اهتمام متزايد بأساليب تخفيض الوزن عبر الحمية والصيام

مع العودة التدريجية للحياة الطبيعية بعد «كورونا»

اهتمام متزايد بأساليب تخفيض الوزن عبر الحمية والصيام
TT

اهتمام متزايد بأساليب تخفيض الوزن عبر الحمية والصيام

اهتمام متزايد بأساليب تخفيض الوزن عبر الحمية والصيام

سوف تصل الدول العربية التي تعاني من الحجر الصحي قريباً إلى مرحلة الانفتاح التدريجي، والعودة إلى نوع من الحياة الطبيعية، مثلما هو الحال الآن في بريطانيا وكثير من الدول الأوروبية. وهنا سوف يكتشف كثير ممن عانوا من الحجر الصحي لشهور أن مرحلة الحرية تشوبها زيادة في الوزن، تراكمت بعد أسابيع العزلة المنزلية، والابتعاد عن النشاط الجسماني المعتاد. ومن هنا تبدأ جهود البحث عن الحمية الغذائية أو الريجيم المناسب للعودة إلى الرشاقة.
وتكمن أهمية استعادة الوزن المثالي في جانب صحي حيوي، هو الابتعاد عن الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» الذي ما زال يمثل خطراً على الجميع، رغم تراجع معدلاته. فمن الافتراضات الطبية أن زيادة الوزن تمثل ارتفاعاً في نسب الإصابة حيث جهاز المناعة في الجسم لا يكون في أفضل حالاته.
وفي البداية، كان انتشار الفيروس يبدو عشوائياً في الانتشار وفي اختيار الضحايا، ولكن بعد دراسة أسلوب الانتشار اتضح أن معظم الضحايا هم ممن يعانون من البدانة ومن كبار السن (ما فوق 60 عاماً) خصوصاً هؤلاء الذين يعانون من أمراض السكر والقلب مع زيادة الوزن.
وسوف يكون الالتزام بتخفيض الوزن في مرحلة الانفتاح والتعايش مع الفيروس في غاية الأهمية، لأن الفيروس لم يندثر، وإنما يتأهب للانقضاض على الضحايا الضعيفة التي تعاني من مشكلات صحية أخرى. وأحد أهم أساليب المقاومة هو خفض الوزن ورفع كفاءة جهاز المناعة الطبيعية.
وهناك كثير من المقترحات لنظام الريجيم المثالي الذي يتضمن أيضاً الصوم المتقطع، ليس فقط بهدف خفض الوزن، وإنما أيضاً المحافظة على الصحة، بالتوازي مع النشاط البدني، والنوم لفترات كافية، وخفض معدلات القلق.
ويوجه هذه النصائح الدكتور مايكل موسلي، الذي سبق له تأليف كتب عن الريجيم، أشهرها كتاب اسمه «فاست 800» الذي وزع منه عشرات الآلاف من النسخ. وهو يرى أن الريجيم الناجح حالياً هو ما يحقق هدفين معاً؛ خفض الوزن ومكافحة «كوفيد - 19». وهو يرى أن الحياة بعد ظهور الفيروس سوف تكون مختلفة عما كانت عليه قبله.
وهو يرى أن الخطر لن ينتهي في المدى المنظور، وأن الحياة بلا خوف يلزمها اتباع الإرشادات الطبية في المحافظة على البعد الاجتماعي، وغسل اليدين عدة مرات يومياً. هذا بالإضافة إلى نظام غذائي مناسب لخفض الوزن ودعم نظام المناعة. فحتى اكتشاف تطعيم ضد الفيروس سوف يعتمد الشفاء من الإصابة على نظام المناعة في الجسم.
وهو يرى نقطة البداية في تفريغ البراد المنزلي من الأطعمة السريعة، وإعادة تعبئته بالفاكهة والخضراوات الطازجة والزبادي والبروتين الخالي من الدهون. وخارج البراد لا بد من العناية بتخزين البقول والحبوب غير منزوعة القشور. فمن هذه المكونات يمكن تناول حميات غذائية تحقق الغرض المزدوج لخفض الوزن ودعم جهاز المناعة.

