البنية الملحمية والمنظور ما بعد الكولونيالي في كتابة التاريخ

«الديوان الإسبرطي» للجزائري عيساوي الفائز بجائزة بوكر العربية

البنية الملحمية والمنظور ما بعد الكولونيالي في كتابة التاريخ
TT

البنية الملحمية والمنظور ما بعد الكولونيالي في كتابة التاريخ

البنية الملحمية والمنظور ما بعد الكولونيالي في كتابة التاريخ

رواية «الديوان الإسبرطي»، للروائي الجزائري عبد الوهاب عيساوي، الصادرة عن دار «ميم» بالجزائر عام 2018، هي بكل المعايير رواية عربية متميزة، استحقت بجدارة المركز الأول في جائزة «بوكر» العربية 2019.
تبدو الرواية في إطارها العام رواية تاريخية عن احتلال الجزائر عام 1830 من قبل الاحتلال الفرنسي، لكنها أكثر من ذلك. فهي رواية عن الجوهر الحي الصلب للحياة والمقاومة في المجتمع الجزائري بصورة عامة، ومدينة الجزائر العاصمة وأحيائها الشعبية بصورة أخص. والتاريخ الذي تدونه الرواية ليس تاريخاً رسمياً أو تقليدياً، بل هو بالأحرى تاريخ بديل ينطلق من المنظور ما بعد الكولونيالي في النظر من رفض «الآخر» الكولونيالي ومقاومته. وهذا التاريخ، من جهة ثانية، هو مدونة سردية يرويها خمسة رواة مشاركون مشتبكون بالحدث الروائي، كلٌ من وجهة نظره الخاصة، مما يجعلها بحق رواية بوليفونية متعددة الأصوات، ربما تذكرنا ببنيتها السردية هذه برواية «ميرامار» لنجيب محفوظ.
هذه المدونة السردية تلتقي إلى حد كبير مع مفهوم الناقد الفيلسوف الأميركي هايدن وايت الذي ينظر إلى التاريخ بصفته سرداً (History as Narrative) على المستوى التاريخي. فالرواية أقرب ما تكون إلى رواية الروائي الليبي إبراهيم الكوني «جنوب غربي طروادة.. جنوب شرقي قرطاجة» (2011) التي تنطوي على وقائع وأحداث مماثلة تدور بين البحر المتوسط والصحراء الكبرى، ومقاومة الشعب الليبي للمستعمرين والغزاة، كما تقترب في أجوائها إلى حد كبير مع أجواء روايات عربية أخرى مماثلة.
والبنية الروائية للرواية تعتمد على نسق سردي متكرر، يتواتر خمس مرات بانتظام، على عدد أقسام الرواية. فكل قسم ينطوي على خمسة فصول، كل فصل منها مكرس لوجهة نظر إحدى الشخصيات المشاركة في السرد، وعلى الترتيب التالي: 1- ديبون، 2- كافيار، 3- ابن ميّار، 4- حمة السلاوي، 5- دوجة.
وبذا فالرواية تضم خمسة وعشرين فصلاً، وكل خمسة فصول مخصصة لسرد واحد من رواة الرواية الخمسة. لكنني لاحظت أن الرواية لا تكرس مفهوم البطولة الفردية، بالمعنى المألوف، أو بالدلالة السردية، كما وجدنا ذلك في كثير من الروايات البوليفونية التي تزاوج بين الرؤية التعددية الجماعية، والخصوصية الفردية لأبطالها، ذلك أن هذه الشخصيات، وبطولاتها، تذوب داخل النسيج الروائي، وتؤسس لمفهوم البطل الجماعي الملحمي، المتمثل هنا في مدينة الجزائر التي يطلق عليها أحياناً اسم «إسبارطة أفريقيا»، للدلالة على رمزية المقاومة المرتبطة بمدينة (إسبارطة) اليونانية التي استطاعت بمقاتليها الثلاثمائة أن تصد الجيش الفارسي الجرار، وتمنع تقدمه. وتناصها الدلالي والتاريخي مع مدينة الجزائر إنما يهدف للتوكيد على الطاقة البطولية الكامنة لدى الشعب الجزائري لمقاومة الغزاة والمستعمرين، وإن كنت أعترض على ارتباط مفهوم «الديوان الإسبرطي» بشخصية «كافيار»، كما سأعود لذلك لاحقاً.
