{ناسك في باريس}... سيرة ذاتية غير رسمية لإيتالو كالفينو

«يوميات أميركا» شهادة نادرة من كاتب أوروبي

{ناسك في باريس}... سيرة ذاتية غير رسمية لإيتالو كالفينو
TT

{ناسك في باريس}... سيرة ذاتية غير رسمية لإيتالو كالفينو

{ناسك في باريس}... سيرة ذاتية غير رسمية لإيتالو كالفينو

رغم أن عنوان الكتاب هو «ناسك في باريس»، عن سيرة الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو، فإن الفصل الذي يحمل هذا العنوان هو الأقل أهمية بين الفصول لأن زيارة كالفينو لأميركا شتاء 1959 حتى ربيع 1960 هي أكثر الفصول متعة بين النصوص، حيث يعاين فيها الكاتب الحياة الأميركية عن قرب، وينقل مشاهداته على مرحلة كانت في أوج الحراك الأميركي السياسي الثقافي الاجتماعي.
الكتاب عبارة عن تجميع لكتابات وحوارات مع كالفينو نشرت في كتب سابقة، باستثناء «اليوميات الأميركية»، ما يجعلها الأكثر أهمية بين 12 مادة جمعتها زوجته، إستر كالفينو، بعد أن وجدت مغلفاً على مكتب زوجها بعد وفاته عام 1985، تحت عنوان «جزء من سيرة ذاتية»، وكانت كتابة سيرته في أثناء حياته قد تعثرت، أو هرب من مواجهتها إلى محاضراته ورواياته.
لم ينشأ كالفينو في مدينة ثقافية صاخبة، مثل روما أو فلورنسا أو ميلانو التي استقر فيها عدد من الأدباء الإيطاليين، بل نزح من سان ريمو في إقليم ليغوريا المطل على البحر المتوسط إلى مدينة تورين غرب إيطاليا، وقد اختارها متعمداً، كما يقول في مفتتح نص منشور عام 1953، حيث إنه في تلك المدينة «غياب للرومانسية المفرطة، واعتماد تام على المجهود الفردي». كان يبحث عن التفرد لشعوره بأن الكاتب جزء من عالم أكبر غير محدود بسطوة الإقليم الذي يعيش فيه. يقول: «ما جذبني إلى تورين هو أخلاقياتها وصورتها الوطنية، لا بعدها الأدبي». سحر تورين هذا تعرف عليه كاتب آخر قبل ثلاثين سنة (ليس بعد ثلاثين سنة كما ورد خطأ في الترجمة)؛ إنه أنتونيو غرامشي الناقد الشهير القادم من جزيرة سردينا. تورين مدينة وقفت في وجه الفاشية بعد الحرب العالمية الأولى، ورفض مثقفوها المساومة؛ إنها المدينة التي جعلت كالفينو قريباً من الأديب الشهير تشيزاري بافيزي (9 سبتمبر | أيلول 1908 - 27 أغسطس | آب 1950) الذي مات منتحراً، وكتب عنه كالفينو بوفاء: «إن أتقنت الكتابة، فلأنه من قدمني للناشرين (...) وهو من علمني كيف أشاهد تورين لأن جمالها يستكشف من خلال التجول في شوارعها وتلالها». وكانت أول مجموعة قصصية كتبها إيتالو كالفينو في خريف 1945، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، قد عرضها على بافيزي، فوجدت طريقها إلى النشر في روما، لأن المعلم رأى فيها ما يستحق النشر.
كالفينو المرتبط جذرياً بإيطاليا، وبتورين تحديداً، ولد خارجها، في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) 1923، لأبوين أكاديميين كانا يعملان في كوبا. وهو يصف نفسه بـ«البطة السوداء»، إذ لم يكن أي من الوالدين أو العائلة مهتماً بالأدب؛ والده خبير زراعي، ووالدته عالمة نبات، وأعمامه وأخواله أيضاً كانوا بخلفيات علمية، وتخصص شقيقه بالجيولوجيا.
سمته والدته «إيتالو»، ويعني «من إيطاليا»، كي لا ينسى أرض أجداده، فقد اعتقدت أنه سينشأ في أرض أجنبية، لكن أبويه عادا إلى سان ريمو وهو في عمر السنتين، غير أنه أحب الترحال واكتشاف عوالم أخرى، وفتن بالتجربة الأميركية. ويتضح هذا في فصل المذكرات الأميركية (ترد في المقدمة مرتين باسم يوميات أميركية!). وتبدأ الرسائل بتاريخ 3 نوفمبر (تشرين الثاني)، على ظهر باخرة متوجهة إلى نيويورك أقلعت به مع أدباء آخرين قادمين من إسبانيا وفرنسا وهولندا، بدعوة من مؤسسة فورد الثقافية الشهيرة. كان ذلك في الليلة الرابعة على ظهر الباخرة، حيث السأم الذي يجعله يندم على عدم سفره بالطائرة، وحيث «البواخر لم تعد رمزاً لفترة زمنية جميلة». لم تكتب اليوميات طوال جولته في أميركا بغرض أدبي؛ كانت رسائل عفوية أرسلها بانتظام لزملائه في دار نشر أينودي في تورين التي عمل فيها محرراً، ليطلعوا على انطباعاته عن البلد ذي الشهرة الكبيرة آنذاك، أميركا.
نيويورك أول المحطات «المكان الذي ليس أميركياً ولا أوروبياً، يعطيك شحنة استثنائية من الطاقة تشعرك فوراً بأنك تعرفها، كما لو أنك عشت هنا طوال حياتك». صاحب العين الأدبية الثاقبة سينتبه لتجمعات الإيطاليين التي تضج بالفوضى، وضعف اللغتين الإنجليزية والإيطالية عند الأجيال الجديدة المكتفية بالمحكية، ويمتدح الأحياء الصينية التي تدل على مثابرة أهلها المهاجرين.
