جماليات الإيقاع والصورة... شعرياً

فاضل السلطاني في ديوانه «ألوان السيدة المتغيرة»

جماليات الإيقاع والصورة... شعرياً
TT

جماليات الإيقاع والصورة... شعرياً

جماليات الإيقاع والصورة... شعرياً

يشكل هاجس التحول مرتكزاً جمالياً وفكرياً، يصعد منه الشعر ويهبط إليه، في ديوان «ألوان السيدة المتغيرة» للشاعر فاضل السلطاني، الذي صدرت نسخة مصرية منه حديثاً بالقاهرة، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. يتنوع هذا الهاجس في مناخات الديوان، مشتبكاً مع أزمنة وأساطير مسكونة برائحة الماضي والحاضر، وتقاطعات الأزمنة والأمكنة، بينما تدور الأشياء في فلكه بقوة الطبيعة والنص الشعري معاً.
بداية يتكشف هذا الهاجس في أضلاع المثلث التي وسمت عنوان الديوان، فالبصري والحسي يكونان ضلعيه في علاقة تجاور بين خطين يلتقيان في نقطة الذروة أعلى رأس المثلث بنسقه الهرمي، صانعة تفاصيل اللوحة شعرياً، بألوانها وخطوطها المفعمة بالأنوثة، بينما يرتكزان في الأسفل على قاعدة المثلث، الضلع الثالث الذي يتسم بالحركة في الثبات، حيث تكتسب القاعدة فعاليتها جمالياً من هذا التضافر بين الضلعين الآخرَين، ما يشي بالرغبة في التحول والخروج من أسر الإطار، كما أن الدال المضمر في مفردة «المتغيرة»، لا يأتي كتوصيف مجازي فحسب، بل يشتبك بصرياً وحسياً مع كل عناصر المثلث، ليمارس انزياحاً معرفياً، يقيه من الركون ليقين ما محدد، فالأشياء تمشي وراء الصمت والكلام، وفي الألوان والرائحة، وإيقاع الزمن الذي يجعل الذات دائماً قابعة في منطقة المنتصف، كحلقة وصل وقطع بين السابق واللاحق، بين البدايات والنهايات، بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهو ما يطالعنا في النص الذي يستهل به الشاعر القسم الأول «في منتصف الذاكرة» بعنوان صغير، كأنه برواز لـ«صورة»:

«هل تذكرين؟
كنتِ في وسط الصورة
وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزفُ
كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرضِ،
وكنتُ أحار
كيف أميز العازفَ من العزفِ؟
والراقصَ من الرقصِ؟
كنتِ تجلسين وسط الصورة
لاهية عن الموسيقى،
عن لحظة ثبَّتتكِ إلى الأبد
صورة في إطار
وكنت أحار
كيف أدخلُ في الصورة؟
كيف أفصلُ النورَ عن الظلِّ؟
لكنكِ كنتِ تبتسمين
لاهية عن اللحظة
وهي تكبرُ خلف الإطار».

من هذا المنظور يمكن أن ننظر بعين العاطفة إلى حضور الأنثى في الديوان، ونرصد ملامحها وطبيعتها: هل ثمة أنثى خاصة مجبولة من طينة القلب والعشق، وهل هي مرادف للمنفى، أم لحضور الغياب، ورقرقة الحنين، وهل بدفقها تتجاوز الذات مراثي الفقد والغياب الحميمة لصورة الأم والأخت والأب، وبعض الأصدقاء في الكثير من القصائد... في قصيدته «عابرة في شارع دمشقي» يحسم الشاعر الإجابة عن هذا السؤال، الملتبس، بالتناص مع مقولة محي الدين بن عربي الشهيرة «شهوة الحب لا الحبّ». بينما ينكشف المعنى بشكل أوسع في قصيدة «ألوان السيدة المتغيرة»، حيث يصبح سؤال الأنثى مساءلة للزمن والذات:

