«الحرب المستعرة»... الوجه الآخر لسباق لقاحات «كوفيد ـ 19»

سخرية متبادلة واتهامات بعدم المصداقية

خبيرة تايلندية تسهم في تطوير لقاح ضد «كوفيد-19» في مختبر ببانكوك (إ.ب.أ)
خبيرة تايلندية تسهم في تطوير لقاح ضد «كوفيد-19» في مختبر ببانكوك (إ.ب.أ)
TT

«الحرب المستعرة»... الوجه الآخر لسباق لقاحات «كوفيد ـ 19»

خبيرة تايلندية تسهم في تطوير لقاح ضد «كوفيد-19» في مختبر ببانكوك (إ.ب.أ)
خبيرة تايلندية تسهم في تطوير لقاح ضد «كوفيد-19» في مختبر ببانكوك (إ.ب.أ)

بينما يعتبر علماء أن إنتاج لقاح لفيروس كورونا المستجد، هو السبيل الوحيد لإنقاذ العالم من الموجة الثانية الشرسة للفيروس، والمتوقع أن تكون بدايتها الخريف أو الشتاء القادمين، طفت على السطح حرب من التشكيك والسخرية المتبادلة بين الفرق البحثية التي أعلنت وصولها لمراحل متقدمة في إنتاج اللقاح، بما قد يؤدي إلى تقويض ثقة الناس في اللقاحات.
وعبرت دراسة نشرتها دورية «نيتشر» في 13 مايو (أيار) الحالي عن خشيتها من تنامي ظاهرة عدم الثقة في اللقاحات، بعد تعقب صفحات 100 مليون مستخدم لموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» عبر 37 دولة، وهو السلوك الذي قد يساعد على تعزيزه هذه الحرب الدائرة بين الفرق البحثية العاملة على إنتاج اللقاحات.
ووصل 12 لقاحا إلى مراحل التجارب السريرية، بينما يوجد قرابة 100 لقاح أخرى في المراحل قبل السريرية، ومن بين أبرز اللقاحات التي أثارت الحرب بين الفرق البحثية، هو لقاح جامعة أكسفورد.