كانت تلك فترة تمرد التقى فيها بالمهمشين، من فنانين وكتاب مثل البوهيميين الذين اتخذوا من حي «ذا فيليج» مقراً، فصار مقصداً للسياح. والتقى بمثقفين من جيل «الضربة The Beat» المتمرد على قيم المجتمع بعد الحرب العالمية الثانية. ومن الملحوظات الطريفة وصفه لرموزهم بأنهم يتميزون بملابس وسخة وذقون غير حليقة، بينما هم في بيوتهم نظيفون جداً، وكأنه يقول إن مظهرهم الخارجي للاستعراض ولفت الانتباه فقط.
زيارة كالفينو صادفت انطلاق التلفزيون الملون، والكومبيوتر الذي يدير بورصة نيويورك إلكترونياً من خلال 705 أجهزة (IBM)، في عالم شعاره أن المال ينجب المال «وهذا ترويج لعبادة المال المتأصلة في أميركا». وفي سان فرانسيسكو، يلتقي بقيادات اتحاد عمال الميناء، مشيداً بالتنظيم الشديد، وبالمكتسبات التي حققتها النقابة للعمال «الذين يأتون للعمل بسيارات فارهة وملابس جديدة نظيفة». ويشير إلى نقاش مع أحد القيادات النقابية الذي قال له إن النقابات في فرنسا وإيطاليا لم تحصل على نتائج الاتحادات الأميركية لأنها انشغلت بالسياسة، فلم تخدم السياسة ولا خدمت العمال.
وفي تكساس، يصل إلى هيوستن مع موسم مسابقات رعاة البقر، ويحصل على انطباع بأنها ولاية مستقلة عن بقية الولايات المتحدة بسبب تجارة أهلها المزارعين والمربين للبقر واعتزازهم بأنفسهم. وفي يوميات الجنوب، يقول عن نيوأورلينز إن ويلات الحرب الأهلية (في القرن التاسع عشر) جعلتها واحدة من أفقر المدن والأكثر رجعية بين الولايات. ويتحدث بطرافة عن المرشدين السياحيين الذين يحكون قصصاً عن المكان من وحي خيال الروائي وليم فوكنر الذي عاش هنا، وعمل مرشداً سياحياً لفترة اختلق فيها بعض القصص. وانطباعاته عن الجنوبيين أنهم يمينيون جداً. وفي حفل على شرفه، أقامته سيدة أرستقراطية حمل لها رسالة، وحضره رؤساء شركات، اضطر للاستماع إلى «أكثر الحوارات تخلفاً ورجعية في كل هذه الرحلة» لأن خطاب الطبقة المسيطرة في كل أميركا أنها لا تفهم إلا لغة القوة.
وفي مونتغمري بألاباما، حيث العنصرية البغيضة الأكثر وضوحاً من كل الولايات، يكتب في السادس من مارس (آذار) 1960: «لن أنسى هذا اليوم ما حييت. لقد رأيت ما هي العنصرية، رأيتها مقبولة بصفتها أحد قوانين المجتمع الأساسية». ثم ينقل تفاصيل احتجاج طلبة سود على طرد 9 من زملائهم من الجامعة، ضمن الاحتجاجات السلمية التي يدعمها مارتن لوثر كينغ (اغتيل عام 1968)، وقد تجمعوا في كنيسة للسود أمام برلمان ألاباما. ويصف حجم العنصرية عند طبقة من البيض اصطفوا قرب البرلمان ليتابعوا المشهد بصخب. ويقول إن الفقراء منهم أسوأ العنصريين، ويتبعون تنظيم «كوكلاكس كلان»، وآخرون من الطبقة المتوسطة اجتمعوا مع عائلاتهم وأطفالهم، جميعهم رفعوا شعارات بذيئة بحق السود. «وأنا الذي كنت مهتماً بنتيجة هذا الحدث، صرت محاطاً بأناس أعنف وأقوى، شيئاً فشيئاً. وبين الحشود كاهن الكنيسة المنهجية، وهو الوحيد الذي يمتلك الشجاعة ليقف إلى جانب السود (فجرت جماعة كوكلاكس كلان منزله سابقاً)، وساعد الطلبة السود على الخروج بسلام. وكان السود يبتعدون في صمت وأيديهم مرفوعة، وسط صيحات سخرية وضحك هيستيري من المصطفين». ويتحدث كالفينو عن قادة سود تعرف عليهم في أثناء وجوده في الولاية، ويصفهم بأنهم «فصيحون حازمون لا يشفقون على أنفسهم لأنهم سود». وقد ذهب بمعيتهم إلى كنيسة اجتمع فيها لوثر كينغ مع طلبة، و«كنت الأبيض الوحيد وسط ثلاثة آلاف طالب، ولعلي الوحيد الذي فعل ذلك في تاريخ الجنوب كله».
«يوميات أميركا» لافتة كثيراً ضمن فصول الكتاب، فإيتالو كالفينو شاهد عيان لا ينقل عن إعلام أو كتب، وهو ربما الكاتب الأوروبي الوحيد الذي تمكن من معاينة الوضع على الأرض في هذه القارة المثيرة الجذابة البغيضة في آن. لم يكره أميركا، بل إنه عشق نيويورك، وقارنها بباريس في الفصل الخاص بتلك المدينة التي يستغرب أنه يمتلك فيها بيتاً منذ سنوات، لكنها لم تلهمه الكتابة عنها، رغم انبهاره بشبكة المترو والمحلات وأنواع الأجبان، على عكس نيويورك التي يشعر أنه يمكن كتابة قصص أو رواية تدور أحداثها فيها «ربما لأنها صورة لما يجب أن تكون عليه المدينة».
كتاب «ناسك في باريس»، الصادر عن دار المدى، يقدم قراءة ممتعة، ويصعب نقل ملخص عن جميع الفصول التي تحدث فيها عن انتمائه للشيوعية، ومحاربته الفاشية ورموزها مثل ستالين وموسيليني، وعن دور المثقف، وأفكار أخرى. ومع ملاحظة ارتباك الترجمة أو خطئها في أكثر من موضع، فإنه كتاب يوجب ترشيحه للقراءة بشدة، خصوصاً أنه لواحد من أشهر كتاب إيطاليا، ولعل القارئ العربي يعرفه بكتاب آخر ممتع، هو «مدن غير مرئية» الذي ترجم إلى العربية قبل سنوات.



إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية
TT

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

إطلاق كرسي علمي باسم الأمير عبد القادر بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية

في خطوة أكاديمية وثقافية مهمة تعكس عمق العلاقات الجزائرية - البريطانية وتعزز حضور الجزائر في إحدى أعرق المؤسسات الجامعية العالمية، أطلقت كل من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الجزائرية ومركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، كرسياً علمياً باسم مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة، الأمير عبد القادر الجزائري. ووقع الاتفاق عن الجانب الجزائري، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، كمال بداري، وعن الجانب البريطاني، فرحان نظامي، مدير مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية.

وتم التوقيع ضمن مراسم حفل تدشين حضره عميد جامع الجزائر، الشيخ محمد مأمون القاسمي الحسيني، وسفير الجزائر لدى المملكة المتحدة، نور الدين يزيد، ونظيره البريطاني، جيمس داونر، وشخصيات سياسية وأكاديمية بارزة، ومنهم المختص في الفكر الإسلامي ومؤلف كتاب الأمير عبد القادر: «رسول الأخوة الإنسانية»، وزير التعليم العالي الأسبق، مصطفى الشريف، إلى جانب عدد من أعضاء السلك الدبلوماسي المعتمدين بالمملكة المتحدة ومجموعة من الأكاديميين والباحثين، في تأكيد على الأهمية الدولية لهذه المبادرة التي تستلهم من إرث الأمير عبد القادر وقيمه الإنسانية القائمة على التسامح والحوار والتعايش بين الثقافات،

وأُتبعت مراسم توقيع هذا الاتفاق بتدشين الطرفين لقاعة باسم الجزائر، على مستوى مقر المركز، تكريساً للحضور الجزائري داخل هذه المؤسسة العلمية المرموقة.

