{ناسك في باريس}... سيرة ذاتية غير رسمية لإيتالو كالفينو

«يوميات أميركا» شهادة نادرة من كاتب أوروبي

{ناسك في باريس}... سيرة ذاتية غير رسمية لإيتالو كالفينو
TT

{ناسك في باريس}... سيرة ذاتية غير رسمية لإيتالو كالفينو

{ناسك في باريس}... سيرة ذاتية غير رسمية لإيتالو كالفينو

رغم أن عنوان الكتاب هو «ناسك في باريس»، عن سيرة الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو، فإن الفصل الذي يحمل هذا العنوان هو الأقل أهمية بين الفصول لأن زيارة كالفينو لأميركا شتاء 1959 حتى ربيع 1960 هي أكثر الفصول متعة بين النصوص، حيث يعاين فيها الكاتب الحياة الأميركية عن قرب، وينقل مشاهداته على مرحلة كانت في أوج الحراك الأميركي السياسي الثقافي الاجتماعي.
الكتاب عبارة عن تجميع لكتابات وحوارات مع كالفينو نشرت في كتب سابقة، باستثناء «اليوميات الأميركية»، ما يجعلها الأكثر أهمية بين 12 مادة جمعتها زوجته، إستر كالفينو، بعد أن وجدت مغلفاً على مكتب زوجها بعد وفاته عام 1985، تحت عنوان «جزء من سيرة ذاتية»، وكانت كتابة سيرته في أثناء حياته قد تعثرت، أو هرب من مواجهتها إلى محاضراته ورواياته.
لم ينشأ كالفينو في مدينة ثقافية صاخبة، مثل روما أو فلورنسا أو ميلانو التي استقر فيها عدد من الأدباء الإيطاليين، بل نزح من سان ريمو في إقليم ليغوريا المطل على البحر المتوسط إلى مدينة تورين غرب إيطاليا، وقد اختارها متعمداً، كما يقول في مفتتح نص منشور عام 1953، حيث إنه في تلك المدينة «غياب للرومانسية المفرطة، واعتماد تام على المجهود الفردي». كان يبحث عن التفرد لشعوره بأن الكاتب جزء من عالم أكبر غير محدود بسطوة الإقليم الذي يعيش فيه. يقول: «ما جذبني إلى تورين هو أخلاقياتها وصورتها الوطنية، لا بعدها الأدبي». سحر تورين هذا تعرف عليه كاتب آخر قبل ثلاثين سنة (ليس بعد ثلاثين سنة كما ورد خطأ في الترجمة)؛ إنه أنتونيو غرامشي الناقد الشهير القادم من جزيرة سردينا. تورين مدينة وقفت في وجه الفاشية بعد الحرب العالمية الأولى، ورفض مثقفوها المساومة؛ إنها المدينة التي جعلت كالفينو قريباً من الأديب الشهير تشيزاري بافيزي (9 سبتمبر | أيلول 1908 - 27 أغسطس | آب 1950) الذي مات منتحراً، وكتب عنه كالفينو بوفاء: «إن أتقنت الكتابة، فلأنه من قدمني للناشرين (...) وهو من علمني كيف أشاهد تورين لأن جمالها يستكشف من خلال التجول في شوارعها وتلالها». وكانت أول مجموعة قصصية كتبها إيتالو كالفينو في خريف 1945، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، قد عرضها على بافيزي، فوجدت طريقها إلى النشر في روما، لأن المعلم رأى فيها ما يستحق النشر.
كالفينو المرتبط جذرياً بإيطاليا، وبتورين تحديداً، ولد خارجها، في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) 1923، لأبوين أكاديميين كانا يعملان في كوبا. وهو يصف نفسه بـ«البطة السوداء»، إذ لم يكن أي من الوالدين أو العائلة مهتماً بالأدب؛ والده خبير زراعي، ووالدته عالمة نبات، وأعمامه وأخواله أيضاً كانوا بخلفيات علمية، وتخصص شقيقه بالجيولوجيا.