- لقاح أكسفورد... محاولة واعدة وانتقادات
لقاح أكسفورد هو اللقاح الأوروبي الوحيد في سباق اللقاحات التي وصلت لمراحل التجارب السريرية، والذي تهيمن عليه الصين وأميركا، ودقت أستاذة علم اللقاحات في جامعة أكسفورد سارة غيلبرت طبول الحرب عندما قالت في 10 أبريل (نيسان) الماضي في مقابلة مع «التايمز» إنها واثقة بنسبة 80 في المائة من نجاح اللقاح الجديد لفيروس كورونا المستجد، بناء على تجارب سابقة قاموا بها على أنواع مماثلة من اللقاحات.
وفي مجال محفوف بالفشل المحتمل، حتى بالنسبة لبعض اللقاحات التي تصل إلى المراحل الأخيرة من التجارب السريرية، اعتبر باحثون أميركيون أن هذا التصريح «غير علمي».
وعلق ويليام شافنر، خبير الأمراض المعدية في المركز الطبي بجامعة فاندربيلت على هذا التصريح «لقد جلست بشكل مستقيم، وأنا أسمع أحد علماء أكسفورد يتحدث عن مدى تقدم اللقاح».
وتابع مستكملا سخريته في تقرير نشرته شبكة «سي إن إن» الأميركية «فوجئ بعضنا في المجتمع العلمي هنا في الولايات المتحدة بالقدرة التنافسية العالية التي أبداها زملاؤنا في أكسفورد».
ووصف بول أوفيت، طبيب الأطفال في جامعة بنسلفانيا، الذي طور لقاحاً للفيروسة العجلية التي تسبب الإسهال عند الأطفال، تصريحات أكسفورد بـ«المتعجلة»، وقال «في هذه المرحلة، من المفترض ألا يكون لدى باحثي أكسفورد أي فكرة عما إذا كان لديهم شيء أم لا... سئمت من مثل هذه البيانات الصحافية».
ولم يتوقف الهجوم على لقاح أكسفورد، المنافس الأوروبي الوحيد في السباق، عند هذا الحد، بل تعرضت تجربة اللقاح التي أجراها الفريق البحثي على القرود لانتقادات حادة من باحث أميركي.
ونشر علماء أكسفورد في 13 مايو (أيار) الحالي، دراسة على (bioRxiv.org) حول تجارب اللقاح على 9 قرود تم إصابتهم عن قصد بالفيروس التاجي الجديد، ثم تم تطعيم 6 منهم ولم يتم تطعيم ثلاثة آخرين.
وبعد أن تم تطعيم القردة ثم تعريضها للفيروس، تم قتلهم وفحصهم بحثاً عن تلف الرئة، ووفقاً لدراسة أكسفورد، لم تظهر علامات على الالتهاب الرئوي أو مشاكل الرئة الأخرى في أي من الحيوانات المُلقحة، لكن اثنين من كل ثلاثة قرود غير مُلقحة طورت درجة معينة من الالتهاب الرئوي الفيروسي.
وعلق أدريان هيل، أحد الباحثين البارزين في فريق إنتاج لقاح أكسفورد، قائلا في مقابلة مع «سي إن إن» في 15 مايو الحالي «لقد نجح الأمر بالتأكيد في القرود... كان هذا تأثيراً مثيراً للإعجاب».
لكن ويليام هاسيلتين، عالم الفيروسات والأستاذ السابق في كلية الطب بجامعة هارفارد، قال إن هيل «مضلل». وأضاف لشبكة سي إن إن «هيل في هذه المقابلة يشبه الساحر الذي يجذب انتباه الجمهور بجسم واحد لامع ليصرفك عن حقيقة أن شريكه يختار جيبك».
وفي مقال نشرته مجلة «فوربس» في 16 مايو الحالي، قال هاسيلتين إن القرود التي تلقت اللقاح لديها الحمض النووي الفيروسي نفسه في إفرازاتها الأنفية مقارنة بالقرود غير المحصنة، في إشارة له إلى أن اللقاح لم ينجح ويمكن للقرود أن تنقل الفيروس للآخرين.
وأشار إلى أن اللقاح يجب أن يولد مستويات عالية من الأجسام المضادة القادرة على تعطيل الفيروس ومنعه من إصابة الخلايا البشرية، وهو ما لم يحدث، حيث إن مستوى هذه الأجسام المضادة في القرود التي تلقت لقاح أكسفورد «منخفض للغاية».
بطبيعة الحال لم يصمت الفريق البحثي لجامعة أكسفورد أمام هذه الانتقادات، وقال أدريان هيل لـ«سي إن إن» في 19 مايو إن لقاح أكسفورد، بالإضافة إلى آخر في الصين يستخدم تقنيتهم نفسها، هما المتصدران بين اللقاحات في التجارب السريرية.
ثم شرع في الاستخفاف بلقاحات الفرق الأخرى، ووصف بالتحديد اللقاحات التي تعتمد على الحمض النووي الريبي بأنها مجرد «ضوضاء من الأولاد الجدد».

