلاقة باعتباره المجال الذي تتشكل فيه الأصالة وتتجدد، وتتفاعل فيه الذاكرة مع أسئلة الزمن الراهن.

وتحمل المقدمة عنوان «التراث ومهمة التبئير الثقافي»، وتناقش اختلاف المواقف من الموروث المصري القديم وموقعه في تشكيل الهوية الفنية الحديثة. ويستعيد بن حمودة آراء عز الدين نجيب وبلند الحيدري وإيمه آزار وغيرهم، متوقفاً عند تصور العلاقة بين الثقافة المصرية والحضور الأوروبي، وعند أثر المرجعيات الأكاديمية في قراءة التجارب المحلية وتحديد قيمتها.

ويمنح الكتاب تمثال «نهضة مصر» مساحة مركزية في هذا النقاش، من خلال بحث بعنوان «الإنسية والتراث: (التأكدم) وحلم (العمل الفني الكبير)». ويقرأ المؤلف ارتباط مشروع مختار بطموح إنجاز عمل يشارك في الحياة العامة، ويبحث في حضور الضخامة والكتلة والرمز، وصلتها بالموروث المصري وبالسياق الذي استقبل التمثال. كما يناقش العلاقة بين استلهام النحت القديم والتحولات التي شهدها الفن الحديث في تعامله مع المرجعيات الكلاسيكية.

وفي فصل «(النابغة) ورهان تعليق انقطاع العرب عن (مسيرة الفنون الجميلة)»، يعود المؤلف إلى خطاب الاحتفاء بمختار، وإلى الجدل الذي أثاره تمثال «نهضة مصر»، مستحضراً رد الفنان على إبراهيم عبد القادر المازني. ويضيء الكتاب تفسير مختار للعلاقة بين الماضي والحاضر في التمثال، ثم يفحص التصورات التي وضعت تجربته ضمن مسار تاريخي للفنون الجميلة، وما يترتب عليها من فهم للتراث المصري وموقعه في ذلك المسار.

ويتوسع البحث في فصل «مختار واستدراج الفن المصري القديم نحو ثورة ثقافية تصالحه مع الموروث الشعبي»، حيث يستعيد بن حمودة مقال طه حسين «مختار ومصر»، ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة. ويضع المؤلف هذه القراءة أمام سؤال الخصوصية الثقافية: كيف تتصل العودة إلى الآثار بالحياة الشعبية، وكيف يمكن للإبداع أن يعيد وصل الموروث بالمجتمع الذي نشأ فيه؟

ويحضر الريف والفلاح والفلاحة ضمن هذا المسار باعتبارهم عناصر أساسية في فهم العالم التشكيلي لمختار. ويتتبع المؤلف ما تتيحه البيئة المحلية من إمكانات للخيال وللتعبير عن الوجدان، ويبحث في قدرة التجربة المتجذرة في محيطها على الانفتاح نحو أفق إنساني أوسع. وتكتسب العودة إلى القرية، في هذه القراءة، أبعاداً تتصل بالمضمون وبالشكل وبطريقة بناء العلاقة مع العالم.

أما فصل «إرث محمود مختار والبداية الثانية: العتاقة الجديدة»، فينتقل إلى مآلات التجربة وإمكانات امتدادها. ويناقش الكتاب أحكاماً تناولت الأجيال اللاحقة لمختار، ويعيد النظر في العلاقة بين إرثه وتيارات التجديد، ومنها جماعة «الفن والحرية». ويبرز ضمن هذا النقاش سؤال قدرة الفنانين اللاحقين على تطوير المراهنة التي حملها منجزه، ومخاطر اختزال هذا المنجز في سمات قابلة للتكرار.

يستعيد المؤلف مقال طه حسين «مختار ومصر» ويناقش قراءة انبعاث الفن المصري وصلته بالاكتشافات الأثرية وبفكرة النهضة

وتأتي الخاتمة تحت عنوان «مختار والعودة للقرية في زمن تغيّر الطبيعة العامة للفن»، لتربط قراءة تجربته بالتحولات التي طرأت على وظيفة الفن ووسائطه. ويستحضر المؤلف أثر الفوتوغرافيا والسينما في تغيير العلاقة بالمحاكاة والخيال، مستعيناً بمناقشات رمسيس يونان ورولان بارت ووالتر بنيامين، ومتوقفاً عند ما تفتحه هذه التحولات من إمكانات لفهم التجربة النحتية.

وفي هذا السياق، يناقش الكتاب تمثال «الخماسين» من خلال قراءة صبحي الشاروني، متناولاً الحركة التي تولدها الملابس المنتفخة بالرياح، والعلاقة بين الكتلة والتجريد والمرتكز الواقعي المتمثل في حضور الفلاحة. ويبرز هذا المثال إمكان قراءة منجز مختار من زاوية البحث الشكلي والتحرر الإبداعي، إلى جانب دلالاته الثقافية والقومية.

وتتبلور في الصفحات الختامية مساءلة نقدية لمصير المشروع؛ إذ يذهب بن حمودة إلى أن نجاح تجربة مختار سياسياً وفنياً واجه صعوبات في التحول إلى ثورة ثقافية متواصلة. ويناقش أثر بعض المقاربات النقدية في حجب جوانب من مراهنته، ويطرح الفرق بين أعمال تستدعي الحنين إلى زمن مضى، وإرث يحافظ على حيويته عبر تجدد علاقته بالسياقات التي تستقبله.

ويندرج الكتاب ضمن سلسلة الفنون التي تصدرها منشورات رامينا، في إطار اهتمام الدار بالدراسات الفنية والجمالية، وإتاحة قراءات نقدية تتناول التجارب الإبداعية وعلاقتها بالتراث والحداثة والتحولات الثقافية، وتفتح نقاشاً حول موقع الفن في المجتمع ودوره في تجديد الوعي والذاكرة.

ويضم الكتاب قائمة مراجع عربية وأجنبية وقسماً للصور، بما يتيح متابعة المصادر التي يستند إليها البحث والأعمال المرتبطة بموضوعه.