حان وقت الطبيعة

يوم البيئة العالمي يحتفي بالتنوع الحيوي

حان وقت الطبيعة
TT

حان وقت الطبيعة

حان وقت الطبيعة

يوم البيئة العالمي، الذي تحتفل به الأمم المتحدة في الخامس من يونيو (حزيران)، مرَّ هذه السنة بهدوء، وذلك للمرة الأولى منذ إطلاقه عام 1974. يحمل اليوم هذه السنة عنوان حماية التنوع الحيوي تحت شعار «حان وقت الطبيعة»، وكان يُفترض أن تستضيف كولومبيا احتفاله الرئيسي، قبل القرار القسري بتحويله إلى نشاطات إلكترونية. وتأتي هذه المناسبة بعد أسبوعين من اليوم الدولي للتنوع البيولوجي في الثاني والعشرين من مايو (أيار) ، وكان شعاره هذه السنة «حلولنا في الطبيعة»، للتأكيد على أنه لا يمكن للبشر إيجاد حلول لمشكلاتهم إلا إذا عملوا بالتناغم مع النظام الطبيعي لا ضده.
ترتبط سلامة النظام الإيكولوجي بصحة الإنسان ورفاهيته، وتؤثر التغييرات البيئية الناشئة عن النشاط البشري في أعداد الكائنات الحية وتقلل من التنوع الحيوي. وفي كثير من الأحيان، لا تقتصر الأضرار على البيئة والمحيط الحيوي بل تطال عوامل التنمية المحلية، وتوفّر الظروف المناسبة لانتشار الأمراض، لا سيما تلك المنتقلة من الحيوان إلى الإنسان، كما في جائحة فيروس «كورونا» الراهنة.
- الطبيعة في أزمة
في تقريره الذي صدر السنة الماضية، خلص المنبر الحكومي الدولي للعلوم والسياسات في مجال التنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية إلى أن «الطبيعة تواجه أزمة»؛ فهي مهدّدة في تنوعها الحيوي وفقدان الموائل، إلى جانب تغيُّر المناخ وانتشار الملوثات السامة.
وفي إطار التصدي لوباء فيروس «كورونا» الجديد، يدعو برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) البشر إلى حماية أنفسهم من التهديدات العالمية المستقبلية، من خلال تطبيق إدارة سليمة للنفايات الطبية والكيميائية الخطرة، واعتماد إدارة قوية للطبيعة والتنوع البيولوجي، مع تبنّي خطط متوازنة للتعافي الاقتصادي، وخلق وظائف خضراء، وتسهيل الانتقال إلى اقتصادات محايدة كربونياً.
ويُعدُّ التنوع الحيوي أمراً بالغ الأهمية للتنمية ورفاهية الإنسان، إذ يعتمد أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي العالمي، أي ما يوازي نحو 44 تريليون دولار، على موارد الطبيعة. وترتبط معيشة 70 في المائة من فقراء العالم بما تنتجه الطبيعة، سواء أكان ذلك عبر الزراعة، أو صيد الأسماك وجمع منتجات الغابات، وغيرها من الأنشطة ذات الصلة.
ويتأثر الأمن الغذائي العالمي بفقدان التنوع البيولوجي والتصحر والصدمات الناجمة عن تغيُّر المناخ؛ حيث يعاني 821 مليون شخص من نقص التغذية ويواجه مليارا شخص سوء التغذية. وفيما تعتمد ثلاثة أرباع محاصيل العالم على الحشرات من أجل تلقيح الأزهار، فإن أعداد هذه الحشرات، التي تشكّل أساس الأمن الغذائي العالمي، تنهار بسرعة.