- منافسة أميركية
من بين أربعة لقاحات أميركية في سباق التجارب السريرية يوجد لقاحان يستخدمان تقنية الحمض النووي الريبي التي أشار إليها هيل، وهما لقاح شركة (فايزر) و(موديرنا)، وتعتمد تلك التقنية على حقن قطعة من المادة الوراثية بالفيروس التاجي الجديد في الخلايا البشرية لتحفيز المناعة، وهو ما يختلف تماما عن تقنية الناقلات الفيروسية التي تستخدمها أكسفورد، بالإضافة لشركة «كانسينو» الصينية.
وتستخدم تقنية الناقلات الفيروسية نسخة معدلة وراثيا من فيروس نزلات البرد (المعروف باسم الفيروس الغداني) لنقل بروتين من الفيروس الجديد إلى الجسم، بما يساعد على تحفيز الاستجابة المناعية وتحفيز الجسم على الاستجابة لأي عدوى في المستقبل.
ويعمل هيل وزملاؤه على لقاحات فيروسات غدية منذ ما يقرب من 20 عاماً، وقد تم استخدامها على لقاحات تستهدف أكثر من 10 أمراض مختلفة، وفقاً لموقع لقاح أكسفورد.
ورغم أن أيا من لقاحات أكسفورد لم تصل إلى السوق من قبل، فإن سنوات عديدة من البحث الذي قام به فريقه حول التكنولوجيا المستخدمة في اللقاح منحته الثقة لانتقاد الآخرين، بل والاعتراف في المقابلة نفسها مع شبكة «سي إن إن»، بأنه كان يسخر تحديدا من شركة (موديرنا) عندما وصف تقنيتها لإنتاج اللقاح بأنها «غريبة ورائعة».
وفي تعليقها على هذه السخرية، بدت شركة (موديرنا) واثقة في قدرات تقنيتها، وقالت في تعليق نشرته «سي أن إن»: «منافسانا فقط في هذا السباق هما الفيروس والوقت... نحن لا يشغلنا نجاح اللقاحات المتعددة، لأننا نعتقد أنه لا يمكن لأي مصنع صنع جرعات كافية للكوكب».
كان تعليق الشركة يشير إلى واحدة من أهم مزايا اللقاحات الجينية، وهي القدرة على إنتاج كميات كبيرة منها في وقت قصير مقارنة بغيرها من اللقاحات، وهي الميزة نفسها التي توجد في لقاح جيني آخر تعمل عليه شركة «إينوفيو» الأميركية، والتي وجهت هي الأخرى طعنة للقاح أكسفورد، بالقول إنه لا يمكنه الارتقاء إلى المرحلة الثالثة من التجارب السريرية.
وتستخدم تقنية «إينوفيو» نبضة كهربائية قصيرة لتوصيل البلازميدات، أو قطع صغيرة من المعلومات الجينية الخاصة بالفيروس، إلى الخلايا البشرية، ما يؤدي إلى استجابة مناعية.
واستخدم جيف ريتشاردسون، المتحدث باسم الشركة، مفردات شبيهة بتعليق شركة (موديرنا) عندما قال: «منافسنا الوحيد في السباق هو الفيروس، وليس الشركات الأخرى».
وأضاف: «يجب أن يكون هناك ثلاثة أو أربعة فائزون في السباق لتطعيم العالم، فعلى الأرجح، سيكون هناك عدد من اللقاحات التي تصنع، وهذا شيء جيد».

- رأي مختص... وردود أممية
ما أشار إليه المتحدث باسم «شركة إينوفيو» من أن الأزمة وانتشارها تتحمل وجود أكثر من لقاح، هو نفسه ما يراه الدكتور تامر سالم، أستاذ الفيروسات بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط».
لا يخشى سالم من تأثير هذا التلاسن بين الشركات على ثقة الناس في اللقاحات، مشيرا إلى أن أقصى ضرر للقاح هو ألا يعمل، ويصاب الشخص الذي حصل عليه بالفيروس مجددا، ولكن في الغالب لا توجد له أي آثار جانبية.
ومع ارتفاع معدلات الإصابة بالفيروس والخشية من موجة ثانية أقسى وأشد، يتوقع سالم تلهفا من الدول على الحصول على اللقاحات، وستقرر التجربة العملية أيا من اللقاحات أكثر فاعلية.
ويضيف: «عندما تأخذ دولة ما لقاح إحدى الشركات ثم تجد أن عددا من مواطنيها ممن حصلوا عليه أصيبوا مجددا، فعندها يمكن أن تقارن الوضع عندها مع حالة دول أخرى أخذت لقاحا آخر وكان الوضع لديها أفضل، وقد تقرر عندها استخدام هذا اللقاح بدلا من غيره».
ويشبه سالم الوضع بما حدث مع الأدوية، ففي البداية كان هناك حماس لدواء الملاريا (هيدروكسي كلوروكوين)، ودواء أفيجان الياباني، ثم ثبت لاحقا عدم فاعليتهما، فتخلى العالم عن استخدامهما.
من جانبها، رفضت منظمة الصحة العالمية التعليق على السخرية المتبادلة والاتهامات المتبادلة بعدم المصداقية بين الشركات، وقال أمجد الخولي، استشاري الوبائيات بإقليم شرق المتوسط، إن هناك عددا من المعايير لا بد من توافرها لكي تصدق المنظمة على أي لقاح جديد.
وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أي لقاح «ستصدق عليه المنظمة يجب ضمان مأمونيته ونجاعته من خلال التأكد من مروره بمراحل التقييم السريرية الثلاث بشكل علمي، مع مراعاة الجانب الأخلاقي عند تطبيق الدراسات والتجارب، وكذا قدرة اللقاح على تكوين مناعة ومدة بقاء وفاعلية هذه المناعة وعدم تسبب اللقاح في حدوث آثار جانبية شديدة».