وما أريد أن أخلص إليه أن النزعة البوليفونية للأصوات السردية الخمسة، وذوبانها داخل الحدث الروائي، يمنح الرواية سمة ملحمية واضحة، تذكرنا ربما بالجوهر الملحمي للسرد في رواية «الحرب والسلام» لتولستوي، كما تذكرنا بروايات عربية ذات جوهر ملحمي، مثل خماسية «مدن الملح»، وثلاثية «أرض السواد» لعبد الرحمن منيف، و«أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ، وغيرها.
ولا أعني هنا أن رواية «الديوان الإسبرطي» هي ملحمة بالمعنى التقليدي، بل أعني أنها بصفتها رواية حديثة تحمل جذراً ملحمياً، حيث أجمع كثير من الفلاسفة والنقاد على أن الرواية هي الامتداد الطبيعي للملحمة. وكان الفيلسوف الألماني «هيغل» أول من أشار إلى أن الرواية هي «الملحمة البورجوازية الحديثة»، وهي فكرة طورها لاحقاً جورج لوكاش في كتابه «الرواية ملحمة بورجوازية».
وبذا فرواية «الديوان الإسبرطي» ذات ملامح ملحمية، وليست ملحمة بالمعنى التقليدي المعروف، حيث إن الملحمة قد انتهت أو ماتت، وحلت الرواية محلها، ولكن بخصائص جديدة. ومن الخصائص الملحمية في هذه الرواية أنها تعبر عن رؤية شعب بكامله، ولا تقتصر على رؤية فرد أو مجموعة أفراد، وبذا فهي تنطوي على ما يسميه هيغل الرؤية الكلية الشمولية للعالم.
ورواية «الديوان الإسبرطي» بهذا المعنى رواية سردية بوليفونية، متعددة الأصوات والرؤى، ذات ملامح ملحمية، من خلال السرد الذي تشارك فيه شخصيات الرواية الخمس. لكن هذه الأصوات من جهة أخرى «تذوب»، أو «تتوارى» بتعبير هيغل، أمام كلية الرؤية الشمولية، ولا تؤسس لها حضوراً قوياً مستقلاً على حساب هذا المنظور العام.
وتشارك هذه الرواية الجزائرية المتميزة الملحمة في نزعتها البطولية «Heroism»، ذلك أنها تحاول أن تؤسس لمفهوم البطولة الشعبية الجماعية، مقابل هيمنة «الآخر» المتمثل بالاحتلال الفرنسي، والاحتلال العثماني، إذ وجدنا الرواية تجمع بأناة كل العناصر والمقومات التي تشرعن حق المقاومة، من خلال رؤى أربع شخصيات مشاركة، هي: الشاب الجزائري «حمّة السلاوي»، وهو الرمز المباشر للمقاومة الجزائرية المسلحة في مواجهة الاحتلال الفرنسي، الذي يمتلك أيضاً رؤية رافضة للوجود العثماني، ويؤكد علي حق الجزائريين بحكم أنفسهم. أما «ابن ميّار»، فهو أنموذج للشخصية الجزائرية الوسطية، فهو رجل دين وسياسة، يقف ضد الاحتلال الفرنسي عن طريق ممارسة لون من المقاومة السلمية والفكرية، مثل تقديم المذكرات ورسائل الاحتجاج إلى السلطات الفرنسية في الجزائر وباريس. وتمثل «دوجة» شخصية المرأة في الرواية، وربما هي كناية عن الجزائر المنتهكة المستباحة، وهي تتعاطف بشكل مباشر مع «حمّة السلاوي» الذي أنقذها من استعباد المبغى، وأعاد لها إنسانيتها. أما الصوت الرابع، فيمثله الصحافي الفرنسي «ديبون»، وهو صحافي ليبرالي ذو ميول مسيحية إنسانية، عبّر عن رفضه للاحتلال الفرنسي للجزائر، وكان يتقاطع مع صديقه الفرنسي «كافيار»، أحد رموز الكولونيالية الفرنسية، حاكم الجزائر العسكري لاحقاً.
ومما يجسد صمود الشعب الجزائري المقاومة التي أبداها الجزائريون في مواجهة نزول قوات الاحتلال الكولونيالي في منطقة «سيدي فرج»، والدور البطولي للفرسان الجزائريين الثلاثمائة الذين يقيمون تناصاً مع فرسان إسبارطة الثلاثمائة، والذين استبسلوا في المقاومة.
