حمدوك لـ«الشرق الأوسط»: علاقاتنا مع واشنطن تتقدم ولا خوف مع إثيوبيا... والسلام اقترب

رئيس الوزراء السوداني أكد سعي الخرطوم إلى اتفاق حول «سد النهضة» وتوقع «فوائد كبيرة جداً»

حمدوك لـ«الشرق الأوسط»: علاقاتنا مع واشنطن تتقدم ولا خوف مع إثيوبيا... والسلام اقترب
TT

حمدوك لـ«الشرق الأوسط»: علاقاتنا مع واشنطن تتقدم ولا خوف مع إثيوبيا... والسلام اقترب

حمدوك لـ«الشرق الأوسط»: علاقاتنا مع واشنطن تتقدم ولا خوف مع إثيوبيا... والسلام اقترب

أكد رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك أن خروج بلاده من قائمة الإرهاب الأميركية، بات وشيكاً جداً، مشيراً إلى حدوث «تقدم كبير» في العلاقات مع الولايات المتحدة، وتفاهمات كثيرة، وأنه تبقى جزء بسيط متعلق بالتعويضات فيما يخص تفجيرات سفارتي أميركا في نيروبي ودار السلام. وأضاف: «حتى هذه القضية قطعنا فيها خطوات كبيرة، ونتوقع أن نصل إلى نهايات في القريب العاجل». وأضاف: «منذ جئنا للسلطة، نعمل على معالجة ملف الإرهاب، وأحرزنا تقدماً كبيراً، ونتوقع أن يكون هذا الملف في نهاياته».
في ذات الوقت، دعا حمدوك في حوار شامل مع «الشرق الأوسط»، لإقامة علاقات قوية مع المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية، تتجاوز العون والمساعدات، إلى التكامل غير المحدود. وشدّد على أن العلاقات مع الرياض وأبوظبي «جيدة جداً... ونشيد بالدعم الذي نتلقاه منهما، لكنا نطمح أن ترتقي العلاقة لمجال أكبر من الهبات».
وقال حمدوك إنه غير قلق من حدوث تصعيد مع إثيوبيا، بعد التوترات الحدودية الأخيرة، مشدداً على أن البلدين بينهما من الآليات «ما يمكن أن يساعد في معالجة الأزمة». وأكد أن بلاده «طرف أصيل في موضوع سدّ النهضة»، وتوقع «فوائد كبيرة جداً». وأضاف أن «ما قمنا به من عمل هو مساعدة الأطراف الثلاثة، ووقف التصعيد والعودة لمائدة التفاوض، لنصل إلى اتفاق يُمكن إثيوبيا من ملء بحيرة السد قبل البدء في ملء البحيرة».
وأشار إلى قدرته على حلّ أزمات السودان الاقتصادية، قائلاً: «لو لم أكن مقتنعاً بمعالجة الأزمة الاقتصادية، فلن أظل في مقعدي ليوم واحد، نحن مقتنعون تماماً بأننا بلد غني بموارده الكثيرة، ورثنا اقتصاداً منهاراً تماماً، لكن بوحدتنا وبقدرتنا على مخاطبة المكون المحلي والعالم الخارجي حولنا، نستطيع خلق مناخ على المدى القصير يساعدنا على الخروج من الحفرة الموجودين فيها».

> أصدر مجلس الأمن الدولي أمس، قرارين، استجابة لطلب الحكومة إنشاء بعثة سياسية خاصة بالسودان، وتمديد أجل بعثة يوناميد، ما تأثيرهما على الأوضاع في السودان؟
- طلبنا إرسال بعثة سياسية للسودان تحت البند السادس، ووجد القرار استجابة وموافقة من المجتمع الدولي ومجلس الأمن الدولي، وهي بعثة لمساعدتنا في تحديات الانتقال وعلى رأسها عملية السلام، ونسعى لإخراج السودان من تحديات ومشاكل البند السابع الذي ظل موجوداً فيه لمدة 15 عاماً.
هذه العملية تتم وفق رؤية الحكومة السودانية، وهذا ما ذكره مجلس الأمن الدولي: أن تتم العملية وفقاً لحفظ السيادة الوطنية.
