جماليات الإيقاع والصورة... شعرياً

فاضل السلطاني في ديوانه «ألوان السيدة المتغيرة»

جماليات الإيقاع والصورة... شعرياً
TT

جماليات الإيقاع والصورة... شعرياً

جماليات الإيقاع والصورة... شعرياً

يشكل هاجس التحول مرتكزاً جمالياً وفكرياً، يصعد منه الشعر ويهبط إليه، في ديوان «ألوان السيدة المتغيرة» للشاعر فاضل السلطاني، الذي صدرت نسخة مصرية منه حديثاً بالقاهرة، عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. يتنوع هذا الهاجس في مناخات الديوان، مشتبكاً مع أزمنة وأساطير مسكونة برائحة الماضي والحاضر، وتقاطعات الأزمنة والأمكنة، بينما تدور الأشياء في فلكه بقوة الطبيعة والنص الشعري معاً.
بداية يتكشف هذا الهاجس في أضلاع المثلث التي وسمت عنوان الديوان، فالبصري والحسي يكونان ضلعيه في علاقة تجاور بين خطين يلتقيان في نقطة الذروة أعلى رأس المثلث بنسقه الهرمي، صانعة تفاصيل اللوحة شعرياً، بألوانها وخطوطها المفعمة بالأنوثة، بينما يرتكزان في الأسفل على قاعدة المثلث، الضلع الثالث الذي يتسم بالحركة في الثبات، حيث تكتسب القاعدة فعاليتها جمالياً من هذا التضافر بين الضلعين الآخرَين، ما يشي بالرغبة في التحول والخروج من أسر الإطار، كما أن الدال المضمر في مفردة «المتغيرة»، لا يأتي كتوصيف مجازي فحسب، بل يشتبك بصرياً وحسياً مع كل عناصر المثلث، ليمارس انزياحاً معرفياً، يقيه من الركون ليقين ما محدد، فالأشياء تمشي وراء الصمت والكلام، وفي الألوان والرائحة، وإيقاع الزمن الذي يجعل الذات دائماً قابعة في منطقة المنتصف، كحلقة وصل وقطع بين السابق واللاحق، بين البدايات والنهايات، بين الـ«هنا» والـ«هناك»، وهو ما يطالعنا في النص الذي يستهل به الشاعر القسم الأول «في منتصف الذاكرة» بعنوان صغير، كأنه برواز لـ«صورة»:

«هل تذكرين؟
كنتِ في وسط الصورة
وعلى جانبيك كانت الموسيقى تعزفُ
كأنها الموسيقى الأخيرة على الأرضِ،
وكنتُ أحار
كيف أميز العازفَ من العزفِ؟
والراقصَ من الرقصِ؟
كنتِ تجلسين وسط الصورة
لاهية عن الموسيقى،
عن لحظة ثبَّتتكِ إلى الأبد
صورة في إطار
وكنت أحار
كيف أدخلُ في الصورة؟
كيف أفصلُ النورَ عن الظلِّ؟
لكنكِ كنتِ تبتسمين
لاهية عن اللحظة
وهي تكبرُ خلف الإطار».

من هذا المنظور يمكن أن ننظر بعين العاطفة إلى حضور الأنثى في الديوان، ونرصد ملامحها وطبيعتها: هل ثمة أنثى خاصة مجبولة من طينة القلب والعشق، وهل هي مرادف للمنفى، أم لحضور الغياب، ورقرقة الحنين، وهل بدفقها تتجاوز الذات مراثي الفقد والغياب الحميمة لصورة الأم والأخت والأب، وبعض الأصدقاء في الكثير من القصائد... في قصيدته «عابرة في شارع دمشقي» يحسم الشاعر الإجابة عن هذا السؤال، الملتبس، بالتناص مع مقولة محي الدين بن عربي الشهيرة «شهوة الحب لا الحبّ». بينما ينكشف المعنى بشكل أوسع في قصيدة «ألوان السيدة المتغيرة»، حيث يصبح سؤال الأنثى مساءلة للزمن والذات:

«نحن في المنتصف الآنَ
أنسرعُ أم نعودُ؟
العشب الناهضُ يرقبُ أن ندخلهُ
والفجر الأبيضُ ينتظرُ أن نبلغهُ.
نحن في المنتصف الآن
وأنت تكبرين تحت ذراعي
مع الليل والعشبِ
كنت أريد أن أرى عينيكِ
بين الأزرق والأبيضِ
لكني رأيت دمعتين في عينيّ
تذكرتُ شاعراً وحيداً
أحب فقتلته الموسيقى.
...
كيف كبرتِ في لحظتين
والأرضُ لم تكمل دورتها
ونحن في منتصف الشارعِ؟».

