«التانكي»... المشفى بوصفها بنية مكانية

عالية ممدوح في روايتها الأخيرة التي دخلت قائمة «بوكر» القصيرة 2019

«التانكي»... المشفى بوصفها بنية مكانية
TT

«التانكي»... المشفى بوصفها بنية مكانية

«التانكي»... المشفى بوصفها بنية مكانية

تواصل الروائية العراقية المغتربة عالية ممدوح في روايتها الأخيرة «التانكي»، التي وصلت إلى القائمة القصيرة في مسابقة البوكر للرواية العربية لعام 2019، الانطلاق من بنية مكانية صغيرة، لكنها مؤثرة وفاعلة، هي بنية المشفى أو المركز الصحي، حيث نجد بطلة الرواية عفاف ترقد في مشفى في باريس.
وهذا التواتر على اختيار المشفى بنية مكانية روائية في 3 روايات من روايات عالية ممدوح، هي: «التشهي» و«المحبوبات» و«التانكي» يدفعنا للحديث عن تشكل ثلاثية روائية في ثلاث روايات من روايات عالية ممدوح، تتمحور حول بنية المكان الصغير المتمثل في المشفى الطبي، حيث تدور معظم الأحداث الروائية حول هذا المشفى أو داخله، وتستقطب شخصية المريض اهتمام السرد والحدث الروائي برمته. كما أن هذه الروايات لا تتوقف عند الحالة المرضية للمريض فقط، بل تتعالق بطريقة واضحة بالأوضاع الاجتماعية والسياسية في العراق من خلال العقود الأربعة الأخيرة، مع تركيز خاص على فترة حكم صدام حسين والسنوات العشر الأولى التي أعقبت الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003. وتبدو الحالة المرضية في أغلب الروايات صدى سيكولوجياً وروحياً لتدهور أوضاع الفرد العراقي، وغياب الحريات وتدمير القيم المدنية واستشراء الاستبداد والعنف والتوتر الطائفي في العراق خلال هذه الفترة.
في هذه الرواية تكشف الروائية عالية ممدوح أيضاً عن نزعة نسوية Feminist واضحة من خلال جرأتها في كسر التابوات العرفية والاجتماعية والسياسية، ودفاعها عن حرية المرأة في خياراتها الثقافية والأيروسية، وهي كما يبدو تحاول أن تكتب تاريخاً للمرأة متحرراً من هيمنة المنظور الذكوري المتسلط على الثقافة، وكأنها أرادت أن تطبق دعوة هيلين سيكسو للنساء «بالتفكير في تاريخهن على نحو مختلف وأنه لا بد للنساء أن يخترعن تاريخاً آخر يكون خارج روايات السلطة واللامساواة والاضطهاد. (عالية ممدوح جريدة «الرياض» بالسعودية، 20 ديسمبر «كانون الأول»، 2014).
ويخيل لي أن منحى الروائية عالية ممدوح لاختيار المشفى بنية مكانية غير بعيد عن أجواء رواية «المريض الإنجليزي» The English Patient الصادرة عام 1992، التي تحولت إلى فيلم سينمائي ناجح عام 1996، إذْ تُستهل هذه الرواية بمشهد الممرضة الكندية الشابة (هانا)، وهي تقوم على رعاية شخص محترق كلياً بسبب سقوط طائرته خلال الحرب العالمية الثانية، في فيلا مخربة في الريف الإيطالي مجاورة لأحد الأديرة الإيطالية، حيث تكتشف أن المريض فقد ذاكرته، ونسي اسمه، وراح يهذي، ويتحدث عن وقائع وقصص غير مترابطة. ولأن الممرضة تجهل اسمه فقد أطلقت عليه اسم «المريض الإنجليزي».
ويبدو أن هذه البنية المكانية، وأعني بها بنية المشفى، راحت تستهوي عدداً من الروائيين العالميين كما نجد ذلك في رواية «المريضة الصامتة» Silent Patient تأليف ألكس ميكايليديس، الصادرة حديثاً، وهي عن رسامة معروفة هي اليشا بيرتسون، تطلق النار على زوجها في ظرف غامض، وترفض بعدها الحديث، حيث تمضي ست سنوات في السجن دون أن تنطق بكلمة، حيث يتدخل بعدها معالج نفسي فيقرر أن يخوض تجربة استنطاقها وإخراجها من عزلتها.
في ثلاثية عالية ممدوح ذات البؤر المكانية المشتركة المتمثلة في المشفى، نجد فيضاً من المشاعر الإنسانية المكبوتة، ومعاناة كبيرة، من جانب المرأة في الغالب، وهلوسات ونحيب وصرخات صامتة تتطلب تعاطفاً إنسانياً خاصاً من لدن القارئ، الذي تبدو له مثل هذه الروايات وهي تجمع بين التحليل النفسي، والبحث البوليسي المنقب عن المسكوت عنه، والمغيب في سيرة المريض الحاضر - الغائب. ونجد في هذه الروايات الثلاث حضوراً ضاغطاً وأحياناً مدمراً للواقع السياسي والاجتماعي الخارجي على الحالة النفسية السريرية للمرضى.
وتثير بنية المشفى، التي وجدنا لها أمثلة في الرواية العربية إلى ثنائية الداخل - الخارج التي تحدث عنها باشلار في كتاب «شعرية الفضاء» Poetics of Space الذي ترجمه غالب هلسا إلى «جماليات المكان»، كما أن هذه البنية تحيل أيضاً إلى ثنائية فلسفية كبيرة هي ثنائية (الهنا - والهناك). (فالهنا) هو بنية المشفى، أما (الهناك) فتشير إلى الأسرة أو المدينة أو العالم الخارجي. إذ إن المشفى يمثل من الجانب الآخر (الداخل) بوصفه بنية مكانية مغلقة ومحدودة وضيقة، في مقابل (الخارج) الذي يمثل بيت الأسرة والمدينة والفضاء اللامحدود، وهو مفتوح ومتسع ولا نهائي (جماليات المكان، غاستون باشلار، ترجمة غالب هلسا، بيروت، ص 192).