وفي كلمته بالمناسبة، أعرب الدكتور فرحان نظامي عن اعتزازه بإطلاق هذا الكرسي العلمي، مؤكداً أنه سيعزز لا محالة البحث الأكاديمي في مجالات القيم الإنسانية والسلام والتفاهم بين الشعوب، وسيبرز مساهمة فكر الأمير عبد القادر في بعث التعاون الدولي والدراسات متعددة التخصصات.

من جهته، صرح وزير التعليم العالي والبحث العلمي أن «بعث هذا الكرسي يرسي للجزائر لبنة تاريخية في تثمين تراثها الفكري والحضاري على الساحة الدولية، ويمثل منعطفاً نوعياً في مسيرة الشراكة العلمية والأكاديمية بين الجزائر والمملكة المتحدة، مشدداً على أن إطلاق كرسي الأمير عبد القادر، إنما هو استئناف لحوار بدأ قبل قرينين بين الأمير والمملكة المتحدة، ويكمل دائرته اليوم».

كما اعتبر أن هذا الحدث يحمل دلالات متعددة؛ إذ يمثل اعترافاً صريحاً بالجزائر بوصفها شريكاً في البناء الفكري والإنساني، وإسهاماً في تجاوز الصورة النمطية الاستشراقية للإسلام والمسلمين، وتعزيز للحوار بين البلدين وتوطيد للشراكة الأكاديمية والثقافية بين شعبيهما.

وفي ختام كلمته، جدد بداري التزام الجزائر بالمساهمة الفعالة في تفعيل هذا الكرسي الأكاديمي، بهدف إحياء فكر الأمير عبد القادر والتعريف بإرثه الحضاري والروحي باعتباره رمزاً عالمياً للتسامح والاعتدال والعدالة والكرامة الإنسانية.

وفي كلمته بمناسبة توقيع هذا الاتفاق، أورد الشيخ محمد مأمون القاسمي، عميد جامع الجزائر، أن الأمير عبد القادر مدرسة قائمة بذاتها، تتجاوز حدود الوطن والأزمنة، وتدخل ضمن الرصيد المشترك للإنسانية.

وقال إن إطلاق هذا الكرسي بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، يضطلع بدور متميز في تقريب دوائر الفهم المتبادل بين العالم الإسلامي والغرب، ومن ثم، فإن حضور الأمير عبد القادر فيه، حضور طبيعي؛ لأنه يجسد شخصية خاطبت عصرها ولا تزال، بلغة القيم الكونية، وفي إطار ما يخوله الاتفاق الموقع والمنشئ للكرسي المذكور، تم الإعلان عن فتح باب الترشح أمام الباحثين الجزائريين للاستفادة من منحة «باحث زائر» بمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية، وهي خطوة أكاديمية من شأنها تعزيز التبادل العلمي والمعرفي بين الجانبين.


النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش
TT

النزعة النرجسية وتمثلاتها في الشعر العربي الحديث

محمود درويش
محمود درويش

إذا كان النزوع النرجسي والاهتمام بالذات، قد شكَّلا سمة واضحة المعالم من سمات الشعرية العربية القديمة، فقد حملت تجلياتها الوضوح نفسه في الشعر الحديث، سواء من خلال سفور الأنا عن وجهها على نحو مباشر، أو من خلال اختبائها خلف أقنعة وأساطير وتوريات مختلفة، من مثل تموز والعنقاء وقلقامش وأدونيس وأيوب ولعازر والمتنبي وغيرهم.

إلا أن أي مقاربة لهذه المسألة ستظل موضع ريبة والتباس، ما لم تتم الإشارة إلى نقطتين مهمتين، تتمثل الأولى بكون النزوع النرجسي ليس بحد ذاته هنة أو نقيصة، وهو لا يكون كذلك إلا حين يتفاقم أمره ليصبح نوعاً من البارانويا الخالصة أو العشق المرضي للذات. أما النقطة الأخرى، فتتمثل في كون النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب، لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي، ولم تحُلْ دون تصدُّر بعضهم للمشهد الشعري العربي المعاصر برمته.