ثمة حيرة مركبة للذات، تترى في النص، على شكل تساؤلات ومشاهد خاطفة، عن الصورة والإطار، بينما تدفق الألوان فوق السطح يعكس عقدة الزمن، فهو منقض، رهن زوال يجدد نفسه بشكل طبيعي في تعاقب الليل والنهار، لكن الصورة باقية، تمتلك القدرة على تثبيت الزمن في سقف الذاكرة والحلم، وعلى استحضاره بقوة العاطفة والحب في لحظة ما، كأنها الزمن كله، كأنها الحضور والغياب في قبضة النص.
اللافت في اللعب على جماليات الصورة في الديوان، قدرتها على الذهاب والإياب من وإلى الإطار ـ فلا تسعى إلى كسره، وبعثرته، وإنما تحتفظ به ولو ظل مجرد هيكل فارغ منها، فهو بمثابة حصن وملاذ لها من شرور العالم وآثامه، من صورة الطاغية والبشر المنساقين للحرب كرهاً حتى تظل الرايات المخادعة ترفرف في برك المجاري، كما أنها حصن من فراغ المنفى، ووحشة الظل والذكرى على ضفافه الآسنة، ومحاولة للتشبث بالصورة الأم في حضن الوطن، حيث ونس الروح والطفولة والصبا. ومن ثم يكسب هاجس التحول الصورة قوة الأثر، ويجعلها تعلو على تداعيات الحلم والذاكرة، وتصبح أفقاً مفتوحاً على احتمالات وحدوسات شتى، توسع من أفق النص ليستوعب فكرة التضايف بين الكائنات حتى في أقصى تناقضاتها شرهاً، في البشر والطبيعة والأشياء، وهو ما يطالعنا في قصيدة بعنوان «ليكن أحد/ لا أحد جنبي» يقول فيها:

«ليكن أحدٌ منكم جنبي
يحمل شيئاً عن كتفيّ،
يأخذ شيئاً من هذي الموسيقى
- تتسرب من أينَ؟ -
يدوّزنُ هذي النغمة حين تئنُ
كيلا ينهدّ جدارُ البيتْ.
ليكن أحدٌ منكم جنبي
يشغلُ عني هذا الموت
الواقفَ فوق الشرفة يرقبني
أن أدخلَ فيه،
يغلق عني هذا الباب
حيث يحوم طوال الليلْ
أحبابي الموتى،
يأخذ من قدمي رغبتها
أن تسعى في الأرضِ،
وينزع عن كتفيّ
وشمَ الكون المرسومَ
خطوطاً تتعرجُ
ثم تموجُ على الجسمِ،
تتلوى كالأفعى فوق العشبِ،
فلا يعرفها حتى الساحر.
ليكن أحدٌ منكم جنبي
يحرسُ هذا البيتَ
فلا تزحفُ نحوي قدمٌ
إلا قدمٌ خففت الوطءَ على الأرضِ،
ولا يتسرب صوتٌ
إلا صوتٌ نقّته النغمات».