مقالات ذات صلة

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

لقاح الكوفيد للحوامل لا يرتبط بمشكلات النمو العصبي لدى أطفالهن

التطعيم يحمي الأم ووليدها

د. هاني رمزي عوض (القاهرة)
صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية

الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية
TT

الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية

الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية

قالت الشرطة الدنماركية، على موقعها الإلكتروني، اليوم الخميس، إنها بصدد تفتيش سفينة حاويات موجودة في مضيق كاتيجات بين الدنمارك والسويد كانت في طريقها إلى ميناء آرهوس.

ووفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، أكدت الشرطة لهيئة الإعلام الدنماركية «تي في 2» أن روسيا هي بلد منشأ السفينة، المعروفة باسم «نورا»، ولم يجرِ الكشف عن أسباب التفتيش.

ووفقاً لموقع «فيسل فايندر»، يبلغ طول السفينة «نورا» 227 متراً، وكانت آخِر مرة رست فيها في ميناء سانت بطرسبرغ.

وذكرت وكالة الأنباء الدنماركية «ريتزاو» أن السلطات الملاحية الدنماركية كانت قد احتجزت السفينة، في فبراير (شباط) الماضي، ومنذ ذلك الحين وهي ترسو في الجزء الشمالي من مضيق كاتيجات.

وذكرت أن السفينة «نورا» كانت ترفع عَلم جزر القمر، لكنها مسجلة في إيران.

وأفادت «ريتزاو» أيضاً، بناء على معلومات من وزارة الخزانة الأميركية، بأن السفينة «نورا» كانت مرتبطة بشركة «ريل شيبينج إل إل سي» وتخضع لعقوبات دولية.

وتردَّد أن الشركة يسيطر عليها محمد حسين شمخاني، الذي كان والده علي شمخاني مستشاراً رئيسياً للمرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي.

ولقي كلاهما حتفهما في هجمات شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في نهاية فبراير.


اتحاد للبحّارة: يحق لنا رفض الإبحار في مضيق هرمز

ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
TT

اتحاد للبحّارة: يحق لنا رفض الإبحار في مضيق هرمز

ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)

قال اتحاد رائد للبحارة ومجموعات في قطاع الشحن، الخميس، إن للبحارة الحق في رفض الإبحار على متن السفن التي تمر عبر الخليج، بما في ذلك مضيق هرمز، بعد ارتفاع التهديد في المنطقة إلى أعلى مستوى له.

ويوجد نحو 300 سفينة راسية على جانبَي المضيق في الوقت الذي تتصاعد فيه الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران. ومنذ 28 فبراير (شباط)، تعرضت تسع سفن لأضرار، ولقي بحار واحد على الأقل مصرعه، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وكجزء من الترتيبات التي تم التوصل إليها، الخميس، بين البحارة وشركات الشحن التجاري، والمعروفة باسم «المنتدى الدولي للتفاوض»، يمكن للبحارة رفض الإبحار في المنطقة، مع إعادة ترحيلهم على نفقة الشركة وتعويضهم بمبلغ يعادل أجرهم الأساسي لمدة شهرين.