كما تعمل النظم البيئية، خاصة الغابات، على تخفيف وطأة التغيُّر المناخي، عبر التقاط وتخزين الغازات المسببة للاحتباس الحراري. ويمكن للنظم البيئية السليمة والمعافاة أن تساهم بما نسبته 37 في المائة من التخفيف المطلوب في الانبعاثات للحد من ارتفاع درجة الحرارة العالمية. وفي المقابل، يؤدي تلف النظم البيئية، كالأراضي التي تحتوي كميات كبيرة من المواد العضوية وأشجار «المنغروف» الشاطئية والغابات المطيرة الاستوائية، إلى إطلاق الكربون بدلاً من تخزينه.
وفيما تساعد النظم الغنية بالأنواع الحية على تلطيف أثر الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والعواصف والأمواج العاتية والانهيارات الثلجية وانزلاقات التربة والجفاف، يواجه العالم سنوياً خسائر كبيرة في النظم الطبيعية، إذ تفقد الأرض 13 مليون هكتار من غاباتها، ويطال التصحر 3.6 مليار هكتار.
لقد طال تغيير استخدامات الأراضي بفعل النشاط البشري نحو ثلاثة أرباع سطح الأرض، مما أدى إلى تقييد الحياة البرية ضمن مساحة ضيقة للغاية. وتسبب تدمير الموائل وتغيُّر المناخ والصيد غير الشرعي، وتسلل الأنواع النباتية والحيوانية الغريبة عن البيئة المحلية في تعريض نحو مليون نوع من الحيوانات والنباتات إلى خطر الانقراض، وفقاً لنتائج التقرير الأخير عن التقييم العالمي للتنوع الحيوي، مما جعل العلماء يصفون ما يجري على أنه حدث انقراض جماعي عالمي سادس.
وتؤدي النزاعات المسلحة وغياب حالة الاستقرار إلى تعزيز المخاطر التي تطال الأنواع الحية، فيزداد الصيد الجائر والتجارة غير الشرعية بالأنواع المهددة بالانقراض، وتصبح التعديات على الموائل الطبيعية، كالغابات والأحراج خارج سلطة القانون. ففي البادية السورية وعلى أطرافها، مثلاً، تسببت الحرب في إبادة قطعان غزال الرمل والمها العربية، وتراجع أعداد الذئاب الرمادية والضباع المخططة والثعالب، كما شمل الضرر التحطيب الجائر لأنواع الأشجار المحمية كالبطم الأطلسي.
وكان الاجتماع الثالث عشر لمؤتمر الدول الأطراف في اتفاقية حفظ أنواع الحيوانات البرية المهاجرة، الذي عُقد في فبراير (شباط) الماضي، خلص إلى أن أعداد معظم الأنواع المهاجرة التي تغطيها الاتفاقية آخذة في التناقص، رغم بعض قصص النجاح. وفي هذا المؤتمر، نالت هيئة البيئة في أبوظبي جائزة «أبطال المحافظة على الأنواع المهاجرة»، لإسهاماتها البارزة في الحفاظ على أبقار البحر، والطيور الأفريقية الأوراسية الجارحة، وغيرها من الحيوانات المهاجرة ذات الأهمية الإقليمية.
وتعدّ أربع دول عربية، هي مصر وسوريا ولبنان وليبيا، مناطق ساخنة لصيد الطيور في حوض البحر المتوسط. واستناداً إلى تقرير صدر عن منظمة «بيردلايف» في 2016، كانت هذه الدول مسؤولة عن نصف أعداد الطيور التي جرى صيدها سنوياً على نحو غير شرعي في هذه المنطقة. وتقدّر المنظمة أنه من بين 25 مليون طائر يقتل سنوياً، هناك 5.7 مليون طائر يجري صيده في مصر، و3.9 مليون في سوريا، و2.6 مليون في لبنان، و0.5 مليون في ليبيا.
وتصف المنظمة لبنان بأنه «ثقب أسود» للطيور قياساً إلى مساحته وعدد سكانه، وتتعرض الأنواع المهاجرة في سمائه كاللقلق الأبيض إلى صيد جائر استدعى مناشدات دولية للحكومة اللبنانية، من أجل اتخاذ إجراءات حاسمة لمنع إطلاق النار على أسراب الطيور.