إن هذا الرجاء المعلق بين الطلب كاحتياج وجود ويقين وحياة، ونفيه في الوقت نفسه، وتلويح الذات بالروغان منه يعكس في دلالته الأبعد محاولة للبحث عن يقين آخر، واحتياج آخر، يكمن فيما وراء اللغة، والنغمة والمعنى والصورة، إنه احتياج مسكون بضرورة توائم ما بين الحضور والتخفي، ما يجعل من الموسيقى حارسة للبيت والذات والوطن، والحضارة أيضاً.
ينعكس هاجس التحول على بنية الإيقاع في الديوان التي يهيمن عليها تراتبية نسق التفعيلة العروضي، بضرباته الواخزة عبر تواتر الحركة والسكون، لكن ما يحفف من هذه الترابية، خيط شفيف للموسيقى ينساب بسلاسة في تضاعيف الصورة الشعرية، نحسه في حدوسات أخرى للإيقاع كامنة في حركة البشر والحياة، في تماوج الظلال، ومساقط النور والعتمة، وكأننا إزاء حركيتين للإيقاع؛ إحداهما ظاهرة في بنية التفعيلة، بصدى رنينها فوق السطح، والأخرى خفية تجري في العمق، كأنه مصفاة موسيقية، تنقي الإيقاع من تراكمات النشاز، وتحفظ للصورة رقتها بعيداً عن صخب الحياة وضجيجها المفتعل.
للجغرافيا حضور بارز في بنية الصورة، بل إنها كثيراً ما تشكل الوعاء الذي يلملم ملامحها المتناثرة في شتات الزمن والتاريخ، وهو ما نجده في قصيدة «بابل.. بابيلون»، حيث يبرز الإيقاع كعلامة وشارة، متجسداً في اللعب بالذبذبة النغمية كجسر معلق يرفرف كفراشة في فضاء الذاكرة والطفولة، محض جناس مبتور يكمل بعضه بعضاً، بين بابل كجغرافيا حاضرة بقوة على شواطئ الفرات، وعشتار كأسطورة وصدى لأيقونة بابلية شكلت رمزاً للخصب والنماء، عشتار القابعة على سرير خشبي في متحف برلين، تنتظر من يخلصها من وطأة المنفى والاغتراب، ويردها إلى صدر الوطن الأم، وكأن فكرة المخلص تكمن في رحم الأسطورة التي ينفتح منها النص على الآخر في ومضات تناص خاطفة لشعراء مثل إليوت، ولوركا، وألكسندرا بلاستيرا، وجاك بيرل، يعلق في غبارها دبيب البشر في المكان، الذي يلوح أيضاً في إشارات نصية أخرى، تستحضر رائحته من نهري الفرات والتيمز، ولندن ونيويورك، وبابل، ويبني النص تفجره من جملة مفتاحية تتكرر بين فواصلة (وكان المغني يغني)، وكأن النص مرثية لماض يطل تحت قناع الحاضر، توسع من فجوة المفارقة بينهما، وتحاصره بحنين لم يزل طافراً في الروح، كما يقول النص في هذا المقتطف:

«.. وكان المغني يغني
أغاني مرمية في شريطٍ قديم
- أتذْكرُ ذات صباح
كم تدافعتَ والوحشَ فوق التيمز
لتشربَ قطرة ماء..
ورأيتَ الغرقى؟
- كأنهمُ مسحوا الآنَ بالزيتِ
أجسادهم
كم جميلين كانوا!
وهمُ يرفعون الرؤوسَ
لكي يحرسوا الشمسَ حتى تغيب
وتعودَ برائحة الوحشِ والطينِ
والنبتِ فوق الفرات».

وبعد... يسبح ديوان فاضل السلطاني في فضاءات متنوعة وشجية جمالياً وفنياً، ينسحب أحياناً إلى الداخل في زفرات ألم وحنين، لكن سرعان ما يحولها إلى نافذة خصبة، يطل منها على الحياة، ويخلق الشعر من فجواتها وعثراتها، متشبثاً بغد أفضل، مسكون بمعنى الجمال والحرية.



أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي
TT

أيُّ نوع من الحب مجّدته الأساطير؟


أفروديتي
أفروديتي

إذا كان الحب يستند من بعض وجوهه إلى العناصر المادية التي يتيحها الواقع الملموس، كما هو الحال مع الشعر، إلا أنه يغادر ملموسيته من وجوه أخرى، ليقيم في عالم التخيل وسماء التهيؤات، كما لو أن «أسطرة» الآخر هي الممر الإلزامي لتتيُّمنا به. وإذا كان الجسد العاشق هو جسد طفولي بامتياز، وفق رولان بارت، فإن ما ينطبق على الأفراد ينطبق على الجماعات، حيث كانت الأساطير هي سبيل الشعوب القديمة، إلى فهم الظواهر الكونية أو النوازع الإنسانية. وتكفي معاينة ذلك الإرث الهائل من السرديات الملحمية والميثولوجية المتعلقة بالحب، لكي نتحقق من دوره في رفد الأساطير بنماذجها الأولية، والعكس بالعكس أيضاً.