وقد فحص الفيلسوف ميشيل فوكو بنية المشفى أو العيادة الطبية دلالة بنية المشفى أو ما يسميها بالعيادة الطبية في المجتمع المعاصر، إذ يرى (فوكو) أن نقل المريض من بيئته الطبيعية، أي البيت، والأسرة، إلى المشفى، يجعل المريض تحت تأثير سلطة جديدة. إذْ كان الجسد المريض يلتزم في العادة بيته، وكانت مهمة الأسرة احتواءه والعناية به، إلا أنه مع ظهور المستشفى كبينة حضارية جديدة جرى استبدال الأسرة بالمستشفى.
ويخيل لنا أن انعطاف الروائيين نحو بنية المشفى في الرواية الحداثية، يعود إلى جملة عوامل، منها انتقال الروائي من مكانية الأسرة، في «الدراما الأسرة» حيث تتمحور الصراعات والإشكاليات داخل أسرة معينة، إلى مكانية المشفى، في الرواية الحديثة بما توفره من أجواء من التواصل الإنساني والحميمية بين مجموعة أفراد يتحلقون حول مريض ما، في محاولة للتعبير عن التعاطف الإنساني، وفي الوقت ذاته لتحقيق تواصل تفاعلي بين (الخارج) المتمثل بالأسرة وفضائها المفتوح و(الداخل) المتمثل في المشفى، بوصفه بنية مغلقة ومحدودة، شبيهة إلى حد كبير بالسجن أو القوقعة التي تحيط بمحدودية الداخل - المشفى.
وفي استقرائي المستقبلي، أعتقد أن البؤرة المكانية للمشفى، التي كانت عالية ممدوح رائدة بالتبشير بها، ستكون بؤرة مركزية في روايات ما بعد جائحة كورونا، وذلك للدور الكبير الذي لعبته في حياة الناس بعد حالات الإغلاق والحظر في حياة المجتمعات البشرية. وستولد من رحم هذه البنية المكانية المولدة شخصيات وحبكات وثيمات وبنيات جديدة، دون أن نفترض غياب البنيات المكانية والزمانية الأخرى.
وإذا ما عدنا إلى رواية عالية ممدوح، فسوف نجدها تركز أساساً على بنية المشفى - الداخل الذي يفترض أن ترقد فيه الفنانة التشكيلية العراقية عفاف، التي اختفت أو ضاعت بين المصحات والمشافي في باريس، مما دفع بأسرتها بصورة جماعية لتحشيد مجهوداتها للبحث عنها، ومعرفة سبب انقطاع أخبارها عنهم. وبهذا فإن بنية الداخل - المشفى هي التي تجذب إليها بنية الخارج - الأسرة والمدينة بصفتها بنية جاذبة Centrifugal. ولكن علينا الاستدراك هنا إلى أن رواية «التانكي» قد كشفت عن بنيات مكانية بغدادية أليفة منها دار العائلة في حي الصليخ بالأعظمية ببغداد وامتداداتها إلى بيت الطفولة في الوزيرية، بوصفه المكان الأليف، لدى بطلة الرواية (عفاف).
ومن الجانب الآخر، يمكن أن نلاحظ أن (الهنا) المتمثل بالمشفى هو الذي يستحضر (الهناك) إلى فخ الحاضر، بعد أن كانت عفاف قبيل رقودها في المستشفى في باريس تدرك أنها كانت بين - بين، أي بين هنا وهناك في آنٍ واحد:
ففي حوار لها تخاطب المهندس المعماري معاذ الآلوسي، مصمم المكعب قائلة:
«أنا مادة خام موجودة، وأتحرك ما بين هنا، أو هناك، الأرض والسماء» (ص 48).
إذ نجد أفراد أسرة (أيوب آل)، وقد اجتمعوا جميعاً، وكأنهم يلتقطون صورة تذكارية مشتركة لطاقم الفيلم ويعلنون بصوت جماعي، عبر ضمير الجماعة (نحن) عن عزمهم على البحث عن ابنتهم «عفاف» التي غادرت العراق إلى باريس للدراسة عام 1979، كما ستكتشف لاحقاً، أنهم قد خولوا السيد صميم بمهمة متابعة، قضيتها، وجمع المعلومات الضرورية التي أدت إلى تدهور حالتها النفسية، والاتصال بالدكتور (كارل فالينو) الذي كان يشرف على علاجها النفسي في مشفاه في باريس قبل أن تغيب وتنقطع أخبارها.
وهكذا يضطلع السيد صميم بدور الراوي الرئيس للرواية، فضلاً عن الرواة الآخرين، لأنه مخول قانونياً من أفراد أسرة آل أيوب بجمع كل البيانات الضرورية والاتصال بالأشخاص ذوي العلاقة وتدوين شهاداتهم.
وتتضح الطبيعة الميتا سردية، والبوليفونية (تعدد الأصوات) في كل النسيج الروائي من خلال قصدية الكتابة والتدوين، واستخدام الكاميرا.
وتستمر المؤلفة في الحركة السردية الأولى من حبكة الرواية الأولى التي استغرقت أربعة فصول والتي تمثل الصعود نحو الذروة Climax، في التمهيد في انتظار استجابة الدكتور فالينو الذي بدأ بمعالجة الآنسة عفاف منذ عام 1986 في عيادته الخاصة بباريس: إذ يبدأ الدكتور (كارل فالينو) في الفصل الخامس من الرواية، وهي الحركة السردية الثانية في الحبكة الروائية بالرد على تساؤلات أسرة (عفاف) التي تمثل كما يخيل للقارئ بداية انحسار الذروة الروائية، لكننا سنكتشف لاحقاً أن الذروة الروائية تستمر في التصاعد حتى النهاية، لتشكل نصاً مفتوحاً على تأويلات لا نهائية.
وتتعامل الرواية مع التاريخ بحذر خوفاً من تزويره من قبل «ثعالب» التاريخ: «أظن ليس جميع ما نقرأه أو نحصل عليه من معلومات يبقى فوق مستوى الشبهات، ستبقى الثعالب، وهي تسرد أحداث التاريخ تزور وتلفق». (ص 25).
ولذا فهي تعمد إلى تقديم قراءتها الخاصة للمدونة التاريخية، وربما محاولة كتابة تاريخ اجتماعي وحضاري بديل انطلاقاً من منظورات ما بعد الحداثة والنزعة النسوية.
- ناقد عراقي