سمته والدته «إيتالو»، ويعني «من إيطاليا»، كي لا ينسى أرض أجداده، فقد اعتقدت أنه سينشأ في أرض أجنبية، لكن أبويه عادا إلى سان ريمو وهو في عمر السنتين، غير أنه أحب الترحال واكتشاف عوالم أخرى، وفتن بالتجربة الأميركية. ويتضح هذا في فصل المذكرات الأميركية (ترد في المقدمة مرتين باسم يوميات أميركية!). وتبدأ الرسائل بتاريخ 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، على ظهر باخرة متوجهة إلى نيويورك أقلعت به مع أدباء آخرين قادمين من إسبانيا وفرنسا وهولندا، بدعوة من مؤسسة فورد الثقافية الشهيرة. كان ذلك في الليلة الرابعة على ظهر الباخرة، حيث السأم الذي يجعله يندم على عدم سفره بالطائرة، وحيث «البواخر لم تعد رمزاً لفترة زمنية جميلة». لم تكتب اليوميات طوال جولته في أميركا بغرض أدبي؛ كانت رسائل عفوية أرسلها بانتظام لزملائه في دار نشر أينودي في تورين التي عمل فيها محرراً، ليطلعوا على انطباعاته عن البلد ذي الشهرة الكبيرة آنذاك، أميركا.
نيويورك أول المحطات «المكان الذي ليس أميركياً ولا أوروبياً، يعطيك شحنة استثنائية من الطاقة تشعرك فوراً بأنك تعرفها، كما لو أنك عشت هنا طوال حياتك». صاحب العين الأدبية الثاقبة سينتبه لتجمعات الإيطاليين التي تضج بالفوضى، وضعف اللغتين الإنجليزية والإيطالية عند الأجيال الجديدة المكتفية بالمحكية، ويمتدح الأحياء الصينية التي تدل على مثابرة أهلها المهاجرين.
كانت تلك فترة تمرد التقى فيها بالمهمشين، من فنانين وكتاب مثل البوهيميين الذين اتخذوا من حي «ذا فيليج» مقراً، فصار مقصداً للسياح. والتقى بمثقفين من جيل «الضربة The Beat» المتمرد على قيم المجتمع بعد الحرب العالمية الثانية. ومن الملحوظات الطريفة وصفه لرموزهم بأنهم يتميزون بملابس وسخة وذقون غير حليقة، بينما هم في بيوتهم نظيفون جداً، وكأنه يقول إن مظهرهم الخارجي للاستعراض ولفت الانتباه فقط.
زيارة كالفينو صادفت انطلاق التلفزيون الملون، والكومبيوتر الذي يدير بورصة نيويورك إلكترونياً من خلال 705 أجهزة (IBM)، في عالم شعاره أن المال ينجب المال «وهذا ترويج لعبادة المال المتأصلة في أميركا». وفي سان فرانسيسكو، يلتقي بقيادات اتحاد عمال الميناء، مشيداً بالتنظيم الشديد، وبالمكتسبات التي حققتها النقابة للعمال «الذين يأتون للعمل بسيارات فارهة وملابس جديدة نظيفة». ويشير إلى نقاش مع أحد القيادات النقابية الذي قال له إن النقابات في فرنسا وإيطاليا لم تحصل على نتائج الاتحادات الأميركية لأنها انشغلت بالسياسة، فلم تخدم السياسة ولا خدمت العمال.
وفي تكساس، يصل إلى هيوستن مع موسم مسابقات رعاة البقر، ويحصل على انطباع بأنها ولاية مستقلة عن بقية الولايات المتحدة بسبب تجارة أهلها المزارعين والمربين للبقر واعتزازهم بأنفسهم. وفي يوميات الجنوب، يقول عن نيوأورلينز إن ويلات الحرب الأهلية (في القرن التاسع عشر) جعلتها واحدة من أفقر المدن والأكثر رجعية بين الولايات. ويتحدث بطرافة عن المرشدين السياحيين الذين يحكون قصصاً عن المكان من وحي خيال الروائي وليم فوكنر الذي عاش هنا، وعمل مرشداً سياحياً لفترة اختلق فيها بعض القصص. وانطباعاته عن الجنوبيين أنهم يمينيون جداً. وفي حفل على شرفه، أقامته سيدة أرستقراطية حمل لها رسالة، وحضره رؤساء شركات، اضطر للاستماع إلى «أكثر الحوارات تخلفاً ورجعية في كل هذه الرحلة» لأن خطاب الطبقة المسيطرة في كل أميركا أنها لا تفهم إلا لغة القوة.