ولا شك أن هذه الواقعة، وتواترها في رواية «الديوان الإسبرطي» تمثل لوناً من التناص المكاني والتاريخي الذي يحمل دلالاته وحمولاته الفكرية والسيميائية والتاريخية العميقة، والذي يرتبط بمدينة «إسبارطة» الإغريقية، وبعنوان الرواية «الديوان الإسبرطي». لكن المؤلف عبد الوهاب عيساوي لم يكن موفقاً عندما قرن مصطلح «الديوان الإسبرطي» بسرد «كافيار»، الممثل الشرس للسياسة الكولونيالية الفرنسية، وكان حرياً بالروائي أن يختار إحدى الشخصيات الجزائرية، وبشكل خاص «ابن ميّار» أو «حمّة السلاوي»، أو حتى الصحافي «ديبون» الذي كان يتعاطف إلى حد كبير مع الشعب الجزائري وتطلعاته.
وكان مصطلح «الديوان الإسبرطي» قد ظهر لأول مرة عندما لاحظ الصحافي «ديبون» أن زميله الذي يشاركه في غرفته على ظهر السفينة المتوجهة لاحتلال الجزائر عام 1830 كان يقرأ في كتاب يحمل اسم «الديوان الإسبرطي» (ص 148)، واكتشفنا لاحقاً أن هذا المرافق هو «كافيار» الذي سيصبح حاكماً للجزائر.
أما من الناحية السردية لبناء الرواية، فقد لاحظت لوناً من النسقية الرتيبة في تقديم الأحداث الروائية؛ ذلك أن الروائي يكرس كل فصل من فصول الرواية الخمسة للتعبير عن وجهات نظر الشخصيات الخمس المشاركة في السرد، حول حدث مركزي واحد، وكأننا أمام كاميرا سينمائية تلتقط صوراً لأوجه مبنى خماسي الأضلاع، إذ نجد الشي الكثير من التكرار، وكأن الزمن يتوقف لاستعادة وصف حدث معين من خلال الإصغاء إلى وجهات نظر الشخصيات الخمس. ولست أعترض على الإفادة من هذه التقنية بصورة جزئية لأنها تقدم زوايا جديدة تستكمل المنظور العام للحدث، لكن هذا لم يتحقق إلا بدرجة محدودة، مما ترك الباب مفتوحاً أمام التكرار الرتيب أحياناً.
أما النسق الزمني في الرواية فهو ارتدادي غير خطي، مما يمنح الرواية صفة الرواية الدائرية (Circular Novel)، ذلك أنها تبدأ في القسم الأول، وعبر سرد رواتها الخمسة عام 1833، أي بعد ثلاث سنوات من احتلال الجزائر، وتركز على ما آلت إليه أوضاع مدينة الجزائر التي تلقب بالمحروسة تارة، وبإسبارطة أفريقيا تارة أخرى. أما الأقسام الثلاثة التالية، أي الثاني والثالث والرابع، فتعود إلى عام 1830، وهو عام احتلال الجزائر، ويسلط الضوء فيها، من خلال وجهات نظر الشخصيات المشاركة الخمس، على الجوانب العسكرية واللوجيستية والسياسية من عملية احتلال الجزائر، وردود أفعال الجزائريين ومقاومتهم. ثم تختتم الرواية زمنياً في فصلها الخامس بالعام 1833، الذي بدأت به الرواية، لتستكمل نسق الدائرة الزمنية للرواية ولحركة الأحداث. وقد لمسنا في هذا الفصل تصاعد نضال الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي، من خلال أشكال مختلفة للمقاومة، وربما يمثل «حمّة السلاوي» وجه المقاومة المسلحة من خلال نشاطه المعادي للاحتلال.
وهذا التصعيد المتمثل في التحاق «حمّة السلاوي» بالمقاومة المسلحة، وانتظار «دوجة» اللحظة التي يعود فيها «حمة السلاوي» لكي تلتحق به، يجعل الرواية مفتوحة النهاية على تأويلات واحتمالات كثيرة، تتيح الفرصة للقارئ للتأمل والتأويل والتفكير والتعاطف مع قضية الشعب الجزائري الذي قرر أن يؤسس لمقاومة مفتوحة للهيمنة الكولونيالية، وأن تظل الجزائر صنواً لمدينة «إسبارطة» الإغريقية، بصفتها «إسبارطة أفريقيا»، وتحمل دائماً بشارة المقاومة المستمرة، ووعداً بأمل الخلاص من ربقة الاحتلال الكولونيالي الغاشم.



إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
TT

إيزابيلا بيتروفا: «الضائعة» محاولة إنسانية للتصالح مع الماضي

تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)
تدور أحداث الفيلم خلال أسبوع واحد (الشركة المنتجة للفيلم)

قالت المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا إن فيلمها «الضائعة» يقوم على فكرة مواجهة الماضي والتصالح مع ما نحاول الهروب منه طويلاً، موضحة أن القصة تتبع عالِمة نفس جنائي تعيش في الولايات المتحدة، تضطر إلى العودة إلى بلدها بلغاريا بعد أن ترث أباً لم تكن تعرفه من قبل.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن البطلة تجد نفسها أمام مسؤولية غير متوقعة؛ إذ يتعين عليها الإشراف على دفن جثمان الأب الذي تُرك متحللاً لأشهر في إحدى المشارح، ولا تستطيع الدولة دفنه من دون توقيعها بصفتها الوريثة الوحيدة؛ وهو ما يشكل الحدث المفجر لمسار الحكاية.

وأوضحت بيتروفا أن الفيلم يدور في إطار زمني ضيق نسبياً؛ إذ تمتد أحداثه على مدار أسبوع واحد فقط، ما يجعل مساحة التغيير الظاهر في شخصية البطلة محدودة، لكنها ترى أن ما يحدث خلال هذا الأسبوع يترك أثراً عميقاً في حياتها، فالتحول الحقيقي في الشخصية قد لا يبدو كبيراً خلال هذا الزمن القصير، لكن إذا التقى بها المشاهد بعد سنوات فسيكتشف أنها أصبحت شخصاً مختلفاً تماماً نتيجة ما مرت به خلال تلك الأيام.

وعن تجربتها في كتابة هذا النوع من القصص، قالت إن نقطة البداية غالباً ما تكون إحساساً شخصياً عميقاً أو حالة صدمة تسعى إلى فهمها أو معالجتها داخلياً؛ لذا الرابط الشخصي بالنسبة لها عنصر أساسي في أي مشروع سينمائي تعمل عليه، وهو ارتباط لا يعني بالضرورة أن تكون القصة سيرة ذاتية، بل يتعلق أكثر بالطابع الإنساني العام وبالسؤال الداخلي الذي لا يمنحها السلام ويدفعها إلى البحث عنه من خلال صناعة فيلم.

المخرجة البلغارية إيزابيلا بيتروفا (الشركة المنتجة للفيلم)

وأضافت أن عملية الكتابة تبدأ عادةً من هذا الشعور الغامض أو اللغز الذي يصعب تفسيره، ثم تتحول تدريجياً إلى مرحلة بحث أعمق لفهم العالم الذي تدور فيه القصة وتحديد الإطار الواقعي الذي يمكن أن تتحرك داخله الشخصيات، فالبحث لا يقتصر على المعلومات أو التفاصيل الواقعية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى الجانب النفسي والعاطفي للشخصيات حتى تبدو حقيقية وقادرة على التواصل مع الجمهور.

وفيما يتعلق بفيلم «الضائعة» تحديداً، أشارت إلى أنها أمضت وقتاً طويلاً في زيارة مجموعات علاج الإدمان، مثل المجموعات التي تعمل وفق برنامج «الاثنتي عشر خطوة» للتعافي، موضحة أنها حضرت اجتماعات مختلفة ضمت رجالاً ونساءً ومجموعات مختلطة، واستمعت إلى عدد كبير من القصص الشخصية التي ترتبط بشكل غير مباشر بالموضوع الذي كانت ترغب في الكتابة عنه.

وقالت إيزابيلا بيتروفا إن هذه الزيارات شكلت جزءاً مهماً من البحث العاطفي والنفسي الذي احتاجت إليه من أجل بناء شخصية صادقة وحقيقية، مؤكدة أنها كانت تسعى إلى رسم شخصية تمتلك عمقاً إنسانياً وتعبّر عن مشاعرها بطريقة طبيعية، من دون الوقوع في فخ الشرح المباشر أو التحليل النفسي المبالغ فيه.