مفاوضات السلام في جوبا تمضي بصورة جيدة، وسنصل إلى اتفاق سلام، بما في ذلك الحركات التي لا تشارك في المفاوضات الآن، وللسلام استحقاقات كثيرة جداً منها إعادة اللاجئين والنازحين، وتوفير الأمن الغذائي والمرافق والخدمات لهم، والبعثة الأممية ستساعدنا في جمع الموارد لتلبية متطلبات السلام.
كذلك ستساعدنا البعثة خلال الفترة الانتقالية للتحضير للانتخابات، وهي علمية مكلفة لأي دولة خارجة من حروب ونزاعات، ونحن سعداء بالشكل الذي تم به القرار.
أما اللغط الذي دار بأن البعثة تضم قوات عسكرية، فهذا الحديث غير صحيح، والبعثة تأتي وفق رؤيتنا، ونحن من نقودها وهي توفر لنا ما نريد.
> ما تعليقك على الآراء التي تتحدث عن أن وجود البعثة فيه انتقاص للسيادة الوطنية؟
- هذا حديث غريب، فالسودان عضو في الأمم المتحدة، ومن الطبيعي أن يلجأ لها للبحث عن الدعم، والغريب أن من يتباكون على السيادة الوطنية يتناسون أن هنالك الآلاف من القوات الأممية موجودة بالفعل في البلاد منذ أكثر من 15 عاماً، وتحت البند السابع.
> كيف يمكن أن يؤثر القرار على علاقات السودان الدولية في ظل التعقيدات القائمة بين السودان وأميركا حول لائحة الإرهاب؟
- منذ جئنا للسلطة فنحن نعمل على ملف الإرهاب وأحرزنا تقدما كبيراً ونتوقع أن يكون هذا الملف في نهاياته.
> ما آخر المستجدات في الحوار مع أميركا على ملف رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية الإرهاب؟
- ما حدث تطور كبير جدا، ووصلنا لتفاهمات كبيرة حوله، وتبقى جزء بسيط متعلق بالتعويضات في تفجيرات سفارتي أميركا في نيروبي ودار السلام، وحتى هذه القضية قطعنا فيها خطوات كبيرة، ونتوقع أن نصل إلى نهايات في القريب العاجل.
> من أين ستسددون أموال التعويضات؟
- سنناقش هذا الأمر مع الأميركان والأشقاء في الإقليم، ونأمل بأن نصل لتفاهمات، وهو ملف ظللنا نعمل عليه منذ مجيئنا للسلطة، ونتوق لأن يحدث فيه انفراج كبير قريباً.
> متى تتوقعون رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب؟
- كانت توقعاتنا أن يحذف اسم السودان من لائحة الإرهاب أمس، ولكن أتوقع أن ترفع بشكل سريع وعاجل جدا.
> عين السودان سفيره في واشنطن، ووافقت واشنطن على تطوير علاقتها لمستوى سفير، فمتى سيصل السفراء؟
- اتفقنا في زيارتي لواشنطن ديسمبر (كانون الأول) الماضي، على تبادل السفراء، لم يكن لأميركا سفير لدى السودان منذ 23 عاماً، فقرروا تعيين سفير، وهذا يعتبر تقدماً كبيراً في العلاقات بين البلدين، وأعتقد أن الظروف المتعلقة بجائحة كورونا أدت إلى تأخير تعيين السفير الأميركي بالخرطوم.
> هنالك جدل حول عملية السلام مع الحركات المسلحة، وتوجه لها كثير من الانتقادات - بما في ذلك عدم تكوين مفوضية الانتخابات لتشرف عليها - تصل إلى أن البعض يقول إن العسكريين اختطفوا عملية السلام؟
- هذا غير صحيح، فمنذ تشكيل الحكومة الانتقالية، وضعنا رؤية لتحقيق السلام، تخاطب قضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وإصلاح القوانين وجبر الضرر والمصالحات والعدالة الانتقالية والترتيبات الأمنية والعون الإنساني، وكل أوراق التفاوض تمت صياغتها بواسطة مجلس الوزراء، ويشارك بعض الوزراء في المفاوضات مع الحركات المسلحة في جوبا، وقد قمت شخصياً بزيارة جوبا.
