الثقافي والسياسي نادراً ما اجتمعا في شخصٍ واحد

من امرئ القيس إلى محمود درويش

الثقافي والسياسي نادراً ما اجتمعا في شخصٍ واحد
TT

الثقافي والسياسي نادراً ما اجتمعا في شخصٍ واحد

الثقافي والسياسي نادراً ما اجتمعا في شخصٍ واحد

يرى كثيرون أنه لا يمكن الوثوق بآراء الشعراء حين يكون في ميدان السياسة، منطلقين من فكرة أنَّ الشعراء انفعاليون آنيون، يتفاعلون مع الحدث بطريقة غير عقلانية، وبالنتيجة لا يمكن التعويل على آرائهم في السياسة. وبصراحة، هذه الفكرة من الممكن أنْ تفتح باباً للحديث عن الشعراء السياسيين، وأقصد بذلك الشعراء الحقيقيين الذي عُرفوا ووسِموا بأنهم شعراء مؤثرون في خريطة الشعر، ولكنهم في الوقت نفسه عملوا في السياسة، فمنهم من نجح ومنهم من أخفق.
إنَّ خريطة الشعراء السياسيين خريطة طويلة عريضة، ولا يمكن رسم حدود واضحة تفك هذا الاشتباك، فمن امرئ القيس الذي فقد ملك أبيه بسبب الشعر إلى آخر شاعر معاصر معنا دخل ميدان السياسة، وله رأي في العملية السياسية، فما بينهما، عددٌ كبيرٌ من الشعراء الذين التصقت السياسة بمشروعهم الثقافي، ولم تنفك تسير بخطٍ موازٍ مع الشعر. والشعراء السياسيون هم غير الشعراء الذين كتبوا في السياسة، فلا تكاد تخلو تجربة شاعر من الشعراء العرب من رأي له في السياسة، من خلال نصوصه واحتجاجه، على ما دار أو ما يدور حوله، وهذا الصنف هو غير الصنف الذي أبحث عنهم، إنَّما هؤلاء مشتركون بالهموم العامة للناس، سابقاً وحالياً.
الشعراء السياسيون -كما قلنا- ابتداء من امرئ القيس الذي لهث وراء ملك أبيه، ولكن الشعر واللهاث خلف النساء، سواء في الواقع أو في النصوص، أعميا عينه عن أنْ يحافظ على ملك أبيه، ويضيع بشكل نهائي، حيث يقول:
بكى صاحبي لمَّا رأى الدرب دونه
وأدرك أنَّا لاحقان بقيصرا
فقلتُ له لا تبكِ عينُك إنَّما
نحاول ملكاً أو نموت فنُعذرا
وفي هذين البيتين إشارة للملك الذي يحاوله امرؤ القيس، والذي ضاع منه، ويبدو أيضاً أن التحالفات منذ زمن طويل بالنسبة لنا، نحن العرب، والحفاظ على ملكنا، لا تتم إلا برضا القيصر عنا.
ومن امرئ القيس إلى بعض الخلفاء الذين عُرفوا بأنَّهم شعراء، أمثال يزيد بن معاوية الذي يروي له ابن خلكان في وفيَّات الأعيان بعضاً من عيون شعره، ومنها:
تقول نساء الحي: تطمعُ أنْ ترى
محاسن ليلى؟ مت بداء المطامعِ
وكيف ترى ليلى بعينٍ ترى بها
سواها؟ وما طهرَّتها بالمدامعِ
وكذلك الوليد بن عبد الملك الذي يقول:
وإنْ لم أكن فيكم خطيباً فإنَّني
إليكم إذا جدَّ الوغى لخطيبُ
ولكنهم خلفاء أشداء، لم يكن الشعر هاجسهم الرئيس، إنما الملك والخلافة هي التي تسوسهم، بخلاف امرئ القيس الذي خلق للشعر، وليس للملك، لذلك حافظوا على ملكهم بقوة، وهذا يُحيلنا إلى بعض الخلفاء الشعراء من العباسيين الذين تولوا الحكم، وفقدوه لأيام وأسابيع، أو بالكاد سنة واحدة، مثل «ابن المعتز» الذي عُرف بشعره، وبكتابه المهم في البديع، كما أن الأندلس فتحت شهية الخلفاء للشعر كثيراً، فمثلاً «المعتمد بن عبَّاد» الخليفة الأندلسي الذي حكم إشبيلية وقرطبة، واتسع سلطانه حتى وصل إلى مرسية، وله ديوان شعر طبع في القاهرة عام 1951، حيث جمعه «أحمد أحمد بدوي وحامد عبد المجيد»، يقول في بعضٍ من قصائده:
ولقد شربتُ الراح يسطعُ نورها
والليل قد مدَّ الظلام رداءَ
حتى تبدَّى البدر في جوزائه
ملكاً تناهى بهجة وبهاء