ومع أن الظلال الوارفة للنزعة للنرجسية، تتبدى على نحو ملحوظ في تجارب الشعراء الرواد والأجيال التي تبعتهم، فإننا نجد لدى سعيد عقل وأدونيس ونزار قباني ومحمود درويش، على نحو خاص، الكثير من الشواهد الدالة على تأصل هذه النزعة وتعاظمها، وحضورها الراسخ في تجاربهم وأعمالهم المختلفة.

أدونيس

وإذا كان اسم سعيد عقل هو أول ما يتبادر إلى الذهن لدى حديثنا عن تعاظم الأنا وتفاقمها؛ فلأن شعره ومواقفه يزخران بقدر من الاعتداد بالهويتين الفردية والجمعية، قلّ نظيره عند أي شاعر آخر. لا، بل إن صاحب «قدموس» لا يترك للباحث عن الشواهد الدالة على نرجسيته أن يبذل الكثير من الجهد، ليكتشف أن أعماله برمتها ليست سوى انعكاس لزهوه النرجسي وذاته المتعالية. وسواء دارت قصيدته حول موضوع الوصف أو الغزل أو المديح أو الرثاء، فهي لا تكف عن الدوران حول محور واحد هو الفخر بالنفس، وإعلاء الذات وتعظيمها إلى حدود الغلو المفرط.

حين قام شولوخوف، صاحب «الدون الهادئ»، بزيارة إلى بيروت، وطُلب من سعيد عقل المشاركة في حفل تكريمه، لم يستطع الأخير تجنب الإشادة بنفسه إلى جانب المكرّم، فخاطبه قائلاً:

لئن تحكِ عن نهرٍ فشطر قصيدتي

يطلّ وهزّ السيف يكتملِ الشطرُ

وحتى في مقام الرثاء لا يتوانى عقل عن مقاسمة المرثي مكانته وصفاته، فيقول في رثاء أمين تقي الدين، ممتدحاً نفسه:

أقول الحياة العزم حتى إذا أنا

انتهيتُ تولى القبر عزميَ من بعدي

وحيث لا يتوانى عقل عن الغمز من قناة بعض مرثييه، كأن يسأل أحمد شوقي، في حفل إزاحة الستار عن تمثاله في مدينة زحلة اللبنانية: «أنا النهر، شوقي، أينا اليوم أشعر؟»، فإن الاعتداد النرجسي بالذات، بتقمص أحياناً مع صورة الوطن والجماعة الأهلية، كقوله بلسان اللبنانيين: «نتحدى الدنيا شعوباً وأمصاراً، ونبني أنّى نشأ لبنانا».

أما نزار قباني، فقد حملت تجربته وأعماله وعلاقته بالمرأة أشكالاً من الزهو والانتشاء بالذات، لم يشهد الشعر العربي مثيلاً لها منذ تجربة عمر بن أبي ربيعة. فنزار كعمر، هو المهيمن والمعشوق الوسيم الممسك بخيوط اللعبة، وقائد أوركسترا المتعة والإغواء. وهو إذ يوزع الأدوار والمقادير في لعبة الحب والأسرّة ومسارات العلاقة وأقدارها، لا يتردد في مخاطبة امرأة مفرطة الإلحاح على المتعة بالقول:

لفّي تحارير الهوى وامضي

أنا في السماء وأنت في الأرضِ

ما أنتِ من بعدي سوى طللٍ

أنقاضهُ تبكي على بعضِ

وإذا استثنينا أعمال نزار السياسية التي تضطر فيها ذات الشاعر إلى تنحية نفسها عن المشهد العربي الموغل في قتامته، فإن نتاج قباني المترع بعشرات المغامرات والتجارب العاطفية، ما هو إلا انعكاس لصور الأنا المترامية التي تكرر نفسها في مرايا الفحولتين الشعرية والعشقية. والأرجح أن الجذور العميقة لنرجسية نزار متأتية من نشأته المترفة، ووسامته الظاهرة، وموهبته العالية.

كما لا يتحرج قباني من إظهار براعته في الإيقاع بالنساء، وصولاً إلى تنصيب نفسه زعيماً بلا منافس لجمهورية العشق والعاشقين. لذلك؛ فهو يخاطب إحدى نسائه الساذجات في قصيدة «نرجسية» بالقول: «هل ممكنٌ أيتها الساذجة السطحية الحمقاءْ. هل ممكنٌ أن تجهلي أنّي الذي أسس جمهورية النساءْ».