وأضافت أن ما جذبها في تلك المجموعات هو طبيعة المساحة الإنسانية التي توفرها؛ إذ يقوم هذا النوع من الاجتماعات على مشاركة التجارب الشخصية من موقع هش وصادق للغاية، وهو ما يُعرف أحياناً بـ«الصدق الجذري»، وهذا النوع من الصراحة نادر في الحياة اليومية؛ لأن الناس في العادة لا يتواصلون بهذه الدرجة من الانكشاف أو الصدق، لذلك كانت هذه التجربة بالنسبة لها فرصة نادرة للاستماع إلى قصص حقيقية لا تتاح عادة في السياقات الاجتماعية التقليدية.

عملت المخرجة على الجوانب النفسية خلال التحضير للفيلم (الشركة المنتجة للفيلم)

وأكدت بيتروفا أن الاستماع إلى تلك القصص ساعدها على فهم أعمق لفكرة الهروب من الماضي ومحاولة مواجهته، وهي الفكرة التي تشكل العمود الفقري لفيلمها، فكثير من الأشخاص الذين التقتهم كانوا يتحدثون عن تجارب معقدة تتعلق بالعائلة والندم والبحث عن الغفران، وهي موضوعات تتقاطع بشكل مباشر مع رحلة البطلة في الفيلم.

وعدَّت أن هدفها من هذا البحث لم يكن نقل تلك القصص حرفياً إلى السيناريو، بل محاولة فهم الحالة الإنسانية التي تقف خلفها، وكيف يمكن ترجمة تلك المشاعر إلى لغة سينمائية قادرة على التعبير عن التوتر الداخلي للشخصية، انطلاقاً من حرصها على أن تبقى القصة مفتوحة على التأويل، بحيث يشعر المشاهد أنه يشارك في اكتشاف الشخصية وفهمها بدلاً من تلقي تفسير جاهز لكل ما يحدث.

وعن مشاركتها في مهرجان «برلين السينمائي»، قالت إن عرض الفيلم ضمن قسم «المنتدى» يمثل بالنسبة لها فرصة مهمة لمشاركة العمل مع جمهور دولي متنوع؛ لأن هذا النوع من المهرجانات يتيح مساحة للحوار حول الأفلام التي تتناول قضايا إنسانية معقدة، كما يمنح صناعها فرصة لسماع ردود فعل مختلفة قد تسهم في قراءة العمل من زوايا جديدة.


«حكايات المكان» تجربة بصرية تبرز تراث العمارة في مصر

عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)
عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)
TT

«حكايات المكان» تجربة بصرية تبرز تراث العمارة في مصر

عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)
عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

في تجربة بصرية تبرز تراث العمارة المصرية، يصحبك معرض «حكايات المكان» في رحلة بين مختلف الأحياء والمباني التاريخيّة، مستغلاً التقنيات التفاعلية في إضفاء الحياة على مجموعة من الصور الفوتوغرافية التي وثقت تفاصيل الأماكن وسردت روايتها.

المعرض، الذي افتتح مساء الأربعاء بقصر الفنون في ساحة دار الأوبرا المصرية على هامش الاحتفالات باليوم العالمي للتراث، يضم الأعمال الفائزة بمسابقة «تراثي7» التي أطلقها «جهاز التنسيق الحضاري» التابع لوزارة الثقافة المصرية في إطار مسعاه لـ«إحياء التراث والحفاظ عليه»، حسب رئيس الجهاز المهندس محمد أبو سعدة.

وقال أبو سعدة، في كلمته خلال حفل توزيع جوائز المسابقة، إن «التراث قيمة مهمة، لا سيما في مصر التي تمتلك إرثاً عميقاً تُباهي به العالم»، مؤكداً أن مسابقة «تراثي» هي «محاولة لإلقاء الضوء على التراث المصري ونشر الوعي بأهميته وبضرورة الحفاظ على المباني العمرانية التراثية».

حضور كثيف في افتتاح معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

وتقدم للمسابقة هذا العام 1108 متسابقين من 26 محافظة، شاركوا بإجمالي 7492 صورة فوتوغرافية. كما بلغ عدد الصور المشاركة ضمن المشروعات التي تضمها محاور المسابقة المختلفة 1596 صورة.

ينقل المعرضُ الزائرَ بين محاور عدة يروي كل منها حكاية المكان بطريقته، تبدأ بمحور «في طريقنا دائماً» الذي يتضمن «بورتريهات» للمباني التراثية بوصفها بطل الحكاية، ثم يتجه للتركيز على التفاصيل عبر محور «شبابيك فاكرة»، الذي يركز على النوافذ وتفاصيلها الجمالية.