«نحن في المنتصف الآنَ
أنسرعُ أم نعودُ؟
العشب الناهضُ يرقبُ أن ندخلهُ
والفجر الأبيضُ ينتظرُ أن نبلغهُ.
نحن في المنتصف الآن
وأنت تكبرين تحت ذراعي
مع الليل والعشبِ
كنت أريد أن أرى عينيكِ
بين الأزرق والأبيضِ
لكني رأيت دمعتين في عينيّ
تذكرتُ شاعراً وحيداً
أحب فقتلته الموسيقى.
...
كيف كبرتِ في لحظتين
والأرضُ لم تكمل دورتها
ونحن في منتصف الشارعِ؟».

ثمة حيرة مركبة للذات، تترى في النص، على شكل تساؤلات ومشاهد خاطفة، عن الصورة والإطار، بينما تدفق الألوان فوق السطح يعكس عقدة الزمن، فهو منقض، رهن زوال يجدد نفسه بشكل طبيعي في تعاقب الليل والنهار، لكن الصورة باقية، تمتلك القدرة على تثبيت الزمن في سقف الذاكرة والحلم، وعلى استحضاره بقوة العاطفة والحب في لحظة ما، كأنها الزمن كله، كأنها الحضور والغياب في قبضة النص.
اللافت في اللعب على جماليات الصورة في الديوان، قدرتها على الذهاب والإياب من وإلى الإطار ـ فلا تسعى إلى كسره، وبعثرته، وإنما تحتفظ به ولو ظل مجرد هيكل فارغ منها، فهو بمثابة حصن وملاذ لها من شرور العالم وآثامه، من صورة الطاغية والبشر المنساقين للحرب كرهاً حتى تظل الرايات المخادعة ترفرف في برك المجاري، كما أنها حصن من فراغ المنفى، ووحشة الظل والذكرى على ضفافه الآسنة، ومحاولة للتشبث بالصورة الأم في حضن الوطن، حيث ونس الروح والطفولة والصبا. ومن ثم يكسب هاجس التحول الصورة قوة الأثر، ويجعلها تعلو على تداعيات الحلم والذاكرة، وتصبح أفقاً مفتوحاً على احتمالات وحدوسات شتى، توسع من أفق النص ليستوعب فكرة التضايف بين الكائنات حتى في أقصى تناقضاتها شرهاً، في البشر والطبيعة والأشياء، وهو ما يطالعنا في قصيدة بعنوان «ليكن أحد/ لا أحد جنبي» يقول فيها:

«ليكن أحدٌ منكم جنبي
يحمل شيئاً عن كتفيّ،
يأخذ شيئاً من هذي الموسيقى
- تتسرب من أينَ؟ -
يدوّزنُ هذي النغمة حين تئنُ
كيلا ينهدّ جدارُ البيتْ.
ليكن أحدٌ منكم جنبي
يشغلُ عني هذا الموت
الواقفَ فوق الشرفة يرقبني
أن أدخلَ فيه،
يغلق عني هذا الباب
حيث يحوم طوال الليلْ
أحبابي الموتى،
يأخذ من قدمي رغبتها
أن تسعى في الأرضِ،
وينزع عن كتفيّ
وشمَ الكون المرسومَ
خطوطاً تتعرجُ
ثم تموجُ على الجسمِ،
تتلوى كالأفعى فوق العشبِ،
فلا يعرفها حتى الساحر.
ليكن أحدٌ منكم جنبي
يحرسُ هذا البيتَ
فلا تزحفُ نحوي قدمٌ
إلا قدمٌ خففت الوطءَ على الأرضِ،
ولا يتسرب صوتٌ
إلا صوتٌ نقّته النغمات».