ومع أننا نلاحظ غياباً للحدود الواضحة بين الحب الروحي، الذي يقيم مملكته في سماء التصورات، وبين العشق الملفوح بنيران الرغبات الجسدية، إلا أن أي نظرة متأنية إلى الميثولوجيات القديمة، لا بد أن تكشف عن تباين ملحوظ في الرؤية إلى الحب، بين حضارات تُطابق على نحو كلّي بين الحب والشغف الشهواني، وبين حضارات أخرى تفرد هامشاً واسعاً لزفرات القلب وانخطافات الروح. إضافةً إلى ما نلحظه داخل الحضارة نفسها من تبدل في الرؤى والمفاهيم.

ولا بد لمن يتأمل في آلهة الخلق الأربعة لدى السومريين (إن، وكي، وإنليل، وأنكي) أن يلاحظ أنهم لم يكونوا سوى المعادل الميثولوجي للعناصر الأربعة، الهواء والماء والنار والتراب. ولما كانت وظيفة الإنسان تتمثل بالدرجة الأولى في خدمة الآلهة، والتوفير لها كل ما تحتاج إليه من طعام وشراب ومأوى، لكي يتسنى لها التفرغ لشؤونها الإلهية، فقد استتبع ذلك إنشاء المعابد التي تقام فيها الصلوات. فضلاً عن القرابين والشعائر والطقوس التي كانت تقدّم لاسترضائها، والتي كان يتولى القيام بها كهان وكاهنات ومنشدون وخصيان وبغايا مقدسات. وفي أعياد القمر الجديد، التي كانت تُختتم في العادة بطقوس الزواج المقدس، كان ملك سومر يتزوج من إنانا، إلهة الخصب والتناسل، أو من إحدى الكاهنات التي تنوب عنها.

ولم تكن أسطورة أدونيس وعشتروت لدى الفينيقيين والكنعانيين، سوى نسخة معدلة عن مثيلتها في بلاد الرافدين. فعشتروت إلهة الحب والخصب، التي التقت أدونيس، الشاب الوسيم وعاشق الصيد، في مكان قريب من مغارة أفقا اللبنانية، سرعان ما وقعت في غرامه وهامت به حباً. ومع أنها نهته بإلحاح عن التجول وحيداً في الغابات المكتظة بالوحوش المفترسة، فإن عشقه للمغامرة جعله غير مكترث بتحذيراتها، إلى أن قتله خنزير بري على ضفة نهر إبراهيم المنحدر من الذرى الشاهقة عبر وادٍ سحيق، ما لبث أن سُمي باسمه.

وكما هو حال الأساطير المماثلة في الشرق القديم وبلاد اليونان، فإن عشتروت تهبط إلى العالم السفلي متضرعةً للآلهة بأن تعيد حبيبها القتيل من عالم الأموات، ثم تتم تسوية المعضلة على نحو جزئي، بحيث يعود أدونيس إلى الحياة في فصلي الربيع والصيف، مترافقاً مع قيامة الزرع والخصب، ثم يعود إلى عالم الأموات في الخريف والشتاء. ويرى جيمس فريزر أن ملوك بيبلوس، كانوا يتسمّون جميعاً باسم أدونيس ويتزوجون من عشتروت. وفي السنوات التي أعقبت موته وقيامته، ظل سكان تلك النواحي يحتفلون بالمناسبتين، نواحاً حدادياً في الأولى، وفرحاً عارماً في الثانية.

وفي الأساطير الإغريقية يظهر هذا الإله على شكل شاب جميل أغرمت به أفروديت. وبعد أن خبأته الآلهة الكبرى، حمايةً له، في صندوق ووضعته في عهدة برسيفوني إلهة العالم السفلي، رفضت الأخيرة إعادته إلى أفروديت، بعد أن فتحت الصندوق ورأت ما هو عليه من جمال. وبعد إخفاق أفروديت في استعادته، قرر زيوس حسماً للنزاع بين آلهة الحب وآلهة الموت، أن يُبقي أدونيس ستة أشهر فوق الأرض برفقة الأولى، وستة تحتها برفقة الثانية.