وفي مونتغمري بألاباما، حيث العنصرية البغيضة الأكثر وضوحاً من كل الولايات، يكتب في السادس من مارس (آذار) 1960: «لن أنسى هذا اليوم ما حييت. لقد رأيت ما هي العنصرية، رأيتها مقبولة بصفتها أحد قوانين المجتمع الأساسية». ثم ينقل تفاصيل احتجاج طلبة سود على طرد 9 من زملائهم من الجامعة، ضمن الاحتجاجات السلمية التي يدعمها مارتن لوثر كينغ (اغتيل عام 1968)، وقد تجمعوا في كنيسة للسود أمام برلمان ألاباما. ويصف حجم العنصرية عند طبقة من البيض اصطفوا قرب البرلمان ليتابعوا المشهد بصخب. ويقول إن الفقراء منهم أسوأ العنصريين، ويتبعون تنظيم «كوكلاكس كلان»، وآخرون من الطبقة المتوسطة اجتمعوا مع عائلاتهم وأطفالهم، جميعهم رفعوا شعارات بذيئة بحق السود. «وأنا الذي كنت مهتماً بنتيجة هذا الحدث، صرت محاطاً بأناس أعنف وأقوى، شيئاً فشيئاً. وبين الحشود كاهن الكنيسة المنهجية، وهو الوحيد الذي يمتلك الشجاعة ليقف إلى جانب السود (فجرت جماعة كوكلاكس كلان منزله سابقاً)، وساعد الطلبة السود على الخروج بسلام. وكان السود يبتعدون في صمت وأيديهم مرفوعة، وسط صيحات سخرية وضحك هيستيري من المصطفين». ويتحدث كالفينو عن قادة سود تعرف عليهم في أثناء وجوده في الولاية، ويصفهم بأنهم «فصيحون حازمون لا يشفقون على أنفسهم لأنهم سود». وقد ذهب بمعيتهم إلى كنيسة اجتمع فيها لوثر كينغ مع طلبة، و«كنت الأبيض الوحيد وسط ثلاثة آلاف طالب، ولعلي الوحيد الذي فعل ذلك في تاريخ الجنوب كله».
«يوميات أميركا» لافتة كثيراً ضمن فصول الكتاب، فإيتالو كالفينو شاهد عيان لا ينقل عن إعلام أو كتب، وهو ربما الكاتب الأوروبي الوحيد الذي تمكن من معاينة الوضع على الأرض في هذه القارة المثيرة الجذابة البغيضة في آن. لم يكره أميركا، بل إنه عشق نيويورك، وقارنها بباريس في الفصل الخاص بتلك المدينة التي يستغرب أنه يمتلك فيها بيتاً منذ سنوات، لكنها لم تلهمه الكتابة عنها، رغم انبهاره بشبكة المترو والمحلات وأنواع الأجبان، على عكس نيويورك التي يشعر أنه يمكن كتابة قصص أو رواية تدور أحداثها فيها «ربما لأنها صورة لما يجب أن تكون عليه المدينة».
كتاب «ناسك في باريس»، الصادر عن دار المدى، يقدم قراءة ممتعة، ويصعب نقل ملخص عن جميع الفصول التي تحدث فيها عن انتمائه للشيوعية، ومحاربته الفاشية ورموزها مثل ستالين وموسيليني، وعن دور المثقف، وأفكار أخرى. ومع ملاحظة ارتباك الترجمة أو خطئها في أكثر من موضع، فإنه كتاب يوجب ترشيحه للقراءة بشدة، خصوصاً أنه لواحد من أشهر كتاب إيطاليا، ولعل القارئ العربي يعرفه بكتاب آخر ممتع، هو «مدن غير مرئية» الذي ترجم إلى العربية قبل سنوات.



تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس
TT

تاريخ العالم الحديث في كبسولة

جيمس جويس
جيمس جويس

«تاريخ العالم الحديث من 1950 إلى يومنا هذا» عنوان كبير لكتاب صادر في هذا العام من تأليف جيرمي بلاك (الناشر: أركتوروس، لندن).

(Jermy Black، A History of the Modern World: from 1950 to the Present Day (Arcturus Publishing Ltd، London، 2026

للوهلة الأولى يتساءل المرء: هل يمكن لكتاب واحد لا يتجاوز طوله 254 صفحة أن يلم بأحداث 76 عاماً كانت من أحفل الأعوام بأحداث جليلة شكلت تصوراتنا للحياة عقب الحرب العالمية الثانية؟ الإجابة أن مؤلف الكتاب - وهو أستاذ للتاريخ بجامعة إكستر البريطانية - ينجح في بلوغ هذا الهدف شبه المستحيل وذلك من خلال تركيزه على الانفجار السكاني العالمي، وتغيرات المناخ والاحتباس الحراري، وانتشار قيم ليبرالية جديدة بخصوص الأقليات، ودخول التلفزيون كل بيت تقريباً، وعصر الحاسوب والشبكة العنكبوتية الدولية، والاكتشافات في مجال الفضاء، والتقدم الطبي والتكنولوجي.

يقسم المؤلف كتابه إلى فصول تحمل هذه العناوين: البيئة، الإنسانية، المجتمع، التقنيات، الاقتصاد، الثقافة، السياسة العالمية، السياسة القومية - النظر إلى المستقبل. وأقتصر هنا، في ضوء الحيز المكاني المتاح، على عرض جانب واحد من هذه الجوانب هو الجانب الثقافي.

جان بول سارتر

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين معسكرين: المعسكر الشرقي ويمثله الاتحاد السوفياتي والدول الشيوعية الدائرة في فلكه، والمعسكر الغربي الرأسمالي وتمثله الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا الغربية. اعتنق المعسكر الأول مبدأ «الواقعية الاشتراكية» في الفن والأدب، بينما مال المعسكر الثاني إلى التجريب الحر شكلاً ومضموناً. وانعكس الصراع بين هذين القطبين المتقابلين على الكثير من بلدان أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية كما في الجدال الذي ثار في أكثر من قطر عربي حول عقيدة «الفن للفن» وعقيدة «الفن للمجتمع».

ومع بداية الألفية الثالثة جنحت الثقافة - مع الاقتصاد والاجتماع - إلى العولمة نتيجة لمحو الأمية (كما حدث في الصين) وارتفاع نسبة المتعلمين في العالم الثالث والدخول في عصر الرقمنة. وتجلى ذلك في عدة مجالات: الرياضة البدنية، والسينما، والتلفزيون، وفلسفات ما بعد الحداثة، والموسيقى الدارجة، والفن التشكيلي، والعمارة.

فالرياضة البدنية - خصوصاً كرة القدم - أصبحت وثيقة الارتباط بالسياسة. ومن الأمثلة على ذلك مقاطعة عديد من الدول لجنوب أفريقيا حين كانت تمارس نظام الفصل العنصري بين البيض والسود، ثم في فترة أحدث ما ثار من خلاف حول مشاركة روسيا في دورة 2024 الأولمبية بعد غزوها لأوكرانيا.

وفي مجال الفن السينمائي أكد النموذج الأميركي وجوده بافتتاح عدة مدن ترفيهية على نسق «ديزني لاند» في كاليفورنيا وفلوريدا ثم في طوكيو وباريس (استقبل هذا الأخير في عام 2022: 375 مليون زائر).

ولكن الفيلم الأميركي لم يكن الوحيد في الساحة فقد نافسته السينما الإيطالية بأفلام «الواقعية الجديدة» منذ أواخر الأربعينات، وفرنسا بأفلام «الموجة الجديدة» في أواخر الخمسينات، والسينما الألمانية الجديدة (من أعلامها فيرنر هرتزوج) في الفترة 1962- 1982، والسينما الهندية (بوليود) غزيرة الإنتاج، والسينما النيجيرية (المعروفة باسم نوليود)، أما السينما الصينية فظلت موثقة إلى عجلة النظام السياسي. وظهرت أفلام جريئة في نقدها للسياسات الأميركية، مثل فيلم «يوم القيامة الآن» (1979) وهو إدانة لحرب أميركا في فيتنام.

كانت الثقافة في منتصف القرن الماضي محكومة إلى حد كبير بالحرب الباردة بين المعسكرين الشرقي والغربي

وأدى انتشار التلفزيون إلى تراجع نسبي في عدد متابعي الإذاعة والسينما، وارتفاع ممثلي الشاشة الصغيرة إلى شهرة لا تقل عن شهرة أبطال الأفلام السينمائية. وكثرت المسلسلات التي تتناول الحياة الاجتماعية فضلاً عن الحلقات الفكاهية والبوليسية. وتزايدت ساعات الإرسال وظهرت قنوات فضائية جديدة. ومن المسلسلات التي حظيت بنسبة مشاهدة عالية مسلسلات تركية وبعض مسلسلات عربية.