أنا على اتصال مباشر ودائم بقيادات الجبهة الثورية والحركات المسلحة الأخرى غير المشاركة في المفاوضات، أما الحديث عن اختطاف ملف السلام فهو غير موفق، مجلس السيادة جزء من السلطة الانتقالية، نحن حكومة فترة انتقالية متكاملة ولا يوجد تنافس بيننا.
الذي يقود المفاوضات الآن هو عضو مجلس السيادة محمد حسن التعايشي، وهو من المدنيين، أما مشكلة مفاوضات السلام، فإنها خاطبت مسارات أكثر من كونها خاطبت محاور، وهو ما أطال أمد التفاوض.
كان هنالك تفاؤل كبير بأن يتم السلام خلال شهر من تشكيل الحكومة الانتقالية، وهنالك مقترح بعدم تشكيل الحكومة والانتظار لمدة شهر حتى تضم حركات الكفاح المسلح للحكومة، لكن هذه المساءلة لم تتم لأن روح التفاؤل كانت الحاكمة وقتها، وهو تفاؤل مبرر، لأن قوى الكفاح المسلح جزء من الثورة والتغيير وقد ساهمت فيه بشكل كبير جدا.
ولا نسمي ما يجري في جوبا «تفاوضاً»، إنما حوار بين طرفين المشتركات بينهما كبيرة جدا، هنالك حركات لم يجر التفاهم معها حتى الآن، «حركة تحرير السودان، بقيادة عبد الواحد النور»، و«الحركة الشعبية شمال، بزعامة عبد العزيز الحلو»، وقد بدأنا معهما التفاوض، ثم توقف بسبب بعض التعقيدات، وفي المرحلة الثانية من السلام نريد استصحاب كل الإيجابيات والسلبيات التي حدثت في المرحلة الأولى، وأنا على تواصل مستمر مع قيادات الحركتين.
> لكن حركة عبد العزيز الحلو لا تزال متمسكة بموقفها التفاوضي من قيام دولة علمانية؟
- من المهم جدا في عملية السلام عدم التمترس حول موقف محدد، والمعادلات الصفرية، ينبغي أن نذهب إلى التفاوض بذهن مفتوح، وبلا خطوط حمراء، وأن نتحاور بروح وطنية عالية في كل القضايا، ما أضر السودان سوى عدم مناقشة المسكوت عنه بروح مفتوحة، وبالتأكيد سنصل إلى تفاهم حول هذه القضايا، ففي مؤتمر أسمرة للقضايا المصرية الذي تم في عام 1955 تم التوصل إلى معالجة علاقة الدين بالدولة، وكذلك المقاربات التي تمت للقضية في الدستور الانتقالي 2005. وما دمنا حريصين على البلد وعلى استدامة التنمية والديمقراطية فسنجلس إلى طاولة الحوار حول كل القضايا وسنصل فيها لاتفاق.
> تطاول أمد المفاوضات أثر على أداء الحكومة؟
- لم يكن في توقعاتنا أن يأخذ السلام هذا الوقت الطويل، ويرجع ذلك إلى أن التفاؤل متزايد بإيقاف الحرب وبناء السلام، باعتبار ذلك مطلباً أساسياً لو لم يتم إنجازه فإن أي حديث عن ديمقراطية مستدامة سيكون معلقا في الهواء.
> ما رأي الحكومة في التوترات الأمنية التي حدثت في دارفور بين الجيش وحركة تحرير السودان هذا الأسبوع؟
- منذ بدء الفترة الانتقالية لم تتوقف الصدامات والمشاكل ذات الطابع الإثني والقبلي في ولايات دارفور وبورتسودان وكسلا وكادوقلي، هذه النزاعات والصدامات مرتبطة بالدمار الشامل الذي خلقه النظام المعزول، بتكريسه الجهوية وإثارته للفتن والوقيعة بين الإثنيات والقبائل.
هذه تحديات تواجه الحكومة الانتقالية، وتحتاج إلى معالجات خاصة لمشكلة استرخاص القتل والدم السوداني، الذي جعل الموت سهلا، لأن الدولة والقبيلة تتدخلان لدفع الديات لحوادث القتل، لوقف هذا وضعنا منهجاً يقوم على أن أي شخص يعتدي على الآخر يواجه بالقانون، وأن نعمل على فرض هيبة الدولة.