وحتى لا تبقي العمارة التراثية أسيرة التاريخ، يسعى محور «لسه موجود» لإظهار الاستخدامات المعاصِرة لمبانٍ تراثية. وبينما يسعى المعرض في أحد محاوره لتجسيد علاقة الإنسان بالمكان، لا ينسى في محور آخر جماليات وفنيات الصورة التي تبرز الظلال والانعكاسات بوصفهما عنصرين أساسيين في السرد البصري.

ويعد «تصدير الجمال وقيمه» هدفاً رئيسياً لوزارة الثقافة، حسب وزيرة الثقافة المصرية الدكتورة جيهان زكي، التي أشارت في كلمتها، إلى أنه «رغم صعوبة تحقيق هذا الهدف، فإن الإقبال على المسابقة وحضور المعرض يدل على وجود قاعدة بشرية مهتمة بالجمال والثقافة»، داعيةً إلى مساندة مبادرات الوزارة الرامية لتحقيق العدالة الثقافية.

جانب من المعرض (الشرق الأوسط)

تتوزع قاعات العرض داخل قصر الفنون على أدوار عدة، مصطحبة الزائر في رحلة زمنية صعوداً وهبوطاً تنقله بين حقب تاريخيّة مختلفة من العصور الإسلامية إلى الحديثة، لا سيما القاهرة التاريخية، وتعيد إحياء وشخصيات ورموز ارتبطت بتلك الأماكن، من بينها الشيخ محمد رفعت، لتروي الجدران بصمت رحلة المكان مع الناس والزمان.

بدوره، قال محافظ القاهرة الدكتور إبراهيم صابر، إن «المحافظة تعمل على محورين؛ الأول هو الحفاظ على التراث والهوية، والآخر هو الاستدامة والخدمات مثل الطرق والتحول الرقمي»، مشيراً إلى «مشاريع تخطيط العشوائيات وتطوير وإحياء مناطق وسط البلد والقاهرة التاريخية».

وتحمل هذه الدورة من مسابقة «تراثي» رؤية جديدة للجهاز القومي للتنسيق الحضاري، من خلال الشراكة مع القطاع الخاص، ممثلاً في منصة «فلوج»، التي تجمع عدداً كبيراً من المصورين الفوتوغرافيين، مما «عزَّز إشراك شريحة كبرى من الشباب والمبدعين لتقديم تجربة بصرية معاصرة تجمع بين التوثيق الفوتوغرافي والسرد البصري والتقنيات التفاعلية»، حسب أبو سعدة.

عدد من الصور المشاركة في معرض «حكايات المكان» (الشرق الأوسط)

وأشادت وزيرة الثقافة المصرية بمشاركة القطاع الخاص في المسابقة، مشيرةً إلى عزم الوزارة على زيادة التعاون مع القطاع الخاص بوصفه السبيل لتعزيز الانتشار الثقافي، رغم «ما يكتنف التعاون بين الحكومة والقطاع الخاص من صعوبات وانتقادات متبادلة»، على حد تعبيرها.

يتنقل المعرض بسلاسة بين صور فوتوغرافية معلَّقة على الجدران، إلى عروض بصرية تفاعلية على الأرضيات وبعض الجدران في مزج يمنح الصور قدراً من الحركة والحياة.

جاءت الجوائز التي تبلغ قيمتها الإجمالية 150 ألف جنيه (الدولار بـ52.35 جنيه)، موزعةً على قسمين؛ المشاركات الفردية والمشروعات.

وانقسمت المشاركات الفردية إلى أربعة محاور، هي: «في طريقنا دائماً»، وفازت بجائزته مريم أشرف شحاتة سيد، بينما حصلت غادة عبد المحسن سليمان على الجائزة التشجيعية. أما المحور الثاني بعنوان «شبابيك فاكرة»، ففازت به دينا محمد محسن، وحصل على الجائزة التشجيعية أحمد شعبان عليمي. وفازت بالمحور الثالث بعنوان «لسه موجود» هاجر عبد الحميد نور الدين، وحصلت على الجائزة التشجيعية إنجي فرحات مصطفى. وحصل مارسيليو سامي رزق على جائزة المحور الرابع تحت عنوان «الظل والانعكاس»، وفازت بالجائزة التشجيعية منى حسن أبو عبده.