وإذ يحاول نزار مواراة اعتداده بنفسه خلف أقنعة كثيرة تحفل بها قصائده ومقطوعاته، وبينها شهريار وديك الجن وكازانوفا ودون جوان وراسبوتين وغيرهم، فهو يؤثِر في قصائد أخرى إظهار هذه النرجسية على نحو مكشوف، كما في قصيدته «الرسم بالكلمات» التي توصل جنوحه النرجسي إلى ذراه القصوى.

النرجسية المتمادية لبعض الشعراء والكتاب لم تقلل بأي حال من فرادة نتاجهم الإبداعي

وإذا كان أدونيس واحداً من الشعراء الذين تستبطن تجربتهم الكثير من ملامح النزعة النرجسية ومواصفاتها، فإن رغبة الشاعر في التفرد تظهر من خلال اتخاذه من الإله الفينيقي أدونيس، الذي قتله الخنزير البري على ضفاف نهر إبراهيم، اسماً بديلاً عن اسمه الأصلي. ومن يتابع مسيرة أدونيس الشعرية والفكرية، فلا بد أن يلحظ عدم اكتفائه بمجد التسمية الناجز، ومحاولته النهوض بأسطورته الشخصية بمختلف السبل المتاحة.

ولن نعدم في هذا السياق الشواهد الدالة على البعد النرجسي في تجربة أدونيس وأعماله. لا، بل إن الأساطير والرموز التي يستخدمها في شعره، هي نفسها قناعه ووجهه في آن. ولعل في ديوانه «مفرد بصيغة الجمع»، ما يقدم الشواهد الدالة على الأنا المتفاقمة التي تجعل من التاريخ والجغرافيا والبشر والطبيعة، مجالها الحيوي ومنطقة نفوذها المشتهى. وإذ يضع الشاعر لفصل الكتاب الأول اسم «تكوين» وللفصل الثاني اسم «تاريخ»، فلكي يماهي بين سفْر تكوينه الفردي وسفر تكوين الخليقة من جهة، وبين تاريخه وتاريخها من جهة أخرى.

كما تتنازع هويته القلقة أسماء كثيرة لخوارج الأرض ومجانينها ومشعلي ثوراتها، فهو القرمطي والبهلول بقدر ما هو علي أحمد سعيد وعلي أحمد إسبر، وهو أدونيس الذي «أحبته عشتار وتستدعيه الشعوب». واللافت، أن النرجسية التي اتخذت شكلاً موارباً على امتداد الكتاب، ما يلبث الشاعر أن يفصح عنها في نهاياته على نحو صريح، وإن اتخذت شكل سؤال حائر «من أنت أيها السيد؟ من يقول لأدونيس من هو؟ يسأل، لا جواب. فليكسر مرآة نرسيس، مرآة نرسيس ظلٌّ، كيف يكسر الظل؟».

ولا يختلف الأمر في أعمال أدونيس الأخرى، حيث يرتدي الشاعر قناع مهيار، الهادم المؤسس «الذي لا أسلاف له وفي هويته جذوره». وهو الذي يبشر العالم بظهوره في قصيدته «هذا هو اسمي»، ليعلن دون تردد «لغم الحضارة / هذا هو اسمي». وهذه الأنا بالذات هي التي تدفع صاحبها إلى أن يختبئ في ديوانه «الكتاب» خلف قناع المتنبي، الشاعر الأكثر فرادة وتأثيراً في تاريخ العرب، فضلاً عما تحيل إليه التسمية من محاكاة واضحة للمقدس. وهو ما ينسحب على كتاب أدونيس «الأدونيادا»، الذي تحيل تسميته إلى إلياذة هوميروس وإنياذة فيرجيل.

وإذا كان في شخصية محمود درويش وشعره، الكثير من الزهو النرجسي الذي يظهر جلياً في قصائده، فإن صاحب «الهدهد» قد نجح في تصريف جزء من نرجسيته عبر التماهي مع صورة فلسطين، التي نقلها التغييب والظلم إلى خانة القداسة. إلا أن الشاعر في مقاربته لشخصية نرسيس، يعبّر عن اعتقاده بأن البشر الذين يصنعون طاغيتهم بأيديهم، هم أنفسهم الذين يصنعون نرسيسهم؛ لكي يخبئوا انبهارهم بذواتهم خلف صورته.