مارلين مونرو... «مثقفة متخفية» في جسد أيقونة إغراء

كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».
كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».
TT

مارلين مونرو... «مثقفة متخفية» في جسد أيقونة إغراء

كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».
كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».

بمناسبة مئوية ميلادها التي تحلُّ هذا العام 2026، أعادت الأوساط الثقافية الفرنسية اكتشاف الوجه الآخر لأسطورة السينما مارلين مونرو من خلال الترجمة الأولى لكتاب الصحافي البريطاني ويليام ويذربي «حوارات مع مارلين» (Conversations avec Marilyn). هذا الكتاب، الصادر عن دار «سيغير» في 12 فبراير (شباط) الماضي يقدم شهادةً حية تُفكك الصورة النمطية التي سعت هوليوود لترسيخها حول «الشقراء القنبلة» أو «ممثلة الإغراء» التي لا تملك سوى جمالها.

يكشف ويذربي، الذي التقى بمونرو خلال تصوير فيلم «المختلون» عام 1960 واستمرت لقاءاتهما في حانات نيويورك المتوارية، عن امرأةٍ مسكونة بهواجس الفكر، تتحدث عن الأدب والسياسة والتحليل النفسي بوعيٍ حادٍ واهتمام بالغ. كانت مونرو تدرك تماماً «اللعبة» التي تفرضها الصناعة السينمائية؛ حيث وصفت الشخصية التي تؤديها بأنها «عبءٌ ثقيل» وفستانٌ ترتديه وتخلعه حسب الطلب، بينما يظل جوهرها الحقيقي غارقاً في بطون الكتب وعوالم الأدب.