أما الأساطير الرومانية فتربط على نحو وثيق بين الحب بالجمال، جاعلةً من فينوس إلهة لكليهما معاً. غير أنها لا تكتفي بالتركيز على رمزية الأم، بل تصوِّر ابنها كيوبيد، على شكل طفل مجنح، يحمل قوسه ونشابه ويرمي من يشاء بالسهام الذي لا تخطئ هدفها إلى قلوب البشر. وإذ تظهر على مسرح الجمال منافسة بشرية لفينوس تسمى سايكي، تغضب الأولى وتطلب من ابنها معاقبتها على طريقته. لكن الابن العابث يجرح نفسه عن طريق الخطأ، ليقع في غرام سايكي، ويصاب بالسهم إياه الذي ظل يسدده باتجاه الآخرين. وبعد أن تمر قصة الحب تلك بتعقيدات كثيرة، يتدخل كبير الآلهة جوبيتير ليمنح سايكي الخلود ويسمح للحبيبين بالزواج.

على أن المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب، كما بين صورتي الموت والانبعاث، لم تنحصر في ثقافة بعينها، أو حيز جغرافي واحد، بل اتسعت دائرتها في الألفية الثالثة قبل الميلاد، والألفيتين اللاحقتين، لتطول الحضارة الفرعونية وحوض النيل، إلى جانب الحضارات العديدة الأخرى. فحيث لم ترُق علاقة الحب التي ربطت بين إيزيس إلهة الخصب عند المصريين، وزوجها أوزيريس، للإله ست أخي أوزيريس، عمد ست بفعل الغيرة العمياء، إلى قتل أخيه وتقطيع جثته أربع عشرة قطعة، قبل أن يرميها جميعاً في مياه النيل. وبعد أن تمكنت إيزيس من جمع الأجزاء وإعادتها إلى الحياة، توصل ست إلى معرفة مكان أخيه، حيث قام بقتله مرة أخرى وتقطيع جسده إلى اثنتين وأربعين قطعة.

لكن الزوجة الوفية رفضت الاستسلام للأمر الواقع، فقامت بجمع أجزاء الزوج المتناثرة من جديد، وأعادت إليه الحياة بما تملكه من طاقة السحر، «ثم ما لبثت أن استنجدت بالإله رع، متوسلةً إليه أن يخصبها، كي تلد ولداً ينتقم. فنزل عليها رع ونفخ فيها من أنفه، فخصّبها بالفعل وولدت بعد ذلك طفلها حورس الذي لم يتأخر في الانتقام لموت أبيه». وإذ تتقاطع قصة التخصيب عن طريق النفخ الإلهي في الأنف، مع سرديات دينية أحدث عهداً، ولو على نحو معدل، تتقاطع مراثي إيزيس لأوزيريس، من جهة ثانية مع مراثي إينانا لديموزي، وعشتار لتموز، ومن بينها قول إيزيس مخاطبةً حبيبها القتيل:

أنا زوجتك وأختك وأمك

عدْ إليّ على جناح السرعة

إن السماء والأرض متحدتان في الظلام

وقلبي يحترق لانفصاله عنك

إنني أطأ الأرض ولا أكلُّ أبداً عن البحث

وفي داخلي حرارةٌ متأتية عن حبي لك

المماهاة التامة بين وجهي الحب والخصب كما بين صورتي الموت والانبعاث لم تنحصر في ثقافة بعينها أو حيز جغرافي واحد

وقد تكون أسطورة أورفيوس ويوريديس اليونانية، واحدة من الأساطير القليلة التي لا تماهي على نحو تام بين الحب والفعل الجنسي، كما يشير الفيلسوف الألماني هيغل، بل تضع العلاقة بين الحبيبين في إطارٍ من انخطافات الروح وحمّى المشاعر الملتهبة. إلا أن صورة الموت المتربص بالحبيبين، لا تتأخر عن إعطاء مشهد العشق طابعه التراجيدي، حيث تقضي يوريديس نحبها بلدغة أفعى قاتلة. وإذ قرر أورفيوس الطلب من هاديس، إله الموتى، إعادة زوجته إلى الحياة، راح يستعين بموهبته النادرة في العزف والغناء، ليشق طريقه إلى العالم السفلي. وبعد أن وافق هاديس على إعادة المرأة المتوفاة إلى الحياة، اشترط على أورفيوس ألا يلتفت إلى الوراء، حيث قُضي على زوجته بأن تمشي خلفه إلى ما لا نهاية. لكنّ عاصفةً من الحنين لرؤية الحبيبة العائدة سرعان ما تهب على الزوج العاشق، حتى إذا التفت إلى الخلف، اختفت يوريديس عن ناظريه إلى الأبد.