> لماذا يبدو البطء في إكمال هياكل الانتقال بحسب الوثيقة الدستورية؟
- هناك بطء في تعيين الولاة المدنيين، وتشكيل المجلس التشريعي، هذين الملفان عطفاً على روح التفاؤل التي سادت بعد الثورة، تم ربطهما بتحقيق السلام، نحن في مؤسسات السلام والحكم الانتقالي وصلنا لنتيجة، أن هذا الربط لم يكن صحيحاً، وما كان علينا ربطهما بتحقيق السلام، وهذا خطأ، لكنه تم بتوقعات أن السلام قريب، كنا نقول دعونا ننجز هذه الأشياء مع بعض، وبروح إشراك قوى الكفاح المسلح في تشكيل هذين الهيكلين، وقبل فترة أسبوعين إلى ثلاثة وصلنا معهم لاتفاق على تعيين ولاة مؤقتين، وتكوين المجلس التشريعي قبل تحقيق السلام، وهناك جدية كاملة للتعامل مع الأمر.
المجلس التشريعي... لو كانت هناك إضافة حقيقية للانتقال الثالث مقارنة بانتقال أكتوبر (تشرين الأول) 1964 وأبريل (نيسان) 1985 فهو المجلس التشريعي، وقد توافق الموقعون على الوثيقة الدستورية على قيام مجلس تشريعي وهي إضافة ليست هينة، وأنا أسميها «جمعية وطنية» وليس مجلسا تشريعيا، لو تم الأمر باكرا لكان سيتيح لنا الفرصة لمناقشة قضايا البلد الكبيرة، قصة العلمانية وشكل الدولة، الانتخابات والدستور، وكل القضايا كان يمكن مناقشتها في مجلس تشريعي بوجود ممثلين لمختلف ألوان الطيف السياسي، وهذا عادة لا يتحقق نتيجة لانتخابات، لكن ما تزال هناك فرصة للقيام بذلك. المحزن أننا ندعم البلدان الأخرى، لذلك يجب أن نصل فيه لتفاهم ونتخذ فيه قرارا واضحا، وأرى أن على الحاضنة السياسية أن تتفق معنا عليه.
> قرار زيادة الرواتب بنسبة تجاوزت 500 في المائة، هل تم التحسب لما قد ينتج عنه من آثار تضخمية؟
- نحن واعون لهذا الجانب، لذلك قبل أشهر من صدور هذا القرار، اتخذنا حزمتين أساسيتين «برنامج سلعتي» وهو برنامج حدد أكثر من 10 سلع استراتيجية قمنا بوضع ميزانياتها وتكلمنا فيها بشكل مفصل مع منتجيها، لتذهب مباشرة من المنتج للمستهلك، وهذا يوفر ما نسبته 30 - 40 في المائة من سعر السلعة بقطع الطريق أمام الوسطاء، والشيء الآخر الذي بدأنا فيه بشكل جاد هو تفعيل اقتصادات التعاون لتوفير السلع لكل المواطنين، وذهبنا فيه خطوات كبيرة، ما يساعد فيما قد ينتج عن زيادة المرتبات وأي آثار تضخمية لها.
> في مجال تفكيك نظام الإنقاذ، نسبت لك تصريحات تتحدث فيها عن «عدالة انتقالية»، وفهمت أنها محاولة لإعادة «إسلاميين» للواجهة من هذه البوابة؟
- لم أتحدث عن قوى سياسية في هذا الموضوع، إسلاميين أو غيرهم، لكني تحدثت أننا ولأكثر من 60 سنة منذ استقلال البلاد، فشلنا في خلق نموذج للاستقرار وتحقيق المشروع الوطني الذي يحفظ استقرار السودان واستدامة الديمقراطية، لذلك يجب أن نصل لتفاهم حول قيام مشروع وطني يجمع عليه كل السودانيين، ونترك مسألة من يحكم لخيارات الشعب السوداني، هذا الشق الأول من المشروع، أما الشق الثاني منه فيتمثل في إقامة مشروع تنموي نهضوي يخاطب قضايا التنمية المستدامة، هذان الذراعان مع بعضهما، يشكلان المشروع الوطني.