ويذكر ويذربي أن مارلين مونرو لم تكن مجرد ممثلةٍ طاردتها العدسات، بل كانت «مثقفةً متخفية» في جسد أيقونة إغراء، وقد جاء كتابه «حوارات مع مارلين» ليمنح هذه الحقيقة توثيقاً إنسانياً بعيداً عن صخب النجومية. ففي ثنايا لقاءاتها السّرية بمدينة نيويورك، تبرز مونرو كعاشقة للأدب والشعر، تتعامل مع القراءة بوصفها ملاذاً أخيراً من زيف العالم الذي يحيط بها، وكأداةٍ لفهم الذات والمجتمع.

يشرح الكاتب أن مكتبة مارلين الشخصية لم تكن مجرد ديكور في الغرفة، بل بمثابة مختبر لعقلٍ جائع للمعرفة، حيث احتوت على أكثر من 430 كتاب، تنوعت بين الفلسفة والتحليل النفسي والأدب والشعر، منها أعمال لألبير كامو وبودلير وفيتزجيرالد، وعملاق الأدب الآيرلندي جيمس جويس التي كانت تحتفظ بنسخٍ مُعلّمة بخط يدها من أعماله، ولا سيما روايته «يوليسيس» التي تُعدُّ من أبرز أعمال الأدب الحداثي وتحدياً فكرياً يستحق المحاولة المتكررة، بحسب ما نقله الصحافي البريطاني. كما كانت مارلين قارئة نهمة للأدب الروسي، لتولستوي وبالأخص لدوستويفسكي الذي وجدت في شخصياته المعذبة صدىً لمعاناتها الشخصية، حيث قرأت «الإخوة كارامازوف» مرتين، وكانت تُعلّم المقاطع التي تتحدث عن الألم والخلاص، وكتبت عنه في مدونتها التي نشرت في السيرة الذاتية المخصصة لها بعنوان «الشظايا» ما يلي: «دوستويفسكي يفهمني، يعرف ما معنى أن تكون ممزقاً بين الضوء والظلام، بين الرغبة في القداسة والسقوط في هاوية الخطيئة». كما كانت من عشاق أعمال فرانز كافكا، واحتفظت بنسخة من روايته «المحاكمة»، وكانت مليئة بالملاحظات في الهوامش، ومنها هذه العبارة التي كتبت بخط يدها: «هذا هو عالم هوليوود بالضبط: محاكمة دائمة دون معرفة التهمة الحقيقية».

مكتبة مارلين مونرو

وأشار الكاتب إلى أن مارلين كانت تحب قراءة أعمال من الأدب الاجتماعي التقدمي، كأعمال لينكولن ستيفنز، الصحافي الاستقصائي الذي فضح الفساد في أميركا، لكنها كانت تخفي كتبه في مواقع التصوير خوفاً من الاتهام بالتعاطف مع اليسار في تلك الحقبة التي عرفت بالمكارثية واضطهاد الاشتراكيين، كما قرأت أيضاً لجون شتاينبك، خاصة «عناقيد الغضب»، ووجدت في روايته صوتاً للمهمشين والفقراء، الطبقة التي انتمت إليها قبل أن تصبح نجمة. وكانت قد صرَّحت للكاتب ويذربي في حواريهما: «شتاينبك يكتب عن الناس الحقيقيين، الناس الذين عرفتهم في طفولتي، هؤلاء الذين يشكلون أميركا العميقة. هوليوود تريد مني أن أنسى من أين أتيت، لكن هذه الكتب تذكّرني دائماً بأصولي».

كما كان للشعر مكانة خاصة في قلب مارلين. فكانت تحتفظ بدواوين والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب». أما كارل ساندبرغ، الشاعر الذي وصفته بـ«صوت أميركا الحقيقي»، فقد كان بمثابة الأب الروحي لها. التقت به شخصياً عدة مرات، وكانت تستشيره في قراءاتها، وكان قد أهداها نسخة موقعة من سيرته الذاتية عن أبراهام لينكولن، قرأتها أكثر من ثلاث مرات. أحبت مارلين قصائد إي. إي. كامينغز وكذلك إديث سيتويل وكانت تميل إلى الشعر الذي يكسر القواعد ويتمرد على الأشكال التقليدية، ربما لأنها رأت في ذلك انعكاساً لرغبتها الدائمة في التمرد على القوالب النمطية التي حُبست فيها. وما يجهله البعض هو أن مارلين مونرو قد كتبت نصوصاً شعرية جُمعت في كتاب «الشظايا» الذي نشر في 2010، كشفت عن موهبة شعرية حقيقية تبحث عن نفسها، حيث تناولت في كتابتها موضوعات الوحدة، والحب المضطرب، والهوية المشتتة.