ومع أن النقاد والباحثين كانت لهم اجتهادات متباينة في تأويل أسطورة الحب المؤثرة تلك، إلا أنها تشير من بعض وجوهها إلى أن صراع الحب والموت، ليس بالضرورة أن ينتهي دائماً لمصلحة الأول، بقدر ما تشير إلى العواقب الوخيمة، التي تترتب على كل مَن يعصى الآلهة ويخالف مشيئتها. وقد تكون المقايضة الجائرة بين عودة المرأة المعشوقة إلى الحياة، وبين تعذر النظر إليها، نوعاً من الاختبار القاسي لالتزام الزوج بطاعة الآلهة والوثوق بها، من جهة، والاختبار المماثل لتغليب الروح على الجسد، من جهة أخرى. ومن دلالات تلك السردية الأسطورية، أنه ليس بمستطاع أحد خرق قوانين الطبيعة، وقطع الحاجز الفاصل بين الحياة والموت، حتى لو استعان البشر بالحب والفن لتحقيق هذه الأمنية.


أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
TT

أحصنة «قصر هشام» في نواحي أريحا

مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا
مجسَّمات أحصنة محفوظة في «متحف روكفلر» في القدس الشرقية مصدرها «قصر هشام» في نواحي أريحا

كشفت أعمال التنقيب في البادية الفلسطينية عن منشآت عمرانية تعود إلى الحقبة الأموية، أهمها قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى عاشر خلفاء الدولة الأموية الذي أمر بتشييده خلال عهده الذي استمر من عام 724 إلى عام 743.

تطور بناء هذا القصر في عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام مدة قصيرة لم تتجاوز سنتين، وخرب حين تعرَّض موقعه لزلزال ضخم في سنة 746، وأعيد اكتشافه في الأزمنة المعاصرة.

خرجت من هذا القصر مجموعة هائلة من القطع النحتية، تشهد لتنوُّع كبير في الأطرزة المتبعة، وتحوي كثيراً من القطع التصويرية التي تستمد مواضيعها من العالم الحيواني، منها ما تمثل أحصنة مسرجة، وصلت كلُّها بشكل مهشَّم.

بدأ استكشاف قصر خربة المفجر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، في ظل حكم الدولة العثمانية، وتواصل في عهد الانتداب البريطاني؛ حيث شرعت دائرة الآثار البريطانية في مسح الموقع خلال عام 1934، ونقلت اكتشافاتها الأثرية إلى متحف بدأت تشييده عام 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته عام 1938 تحت اسم «متحف فلسطين للآثار».

استمرت أعمال المسح في الموقع اثني عشر عاماً، وخرجت بمجموعة هائلة من القطع الحجرية المنقوشة، تبيَّن أنها أجزاء مهشَّمة من حُلَّة الموقع الأصلية. وتمَّ حفظ هذه القطع في «متحف فلسطين للآثار» الذي تحوَّل اسمه إلى «متحف روكفلر» إثر هزيمة 1967، نسبة إلى الثري الأميركي جون ديفيد روكفلر الابن الذي تبرَّع بمبلغ مليوني دولار لبنائه في العشرينات. وبات هذا المتحف مقراً لرئيس دائرة الآثار الحكومية.

تحضر في هذا المتحف مجموعة كبيرة من نقوش وتماثيل «قصر هشام»، وتُعتبر من أهمِّ وأجمل شواهد الفن الأُموي. وفقاً للتقليد الذي تبنَّاه هذا الفن بشكل كبير. اعتمدت هذه الحُلل في الدرجة الأولى تقنية الجص المنقوش، على شكل شبكات هندسية زخرفية تجمع بين المفردات الهندسية المجرَّدة والعناصر التصويرية المتعدَّدة. وأخذت بأساليب عدة مستمدَّة من فنون العالم المتوسطي والعالم الفارسي والعالم الآسيوي الأوسط، غير أنها عكست قدرة مثيرة في الابتكار والقولبة والتجديد. من هنا بدت متأصلة في تقاليد قديمة، ومطبوعة بطابع محلِّي خاص يُعرف اليوم بالطابع الأُموي.