وتشكّل البيئات المتنوعة في السعودية محطات مهمة لكثير من أنواع الطيور المقيمة، كالغاق السقطري المهدد بالانقراض وطيور الخرشنة البيضاء الخد، وكذلك الطيور المهاجرة كالحبارى والكروان والصقور والرهو، وغيرها من الطيور الجارحة والعصفوريات والطيور المائية. ولكن الصيد الجائر يجعل جهود السعودية في حماية الأنواع الحية أكثر صعوبة، خاصة مع التراجع الكبير في أعداد طائر القميري وحيوان الضب.
ويؤدي التلوث وزيادة المغذيات إلى تراجع نوعية المياه في المناطق الساحلية، إذ تُظهر الدراسات ارتفاع مستويات الحموضة في المحيطات بنسبة 26 في المائة منذ بداية الثورة الصناعية. وتمثّل البحار أكبر مصدر للبروتين في العالم؛ حيث يعتمد عليها أكثر من 3 مليارات شخص، وهي تمتص نحو 30 في المائة من غازات الدفيئة التي ينتجها البشر.
ويشير تقرير صدر عن «الصندوق العالمي للطبيعة» إلى فشل الدول العربية المتوسطية في بلوغ أهدافها المتعلقة بإنشاء المحميات البحرية للحفاظ على التنوع الحيوي ودعم اقتصاداتها الوطنية. وبحسب التقرير، فإن التنوع الحيوي في البحر المتوسط تراجع بنسبة 41 في المائة خلال السنوات الخمسين الماضية، وأصبحت 80 في المائة من أسماكه عرضة للصيد الجائر، وبعضها في طريق الانقراض.
- سنة حاسمة للأنواع الحية
يرى تقرير التنمية المستدامة العالمية، الذي صدر خلال السنة الماضية تحت عنوان «المستقبل الآن: العلم لتحقيق التنمية المستدامة» أن التداعي الذي لا عودة عنه في النظم الطبيعية يمثل تهديداً كبيراً لإنجازات العقدين الماضيين على الطريق نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة لسنة 2030. لكنه خلص إلى أنه لا يزال من الممكن تحقيق مستقبل أفضل شريطة إجراء تغيير جذري في سياسات التنمية.
ومن ضمن الإجراءات التي يدعو إليها التقرير حماية المشاعات البيئية العالمية مثل الغلاف الجوي والغابات الإستوائية والمحيطات، بوصفها مصادر حيوية لخدمة النظم الإيكولوجية والموارد الطبيعية. ويحثّ التقرير الحكومات والمجتمعات المحلية والقطاع الخاص والجهات الفاعلة الدولية على العمل معاً من أجل الحفاظ على الموارد الطبيعية، واستخدامها على نحو مستدام.
ويعتبر كثيرون أن سنة 2020 ربما تكون حاسمة في تحقيق النجاح أو الفشل. فهي تمثل بداية عقد من العمل لتحقيق أهداف التنمية العالمية؛ حيث سيقود برنامج الأمم المتحدة للبيئة وشركاؤه عشر سنوات عاصفة في محاولة لاستعادة النظم الإيكولوجية. كما ستعيد الاجتماعات الدولية الرئيسية، بما فيها مؤتمر الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في نهاية 2020. صياغة استراتيجية عالمية جديدة للتنوع البيولوجي خلال العقد المقبل.
تأمل الأمم المتحدة أن تكون 2020 سنة للتأمل وللحلول. وهي في الواقع سنة لاختبار قدرة العالم على تجاوز جائحة «كورونا»، وفي الوقت عينه تعزيز القدرات على مواجهة التحديات المستقبلية في العلاقة مع الطبيعة ومكوناتها. لكنها أيضاً فرصة لدراسة الخيارات المتاحة وإعادة البناء على أسس خضراء، تعزّز مرونة المجتمعات، وتحفظ التنوُّع الحيوي الذي يضمن رفاهية الإنسان واستدامة الحياة على كوكب الأرض.