إنَّ معظم الخلفاء الذين كتبوا الشعر كان فعلهم ذلك من باب الإلمام بكامل المعارف التي تأدبوا عليها، حيث يقف الشعر في المقام الأول من تلك المعارف، ولكن جل كتابات الخلفاء هي من الشعر الخالي من روح الشاعر المتمرد المجنون، وهو أقرب إلى شعر العلماء أو النظم بشكل عام، لذلك لم تحفظ ذاكرة الشعر على طول رحلة الشعر العربي إلَّا نادراً من نصوص بعض الذين حكموا أو عملوا في السياسة، حتى إن هناك طرائف تُروى عن أبي نؤاس بأنَّه في أحد الأيام، وفي مجلس الخليفة «المأمون»، وهو من أكثر الخلفاء ثقافة ووعياً، أنشد المأمون قصيدة له في مجلسه، ومن ثم طلب رأي أبي نؤاس بها، فأجابه أبو نؤاس بأنها خالية من البلاغة، فغضب المأمون وأمر بحبسه في الإسطبل مع الحمير والبغال، وظل أبو نؤاس شهراً في ذلك المكان، ولمَّا أفرج عنه ذهب إلى مجلس الخليفة المأمون ثانية، وعندها أنشد المأمون قصيدة جديدة له أيضاً، ولمَّا انتهى منها قام أبو نؤاس، فنادى عليه المأمون: إلى أين يا أبا نؤاس، فقال له: إلى الإسطبل، يا أمير المؤمنين.
وبهذا، فإن تاريخنا العربي، تاريخ الحكم والسياسة والشعر، هو تاريخٌ ملتبسٌ، بحيث وقف الدين في بدايته موقفاً حاداً من الشعر، وكأنَّ الشعر مصدرٌ للقلق على الزعامة، بوصف الشاعر متصدياً معروفاً ناطقاً باسم القبيلة، وبهذا فهو في الواجهة التي تُعدُّ موقفاً ثقافياً يُحاصِر في بعض المرات المواقفَ السياسية، ومن تلك اللحظة فالصراع قائمٌ بين الثقافي والسياسي، ونادراً ما اجتمعا بشخصٍ واحد، وحين يجتمعان، فإنَّ الصراع بين السياسي والثقافي، والشعري تحديداً، لن يكفَّ أبداً، وحين تنتصر القصيدة على الموقف السياسي، سيسقط ذلك الحاكم في العادة، كامرئ القيس وابن المعتز، اللذين اتخذا من الشعر طريقة سلوك وحياة، لذلك فإنَّ السياسي الذي بداخلهما انهزم أمام الثقافي، ولكن الثمن هو فقدان الملك.
إنَّ صراع السلطة والشعر تجلَّى في شخصية «المتنبي» تجلياً كبيراً، وهو الشاعر العظيم الذي لم يستطع الشعر أنْ يملأ روحه، فقد بقي لاهثاً وراء السلطة والملك، فهو العظيم الذي ينتظر من كافور ولاية ليكون عليها أشبه بالمحافظ أو القائم مقام، حيث يقول:
أبا المسك هل في الكأس فضلٌ أنالُه؟
فإنَّي أغنَّي منذ دهرٍ وتشربُ
فيما نرى موقفاً آخر للشريف الرضي الذي يمتدح أحد الخلفاء العباسيين، ولكنه يقول له لا فرق بيني وبينك بصفتهما أبناء عمومة:
عطفاً أمير المؤمنين فإنَّنا
في دوحة العلياء لا نتفرَّقُ
ما بيننا يومَ الفخار تفاوتٌ
أبداً كلانا في المعالي معرقُ
إلَّا الخلافة ميّزتك فإنَّني
أنا عاطلٌ عنها وأنت مطوَّقُ.
وحين نصل للعصر الحديث، نجد على سبيل المثال «الجواهري» الذي يصف في «مذكراته» لحظة الحنق والغضب التي وصل لها في يوم من الأيام لأنَّ الحكومة استوزرت «محمد رضا الشبيبي» مرة، ومرة «علي الشرقي»، وهما من أقاربه، ولم تستوزره، فيقول: «كنتُ أكاد أمزَّقُ عباءتي لأنَّني لم أستوزر مثلهما، وإلا فبماذا يفضلانني»، فيما يورد الدكتور «محمد حسين الأعرجي» رسالة كتبها الجواهري في عام 1980 إلى أحد أصدقائه من زعماء المعارضة العراقية، يقول في بعض منها: «المصيبة، يا حبيبي، أن هناك من لا يتذكرني إلَّا عندما يحتاج أنْ أغنَّيه، حتى لكأنَّي لستُ شيئاً غير ذلك، وحتَّى لكأنَّ كل ذلك التاريخ وكل تلك الجولات وكل تلك التضحيات لا تستحق أكثر من أنْ تُسمَّى شعراً، وصاحبها شاعراً، وعلى هذه المقاييس المضحكة المبكية معاً كان الواقع المر يطبق علي حين تُقتسمُ الحصص، ولك أنْ تتذكر الشواهد عليها». والغريب أنَّ الجواهري لم يتغير إزاء طموحه للسلطة، فمنذ أن كان عمره في الثلاثينيات، كان غاضباً لأنَّه لم يستوزر، وحتى حين وصل عمره إلى الثمانينيات، كان غاضباً أيضاً لأنَّه لم يُشمل بتوزيع الحصص، والأغرب من ذلك أنَّه كان منزعجاً من صفة الشاعر فقط، فهي لا تُشبع غرورَه -على ما يبدو- رغم أنَّه ملأ الدنيا المعاصرة، لكنَّه بقي طامحاً لأن يكون له مستقبلٌ سياسي.