برز النقش التصويري بقوَّة في هذا الميدان، واعتمد في تشكيلاته مختلف العناصر الحيوانية، ومنها الطيور والزواحف المتعدِّدة الأنواع والأشكال. ظهر الحصان في عدد من هذه القطع المهشَّمة، واتَّضح تكوينه الفني بشكل كامل من خلال الدراسة المتأنية لهذه القطع الجزئية. حضر رأس هذا الحصان في قطعتين مستقلتين، وحضر الجزء الأعلى من بدنه كذلك في قطعتين، وبدا من خلال هذه القطع أنه حصان مسرَّج ومروَّض. في المقابل، ظهر في قطع أخرى حصان من نوع آخر، تميَّز بجناحين كبيرين يعلوان وسطه. وحضر هذا الحصان بشكل كامل في قطعة أُعيد جمع أجزائها وفقاً للتقنيات العلمية المتبعة، كما حضر بشكل جزئي في قطعةٍ سقط قسم كبير من تكوينها الأصلي.

وصل رأس الحصان بشكل شبه كامل في هاتين القطعتين المستقلتين، اللتين جاءتا على شكل كتلتين حجريتين اعتمدتا النقش الناتئ، وقاربتا في صياغتهما النحت الكامل. يبدو الرأس منحنياً في إحدى هاتين المنحوتتين، وتظهر ملامحه المجسَّمة بشكل متين، وتتكوَّن من منخرين واسعين، وفم مطبق عريض، وأذنين طويلتين منتصبتين، وعينين لوزيَّتين ضاعت إحداهما، وحافظت الأخرى على تكوينها. يعلو الرأس شعر وثير، يأخذ شكل شبكة من الخصل المتناغمة والمتوازية، التي تنسدل على رقبة طويلة مقوَّسة، وتنقسم كتلتين معاكستين تستقرَّان على جبين مسطَّح. يعلو هذا الرأس لجام عريض، مصنوع من الجلد، يُثبَّت على رأس الحصان للتحكم في اتجاهه وسرعته أثناء الركوب. يتكوَّن من شريط عمودي يستقر وسط العينين، وشريط مشابه ينعقد حول الوجه، وتُزيِّن هذين الشريطين سلسلة من الحلقات الدائرية المترابطة. كذلك يظهر شريط حول أعلى الرقبة، وآخر حول أسفلها، وتزيِّنهما شبكة من الخيوط المجدولة. يبدو الفم مكبَّلاً بحلقة، تُعرف باسم «الأنفة»، وتحيط بالخطم وفك الحصان لتمنعه من فتح فمه بشكل واسع.

يظهر الرأس الثاني في حركة المواجهة، وصياغته مشابهة إلى حدِّ التماثل. هنا وهناك، يحضر النقش الأنيق ويأخذ طابعاً زخرفياً، يتجلَّى في تجسيم حدود الملامح، كما في تشكيل خصل الشعر المنسدلة، وتزيين شرائط اللجام. يخرج هذا الحصان عن النسق الروماني الكلاسيكي، ويتبنَّى أسلوباً يعكس أثر الفن الساساني، ويظهر كذلك في القطعتين المستقلتين اللتين تجسَّدان الجزء الأوسط من بدن الحصان. يظهر طرف الكاهل، وهو الجزء الذي يعلو الكتفين مباشرة، ويُعد أعلى نقطة في جسم الحصان. تحضر مكوِّنات الجزء الأعلى من البدن بشكل كامل، وقوامها الصدر والظهر والبطن والكِفَل والمؤخرة. أما القوائم فغائبة، ولم يبقَ منها أي أثر للأسف. يعلو الظهر سراج عريض ضاع الجزء الأكبر منه، تزيِّنه حلَّة زخرفية، أنيقة ومرهفة.

يحضر الحصان المجنَّح داخل إطار دائري على شكل إكليل تحدّه سلسلة من الحلقات المتجانسة، ويظهر بدنه هنا بشكل كامل، في حركة حية. تتقدّم القائمتان الأماميتان نحو الأعلى، وتتقدّم القائمتان الخلفيتان بشكل معاكس. يتكرّر هذا التأليف في القطعة الأخرى التي ضاع جزء كبير منها، مما يوحي بأنّ القطعتين تتبعان طرازاً واحداً جامعاً.