مقالات ذات صلة

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

بيئة الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية.

«الشرق الأوسط» (دافوس)
بيئة أقدام الديناصورات التي اكتشفها علماء حفريات إيطاليون (أ.ب)

العثور على آثار أقدام ديناصورات بجبال الألب في إيطاليا

اكتشف علماء حفريات إيطاليون الآلاف من آثار أقدام الديناصورات على صخرة شبه عمودية على ارتفاع أكثر من ألفي متر فوق مستوى سطح البحر في متنزه ستلفيو الوطني.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الاقتصاد وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية خلال اجتماعها مع أحد المستثمرين (رئاسة مجلس الوزراء)

مصر تبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية

عقدت وزيرة التنمية المحلية القائمة بأعمال وزير البيئة المصرية اجتماعاً مع أحد المستثمرين لبحث فرص تعزيز الاستثمار البيئي داخل المحميات الطبيعية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
علوم يؤكد الباحثون أن الصدوع التي تقع على أعماق سحيقة في باطن الأرض يمكن أن تلتحم من جديد بعد انكسارها نتيجة الهزات الأرضية (بيكسباي)

الأرض «تضمد جروحها» بعد الزلازل القوية

توصل فريق من علماء الجيولوجيا في الولايات المتحدة إلى أن الصدوع الزلزالية العميقة في باطن الأرض يمكن أن تلتئم في غضون ساعات بعد حدوث الهزات الأرضية القوية.

«الشرق الأوسط» (سان فرنسيسكو)
صحتك الأشخاص الذين مارسوا ما لا يقل عن ساعتين ونصف من التمارين الرياضية أسبوعياً انخفض لديهم خطر الوفاة (رويترز)

المشكلة الشائعة التي تُقلّل من فوائد التمارين الرياضية

معروف أن ممارسة الرياضة بانتظام تُحسّن الصحة النفسية، وتُقلل من خطر الإصابة بأمراض القلب، وتُحسّن محيط الخصر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
TT

السعودية تستضيف أول قمة عالمية للشُّعب المرجانية أواخر 2026

الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)
الأميرة ريما بنت بندر خلال فعاليات «البيت السعودي» على هامش منتدى دافوس (برنامج جودة الحياة)

تستضيف السعودية خلال الربع الأخير من العام الحالي أعمال «القمة العالمية الأولى للشعب المرجانية»؛ تأكيداً لريادتها الدولية في مجال حماية النظم البيئية البحرية، وإبراز مكانتها المتقدمة في قيادة الجهود الدولية لمواجهة التحديات البيئية حول العالم.

وأعلنت عن استضافة القمة الأميرة ريما بنت بندر بن سلطان السفيرة السعودية لدى الولايات المتحدة، خلال فعاليات «البيت السعودي» المنعقدة على هامش الاجتماع السنوي للمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس.

من جانبه، أكّد المهندس عبد الرحمن الفضلي وزير البيئة والمياه والزراعة السعودي، أن هذه الاستضافة تُجسّد جهود بلاده محلياً ودولياً في حماية وحفظ النظم البيئية البحرية، عبر تبنّي أفضل البرامج والتقنيات المبتكرة، والممارسات العالمية؛ للإسهام في تحقيق مستهدفات التنمية المُستدامة، من خلال إعادة تأهيل الشُعب المرجانية، واستعادة التوازن البيئي، وتحسين جودة الحياة.

بدوره، أوضح الدكتور خالد الأصفهاني، الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة المحافظة على الشعب المرجانية والسلاحف في البحر الأحمر»، أن أعمال القمة ستركز على 3 محاور رئيسية، هي السياسات، والبحث العلمي، والتمويل، منوهاً بأنها تسعى لطرح إطار عملي وموجّه للسياسات والتشريعات، يُمكّن من تحقيق الاستدامة المالية للشعب المرجانية والأنظمة البحرية المرتبطة بها، مع رسم مسار واضح للانتقال من الحوار إلى التنفيذ.