فالجواهري الشاعر لم يكتف بالشعر، إنما يطمح لمكانٍ سياسي، فيما يتخذ «صدام حسين» موقفاً آخر لا يقل غرابة عن موقف «الجواهري»، ولكنه في اتجاه مغاير تماماً، ذلك أن أحد الشعراء العراقيين يروي لي أنه جاء مع أحد وفود المحافظات لزيارة صدام حسين.
وبعد أن أنهى الوفد طلباته، انصرفوا جميعاً، لكن صدام حسين طلب من الشاعر أن يبقى. ويذكر لي ذلك الشاعر أنه بقي في القصر الجمهوري ما يقارب الثلاثة أيام، في كل ليلة يلتقي به صدام حسين، ويعرض عليه قصائده، حيث يقول لي صديقي الشاعر: بات الخوف يهيمن عليّ، فكيف لي أن أقول لصدام حسين إنك تكسر في الوزن. ولكنه كان يقول له: «سيدي، ثمة مشكلات في العروض»، فيقول له صدام حسين: نعم، أنا الآن أقرأ في ميزان الذهب، وأحاول أن أتعلم العروض. وقد بقي صديقي الشاعر على هذه الحال ثلاثة أيام، في كل ليلة يعرض صدام حسين عليه قصائده، والشاعر يبدي ملاحظاته، إلى أن دخلت أميركا إلى أفغانستان، عندها تغير جدول الرئيس، وعاد صديقي إلى محافظته؛ موقفان غريبان بصراحة، حاكم مثل صدام حسين يملك كل شيء، لكنه يطمح في أنْ يكون شاعراً، والجواهري الشاعر الذي يملك قيادة الشعر على مدى قرن من الزمن، يطمح أن يكون وزيراً أو مسؤولاً في الحكومات.
لقد انخرط معظم الشعراء العراقيين المعاصرين، وخصوصاً بعد الخمسينيات في الحركات السياسية، وانتظموا مع الأحزاب في ذلك الوقت، وكان الحزب الشيوعي من أكثر الأحزاب التي انخرط في صفوفه الشعراء، ولكن لم يصلوا إلى مصدر القرار المؤثر في حركة البلد، إلا أنهم حصلوا على الدعم الإعلامي من ماكينة الحزب في ذلك الوقت، أمثال عبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف وآخرين، فيما اختط بعض الشعراء خط القومية العربية، وحزب البعث على وجه التحديد، ليكونوا جزءاً من ماكينته العقائدية، ومن خلاله تسلموا مناصب في إدارة الدولة، بعد سيطرة حزب البعث على مقاليد الحكم في العراق بعد 1968، وظهرت طبقة من الشعراء الذين خرجوا من حاضنة البعث، ليستلموا مناصب كبرى في إدارة الدولة، أمثال الشاعر شاذل طاقة الذي كان وزيراً للخارجية، والشاعر صالح مهدي عماش الذي كان وزيراً للداخلية ونائباً لرئيس الجمهورية، والذي كانت له سجالات شعرية معروفة مع الجواهري، وكذلك الشاعر شفيق الكمالي الذي أصبح وزيراً للثقافة، وحميد سعيد وسامي مهدي وعبد الأمير معلة الذين أصبحوا وكلاء لوزارة الثقافة على مدى سنوات طويلة من حكم حزب البعث، كما أن هناك قيادات أخرى في مفاصل حزب البعث، أمثال الشاعر كمال الحديثي وآخرين.
ولنا بـ«محمود درويش» مثالٌ كبيرٌ على ذلك، فهو من حرر «وثيقة استقلال فلسطين» التي كُتبت وأعلِنت في الجزائر عام 1987، ولكنَّه عاد واختلف مع «ياسر عرفات» بعد اتفاقية «أوسلو» التي وصفها «درويش» بأنَّها خيبة أمل، والتي على أثرها رفض درويش تولي منصب وزير الثقافة.



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.