عمل مشارك بالمعرض (الشرق الأوسط)

وعلى صعيد المشروعات، جاء المشروع الأول تحت شعار «الناس والمكان»، وفاز بجائزته أحمد مصطفى سالم، بينما حصل على الجائزة التشجيعية عمر الشحات أحمد شلبي. أما المشروع الثاني فحمل عنوان «الحيطان سامعة»، وفازت بجائزته سمر سيد بيومي.

ولم يقتصر المعرض على أعمال المشاركين بالمسابقة، بل ضم أعمال لاثنين من الفنانين كرمهما جهاز التنسيق الحضاري؛ وهما الفنان يحيى العلايلي لمشاركته المتميزة بمعرض «ما زالت هنا»، والذي يعكس التغيّر الاجتماعي والعمراني في القاهرة، وتأثير ذلك في الحفاظ على التراث، والمعماري الفنان رمزي مكرم عبيد عن مشاركته بمعرض «ذا لوكال شو»، والذي يستعرض معالم معمارية مصرية فريدة، بُنيت بروح تعتمد على المجتمع، والاستدامة، والوظيفة، والهوية التراثية، مثل كنيسة السيدة العذراء القبطية الأرثوذكسية، ومسجد «باصونة» بمنطقة الدرب الأحمر.

وزيرة الثقافة تكرم د. محمد الكحلاوي رئيس اتحاد الآثاريين العرب (جهاز التنسيق الحضاري)

وشهد الاحتفال تكريم الدكتور محمد الكحلاوي، أستاذ الآثار الإسلامية ورئيس اتحاد الآثاريين العرب، الذي اختاره جهاز التنسيق الحضاري «شخصية العام» احتفالاً باليوم العالمي للتراث، لما له من إنجازات وإسهامات كبيرة في الحفاظ على التراث المعماري والعمراني المصري والعربي.


«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

«كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)
«كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)
TT

«كافيه مونو» فسحة ثقافية بيروتية تتحدَّى واقع الحرب

«كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)
«كافيه مونو» يستضيف نجوم المسرح (مونو)

في زمن تتكاثر فيه الحواجز وتثقل الذاكرة بظلال الحرب، تبرز مبادرات صغيرة في حجمها، كبيرة بأثرها، تعيد للناس شيئاً من الألفة المفقودة. من بين هذه المساحات، يفتح «كافيه مونو» أبوابه، لا على شكل ملتقى عابر فحسب، وإنما جسر تواصل حيّ يقفز فوق زمن الحرب، ويستضيف وجوهاً من عوالم مختلفة حول طاولة واحدة، كي يُقرّب المسافات بجلسات عفوية وصادقة تنبض بالحكايات والتجارب الإنسانية.

فؤاد يمّين، وجوليا قصّار، ولينا أبيض، وبديع أبو شقرا، وغيرهم... شكّلوا ضيوف هذه الجلسات المنعقدة في «مسرح مونو». مديرته جوزيان بولس، وإثر اندلاع الحرب، فرغت خشبة مسرحها من العروض، وقرَّرت أن تبحث عن بديل يُبقيه حيّاً نابضاً بالثقافة والفنّ. فاستحدثت مساحة لا مكان فيها للتكلُّف أو النصوص الجاهزة. الفنانون يخرجون من أدوارهم، ويصغون، كما يشاركون الناس لحظات تُشبههم.

فتحت بذلك نافذة ضوء من قلب عتمة الأحداث الدامية التي يشهدها لبنان، متحدّية واقعاً مُثقلاً، ليتحوَّل «كافيه مونو» إلى مساحة لقاء تُرمّم تصدّعاته. وتوضح لـ«الشرق الأوسط»: «لم أجد أمامي سوى هذه الخطوة للهروب من المأزق. الفكرة تراودني منذ سنوات، لكنني كنتُ أؤجّلها بسبب ازدحام المسرح بعروض مكثفة. ومع اندلاع الحرب، وجدتُها فرصة لتقريب الناس من المسرح».

جوليا قصّار التقت الجمهور متحدِّثة عن تجربتها مع المسرح (مونو)

تشرف جوزيان بولس على هذه اللقاءات من بعيد، فيما يتولى أنطوان أبي سمرا إدارة الحوارات. وفيها يفتح نجوم التمثيل قلوبهم أمام الناس، مستعيدين بداياتهم وتجاربهم وتراكم خبراتهم. وتضيف بولس: «الجميل في الموضوع هو حماسة الممثلين للمشاركة من دون تردُّد، ورغبتهم في مدّ الجسور مع الجمهور بعيداً عن أيّ عمل مسرحي أو درامي». وتشير إلى أنها وسَّعت التجربة عبر لقاءات مماثلة على تطبيق «زوم» مع فنانين أجانب، ممّا أوجد مساحة ثقافية غنيّة تضمّ مخرجين وممثلين ومصمّمي رقص وغيرهم من أهل المسرح الموجودين خارج لبنان.