وأضاف الأصفهاني أن القمة تهدف أيضاً إلى إبراز الشعب المرجانية كأصول اقتصادية ضمن استراتيجيات الاقتصاد الأزرق، واستحداث آليات تمويل مستدامة وقابلة للتوسع، كذلك إشراك القادة وصنّاع ومتخذي القرار؛ لتطوير نماذج استثمارية قابلة للتنفيذ عبر السياسات والتشريعات، وإنشاء مسار تعبئة دولي منظم يقود إلى مخرجات ملموسة وقابلة للقياس.

وتتولى السعودية تنظيم هذه القمة العالمية، من خلال المؤسسة، وذلك بصفتها رئيساً للمبادرة الدولية للشعاب المرجانية (ICRI)، التي تضم في عضويتها 45 دولة، ما يعكس الثقة الدولية في دور المملكة القيادي في حماية الشعب المرجانية حول العالم.


2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
TT

2025... ثالث أكثر السنوات حراً على الإطلاق عرفها العالم

سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)
سائح يشرب الماء خلال زيارته لمعبد البارثينون في ظل موجة حرّ تضرب أثينا في اليونان يوم 27 يونيو 2025 (رويترز)

أعلن مرصد «كوبرنيكوس» الأوروبي ومعهد «بيركلي إيرث» الأميركي، الأربعاء، أن 2025 كان ثالث أحرّ الأعوام المسجلة على مستوى العالم، متوقعاً أن يبقى 2026 عند مستويات مرتفعة تاريخياً.

وأشار مرصد «كوبرنيكوس» في تقريره السنوي إلى أن درجات الحرارة العالمية لا تزال منذ ثلاث سنوات عند مستويات لم يسبق لها مثيل في التاريخ البشري، إذ تجاوز معدل درجات الحرارة خلال هذه الفترة مستويات ما قبل الثورة الصناعية (1850-1900) بمقدار 1,5 درجة مئوية، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وفي سياق منفصل، قال علماء من معهد «بيركلي إيرث» في الولايات المتحدة إن «الارتفاع الحاد المسجل بين عامي 2023 و2025 كان استثنائياً، ويشير إلى تسارع وتيرة الاحترار المناخي».

وأقرّ العديد من علماء المناخ والقادة السياسيين، بالإضافة إلى الأمم المتحدة، علناً منذ العام الماضي بأن الاحترار سيتواصل بمعدل 1,5 درجة مئوية، وهو الحد الذي طمحت اتفاقية باريس الموقعة عام 2015 إلى عدم تجاوزه.

ومع بلوغ هذه العتبة منذ ثلاث سنوات، يرجّح برنامج «كوبرنيكوس» أن يتم الإعلان رسمياً عن تجاوز الحد المستدام بحلول نهاية هذا العقد، أي قبل أكثر من عقد من الموعد المتوقع أساساً.

ويثير هذا التسارع قلقاً متزايداً نظراً لأن الولايات المتحدة، ثاني أكبر مصدر لانبعاثات غازات الدفيئة، تتخلى عن التعاون المناخي العالمي في عهد رئيسها دونالد ترمب.

صورة أرشيفية من طوكيو عاصمة اليابان لأشخاص يحملون الشماسي للوقاية من حرارة الشمس (أ.ف.ب)

منحى مشابه في 2026

في الوقت نفسه، تفقد الجهود المبذولة للجم انبعاثات غازات الدفيئة زخمها في الدول الغنية. ففي فرنسا وألمانيا، تراجعت جهود خفض الانبعاثات مجدداً في عام 2025، وفي الولايات المتحدة، تسبب التوسع الكبير في محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في زيادة البصمة الكربونية للبلاد مرة أخرى، ما بدّد سنوات من التقدم.

وقال رئيس وحدة «كوبرنيكوس»، ماورو فاكيني، في مؤتمر صحافي: «الحاجة إلى العمل المناخي باتت ملحّة أكثر من أي وقت مضى».

ولا توجد أي مؤشرات على أن عام 2026 سيخالف الاتجاه المسجل في السنوات الأخيرة.

وتوقعت نائبة مدير قسم تغير المناخ في «كوبرنيكوس»، سامانثا بورغيس، أن يكون عام 2026 من بين أحرّ خمسة أعوام مسجلة على الإطلاق، وقد يكون مماثلاً لعام 2025.