هذا المشروع لم يدخل في تفاصيل مخاطبة أي مكون، أو أي سياسي، نحن في فترة انتقالية ليست فيها أحزاب، نحن نتكلم عن مشروع وطني، يخاطب هذه الحاجة.
> لكنك التقيت بعض رموز الإسلاميين، مثل غازي العتباني مثلا؟
- طلب لقاءنا ونحن نلتقي أي سوداني، والعتباني يلتقي كل قوى إعلان الحرية والتغيير، ليست لنا أجندة سياسية، وكل ما نفعله يقال.
> شهدت الحدود بين إثيوبيا والسودان حالة من التوتر الأمني والعسكري مؤخراً، إلى أين تسير الأوضاع مع الجارة الشرقية؟
- تجمعنا بإثيوبيا علاقات الجيرة والثقافة والتاريخ، وبيننا من الآليات ما يمكن أن يساعد في معالجة الأزمة، فهناك لجنة خماسية مشتركة مكونة من وزير مجلس الوزراء من جانبنا، ونائب رئيس الوزراء من جانبهم، ووزراء الخارجية من البلدين، وقادة هيئات الأركان والاستخبارات، اجتمعت الشهر الماضي ونتوقع عقدها خلال هذا الشهر لمعالجة الأزمة، نحن غير قلقين من حدوث تصعيد.
> تقدمت بمبادرة لإعادة كل من السودان ومصر وليبيا لطاولة التفاوض لحل مشكلة سد النهضة، أين وصلت؟
- نحن لسنا وسطاء في موضوع سد النهضة، نحن طرف أصيل، نستفيد من السد فوائد كبيرة جداً، ما قمنا به من عمل هو مساعدة الأطراف الثلاثة ووقف التفويض والعودة لمائدة التفاوض، لنصل لاتفاق يمكن إثيوبيا من ملء بحيرة السد قبل البدء في ملء البحيرة.
> تحتفظون بعلاقات جيدة بدول الخليج، لا سيما السعودية والإمارات، لكن المراقبين يتحدثون عن ثمة جفوة، ماذا هناك؟
- علاقتنا جيدة جداً مع السعودية والإمارات، ونشيد بالدعم الذي نتلقاه من الأشقاء في السعودية والإمارات، لكننا نطمح لأن ترتقي العلاقة لمجال أكبر من الهبات، نحن نريد علاقة تقوم على المصالح المشتركة وعلى الاستثمار دون سقف محدد، ونسعى لأن يأتي رأس المال السعودي والإماراتي للاستثمار عندنا ببلايين الدولارات، لأن لدينا الإمكانيات والمزايا التي تمكن من حدوث هذا التكامل، ونريد علاقة سقفها بلا حدود ولا تقف عند حدود المعونات، بل أن تذهب لآفاق أرحب من ذلك.
> كانت الإجراءات تجري على قدم وساق لعقد مؤتمر المانحين، قبل جائحة كورونا، لكنها توقفت، أين وصلت الأوضاع الآن؟
- سميناه اسما جديداً: «مؤتمر الشراكة السودانية»، وأطرافه مع كل الأصدقاء والأشقاء، سيعقد افتراضيا بسبب ظروف الكورونا، والشركاء الأساسيون فيه هم «السودان، وألمانيا، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي.
> قطعتم أكثر من ميعاد لتعيين الولاة وتشكيل المجلس التشريعي وتم التراجع عنه، فمتى يتم ذلك؟
- لا، لم يحدث تراجع، تأخرت تسمية الولاة لأن هناك صعوبات حقيقية، نحن لن نغش شعبنا، هناك صعوبات نعمل على حلحلتها.
> ما هذه الصعوبات، وعلى وجه الخصوص فيما يتعلق بتعيين الولاة المدنيين؟
- هناك ثلاث صعوبات تواجه تعيين الولاة، وفي نقاشنا مع قوى إعلان الحرية والتغيير، قلنا لهم نريد ولاة - حكام ولايات - يخاطبون الواقع الاجتماعي والإثني والتعقيدات الموجودة في كل ولاية، لا نريد واليا يخلق مشاكل، بل نريد واليا يحل المشاكل، لذلك يجب أن يكون متوافقا عليه من المكونات في الولاية المحددة.