إن هذا الرجاء المعلق بين الطلب كاحتياج وجود ويقين وحياة، ونفيه في الوقت نفسه، وتلويح الذات بالروغان منه يعكس في دلالته الأبعد محاولة للبحث عن يقين آخر، واحتياج آخر، يكمن فيما وراء اللغة، والنغمة والمعنى والصورة، إنه احتياج مسكون بضرورة توائم ما بين الحضور والتخفي، ما يجعل من الموسيقى حارسة للبيت والذات والوطن، والحضارة أيضاً.
ينعكس هاجس التحول على بنية الإيقاع في الديوان التي يهيمن عليها تراتبية نسق التفعيلة العروضي، بضرباته الواخزة عبر تواتر الحركة والسكون، لكن ما يحفف من هذه الترابية، خيط شفيف للموسيقى ينساب بسلاسة في تضاعيف الصورة الشعرية، نحسه في حدوسات أخرى للإيقاع كامنة في حركة البشر والحياة، في تماوج الظلال، ومساقط النور والعتمة، وكأننا إزاء حركيتين للإيقاع؛ إحداهما ظاهرة في بنية التفعيلة، بصدى رنينها فوق السطح، والأخرى خفية تجري في العمق، كأنه مصفاة موسيقية، تنقي الإيقاع من تراكمات النشاز، وتحفظ للصورة رقتها بعيداً عن صخب الحياة وضجيجها المفتعل.
للجغرافيا حضور بارز في بنية الصورة، بل إنها كثيراً ما تشكل الوعاء الذي يلملم ملامحها المتناثرة في شتات الزمن والتاريخ، وهو ما نجده في قصيدة «بابل.. بابيلون»، حيث يبرز الإيقاع كعلامة وشارة، متجسداً في اللعب بالذبذبة النغمية كجسر معلق يرفرف كفراشة في فضاء الذاكرة والطفولة، محض جناس مبتور يكمل بعضه بعضاً، بين بابل كجغرافيا حاضرة بقوة على شواطئ الفرات، وعشتار كأسطورة وصدى لأيقونة بابلية شكلت رمزاً للخصب والنماء، عشتار القابعة على سرير خشبي في متحف برلين، تنتظر من يخلصها من وطأة المنفى والاغتراب، ويردها إلى صدر الوطن الأم، وكأن فكرة المخلص تكمن في رحم الأسطورة التي ينفتح منها النص على الآخر في ومضات تناص خاطفة لشعراء مثل إليوت، ولوركا، وألكسندرا بلاستيرا، وجاك بيرل، يعلق في غبارها دبيب البشر في المكان، الذي يلوح أيضاً في إشارات نصية أخرى، تستحضر رائحته من نهري الفرات والتيمز، ولندن ونيويورك، وبابل، ويبني النص تفجره من جملة مفتاحية تتكرر بين فواصلة (وكان المغني يغني)، وكأن النص مرثية لماض يطل تحت قناع الحاضر، توسع من فجوة المفارقة بينهما، وتحاصره بحنين لم يزل طافراً في الروح، كما يقول النص في هذا المقتطف:

«.. وكان المغني يغني
أغاني مرمية في شريطٍ قديم
- أتذْكرُ ذات صباح
كم تدافعتَ والوحشَ فوق التيمز
لتشربَ قطرة ماء..
ورأيتَ الغرقى؟
- كأنهمُ مسحوا الآنَ بالزيتِ
أجسادهم
كم جميلين كانوا!
وهمُ يرفعون الرؤوسَ
لكي يحرسوا الشمسَ حتى تغيب
وتعودَ برائحة الوحشِ والطينِ
والنبتِ فوق الفرات».

وبعد... يسبح ديوان فاضل السلطاني في فضاءات متنوعة وشجية جمالياً وفنياً، ينسحب أحياناً إلى الداخل في زفرات ألم وحنين، لكن سرعان ما يحولها إلى نافذة خصبة، يطل منها على الحياة، ويخلق الشعر من فجواتها وعثراتها، متشبثاً بغد أفضل، مسكون بمعنى الجمال والحرية.



الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا
TT

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط عبثاً بأرجلها النحيلة في الهواء.

وفي رواية الأديب الفلسطيني إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1972) يختفي الفلسطيني بفعل «فضائيين» («فدائيين»؟) جاءوا من السماء، حسب تفسير البعض لاختفائه.

وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» (1982) حكاية تحمل عنوان «معروف الإسكافي». معروف فقير مطحون يعاني الأمرين على يدي زوجته الشرسة إلى أن يأتيه عفريت من عالم الجن يمنحه خاتم سليمان -رمز القدرة السحرية- فيطلق امرأته الظالمة ويستخدم الخاتم في صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس.

هذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» fantasy -حسب قاموس «النفيس: إنجليزي- عربي» للدكتور مجدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خيالي، وهمي، محال، غير معقول، ضخم إلى حد لا يصدق، خارق. فالفانتازي ضرب من القص نجد فيه أن الممكن وغير الممكن يختلطان إلى حد يحير القارئ (وكثيراً ما يحير الراوي أو الشخصية الرئيسية في القصة) إذ لا يجد تفسيراً متسقاً لأحداث القصة الغريبة. ويذهب تزفتان تودوروف في كتابه «مدخل إلى الأدب الفانتازي» (1970) إلى أن الحكي الفانتازي يتضمن تردداً لا حل له بين التفسيرات الخارقة للطبيعة التي نجدها في قصص العجائب أو الخوارق وبين التفسيرات الطبيعية أو النفسية التي نجدها في حكايات «الغريب».

والفانتازيا قديمة قدم الأدب والفن: فنحن نجدها في أساطير الإغريق، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية في المأثورات الشعبية لمختلف الأمم، والمدن الفاضلة أو نقيضها من مدن كابوسية، وقصص الرعب القوطية مثل «فرانكنشتاين» لماري شِلّى، و«دراكولا» لبرام ستوكر، وروايات الخيال العلمي، والواقعية السحرية عند أدباء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم.

هذه الفانتازيا موضوع كتاب باللغة الإنجليزية صدر في هذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المساعدة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب

Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh University Press، 2026

تقول شريتح إن الفانتازيا بما تشتمل عليه من حكايات عجيبة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عادة بأزمة اجتماعية أو سياسية أو جمالية، ونقلة من اليقين إلى الشك ناجمة عن تقحم عنصر خارجي على الواقع اليومي المألوف. إنه نتاج مواجهات مع غرباء (قد يكونون أشباحاً أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لقوانين العلية والزمان والمكان، ومسرح لما هو خارق وسحري.

وتسلط المؤلفة عدسة منظارها التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لكتاب عرب من مختلف الأجيال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، «فقهاء الظلام» لسليم بركات وغيرهم. وفي هذه الأعمال نجد جدلاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإبحاراً بين عوالم العلم والصوفية، ومجالاً للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعاداً سياسية.

توجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول»

وتوجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» (1939) وهي مروية على لسان سائح مصري في لبنان يزور قرية صغيرة وينطلق منها للبحث عن قلعة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الراوي في حب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث الرواية تدور في عام 1908 ولكنها ترتد بالذاكرة إلى صراع الدروز والطائفة المارونية في لبنان في 1860. والرحلة إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من رياضة النفس يستخدم فيها تيمور مصطلحاً لفظياً وصوراً شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاستشراق» الغربي يتحول هنا إلى «إشراق» صوفي. واتجاه إيفانز إلى المشرق وهي الأوروبية يمثل امتزاجاً بين الشرق والغرب، الذات والآخر، الحاضر والماضي.

وللكتاب ببليوغرافيا في قرابة خمسين صفحة تشهد بسعة علم المؤلفة وإحاطتها الموسوعية بموضوعها. ولكني افتقدت فيه أي إشارة إلى كتاب باللغة الإنجليزية يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عن دار إلياس للنشر في القاهرة في 1985، حررته الدكتورة ملك هاشم والدكتورة سيزا قاسم دراز، عنوانه «سبحات الخيال» Flights of Fantasy وهو يضم ترجمات إلى الإنجليزية لعدد من القصص العربية القصيرة الفانتازية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وشفيق مقار وآخرين.