فإذا جئنا إلى مجال الفلسفة والأفكار وجدنا أن الوجودية التي أرسى قواعدها كيركغارد الدنماركي وهايدغر الألماني وسارتر الفرنسي كانت قوية التأثير في العقدين التاليين للحرب العالمية الثانية، وتزامن ذلك مع مسرح العبث الذي كتبه صمويل بكيت ويوجين يونسكو وأرتور أداموف. ولكن ظل الوجودية بدأ ينحسر مع ظهور البنيوية على أيدي فرنان دى سوسير وكلود ليفي ستراوس ورولان بارت. وأعقبتها مذاهب ما بعد الحداثة مثل التفكيكية (جاك دريدا) وفلسفات ميشيل فوكو وجاك لاكان ولوي ألتوسير وهي ترتوي من الأنظمة الفكرية للماركسية والتحليل النفسي الفرويدي.

على أن هذه ظلت في الأغلب الأعم فلسفات أوروبية وغربية لم تترك أثراً يذكر في العالم الإسلامي وفي الصين. وفي العالم العربي كان الجدل يدور أساساً بين النظرة إلى العالم من منظور ديني والنظرة من منظور علماني.

وفي مجال الرواية أفسحت روايات الحداثة عميقة المحتوى (مثل روايات جيمس جويس وأندريه جيد وتوماس مان وفرانز كافكا) الطريق لأعمال أكثر مبيعاً وأعظم رواجاً مثل روايات أجاثا كريستي التي ترجمت إلى أكثر من مائة لغة، وحظيت الأفلام المأخوذة عن رواياتها مثل «جريمة في قطار الشرق السريع» (1974) و«موت على النيل» (1984) بملايين المشاهدين.

وتتكامل الصورة مع الكلمة في كتاب جيرمي بلاك فنجد فيه، إلى جانب الخرائط والرسوم البيانية، عدداً كبيراً من الصور الفوتوغرافية لشخصيات وأحداث وأماكن شتى تجتمع على رسم صورة حية لأجواء العصر الحديث في عقل القارئ ومخيلته.


هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟
TT

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

هل تجعلنا كثرة القراءة أكثر غباء؟

صدر حديثاً عن دار «سؤال» للنشر في بيروت، كتاب «قرأوا حتى أصبحوا أغبياء: مرافعة ضد الغباء» للناقد والأكاديمي البحريني الدكتور نادر كاظم. والكتاب مرافعة متعددة المداخل ضد الغباء، ضد أبرز أشكاله وتجلياته منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم، وضد من يقف وراء تعميمه من أجل تحويل الناس إلى أغبياء بكل الطرق الممكنة، وحتى عبر القراءة.

يتكون الكتاب من 15 فصلاً، تعالج موضوع القراءة من منظور ثقافي، وتطرح العديد من التساؤلات حولها، بوصفها أساساً للمعرفة، وبوصفها قد تكون أحياناً موضوعاً لإنتاج الغباء، فهي ليست دائماً وسيلة للتقدم، بل قد تصبح إحدى وسائل إعادة إنتاج التخلف، الذاتي والجمعي، ليست القراءة فقط، بل الكتابة أيضاً. وهو ما يتبدّى في عناوين بعض الفصول، مثل «الكتابة من أجل المال لا تنتج غير الهراء»، و«الكاتب النجم، والكاتب النيزك»، في إشارة إلى أن بعض الكتّاب يُضيئون سريعاً وينطفئون سريعاً. كما يناقش في فصول أخرى موضوعات ثقافية ملحة في الواقع الثقافي والأدبي العربي، مثل «صناعة الثقافة والخداع الجماهيري»، و«هل أصبحت الرواية أفيون الشعوب؟».

ولنادر كاظم، الذي يعمل حالياً أستاذاً للدراسات الثقافية في جامعة البحرين، العديد من الإصدارات، منها «تمثيلات الآخر»، و«الهوية والسرد»، و«استعمالات الذاكرة»، و«خارج الجماعة»، و«الشيخ والتنوير»، و«كراهيات منفلتة»، وغيرها من الكتب المعنية بالنظرية النقدية والدراسات الثقافية.