هناك أيضاً موضوع تمثيل النساء في حكم الولايات، وهو واحد من القضايا التي وقفت أمامنا، والصعوبة الثالثة هي التوافق مع قوى الكفاح المسلح، لأننا وقعنا معهم إعلان جوبا، ونص على تأجيل تعيين الحكم حتى يأتي السلام، وهذا يمكن أن يكون خرقاً له، قد يترك تأثيرا سالبا جداً على عملية السلام. هذه الصعوبات الثلاث وصلنا فيها لتفاهم كبير، واقتربنا من تعيين الولاة.
> متى يتم تعيينهم؟
- لا أستطيع تحديد زمن، فقبل ذلك حددنا نهاية مايو (أيار) الماضي، لكننا نعمل عليها، لأننا حريصون عليها أكثر من أي جهة ثانية لأنها ستساعد الجهاز التنفيذي، نحن عندنا أن أهلنا في الولايات لا يحسون بالتغيير الذي حدث، وهذا يجب أن يحدث، أؤكد لكم لو تأخر تعيين الولاة المدنيين فهذا ليس لأن الناس لا يعملون على ذلك، بل نتيجة لتعقيدات حقيقة نسعى لمعالجتها.
> «الحرية والتغيير» قدمت قائمة بأسماء الولاة المقترحين، وكان لكم رأي، هل أعيد النظر في القائمة المقدمة؟
- نحن نتناقش فيها بانتظام.
> ما الذي يعيق تكوين المجلس التشريعي هو الآخر؟
- كما تعرف فتعيين المجلس التشريعي، ليس من اختصاص الجهاز التنفيذي، نحن نساعد فيه برؤانا ونعمل على تقريب وجهات النظر، ونساهم مع قوى إعلان الحرية والتغيير، ومسؤولية اختياره بالكامل تقع عليهم.
> دأبت على وصف التكوين الحالي للانتقال بأنه نموذج سوداني فريد من نوعه، ويمكن أن ينتقل بالسودان خطوات كبيرة، لكن بعد كل فترة وأخرى، تطفو على السطح تناقضات عملياتية بين مكوناته؟
- نحن نتكلم عن النموذج السوداني، ونسميه كذلك لأن فيه سمات فريدة لا مثيل لها، سواء في تجارب الربيع العربي أو الدول الأفريقية حولنا، نحن نسميه نموذجا سودانيا لسماته الفريدة، مثل التحالف بين المدنيين والعسكريين، وله مكون سياسي هو الحرية والتغيير، حتى في تجاربنا السابقة، لا يوجد له مثيل، وبالضرورة، لهذا النموذج مشاكله، وبالتالي أي حديث عن أنه لا يسير بطريقة متسقة فهو غير صحيح.
تحالف الحرية والتغيير تحالف عريض جداً، وبالتالي قضاياه ومشاكله والخلافات داخله تنعكس على الأداء التنفيذي أو السيادي، أو الانتقال كله، العلاقة بين المدنيين والعسكريين مع كل الحرص على إنجاح الفترة الانتقالية عندها تعقيداتها، وتحكم كل هذه العملية «الوثيقة الدستورية»، وهي وثيقة لها عيوبها ومشاكلها، وتنفيذها بالضرورة يخلق تعقيدات ومشاكل جديدة، من المهم جداً أن نصبر على هذه التعقيدات ونحلها بصبر لتحقيق هدف واحد، وهو أننا إذا كنا في الجهاز التنفيذي أو المجلس السيادي أو الحرية والتغيير، ليست لدينا أهداف إلاّ العبور بهذا الشعب لفترة ديمقراطية مستدامة وتنمية، وهذه هي أهداف الفترة الانتقالية، فأي تجربة مثل هذا من الطبيعي أن تكون عندها مشاكل.
> ظللتم تطالبون الناس بالصبر، وقد صبروا، إلى متى سيستمر هذا الصبر؟
- لقد صبر الناس ثلاثين سنة، فهل تسمى التسعة أشهر - عمر الحكومة الانتقالية - صبرا.