ويتوقع علماء المناخ في «بيركلي إيرث» أيضاً أن يكون 2026 «على الأرجح مشابهاً لعام 2025، مع ترجيح أن يكون رابع أحرّ عام منذ عام 1850».

وفي حال حدوث ظاهرة «إل نينيو» وما يصاحبها من ارتفاع في درجات الحرارة، «قد يجعل ذلك 2026 عاماً قياسياً»، وفق ما أوضح مدير قسم تغير المناخ في المرصد، كارلو بونتيمبو، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

لكن «سواء كان ذلك في عام 2026 أو 2027 أو 2028، فالأمر لا يهم حقاً. المسار واضح جداً»، حسب بونتيمو.

سكان يراقبون حريقاً كبيراً يقترب من كونغوستا بإسبانيا (رويترز - أرشيفية)

معدلات قياسية في آسيا وأنتركتيكا

عام 2025، فاق معدل درجات حرارة سطح الأرض والمحيطات بـ1,47 درجة مئوية مستويات ما قبل الثورة الصناعية، بعد أن سجل معدل حرارة قياسياً تخطى تلك المستويات بـ1,60 درجة مئوية عام 2024.

ويخفي هذا المتوسط العالمي درجات حرارة قياسية في مناطق معينة، لا سيما في آسيا الوسطى والقارة القطبية الجنوبية ومنطقة الساحل، وفق تحليلات أجرتها «وكالة الصحافة الفرنسية» باستخدام بيانات يومية من الخدمة الأوروبية.

وبذلك، شهد 770 مليون شخص موجات حر قياسية في بلدانهم، حسب حسابات معهد «بيركلي إيرث».

والأربعاء، أفادت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، وهي وكالة تابعة للأمم المتحدة، بأنّ اثنتين من مجموعات البيانات الثماني التي حلّلتها أظهرتا أنّ عام 2025 كان ثاني أكثر السنوات حراً، ولكن المجموعات الأخرى صنّفته في المرتبة الثالثة.

وقدّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية متوسط الاحترار للفترة 2023-2025 عند 1,48 درجة مئوية، مع هامش خطأ يبلغ زائد أو ناقص 0,13 درجة.

وقالت الأمينة العامة للمنظمة، سيليست سولو، في بيان، إنّه على الرغم من ظاهرة التبريد المناخي «لا نينيا»، فإنّ عام 2025 «يبقى أكثر الأعوام حراً على الإطلاق على مستوى العالم بسبب تراكم الغازات الدفيئة في غلافنا الجوي».

في الوقت نفسه، لم تُسجل أي درجات حرارة منخفضة قياسية في عام 2025، وفق المعهد الأميركي.

شهد عام 2025 العديد من الظواهر الجوية المتطرفة، من موجات حرّ وأعاصير وعواصف عاتية في أوروبا وآسيا وأميركا الشمالية، إلى حرائق غابات مدمرة في إسبانيا وكندا وكاليفورنيا، تفاقمت حدتها أو تواترها بفعل الاحترار العالمي.

وتلعب التقلبات الطبيعية دوراً في الاحترار؛ فعلى سبيل المثال، كانت ظاهرة التبريد المعروفة باسم «لا نينيا» ضعيفة نسبياً في العام الماضي.

لكن كبير العلماء في مركز «بيركلي إيرث»، روبرت رود، يُبدي قلقه إزاء عوامل أخرى غير متوقعة تُفاقم الاحترار، حتى وإن كان ذلك بمقدار أجزاء من عشرة أو من مائة من الدرجة على المستوى العالمي.

وعلى وجه الخصوص، كان للقواعد الدولية التي خفضت محتوى الكبريت في زيت وقود السفن منذ عام 2020 أثر غير مقصود، تمثل في المساهمة في الاحترار من خلال خفض انبعاثات ثاني أكسيد الكبريت. ففي السابق، كانت هذه الجسيمات العالقة تتسبب في نشوء سحب صافية تعكس ضوء الشمس، ما يُساهم في تبريد الأرض.


المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
TT

المحيطات امتصت مستويات قياسية من الحرارة عام 2025

حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)
حوت يبحر في المحيط الأطلسي (د.ب.أ)

أفاد فريق من العلماء من مختلف أنحاء العالم، الجمعة، بأن المحيطات امتصت كمية قياسية من الحرارة عام 2025، مما زاد من احتمال ارتفاع مستوى البحار وحدوث عواصف عنيفة وموت الشعاب المرجانية.

وقد ارتفعت الحرارة المتراكمة في المحيطات، العام الفائت، بنحو 23 زيتا غول، أي ما يعادل استهلاك الطاقة الأولية العالمية لأربعة عقود تقريباً.

وذكر الباحثون أن هذه النتيجة التي نُشرت في مجلة «أدفانسيس إن أتموسفيريك ساينسز» Advances in Atmospheric Sciences، تُعدّ أعلى قراءة سنوية منذ بدء تسجيل البيانات الحديثة في أوائل خمسينات القرن الماضي.

ولإجراء هذه الحسابات، استخدم أكثر من 50 عالماً من 31 مؤسسة بحثية مصادر متعددة، من بينها مجموعة كبيرة من الروبوتات العائمة التي ترصد تغيرات المحيطات حتى عمق 2000 متر، وفق ما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مؤشر أدق

وقالت المشاركة في إعداد الدراسة، كارينا فون شوكمان، إن النظر إلى أعماق المحيطات بدلاً من تقلبات سطحها، يقدّم مؤشراً أدق إلى كيفية استجابة المحيطات للضغط المستمر الناتج من انبعاثات البشر.

تُعدّ المحيطات عاملاً أساسياً في تنظيم مناخ الأرض؛ إذ تمتص 90 في المائة من الحرارة الزائدة في الغلاف الجوي الناتجة عن انبعاثات غازات الدفيئة مثل ثاني أكسيد الكربون.

تحمل هذه الطاقة الإضافية تأثيراً كبيراً، فارتفاع درجة حرارة المحيطات يزيد من رطوبة الغلاف الجوي، مما يُوفّر عوامل للأعاصير المدارية والأمطار الغزيرة.

ويسهم احترار المحيطات بشكل مباشر في ارتفاع مستوى البحار؛ إذ تتمدد المياه عند ارتفاع درجة الحرارة، مما يجعل الظروف صعبة جداً للشعاب المرجانية الاستوائية التي تموت خلال موجات الحر البحرية الطويلة.

وقالت شوكمان: «إذا تواصل تراكم الحرارة في الأرض، فستستمر حرارة المحيطات في الارتفاع، وسيرتفع مستوى البحار، وستُسجَّل أرقام قياسية جديدة».

وتيرة أسرع

وترتفع درجة حرارة المحيطات في بعض المناطق بوتيرة أسرع من غيرها.

وكانت المحيطات الاستوائية، وجنوب المحيط الأطلسي، والبحر الأبيض المتوسط، وشمال المحيط الهندي، والمحيط الجنوبي من بين المسطحات المائية التي امتصت كميات قياسية من الحرارة سنة 2025.

وقد سُجّل ذلك رغم انخفاض متوسط درجات حرارة سطح البحر بشكل طفيف سنة 2025، غير أنه ظل ثالث أعلى رقم مسجّل على الإطلاق.

ويُعزى هذا الانخفاض إلى التحوّل من ظاهرة «إل نينيو» القوية التي أدت إلى ارتفاع درجة الحرارة في 2023 - 2024، إلى ظروف شبيهة بظاهرة «لا نينا» التي عادة ما ترتبط بتبريد مؤقت لسطح المحيطات.

وعلى المدى البعيد، يتسارع معدل ارتفاع درجة حرارة المحيطات نتيجة الزيادة المستمرة في تركيزات غازات الدفيئة في الغلاف الجوي، والتي تُعزى أساساً إلى حرق الوقود الأحفوري.