من أجواء الكتاب نقرأ:

«يُروى أن بليني الأكبر (23م - 79م)، عالم الطبيعة الروماني، كان مهووساً بالقراءة، وأنه كان يقرأ باستمرار، وفي كل مكان؛ على المائدة، وفي الرحلات والسفر، وفي الحمام عندما يدلك الخدم بدنه ويجففونه، بل كان الرجل يُحمل في أرجاء روما على كرسي من أجل أن يتفرّغ للقراءة، حتى إنه وبّخ، مرة، ابن أخيه، بليني الأصغر، لأنه كان يمشي على قدميه ويُهدِر وقته بلا فائدة. كان الرجل يقرأ كل ما يقع بين يديه من كتب جيدة أو رديئة. على الضد من هذا، كان آرثر شوبنهاور يشمئز من هوس بليني الأكبر الغريب بالقراءة، بل اعتبر هذا الهوس علامةً على الغباء، وكأنّ الرجل كان (يفتقر بشدة إلى أفكاره الخاصة، لدرجة أنه كان لا بد من نقل أفكار الآخرين إليه باستمرار، تماماً كما يُعطى الحساء الصافي لمريض السل لإبقائه على قيد الحياة). كان بليني الأكبر، بحسب شوبنهاور، عاجزاً عن التفكير الذاتي، فعوّض هذا العجز بكثرة القراءة. وماذا تفعل كثرة القراءة؟ إنها تشل تفكيرنا، وتجعلنا أغبياء أكثر مما كنا، فهل هذا صحيح؟».


36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
TT

36 دولة تشارك في «يوروفيجن» 2027... وآيرلندا وهولندا تغيبان بسبب إسرائيل

صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)
صورة من مسابقة «يوروفيجن 2026» في فيينا عاصمة النمسا في 16 مايو 2026 (رويترز)

أعلن منظمو مسابقة الأغنية الأوروبية (يوروفيجن)، الأربعاء، أن كندا ستشارك لأول مرة في المسابقة إلى جانب 35 دولة أخرى على الأقل في نسخة العام المقبل، فيما ستغيب آيرلندا وهولندا عن الحدث بسبب مشاركة إسرائيل، مع ترقب قرار إسبانيا وسلوفينيا وآيسلندا، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن 36 هيئة بثّ سترسل ممثليها الوطنيين إلى الدورة 71 من المسابقة التي ستقام بمدينة بورغاس في بلغاريا في مايو (أيار)، بزيادة مشارك واحد عن عام 2026.

وقاطعت كل من إسبانيا وهولندا وآيرلندا وأيسلندا وسلوفينيا المسابقة هذا العام، التي جذبت جمهوراً عالمياً بلغ 130 مليون مشاهد، بعد أن دعت إلى طرد إسرائيل بسبب حملتها العسكرية على غزة في أعقاب الهجوم الذي شنّته حركة «حماس» على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023. وذكرت إسرائيل حينها أن هناك حملة تشويه عالمية ضدها.

وأكدت هيئة البثّ العامة الإسرائيلية (راديو كان) مشاركتها، بينما أكدت آيرلندا وهولندا أنهما ستتغيبان مرة أخرى عن مسابقة عام 2027.

وقال اتحاد البثّ المسموع والمرئي الأوروبي إن هيئة الإذاعة العامة الإسبانية (آر تي في إي) وهيئة البث الوطنية السلوفينية (آر تي في إس إل أو) أمامهما مهلة حتى ديسمبر (كانون الأول) لتأكيد مشاركتهما. وألمح مجلس إدارة هيئة البثّ العامة في آيسلندا (آر يو في) في سبتمبر (أيلول) إلى احتمال عدم المشاركة، مع عدم اتخاذ قرار نهائي بعد.

كتب مارتن غرين، مدير مسابقة «يوروفيجن»، في بيان: «في عالم يتزايد فيه الشعور بالانقسام، تجمع المسابقة الجماهير عبر الموسيقى، متجاوزة الحدود واللغات والثقافات، وهذا أمر مهم الآن أكثر من أي وقت مضى».

وإلى جانب مشاركة كندا لأول مرة، تضم قائمة المشاركين في المسابقة مقدونيا الشمالية، التي تعود إلى المسابقة للمرة الأولى منذ عام 2022، وبلغاريا المضيفة، بالإضافة إلى فرنسا وبريطانيا وأوكرانيا وأستراليا.