وإذ يسجل كتاب شريتح جانباً من رحلة الرواية العربية من الواقعي إلى الفانتازي فإنه يلقي ضوءاً مهماً على الفانتازيا بين الشرق والغرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية من لون معين وأجرومية قصصية وتوتر بين أقطاب متقابلة: اليقظة والحلم، الحقيقة والوهم، الإيمان والعقل، الموروث والحداثة. والنتيجة التي تنتهي إليها هي أن الفانتازي يستعصي على أي معنى ثابت، ويتسع لعديد من التفسيرات، ولكنه يحدث تحولاً في نفس القارئ. إنه عابر للثقافات والأزمنة والأمكنة. ونحن أحوج ما نكون إلى أن ندرسه اليوم، خاصة وأننا نعيش في ظل مفارقة يلخصها قولها: «لقد غدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا».


«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي
TT

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى تجاه تحولات الأماكن من الجمال إلى الفوضى، ومن الهدوء إلى الصخب عبر كتابه «ميدان سفير - مذكرات الطفولة والصبا»، الصادر في القاهرة عن دار «الشروق».

من شرفة تطل على «ميدان سفير» الذي يتوسط حي «مصر الجديدة»، أحد أرقى أحياء القاهرة، وفي الشقة نفسها التي شهدت مولده عام 1944، يفتح الفنان نافذة واسعة على زمن كان الجمال فيه ركناً يومياً من أركان الحياة.

ويأخذنا في رحلة داخل مجتمع كان يضج بالتنوع والتعايش، حيث كانت الشوارع ملاعب آمنة للأطفال، والمترو وسيلة لاكتشاف العالم بلا خوف، ودور السينما طقساً اجتماعياً حميماً ومصدر بهجة للعائلات، لكن هذا لا يمنع أن الذاكرة اليقظة لا تزال تحفل بمشهد حرائق وسط العاصمة 1952.

وتلتقط عينا الفنان مشاهد المدارس التي شغلت قصوراً تاريخية، وحفلت بمعلمين كانوا قامات ثقافية وفنية لا مجرد ملقنين، ومنهم معلم الرسم الذي رعى المواهب البازغة، وفتح لها أبواب الفن العالمي، ومعلم اللغة الذي قاد تلميذه إلى صالون العقاد، وصولاً إلى مدرس الموسيقى الذي شكلت حصته وجدان الطلاب.

عبر صفحات الكتاب، نرى المباني على طراز «الآرت ديكو» البديع، وقصر البارون الشامخ، والحدائق الغنَّاء، وكيف مثّل الحي وعاء حاضناً لسلوكيات راقية، ونمط حياة متزناً. كل ذلك عبر شهادة حية لفنان يرى حاضره تحول إلى خيال مشوه لماضيه، فيقرر أن الفن هو فعله الوحيد للمقاومة، وأن استعادة تفاصيل هذا العالم المفقود هي محاولة جادة لترميم الذاكرة الجمعية ضد معاول النسيان والتجريف.

يتوقف فؤاد بشكل خاص أمام عام 1952، الذي عرف الأحداث الجسام في مصر، من حريق القاهرة في يناير (كانون الثاني)، إلى ثورة الضباط الأحرار في يوليو (تموز)، حيث لا يزال يتذكر كيف عاد والده من العمل مبكراً على غير العادة قائلاً: «إنهم يحرقون وسط البلد!».

وتوالت الأنباء عن الدمار الذي شمل الكثير من دور السينما والفنادق والمحلات التجارية. كان الأب مضطرباً ويريد الاطمئنان على زوج ابنته «سوسو» ومحله في شارع عماد الدين، لا سيما أن المحل يحمل «دانش»، ويمكن أن يوحي بأن صاحبه من الأجانب المستهدفين بالحرائق.