كانت تتعامل مع القراءة بوصفها ملاذاً أخيراً من زيف العالم الذي يحيط بها

في قصيدة أسمتها «الحياة» كتبت ما يلي:

أنا من كلا الاتجاهين

أبقى بطريقة ما معلّقة نحو الأسفل أكثر ما أكون

لكنّني قوية كخيط العنكبوت في مواجهة الريح

أشدّ حضوراً حين يتجلّى الصقيع البارد المتلألئ

بيد أنّ أشعتي المُحبَّبة تحمل الألوان

التي رأيتها ذات مرة في لوحة

آه أيتها الحياة، لقد خدعوك

كما أشار كاتب «حوارات مع مارلين مونرو» إلى أن اهتمام مارلين بالتحليل النفسي أكثر من مجرد فضول فكري، حيث قرأت معظم أعمال فرويد، وكانت تحضر جلسات التحليل النفسي مع أساتذة معروفين، كما احتفظت بنسخٍ من «تفسير الأحلام» و«الأنا والهو»، وكانت تحاول فهم عقدها النفسية من خلال نظريات فرويد. في حواراتها مع ويذربي تقول: «فرويد علّمني أن أفهم لماذا أبحث دائماً عن الحب في الأماكن الخاطئة، ولماذا أخاف من النجاح بقدر ما أسعى إليه». كانت تقرأ أيضاً لكارل يونغ، وانجذبت بشكل خاص لنظريته حول «الظل»، أو الجانب المظلم من الشخصية الذي نحاول إخفاءه.

لم ينفصل وعي مارلين الثقافي عن التزامها بالقضايا الإنسانية الكبرى. ففي حواراتها مع ويذربي، أبدت فضولاً عميقاً تجاه نضال الأميركيين الأفارقة من أجل الحقوق المدنية، وربطت بين قراءاتها التاريخية وبين واقع التمييز الذي كانت ترفضه بشدة.

 


«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية
TT

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

في رواية «طواحين الهوى» يجعل الكاتب والروائي المصري السيد العديسي مسرح صعيد مصر بؤرة لطرح تأملاته في ذلك الهامش المكاني، الذي يبدو فضاءً زاخراً بالمهمشين الذين يلتحفون الكفاف، وهم «يكافحون الانصهار»، ليتجاوز المكان كونه مجرد خلفية جغرافية؛ بل بنية ضاغطة تُعيد إنتاج الفقر والقهر، كما تُعيد الطاحونة دورانها الأبدي.

في الرواية -الصادرة عن دار «تشكيل» للنشر والتوزيع بالقاهرة- يمهِّد الكاتب أرضيته السردية بنسج عالم يلوذ بالحكايات و«النميمة»، بوصفهما تسرية عن قسوة اليوم ووحشة الليل، لتصبح الحكايا هنا آلية بقاء، وطريقة جماعية لتخفيف ثقل الحياة، ومتعة ليلية بعد «قهر النهار»، يلتف حولها الناس بجوار «كانون» الشاي الثقيل، وقد اختار الكاتب تلك التهيئة الجمعية تمهيداً لتفاعل الأهالي مع لغز اختفاء أبناء النجع «حامد» و«صباح»، لتشتعل حولهما الشائعات.

سيزيف مُعاصر

يستدعي الراوي الذي تربطه بـ«حامد» علاقة ممتدة، حكاية هذا الفتى قليل الكلام، قوي البنيان، المُحب للغناء الصعيدي، والذي يقضي يومه عاملاً باليومية مستنداً إلى قوته الجسدية وحدها، يتندر به أهل القرية ويصفونه بالأبله، غير أن السارِد يبدو حريصاً على إنصافه سردياً، بعد أن حُكم عليه اجتماعياً.

يبدو اختيار مهنة «الفاعِل» اختياراً دالاً؛ فـ«حامد» أقرب إلى «سيزيف» معاصر، مربوط في طاحونة اليوم، يحمل ثقله كل صباح من أجل يومية زهيدة لا يرجو منها سوى «دُخان المعسل» الذي يكون عزاءه الوحيد في اليوم، ليُنذر ما تبقى من يوميته لأمه؛ حيث لا تبدو «اليومية» قيمة في ذاتها بالنسبة له، بقدر ما يعيد كل يوم الفعل نفسه، بما يُحيل إلى استعارة الطاحونة، في دينامية لا تتغيَّر ولا تفضي إلى تحول يُذكر.