> لكنكم رفعتم لهم سقف التوقعات؟
- لشعبنا الحق في رفع توقعاته ليحدها السماء، لا خلاف على ذلك، لأنه أنجز أعظم ثورة، لكننا لم نأت لنعد بالفردوس، بل جئنا لنعمل مع شعبنا لمعالجة كل القضايا، وقادرون على ذلك.
> في ملف الاقتصاد، هل أنت مطمئن على قدرتك على إخراج البلاد من الأزمة الخانقة التي تعيشها؟
- لو لم أكن مقتنعا بمعالجة الأزمة الاقتصادية، فلن أظل في مقعدي ليوم واحد، نحن مقتنعون تماماً بأننا بلد غني بموارده الكثيرة ورثنا اقتصادا منهارا تماماً، لكن بوحدتنا وبقدرتنا على مخاطبة المكون المحلي والعالم الخارجي حولنا، نستطيع خلق مناخ على المدى القصير يساعدنا على الخروج من «الحفرة» التي نوجد فيها، رغم أننا بلد غني جداً. هناك جزء خاص بالسياسات، وجزء خاص بمعالجة قضايا كثيرة جداً مرتبطة بالتشوهات الاقتصادية، سواء أكانت خللاً داخلياً أو خارجياً، أو عدم التواؤم بين المصروفات والإيرادات، والخارجي المرتبط بالتصدير والوارد، التعامل مع القروض والهبات والديون، فنحن ورثنا 60 مليار دولار دينا، ويسميها الناس حفرة عمقها 60 مليار دولار.
> في أول ظهور إعلامي لك، بعد أدائك اليمين الدستورية رئيسا للوزراء، أكدت الاعتماد على اقتصاد الإنتاج، وتسخير قدرات البلاد المحلية، لكن كثيرين يرون أن الأداء الاقتصادي للحكومة ما يزال حتى الآن يعتمد على الهبات والمنح والقروض؟
- هذا الحديث ليس صحيحاً بنسبة مائة في المائة، لم يقدم لنا أحد أي هبات.
> على الأقل على مستوى الرؤى المطروحة؟
- نحن نعمل على تأهيل اقتصادنا ليقف على أرجله، وهو يعتمد على أشياء أساسية، لو لم تعالج ملف الديون، فإن أي حديث عن فتح البلاد للاستثمار واستقطاب الرساميل المحلية أو الأجنبية لن ينجح، تأهيل البلاد بحاجة لحزمة كاملة من سياسات الاقتصاد الكلي، تعالج الخلل الداخلي والخارجي.
الخلل الداخلي مرتبط بالإيرادات والمنصرفات وفي قلب الإيرادات الضرائب، نحن كبلد طوال أيام حكم الإنقاذ كنا نجمع 6 في المائة من الدخل القومي من حصيلة الضرائب، ففي محيطنا الأفريقي وبلدان صغيرة، تجمع 15 في المائة، وأخرى تجمع أكثر من 20 في المائة من الدخل القومي من الضرائب.
لتدير دولة محترمة - ليس فيها رفاهية - أنت بحاجة على الأقل لضرائب تبلغ 15 في المائة من الدخل القومي، هذا لم يحدث عندنا لأن السائد هو «الإعفاء الضريبي» والتهرب الضريبي، ليس جمع تحصيل الضريبة، لذلك اضطرت الدولة لرفع يدها عن التعليم والصحة، نحن نريد تحصيلا للحد الذي يوفر ذلك، لنصرفها على قضايا تأهيل الاقتصاد، الكادر البشري أولاً، فلا يمكن أن يتطور أي بلد دون أن يصرف على التعليم والصحة، لهذا عالجنا هذا الأمر في الهيكل الراتبي. الشيء الثاني تأهيل البنيات الأساسية المدمرة تماماً «طرق، مواصلات، نقل نهري بري جوي، كهرباء»، كيف تطور البلد بقطاعات منهارة مثل هذه؟
هذه هي القضايا التي نرى أنها ستؤهل اقتصادنا، معالجة الخلل الخارجي تتم بالإيرادات من الصادرات، نحن لا نملك صادرات الآن، فقد دمروا القطاع الزراعي تماما، ونعمل على إعادته لعافيته، ليكون عظم ظهر الاقتصاد السوداني، نحن نتحدث عن اقتصاد زراعي مرتبط بالتصنيع، لأننا ما زلنا نعتمد النموذج الموروث من الاستعمار والذي يقوم على تصدير المواد الخام، فمثلا حين تصدر الحيوانات حية، فكم منتجا تصدرها معه؟
هذا من السهل قوله، لكن له متطلبات كثيرة جداً، فنحن نريد تأهيل اقتصادنا، وحين نقول إننا معتمدون على الإنتاج، فنحن نقصد هذا، وفيه حزمة كاملة من السياسات، والمتطلبات الأخرى من بنية أساسية.