للوهلة الأولى، يعيد هذا الكائن إلى الذاكرة الحصان اليوناني الذي يُعرف في قاموس الميثولوجيا اليونانية باسم «بيغاسوس»، غير أنه في الواقع حصان آخر، يعود إلى الفن الإيراني، وشواهده الفنية كثيرة، منها قطع من النسيج تعود إلى العهد البيزنطي.

يتبنّى النقش الأموي هذا النموذج التشكيلي، ويعيد صياغته بشكل مبتكر في تكوين يغلب عليه طابع النحت.


تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»
TT

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

تحولات المجتمع السوداني في «أيام حي البوسطة»

صدر أخيراً عن «دار روافد للنشر والتوزيع» بالقاهرة، رواية «أيام حي البوسطة»، للروائي السوداني مصطفى خالد مصطفى. الرواية سبق أن فازت وهي مخطوطة بالمركز الأول في «جائزة الطيب صالح» للإبداع الروائي. وتعتمد على تداخل الحكاية الشخصية بالذاكرة الجماعية؛ إذ يستلهم الكاتب بعض شخصياتها وحكاياتها من وقائع وأشخاص عرفهم، قبل أن يعيد تشكيلها داخل العمل الروائي.

تدور «أيام حي البوسطة» في أحد الأحياء القديمة بمدينة أم درمان، حيث تتقاطع حكايات سكانه مع تحولات المجتمع السوداني وتفاصيل الحياة اليومية. ومن خلال مجموعة من الشخصيات، خصوصاً النساء، تستعيد الرواية ذاكرة المكان والعلاقات العائلية والاجتماعية، وتكشف عما تخفيه البيوت من صراعات وآلام وأحلام مؤجلة.

تتحرك الرواية بين أجيال مختلفة، وتتناول موضوعات مثل العنف الأبوي، والزواج، والمرض النفسي، وتفكك العلاقات الأسرية، في محاولة لفهم أثر البيئة الاجتماعية في مصائر أفرادها. ولا يظل حي البوسطة مجرد خلفية للأحداث، بل يتحول إلى فضاء يحمل ذاكرة شخصياته ويعكس التحولات التي مر بها المجتمع من حولهم.

يذكر أن المؤلف مصطفى خالد مصطفى، طبيب وروائي سوداني، مواليد أم درمان 1998م، صدرت له ثلاثة أعمال أدبية؛ «غول سليمة» (رواية 2020م)، و«تكيّة البِجاوي» (رواية 2022م)، و«السقف النبيل للأحلام» (مجموعة قصصية 2023م). وفاز بجائزة الطيب صالح للإبداع الروائي 2022م عن رواية «أيام حي البوسطة»، كما فاز بجائزة «بيت الغشّام» - دار عرب للترجمة الدولية- عن رواية «هاه هاه... كُح كُح... نجوتُ بأعجوبة» 2025م. وجائزة «نيرفانا» الأدبية عن قصّة «حرب شارع البهلوان» 2020م. وحصل على منحة الصندوق العربي للثقافة والفنون 2023 عن المجموعة القصصية «السقف النبيل للأحلام».

ومن أجواء الرواية، نقرأ: «فور دخولكِ مع شادية بوَّابة هذا المشفى يتغيَّر وجهُك وتحسين بثقلٍ رهيب على صدرك، كثيرون قالوا لأمك إنّ المريضة فيكما هي أنتِ، أصحاءُ ومرضى قالوا هذا الكلام، لا تحبين قضاء الكثير من الوقت في ردهات هذا المشفى. أحلك أيام حياتك هي تلك الأيام التي تسوء فيها حالة أمك كثيراً فترينها مبتهجةً كثيرة الحركة ثرثارةً فتضطرين لترقيدها والبقاء معها لأيام خصوصاً إذا لم ترافقكما جدتك. لا مشكلة إذا تدهورت حالتك النفسيّة ليومٍ أو اثنين، المهم عندك أن تتلقى أمك العلاج وتبقى صموتةً هادئة راقدةً على الدوام. تعرفتِ على حالاتٍ كثيرة مشابهة وغير مشابهة لحالتها، كوّنتِ صداقاتٍ مع المرضى كثيري التردد للمتابعة، أحسستِ أنكِ قريبةٌ منهم وتفهمينهم جيِّداً كما تفهمين طبيعة شادية، تعرفين أمراضهم جيِّداً وقصصهم الخلفيَّة لها، كلها محزنة مشرّبة بالألم، كقصَّة أمك تماماً».