تلى ذلك فرض الأحكام العرفية بعد الحريق، فالمحال أغلقت أبوابها، والمترو توقف عن السير بعد الغروب، لكن سُمح للأفراد بالخروج. أصاب الأب الكمد بسبب ما حدث من تدمير لمنطقة وسط البلد التي امتلك ذكريات طويلة فيها، وتحدث بأسى عن فندق «شبرد»، أحد الفنادق العالمية الذي جري تدميره تماماً، وبالطبع عن مكانه المفضل «جروبي» بشارع عدلي، لكن حزنه كان أكثر على سينما «ريفولي» التي اعتادت العائلة الذهاب إليها في فصل الشتاء والجلوس في قاعة حفل الشاي الملحقة بها في الدور الأول.

من الذكريات المحفورة في ذاكرة سمير فؤاد من فترة الصبا، أحداث العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1956 بعد تأميم قناة السويس، والحماس الذي غلف الجو العام، حيث بقيت الإذاعة والصحف في حالة استنفار وشحن مستمريَّن، وكان الأب من المتحمسين لجمال عبد الناصر ووقوفه في وجه بريطانيا العظمى، أما الصبية فكانوا إما لاهين عن الأمر برمته، وإما يسيرون مع التيار العام.

يتذكر فؤاد جيداً ليلة الهجوم، حيث زارتهم ابنة خالته «رجاء بكري»، وجلس الجميع في الغرفة الغربية المطلة على ميدان سفير في جو خريفي جميل، وقد انتهى موسم السينمات الصيفية، وأغلقت سينما «رفييرا» أبوابها، والميدان يمتد خارج النافذة يغلفه الهدوء والسكينة، وأكملت المشهدَ أضواءُ المحلات المتناثرة في جنباته، وفجأة دوَّت صفارة الإنذار تمزق هدوء اللحظة، وبعد فترة سُمعت أصوات أزيز الطائرات، وبدأت طلقات المدفعية المضادة للطائرات تدوي، ثم امتلأت السماء بأضواء القناديل التي ألقتها الطائرات.

لم يمض الكثير وبدأت انفجارات القنابل تهز المنزل؛ لأن من الأهداف الرئيسية كان مطار ألماظة القريب منه، وشعرت العائلة أن مصدر الانفجارات كما لو أنه فوق رءوسهم. الضوء الساطع أضاء الميدان مثل وميض البرق، وبعده بلحظات أتى هزيم الانفجار الذي اهتز له المنزل بعنف كأنه سيهوي على الرؤوس.

اللقاء مع العقاد

تنوعت قراءات سمير فؤاد في شتى المجالات من العلوم والفلسفة والأدب، وفي المرحلة الثانوية تصدَّر عباس العقاد، حيث شغف بأسلوبه وتطويعه للمنطق لإثبات وجهة نظره، ثم أتيح له في نهاية الخمسينات، وهو في العام الثاني من المرحلة الثانوية، أن ينضم لندوته الأسبوعية بواسطة أستاذ اللغة الفرنسية عبد الوهاب المصري.

كان المصري شخصية استثنائية؛ فهو مثقف وقارئ نهم، وما إن علم بحب فؤاد لكتابات العقاد حتى بدأ يناقشه فيها، ووعده بأن يزور ندوته الأسبوعية يوم الجمعة صباحاً، وما زاد من شغفه بتلك الزيارة أنه قرأ وأعجب بكتاب العقاد «في بيتي» الذي يتحدث فيه عن منزله وكتبه ولوحاته، فأراد أن يشاهد بعينه بعض ما وصفه في كتابه.

في اليوم الموعود، ذهبا إلى منزل العقاد في شارع شفيق غربال بميدان «روكسي» بعمارة جميلة ما زالت قائمة حتى اليوم، لكنها تشتكي من الإهمال بدلاً من جعلها مزاراً ومتحفاً له. وكان العقاد قد شغل الطابق الأول بكامله.

ويذكر المؤلف أنهما دخلا صالة فسيحة، وعلى اليمين منها غرفة الاستقبال، حيث كان العقاد يجلس في صدارتها. صافحهما ولم يبد أي استغراب من حداثة سن الصبي، فيما تراصت المقاعد حول الغرفة، وكان هناك عدد من مريدي الرجل، بينما دارت المناقشات حول موضوعات عديدة كيفما اتفق.