ويضم جمهور هذه الجلسات فئات اجتماعية لبنانية مختلفة، غالبيتها من محبّي الفنون والمسرح ومن أعمار متعدّدة. وتلفت بولس إلى أنّ الإقبال يزداد يوماً بعد يوم، مع حضور من مناطق عدّة، بينها صيدا وأدما، إضافة إلى بيروت، بعد انتشار الفكرة عبر وسائل التواصل.

بديع أبو شقرا كسر الحواجز بينه وبين الحضور في أحاديث متنوّعة (مسرح مونو)

الموضوعات المطروحة مفتوحة دون قيود؛ إذ يشارك الفنانون تجاربهم الشخصية والمهنية، ويجيبون عن أسئلة الجمهور، حتى تلك المرتبطة بحياتهم الخاصة. وتقول بولس: «هذا النوع من اللقاءات يمنح الفنان طابعاً مختلفاً عمّا يظهر به على الشاشة أو الخشبة، ويخلق تفاعلاً مباشراً وصادقاً مع الناس. وقد انعكس ذلك توسعاً في قائمة الضيوف أسبوعاً بعد آخر».

وكانت المخرجة لينا أبيض أولى المشاركات، متحدِّثة عن تجربتها في الإخراج المسرحي. وكذلك الأمر بالنسبة إلى جوليا قصّار وبديع أبو شقرا اللذَيْن شاركا الحضور محطات من مسيرتيهما. أما فؤاد يمّين، فتناول الصعوبات التي واجهته، مقدّماً نصائح لهواة التمثيل، ومتطرّقاً أيضاً إلى تجربته الشخصية مع التنمُّر قبل أن ينجح في تغيير نمط حياته.

فؤاد يمّين من المشاركين في لقاءات «كافيه مونو» (مسرح مونو)

وترى بولس أنّ هذه المبادرة «خرقت العتمة» التي فرضتها الحرب، ووفَّرت متنفَّساً كان الناس في أمسّ الحاجة إليه، ليشعروا بأنّ الحياة مستمرّة. وتضيف: «في زمن الحرب نخوض تحديات كثيرة، و(كافيه مونو) أحدها. وقد عشنا تجربة مشابهة مع مسرحية (كذبة بيضا) التي عُرضت رغم القصف، وكانت دليلاً على عزيمة اللبنانيين؛ إذ حضر الجمهور من مختلف المناطق دعماً للمسرح».

وتشيد بولس بوعي اللبنانيين حيال المرحلة الدقيقة التي يمرّ بها البلد، وتروي: «سألتني إحدى الحاضرات عن رأيي في المسرحية التي يشهدها لبنان اليوم، فأجبتها بأنّ ممثليها فاشلون».

وقريباً، يستعيد مسرح «مونو» نشاطه الاعتيادي مع مجموعة من العروض الجديدة، تبدأ بمسرحية «حنّة» من بطولة ندى بو فرحات وإخراج إيلي كمال، على أن تتبعها أعمال أخرى، بينها «الوحش» من بطولة كارول عبود ودوري السمراني وإخراج جاك مارون. وتحكي المسرحية عن لقاء شخصين جرحتهما الحياة وتركت ندوبها على شخصيتيهما، وتبرز أهمية تقديم الإنسانية على أيّ قيم اجتماعية أخرى. وتُعلّق بولس: «هذه المسرحية سبق أن قدّمها جاك مارون عام 2019، لكن عرضها توقّف جراء الأزمة الاقتصادية، وانتشار الجائحة، اللذين شهدهما لبنان. وأنا سعيدة باستضافتها؛ لأنها لم تُشاهَد كما يجب».

وتختم: «ما دام الحوار قائماً بين المسرح والناس، فنحن بخير. عندما تُكسر الحواجز تولد الألفة، والفنان يلعب دوراً أساسياً في الأوقات الصعبة. وهذه اللقاءات في (كافيه مونو) تُظهر الجانب الإنساني من حياتنا، وتكشف عن صعوبة مهنتنا التي يظنّها البعض سهلة وزهرية».