- حمية البحر المتوسط
يرى الدكتور موسلي، وزوجته الدكتورة كلير بيلي، أن حمية البحر المتوسط تؤدي هدفي الحفاظ على الصحة العامة والوزن المثالي. فهي تحتوي على الدهون الصحية والمكسرات والأسماك واللحوم والخضراوات. وهي أيضاً تحتوي على الفيتامينات والمعادن التي تكافح الأمراض.
وهو يرى أن اتباع هذه الحمية يخفض فرص الإصابة بالنوبات القلبية والسكر والسرطان. وهي أيضاً تزيد المناعة ضد «كوفيد - 19».
ويضيف الدكتور موسلي أن حمية البحر المتوسط تهدئ من الالتهابات في الجسم، وهو عامل حاسم في رفع فرص النجاة من فيروس «كوفيد - 19» بعد الإصابة به. وتحتوي عناصر هذه الحمية على زيت الزيتون والأسماك الزيتية والخضراوات واللحوم، وهي حاملة لمحتويات مفيدة مثل «أوميغا - 3» وأحماض غذائية مفيدة.
ويفيد خفض الالتهابات أيضاً في عدم مبالغة جهاز المناعة في الجسم في التعامل مع «كوفيد - 19» بحيث يضرّ نشاط المناعة المبالغ فيه أعضاء حيوية في الجسم، ويؤدي أحياناً إلى الوفاة. ويمكن تقليل السعرات الحرارية مع وجبات البحر المتوسط، بحيث تفيد أيضاً في خفض الوزن.
وهو يرى أن حجم منتصف الجسم المتضخم يشير في الغالب إلى معاناة قادمة بأمراض خطيرة. والسبب في ذلك هو أنه كلما زاد وزن الجسم كلما ضعفت كفاءة الرئتين. ولذلك، إذا هاجم «كوفيد - 19» شخصاً بديناً، فإنه في الغالب سوف ينتهي به الأمر في العناية المركزة.
وهو يعتقد أنه في حالة من لا يرغبون في خفض الوزن، فإن التحول إلى حمية البحر المتوسط من شأنها أن تعزز مناعة الجسم. وهو يرى أن الابتعاد عن السكر والوجبات السريعة والتحول إلى الخضراوات والبقول من شأنه أن يشجع البكتريا المفيدة في الأمعاء ويمنع البكتريا الضارة.

- الصيام المتقطع
يفيد الصيام المتقطع في تقوية جهاز المناعة في الجسم، لأنه يريح الجسم من ضرورة التعامل مع الطعام لفترات تتيح له فرصة الراحة وإصلاح الخلايا. ويمكن أن تكون الفترات متباعدة وفق قدرة الصائم، ويقترح الدكتور موسلي عدة طرق للصيام المتقطع، منها طريقة 5:2 وهي خفض عدد السعرات إلى 800 سعر لمدة يومين في الأسبوع، ثم تناول أغذية صحية في الأيام الخمسة الباقية.
وهناك أسلوب آخر، هو الحد من فترة تناول الطعام يومياً إلى ساعات معدودة. ويرى البعض أن أسهل وسيلة لتحقيق ذلك هي تأخير تناول وجبة الإفطار أو إلغاؤها تماماً. وهو ينصح أيضاً بتنوع وجبات الطعام والابتعاد عن الأطعمة المصنّعة التي تحتوي على المواد الحافظة والسكريات التي تغذي البكتريا الضارة في المعدة.
من أساليب الصيام المتقطع أيضاً الامتناع التام عن تناول الطعام لمدة يوم كل أسبوع أو يومين في الشهر، والاكتفاء خلالهما بشرب الماء فقط. كما يمكن البداية بمنع الطعام لمدة نصف يوم، بتأخير تناول وجبة الإفطار. وتكون الفائدة مؤكدة إذا كان طعام الأيام التالية للصيام صحياً وخالياً من السكريات والدهون.