> الناس، بما في ذلك «الحرية والتغيير»، يقولون إن البلاد لستة أشهر ظلت بلا موازنة يتم التعامل معها؟
- هذا ليس صحيحاً، نحن أجزنا ميزانية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي من قبل الاجتماع المشترك للمجلسين، فقط حدث خلاف على قضية ترشيد الدعم، وأجلناها للوصول لقرار نهائي حولها في المؤتمر الاقتصادي القومي، وكان مقررا عقده في مارس (آذار) الماضي، ولم يكن هناك من يتوقع أن تقع فينا «جائحة كورونا»، التي أدت لتأجيل كل الأشياء.
لكن طوال هذه الفترة حدث حوار مفيد جداً بين القطاع الاقتصادي في الحكومة واللجنة الاقتصادية للحرية والتغيير قرب وجهات النظر كثيراً على حزمة الإصلاح الاقتصادي، وتتكون من خمسة محددات توافقنا على أربعة منها بنسبة مائة في المائة، وتبقت الخامسة وهي المرتبطة بدعم السلع، وحدث فيها توافق أيضاً، لأننا نتكلم عن ترشيد الدعم وليس رفعه، فنحن ندعم الكهرباء والخبز ولن نرفع عنهما الدعم، لكنا نتكلم عن قطاعات مثل الوقود، مثلا لا يوجد سبب يجعلنا ندعم «البنزين» بالمبالغ الهائلة، رغم قلة مستهلكيه، فلا علاقة للمنتجين في دارفور والشمال والشرق وكل أنحاء البلاد بوقود البنزين.
قضية دعم البنزين ليس في الاستهلاك فقط، بل تسبب خللاً حتى في نمط الاستهلاك، فعندما يكون رخيصا يزيد الاستهلاك، والأهم من هذا كله تهريب الوقود، فنحن نبيعه بخمس قيمته مقارنة بمحيطنا، لذلك لن يتوقف المغامرون عن التهريب، لأنهم يحققون ربحاً كبيراً، ينتج عنه أن ما نسبته 40 في المائة من الوقود يتم تهريبه للجوار.
> تسعة أشهر على تشكيل الحكومة الانتقالية... ما الذي تحقق بحسب نظرك؟
- نحن ورثنا تركة مثقلة من نظام حكم البلاد 30 عاما، وعلى هدي الوثيقة الدستورية، وضعنا برنامجاً للفترة الانتقالية يقوم على 10 أولويات، أهمها ملف السلام والاقتصاد، لقد عالجنا جزءا كبيرا من هذه القضايا، ورغم البطء الذي صاحب عملية السلام، نعتقد أنه يمضي في الاتجاه الصحيح، وخاصة الوثائق التي توصلنا إليها خلال المفاوضات.
أما النجاح الأكبر للحكومة فقد كان في نجاح الموسم الزراعي الشتوي والإنتاجية العالية لمحصول القمح، لقد شاركت فيها الحكومة، لكن الفضل فيها يعود للمزارعين، ما حدث يبشر بأن بمقدورنا تحقيق الاكتفاء من القمح بل تصديره للخارج.
ويعد تعديل الهيكل الراتبي، والذي خاطب مسألة العدالة وإنصاف قطاع المعلمين الذي ظل مهملاً لوقت طويل، إضافة إلى معالجة مشكلة شح السيولة النقدية، وغيرها.
نحن لا نمن على شعبنا، لأن أي إنجاز نحققه أقل من سقف توقعات هذا الشعب العظيم، صحيح هناك بطء في استكمال أجهزة الانتقال، لكنا نعمل عليها بجد.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.