والأرجح أن درويش حين حاول أن يرسم صورة تقريبية ونقدية لنرسيس، في قصيدته الأخيرة «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي»، لم يكن يقصد سوى نفسه، حين قال: «كان يمكن أن يربح الشعر أكثر، لو لم يكن هو لا غيره: هدهداً فوق فوّهة الهاوية. ربما قال: لو كنتُ غيري لصرتُ أنا مرةً ثانية. هكذا أتحايل، نرسيس ليس جميلاً كما ظنّ، لكن صنّاعه ورّطوه بمرآتهِ، فأطال تأمله في الهواء المقطّر بالماء، لو كان في وسعه أن يرى غيره، لأحبَّ فتاة تحملق فيه وتنسى الأيائلَ، تركض بين الزنابق والأقحوانْ. ولو كان أذكى قليلاً لحطّم مرآتهُ، ورأى كم هو الآخرونْ».


قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
TT

قصر هشام في أريحا

مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا
مدخل قصر هشام في نواحي شمال أريحا

تحوي البادية السورية قصرين يحملان اسم «قصر الحير»، وينسبان إلى هشام بن عبد الملك. يقع أحدهما شمال شرق تدمر، ويُعرف بقصر الحير الشرقي، ويقع الآخر جنوب غرب تدمر، ويُعرف بقصر الحير الغربي، ويتميّز بثراء حلله المنقوشة التي كشفت عنها حملة فرنسية في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. تحوي البادية الفلسطينية قصراً آخر يُنسب كذلك إلى هذا الخليفة، كشفت بعثة بريطانية عن حلله البديعة في تلك الفترة. يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، وهو مؤلف من طابقين، ويرتفع وسط مجمّع يحوي حماماً كبيراً تزيّنه أرضية فسيفسائية توصف بـ«أكبر لوحة فسيفساء في العالم».

ظهرت أول معالم هذا القصر خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حين شرعت الجمعية الإنجليزية المعروفة باسم «صندوق استكشاف فلسطين» في البحث عن آثار «الأراضي المقدّسة»، وقادها بعض السكان العرب إلى خربة تُعرف باسم «خربة المفجر»، تقع على الضفة الشمالية لوادي النعيمة، وتبعد بضعة كيلومترات من شمال مدينة أريحا. في عام 1894، أرسلت هذه الجمعية عالم الآثار الأميركي فريديريك جون بليس لإجراء بحث تمهيدي في هذه الخربة، فزار الموقع، وكتب تقريراً أوّلياً صدر في النشرة الخاصة بهذه الجمعية، وضمّ مجموعة من الصور، تمثّل عينة من الزخارف الجصية التي عُثر عليها. هكذا بدأ استكشاف هذا الموقع الأموي في الأراضي الفلسطينية خلال السنوات الأخيرة من الحكم العثماني، وتواصل بعد انهيار هذا الحكم، إثر نهاية الحرب العالمية الأولى.

في زمن الانتداب البريطاني، عمدت دائرة الآثار إلى دراسة موقع «خربة المفجر» ومسحه بشكل موسّع في عام 1934. اكتشفت البعثة البريطانية أن الآباء الفرنسيسكان سبقوها إلى هذا الموقع، واقتلعوا منه العديد من الحجارة والأعمدة لبناء ديرهم في أريحا سنة 1927، كما أنهم نقلوا منه مجموعة من الأعمدة والتيجان وألواح المرمر والنقوش الجصية لتزيين مدخل مقرّهم، فطالبت باستعادة هذه القطع، واستجاب الآباء الفرنسيسكان لطلبها. أجرت دائرة الآثار البريطانية الحفريات الأثرية في الموقع على مدى اثني عشر عاماً، تحت إشراف عالم فلسطيني يُدعى ديمتري برامكي، وكان يومها مفتشاً وباحثاً في هذه الدائرة. رافق هذا الخبير حملات التنقيب المتعاقبة في الموقع، ورصد نتائجها في سلسلة من التقارير، صدرت تباعاً في النشرة العلمية الخاصة بدائرة الآثار. خلال الحفريات التي جرت بين عامي 1936 و1937، عُثر على لوح مكسور من المرمر يذكر اسم «عبد الله هشام أمير المؤمنين»، أي هشام بن عبد الملك. إثر هذا الاكتشاف، أُطلق على الموقع اسم «قصر هشام»، وعُرف به منذ تلك الحقبة.