يتروى العديسي في رسم سياقات القرية مشهدياً، ما بين قيظ يشتد، وعلامات طبيعية من حقول قصب وذرة، وأسطح بيوت فقيرة، محرراً الطقس من كونه مجرد خلفية ليصبح سلطة رمزية تُهيمن على المشهد: «كان صيف هذا العام ساخناً. والقيظ على أشده يتبختر بخيلاء بين الجميع وهو يعلن سلطانه على الملأ. تارة يتمشى بين حقول القصب، وتارة أخرى يقطع الطريق على الناس»، ليبدو القيظ هنا متصرفاً ومهيمناً، يفرض حضوره كما تفرض البنية الاجتماعية سلطانها. وكذلك الهواء المحمَّل بالسخونة يبدو متواطئاً على نشر الشائعات في البلدة الصغيرة التي «تأكل الحكايات وتقتات من فضلات الأخبار». هكذا يتقدم السرد على وقع اقتيات أهل النجع لخبر هروب «حامد» و«صباح»، بوصفهما «عاشقين» خرجا عن تقاليد القرية. وعلى إيقاع تلك الحكايا تُرسم صورة «حامد» (الأبله) الذي وُضع على هامش العقل، و«صباح» التي وُضعت على هامش الجمال، كثنائي اختارته القرية مسبقاً ليكون خارج مركزها، لذلك لم يكن هروبهما مجرد فضيحة؛ بل مناسبة لا تخلو من التندر والسخرية.

نباهة شعبية

يتجلى تعلُّق «حامد» بالراديو، وبغناء المداحين، وأغاني «الكف»، كنافذة لفهم تركيبته الإنسانية، فالراوي يتوقف عند مفارقة لافتة في قوله: «من الأشياء التي استوقفتني في أهل قريتي عموماً، أن بعضهم لم يتعلم القراءة والكتابة، ورغم ذلك يستمعون بشغف إلى غناء المداحين، وأحياناً يستوقفهم المعنى الجميل رغم صعوبة فهمه. كيف لهؤلاء إدراك المعنى الصعب في قصائد ابن الفارض وابن عربي؟ لم أصل إلى إجابة محددة، فتركت التفكير في هذا الأمر مثل أمور أخرى عجزت عن فهمها». هذا الاعتراف بالعجز يكشف عن وعي نقدي يتسرَّب داخل طبقات السرد، عبر لسان الراوي الذي ينظر إلى القرية من داخلها مع احتفاظه بمسافة تحليلية، فهو لا يدَّعي الفهم الكامل؛ بل يعترف بغموض الحس الشعبي، ونباهة ذلك الإدراك الحدسي الذي يتجاوز حدود التعليم النظامي.

عندليب أسود

يستدعي السارد ذكرياته مع «حامد» (الهارِب)، كمقوم سردي يظل يضيء تلك المنطقة الإنسانية الملتبسة لدى «حامد» الذي يسخر منه أهل النجع، ويُنابذونه بلقب «العندليب الأسود» وهو يغني بصوته الغليظ، في مقابل سعيه الدؤوب لحضور تجمعات المداحين والموالد والعزاءات والأفراح، بما يكشف عن توقه إلى الانتماء الجمعي، وإلى مساحة بديلة يجد فيها اعترافاً لا توفره له بنية القرية اليومية، بينما تبدو علاقته بوالدته «شفا» التي تحتل مكانة طيبة في النجع، علاقة رعاية ممتدة؛ فهي تظل حتى وفاتها ترعاه بحنو بالغ، لا يخلو من وعي باستعصاء حال ابنها اجتماعياً، وبالهامش الذي كُتب عليه أن يقيم فيه.

يبدو صوت الراوي المتداخل مع استدعاء ملامح «حامد»، قائماً على طبقتين ينهض عليهما السرد في تداخلٍ واضح، فمن جهة يستعيد طفولته التي جمعته بـ«حامد»، ومن جهة أخرى يكشف عن إحساسٍ غامضٍ يلازمه تجاهه، فيقول: «منذ أن كان طفلاً، كان دائماً يلازمني شعور ما بأن (حامد) ليس طفلاً عادياً؛ القوة البدنية التي يمتلكها، شروده الدائم وعدم إلمامه بما يدور حوله، تلكؤه الغريب وصمته اللامتناهي، نظراته الزائغة دوماً، حتى ردود أفعاله البطيئة، كانت تعبر دوماً عن شيء مغاير يمتلكه هذا (الحامد) دوناً عن الآخرين؛ شيء ليس بالذميم أو الحميد، ولكنْ هناك اختلاف ما يسترعي انتباه من يتعامل معه».

لا يحسم السارِد طبيعة هذا «الاختلاف»؛ بل يتركه موارباً، وهذا الإرجاء يمنح الشخصية عمقاً سردياً؛ إذ لا يُختزل «حامد» في توصيف جاهز؛ بل يظل في منطقة رمادية بين البراءة والغموض، بوصفه «شيئاً مغايراً»، وفي هذه المسافة يتجلى موقف السارِد بوضوح؛ فهو لا يتبنى حُكم الجماعة؛ بل يعيد مساءلته.

مع عودة «حامد» و«صباح» يدخل السرد إلى مساحة اشتباك أوسع، تكشف عن تبادل مواقع الهامش والسخرية، وكأن القرية باتت في حاجة إلى إعادة تعريف مركزها؛ حيث تتقاطع موازين القوة بين التمرُّد والسلطة الاجتماعية، وقوانين الثأر، غير أن رهان «حامد» في النهاية لا يتجاوز الوقوع في الحب، والتعلُّق بأغاني الصعيد الشجيَّة التي يتلقاها بحساسيته المرهفة، فتبادله الهوى بالحساسية نفسها.


سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود
TT

سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود

يعبّر بعض العراقيين المقيمين في بريطانيا عن غبطتهم وهم يروون حكاية نجاح ابن بلدهم تشارلز ساتشي الذي تحولت مؤسسته الفنية عبر أربعين سنة من المغامرة والجرأة سلطةً تهب فنانيها تذكرة المرور إلى عالم الفن العالمي. ولا يفوتهم التأكيد على معلومة تاريخية تفيد بأن لقب ساتشي يعود إلى مهنة والد تشارلز الذي كان ساعاتياً في بغداد. تلك حكاية لا يلتفت إليها أحد في خضم الإعجاب بنشاط جامع الأعمال الفنية الذي تغلغل في سوق الدعاية والإعلام حاملاً لواء المعارضة من خلال تبنيه للفنون المعاصرة.

منذ تأسيسه عام 1985 تبنى غاليري ساتشي فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة التي كانت بمثابة التمهيد الوسيط بين الأساليب الفنية الراسخة في حداثتها والفنون المعاصرة التي تشكل انقلاباً في طرق الرؤية والتقنيات، فضم معرضه الأول أعمالاً لدونالد جود، وسي تومبلي، وبرايس ماردن وأندي وارهول.

أُقيم المعرض الأول في الفترة من مارس (آذار) إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1985، وضمّ الكثير من أعمال الفنان الأميركي دونالد جود، أحد رواد المدرسة التقليلية والفنانين الأميركيين برايس ماردن وسي تومبلي، أحد رواد الرسم التجريدي والفنان الأميركي آندي وارهول، أحد رواد فن البوب. بعد ذلك بسنة احتضن الغاليري معرضاً لأعمال النحات الأميركي جون تشامبرلين والفنانين الأميركيين دان فلافين، وسول لويت، وروبرت رايمان، وفرانك ستيلا وكارل أندريا، وجميعهم من رواد المدرسة التقليلية. كما أقيم معرض للفنان الألماني أنسيلم كيفر، والنحات الأميركي ريتشارد سيرا الذي عُرف بأعماله النحتية الضخمة.

من خلال تلك المعارض التي جذبت الأنظار إليه نجح تشارلز ساتشي في تكريس وجوده في الحياة الفنية البريطانية؛ وهو ما أهَّله للانتقال إلى المرحلة التي تحول فيها عراباً للفنون المعاصرة من خلال تبنيه الفنانين الشباب مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل، وسارة لوكاس، وجافين تروك وراشيل وايت ريد. لا يُفهم نشاط تشارلز ساتشي إلا إذا وضعناه في سياقه الاستثماري الذي كان الترويج الدعائي للفن بصفته بضاعة جزءاً أساسياً منه.

حين يعود الرسم إلى الواجهة

اقتحم ساتشي الأسواق الفنية العالمية، لكنه فعل ذلك من خلال غزو المتاحف العالمية بمجموعته بدءاً من متحف هامبورغر بانهوف ببرلين وانتهاءً بمتحف الفن الحديث (موما) بنيويورك. يختلف الكثيرون في وصف مهمته التي تمتزج فيها الحماسة للفنون المعاصرة بالهوس التجاري إلى درجة أن البعض من النقاد كان قد عدَّه واحداً من الطغاة الذين يسعون إلى صناعة تاريخ زائف للفن، ملمحين إلى ظاهرة المنظمة السرية التي تدير سوق الفن بالخفاء متخذة من أصحاب القاعات الفنية واجهة هشة مخادعة.

كل ذلك قد يكون صحيحاً على الرغم مما يتخلله من أوهام غير أن الاحتفالية التي يقيمها غاليري ساتشي بلندن لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه تقول شيئاً مختلفاً. شيئاً لا ينفي ولا يؤكد بقدر ما يأخذنا إلى مناطق خاصة في التفكير الفني. مناطق يعود فيها على سبيل المثال الاهتمام بالرسم إلى الواجهة. وهو ما أدهشني في معرض «الآن البعيد»، وهو معرض يعيد إلى الرسم مكانته من خلال أعمال رسامين بأساليب مختلفة.