- وجبات مفيدة
من الاقتراحات المفيدة لوجبة الإفطار إعداد العجة بالسلمون، مع السلاطة، لتوفير البروتين والفيتامينات للجسم بقية اليوم. وهي تتكون من بيضتين و50 غراماً من السلمون المدخن، مع الملح والفلفل وملعقة من الزبد أو زيت الزيتون. ويتم الطهي لمدة دقيقتين، ويتم تناول الوجبة ساخنة.
ويمكن تحضير بعض الفطائر الصغيرة المحشوة بالجبن والهليون (إسبارغوس)، وفطائر بالفراولة يمكن تحضيرها في المنزل. ومن الأنواع الأخرى التي تصلح ضمن الحمية المنزلية تحضير الزبادي بالفواكه، وكعك بالمكسرات. وأخيراً يمكن تحضير البيض والفطر (مشروم) لوجبة الإفطار أيضاً.
أما وجبة الغداء فتصلح لها عدة أطباق، مثل سلطة السلمون التي تحتوي على مكونات الأرز الأسمر و75 غراماً من السلمون وأوراق السبانخ ونصف ثمرة أفوكادو وجزر مبشور وبصلة خضراء مقطعة وعصير الليمون. ويمكن إضافة صلصة الصويا. وتصلح هذه الوجبة للحفظ في البراد، لتناول ما يبقى منها في اليوم التالي.
ويمكن تحضير سلطات مماثلة، يضاف إليها كل أنواع الخضراوات المفضلة، مع إضافة اللحم المشوي أو الجمبري. ويمكن الاعتماد على اللحوم المشوية أو قطع الدجاج (الكباب) كأفضل أنواع البروتين الحيواني، من دون كمية دهون مصاحبة. وهي جميعاً وجبات تساهم في الحفاظ على الصحة وتخفيض الوزن، خصوصاً إذا صاحبها نشاط عضلي.
من الوجبات النباتية المفضلة، ضمن ما يقترحه الدكتور موسلي في كتابه، الخضراوات المشوية بالباستا، وهي تشمل الفلفل الأخضر والكوسة والبصل الأحمر والطماطم والفاصوليا والبازلاء والعدس وجبن الموتزاريلا وأوراق السبانخ و50 غراماً من الباستا.
ولوجبة العشاء، يمكن تحضير وجبة كاري هندية، تحتوي على اللحم الضاني والقنبيط وحبوب العدس وأوراق السبانخ. ويمكن أيضاً الاستمتاع بوجبة من قرص برغر مع سلطة وبطاطس مقلية بحجم لا يزيد عن 12 شريحة بطاطس.
من الوجبات الليلية الخفيفة أيضاً شوربة الدجاج، ويفضل البعض السلمون والبروكلي والطماطم مع السمسم وزيت الزيتون. وللحلوى بعد الوجبات، يقترح الدكتور موسلي كعك البرتقال والخوخ المشوي مع الزبادي وكعك الشيكولاته وفطائر التفاح.
إن المعركة مع «كوفيد - 19» ما تزال طويلة، وإلى أن يتم اكتشاف اللقاح الشافي منه لا بد أن يكون جهاز المناعة الطبيعي في أفضل حالاته لمقاومة هذا الوباء.


مقالات ذات صلة

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

مذاقات «ساوردو»...  من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز

فيفيان حداد (بيروت)
مذاقات «سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر

محمد عجم (القاهرة)
مذاقات المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

نادية عبد الحليم (القاهرة)
مذاقات جانب من مطعم أوتومات (الشرق الاوسط)

مطاعم جديدة في لندن منتقاة للمسافرين الخليجيين

مع بدء المسافرين من دول مجلس التعاون الخليجي في التخطيط لزياراتهم المرتقبة إلى لندن، تشهد ساحة المطاعم في المدينة موجة متجددة من الافتتاحات الكبرى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
مذاقات مائدة مليئة بالأطباق السعودية الشهيرة (شاترستوك)

من الرياض إلى دلهي: كيف يرسّخ المطبخ السعودي حضوره في الهند؟

لطالما وُضع المطبخ السعودي في الهند تحت مظلة تصنيفات عامة مثل «الشرق أوسطي» أو «العربي»، وتعرّض لفهمٍ قاصر اختزله في صور نمطية ضيقة، كلفائف الشاورما، والحمص

براكريتي غوبتا (نيودلهي)

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».