نقلت دائرة الآثار البريطانية ما جمعته من لقى في هذا القصر إلى متحف بدأت بتشييده سنة 1930 في القدس الشرقية، وافتتحته سنة 1938، وأطلقت عليه يومها اسم «متحف فلسطين للآثار». تمثّلت هذه اللقى في الدرجة الأولى بمجموعة هائلة من النقوش النحتية، إضافة إلى عدد من التماثيل الآدمية، وشكّلت هذه الشواهد مادة استثنائية للتعريف بالفنون الأموية المدنية المرتبطة بهذا الميدان. تزامن هذا الاكتشاف مع اكتشاف مشابه لا يقلّ عنه إثارة، تَمثّل في ظهور مجموعة مشابهة من اللقى، خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. قامت باستكشاف هذا القصر بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938، وصدر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939. تبيّن أن القصر شُيّد في عام 727 بأمر من هشام بن عبد الملك على أنقاض دير يعود إلى زمن الغساسنة، وتحوّل مع مرور الزمن إلى أطلال، خرجت من بين أنقاضها مجموعة هائلة من النقوش النحتية، تُماثل بأسلوبها الفني المتقن تلك التي خرجت من خربة المفجر.

مع نهاية الانتداب على فلسطين ونشوء دولة إسرائيل في 1948، توقّفت أعمال دائرة الآثار البريطانية، وأصبح «متحف فلسطين للآثار» تحت إدارة المملكة الهاشمية الأردنية. في ظل هذه الإدارة، أنجز ديمتري برامكي رسالة دكتوراه في 1953 حملت عنوان «الحضارة والعمارة العربية في الفترة الأموية: دراسة مقارنة بالإشارة الخاصة إلى تنقيبات قصر هشام». بعدها، قام عالم الآثار البريطاني جورج هاملتون بدارسة الموقع بشكل شامل وموثّق بالتعاون مع العالم الفرنسي أوليغ غاربار، ونشرت جامعة أوكسفورد هذه الدراسة الشاملة في سنة 1959 تحت عنوان: «خربة المفجر: قصر عربي في الصحراء». أثبتت هذه الدراسة أن الموقع يعود فعلاً إلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك، واستمرّت حركة البناء فيه بعد وفاة الخليفة، إلى أن تعرّض لزلزال ضخم في عام 746، والأرجح أن جزءاً من منشآته تعود إلى عهد الوليد بن يزيد الذي خلف عمه هشام، وحكم بين 743 و744.

يتألّف هذا القصر من دار رحبة، ومسجد عام، ومسجد خاص، وبركة ماء، وحمام فخم كبير. يقع المدخل الرئيسي في الزاوية الجنوبية الشرقية، ويؤدّي إلى ساحة مكشوفة تحوي اليوم مجموعة من اللقى الأثرية، أشهرها نجمة سداسية الأطراف تضمّ ست دوائر مجدولة، تشكّل إطاراً لدائرة كبيرة تتوسّط تأليفها. في الجهة الشمالية من هذه الساحة، شُيّدت بركة تزيّن أرضيتها سجادة فسيفسائية. وفي الجهة الغربية لهذه البركة، يقع المدخل الداخلي الرئيسي للقصر، ويفضي إلى ساحة رحبة تحدّها مجموعة من الغرف. في وسط رواق الساحة الجنوبي، يقع المسجد الصغير الخاص بالخليفة، وفي شمال الرواق الشرقي، يقع المسجد العام. في الجهة الشمالية للقصر، يقع ممر يربط بين القصر والحمّام الملكي، وتزيّن قاعة هذا الحمّام سجادة فسيفسائية مربّعة، طول ضلعها 30 متراً. في شمال هذا الحمام، قاعة خاصة توصف بقاعة الاستقبال، تزيّنها كذلك سجادة فسيفسائية.

تحوي البادية الأردنية موقعاً أموياً يُعرف باسم قصير عمرة، تزيّنه جداريات تمتدّ على مساحة تقارب 380 متراً مربعاً، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف من الألفية الأولى في العالم المتوسطي. في المقابل، يحوي قصر خربة المفجر فسيفساء توصف بأكبر فسيفساء معروفة في هذا العالم. زُيّن هذا القصر برسوم جدارية ضاعت كلّها للأسف، ولم يبق منها إلا بضع شذرات عُثر عليها وسط طبقات الردم، مبعثرة ومتساقطة. في المقابل، خرجت من هذا الموقع مجموعة عظيمة من القطع النحتية متعدّدة الأنواع، تُعتبر اليوم من أجمل شواهد الفن الأموي، ودراستها تكشف عن ثراء هذا الميراث، وتعدّديته الثقافية المدهشة.