لقد دأبت منذ أكثر من عشر سنوات على زيارة غاليري ساتشي، وكنت في كل مرة أشعر بالإحباط بسبب ذائقتي الجمالية غير أن المعرض الحالي، وهو أشبه بمعرض استعادي يؤكد أن الغاليري الذي صار مؤسسة سلطوية يملك من المعرفة الفنية ما يؤهله أن يكون وسيطاً عادلاً بين مختلف التيارات الفنية، وبالأخص ما كان منها حداثوياً وما هو معاصر. لا يعني ذلك أن ما يطرحه المعرض هو أشبه بصيغة التعايش بين الأساليب بقدر ما يعني أن هناك بيئة ثقافية هي الفضاء الذي تتلاقح من خلاله تلك الأساليب، بعضها من البعض الآخر لتكتمل صورة الفن الآن، الذي هو فن المستقبل.

المزاوجة بين التجارة والثقافة

بغض النظر عن الخلافات العميقة في الآراء بين مناصري ساتشي والمعترضين على نهجه، وبالأخص فيما يتعلق بانفتاحه على الفنون المعاصرة، فإن الغاليري تخطى الحدود الضيقة التي تحصره في مهمة إقامة المعارض والترويج لأعمال فنانيه ليصبح قوة ضاربة لا في السوق الفنية المحلية فحسب، بل وفي المشهد الفني العالمي. فمَن تنفتح له أبواب «ساتشي» يكون ذهابه إلى العالمية أمراً ليس عسيراً إذا ما اجتهد وصقل موهبته بالعمل والمعرفة والتجدد. وهو ما يعني أن الصرح الكبير الذي يقع في منطقة تشيلسي الثرية بلندن ليس مجرد مجموعة من القاعات التي ينتهي عملها بعرض الرسوم والمنحوتات والصور الفوتوغرافية والأعمال التركيبية والأفلام، بل هو مؤسسة معقدة التفاصيل فيما تمارسه من تأثير خفي على الحياة الفنية تبعاً لقدرتها على فرض تيارات فنية معينة وتعزيز وجود فنانين دون سواهم والتحكم بأسعار الأعمال الفنية.

زاوج ساتشي بين التجارة والثقافة بطريقة محترفة. لم تغره التجارة بعد أن أثبت أنه مؤهل للوقوف خارج المنافسة بتفوق ملحوظ، بل اندفع في اتجاه خلق ثقافة بصرية جديدة، قوامها الانتصار للفنون المعاصرة التي تجلب عروضها سمعة غير أنها لا تجلب أرباحاً. قلب ساتشي المعادلة حين صار فنانوه يبيعون أعمالهم بأعلى الأسعار وتتسابق المتاحف العالمية على إقامة معارض لهم، كما أن هناك دولاً صارت تتسابق على اقتناء أعمالهم. لقد تحول فنانون مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل وسارة لوكاس أيقوناتٍ عالمية في المشهد الفني المعاصر. كل هذا من صنع ساتشي.

تبنَّى غاليري ساتشي منذ تأسيسه عام 1985 فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة

غاليري من غير حدود

«الآن البعيد» هو عنوان المعرض الذي يقيمه ساتشي لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه. انتقى القيَّمون على هذا المعرض أعمالاً فنية قديمة وجديدة بما يتيح التعرف على مراحل زمنية مختلفة، نجح الغاليري عبرها في تكريس سمعته عراباً لفن مغاير، بعضه يتمسك بالخيوط التي تربطه بالحداثة الفنية كما كانت في النصف الثاني من القرن العشرين، في حين يذهب البعض الآخر في نفوره من الحداثة إلى درجة القطيعة؛ وهو ما فتح الباب أمام هيمنة الفنون المعاصرة على العروض التي دأب ساتشي على إقامتها عبر العشرين سنة الماضية.

«الحاضر يذهب إلى المستقبل» من خلال تلك المقولة يظهر ساتشي ثقته من أن سلطته ونفوذه سيظلان قائمين حتى بعد غيابه، وهو هنا كمَن يقول: «سيكون المستقبل من صنعي» هل سيكون ذلك حقيقياً أم أنه مجرد وهم، تمليه القوة التي يمكن أن يتمرد عليها الفن؟

من المؤكد أن هناك دعاية مبالَغ فيها لصالح ساتشي وهو الذي يدير الجزء الأكبر منها، غير أن ما لا يمكن إنكاره أن سلطته لم تكن وهماً. إن صرحاً بحجم الغاليري إنما يستند إلى سعة في النفوذ لا على مستوى السوق الفنية وحدها، بل يتخطاها إلى عموم المشهد الفني بضمنه الجوائز الفنية الرفيعة، وفي مقدمتها جائزة «تيرنر».

عبر مسيرته لم يكتفِ غاليري ساتشي بتبني الفنانين البريطانيين المعاصرين، بل امتد نشاطه ليشمل برعايته فنانين عالميين من مثل جيف كونز، وسيندي شيرمان، وروبرت غوبر، وبيتر هالي، وحاييم شتاينباخ، وفيليب تافي وكارول دونهام. أما حين أقام عام 1987 معرض «فن نيويورك الآن» فإنه اكتسي سمعة الغاليري عابر الحدود.