داوم سمير فؤاد على زيارة ندوة العقاد من باب الفضول، ويروي أنه في يوم أخذ لوحة من لوحاته ليريها للرجل على أساس أن له باعاً في النقد الفني، ولا يذكر الآن تعليقه؛ كلُّ ما يذكره أنه كان كلاماً عاماً. وسُمح له بالتجول بحرّية في منزل العقاد، حيث انتشرت أرفف الكتب في كل مكان، وتعجب لكيفية إيجاده الكتاب الذي يريده في هذه المتاهة؛ «لأنني لم أجد أي علامات تدل على أي نظام تبويب». وعلى الحوائط مجموعة من اللوحات الفنية، منها اثنتان للعقاد بريشة «صلاح طاهر» واحدة زيتية كبيرة والأخرى جانبية بالباستيل. ومن المجموعة لوحة لقطعة من التورتة تقف عليها ذبابة ذكر العقاد في كتابه «أنها ارتبطت بقصة غرامه الفاشلة للفنانة مديحة يسري التي أوحت إليه بروايته الوحيدة (سارة)».


حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين
TT

حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين». يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن 45 حكاية تتنوع ما بين حوارات ومقاربات وشواهد تاريخية، تحمل في سرديتها ملامح من الحاضر والماضي تجمع بين المدينتين، ليصبح المكان جسراً بين حضارتين وذاكرتين.

لكن الكتاب، رغم ذلك، ليس مجرد مقالات عن مكانين، بل يعدّ محاولة لفتح حوار بين مدينتين، القاهرة وبغداد،، واستعادة ما يجمعهما في الذاكرة والوجدان، عبر عين كاتبة عاشت التجربة وتأملتها من الداخل. وتأخذ عالية طالب القارئ في رحلة ثقافية وإنسانية بين مدينتين تختصران جانباً كبيراً من ذاكرة الحضارة العربية. ومن خلال مقالات ومشاهدات ومقاربات، تقرأ المؤلفة الأمكنة والشواخص والآثار، لا بوصفها حجارة صامتة، إنما بوصفها ذاكرة حيّة تستمر في مخاطبة الإنسان والحاضر، ورحلة ممتدة، مفتوحة دائماً على تخوم البدايات والنهايات.

بين النيل ودجلة، والقاهرة وبغداد، تتقاطع الحكايات والتاريخ والتراث، وتتجاور أهرامات مصر مع بابل العراق، لتكشف المقارنة عن وشائج عميقة، واختلافات ثرية، وتجارب إنسانية وحضارية تستحق أن تُقرأ من جديد.

وسبق أن أصدرت عالية طالب عدداً من الأعمال الأدبية، منها روايات «أُمٌّ هنا... أُمٌّ هُناك» و«الوجوه» و«قيامة بغداد»، وعدداً من المجموعات القصصية، منها: «الممرات» و«بعيداً داخل الحدود»، و«امرأة في العراء» و«بحر اللؤلؤ»، و«حكايات الرمل»، و«امرأة بلا نساء»، و«نُواح الآلهة».

من أجواء الكتاب، تقول الكاتبة:«...وقد عرفت المنافي قبل ذلك في وطني نفسه، خلال سنوات الخوف والإرهاب وانعدام الطمأنينة، حين تناثر الأهل والأحبة والأصدقاء بعيداً عن أرض العراق. ومن هنا جاءت مقارناتي بين القاهرة التي احتضنتني، والعراق الذي ظل حبة القلب. أحببت القاهرة التي ربتت على جراحي حتى تشافت، وودعتني بكل حب حين عدت إلى بلدي، ثم عدت إليها بعد سنوات، حاملة لها ولأهلها امتناناً لا ينتهي، لما منحتني وعائلتي من حب وسلام واحتواء».