وذكر الاتحاد الدولي لعمال النقل في بيان أنه بالإضافة لما هو مقرر، سيحصل البحارة على أجر أعلى، وسيتم مضاعفة التعويض في حالة الوفاة أو العجز.

وقال ستيفن كوتون، الأمين العام للاتحاد الدولي لعمال النقل: «يضمن التصنيف الحالي أن البحارة على السفن المشمولة باتفاقيات (المنتدى الدولي للتفاوض) يتمتعون بحماية أساسية إذا كانوا يعملون في هذه المنطقة الخطرة».

وأضاف: «اضطرارنا لاتخاذ هذه التدابير في حد ذاته دليل قاطع على الوضع الذي يواجهه البحارة اليوم. لا ينبغي أن يتعرض أي عامل لخطر القتل أو التشويه لمجرد قيامه بعمله...».


انخفاض مخزونات الأسلحة... كيف يؤثر على مسار الحرب الإيرانية؟

نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)
نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)
TT

انخفاض مخزونات الأسلحة... كيف يؤثر على مسار الحرب الإيرانية؟

نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)
نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)

في الحروب الحديثة، لا تُحسم المعارك بالاستراتيجيات العسكرية والقدرات القتالية وحدها، بل تلعب الموارد اللوجستية ومخزونات الأسلحة دوراً حاسماً في تحديد مسار الصراع ومدته؛ فكلما طال أمد المواجهة، أصبح السؤال حول قدرة الأطراف المتحاربة على الحفاظ على وتيرة العمليات العسكرية وتوفير الذخائر والمعدات مسألة محورية قد تؤثر بشكل مباشر في مآلات الحرب.

وفي هذا السياق، كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن بلاده تمتلك «إمدادات غير محدودة تقريباً» من الأسلحة الرئيسية. في المقابل، تؤكد وزارة الدفاع الإيرانية أن لديها «القدرة على مقاومة العدو» لفترة أطول مما خططت له الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن مخزونات الأسلحة والإمدادات لا يمكن أن تحسم نتيجة الصراع بمفردها؛ فالتاريخ الحديث يبيّن أن التفوق في العتاد لا يضمن بالضرورة تحقيق النصر، كما ظهر في الحرب بين روسيا وأوكرانيا؛ حيث تمتعت موسكو بتفوق واضح في العدد والعدة، ومع ذلك استمر الصراع لفترة طويلة دون حسم سريع. ومع هذا، تبقى الموارد العسكرية عاملاً مهماً في استدامة العمليات القتالية، وفقاً لتقرير لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)».

ومنذ بداية الحرب الإيرانية الحالية، كانت وتيرة العمليات العسكرية مرتفعة للغاية، ما يعني أن كلا الجانبين يستهلكان الأسلحة والذخائر بوتيرة أسرع من القدرة على إنتاجها.

ويقدّر «معهد دراسات الأمن القومي (INSS)»، في تل أبيب، أن الولايات المتحدة وإسرائيل نفذتا بالفعل أكثر من ألفي ضربة عسكرية، استخدمت في كل منها عدة أنواع من الذخائر.

في المقابل، يشير المعهد إلى أن إيران أطلقت 571 صاروخاً و1391 طائرة مسيّرة، وقد تم اعتراض العديد منها. وبالنسبة لكلا الطرفين، سيصبح الحفاظ على هذا المستوى المرتفع من العمليات القتالية أكثر صعوبة، كلما طال أمد الحرب، بحسب «بي بي سي».

آثار الصواريخ في سماء نتانيا الإسرائيلية تظهر وسط وابل جديد من الهجمات الصاروخية الإيرانية (أ.ف.ب)

الوضع الإيراني

يقول مسؤولون غربيون إنهم لاحظوا انخفاضاً في عدد الصواريخ التي تطلقها إيران؛ حيث تراجع المعدل من مئات الصواريخ في اليوم الأول للحرب إلى عشرات الصواريخ فقط في الوقت الحالي.

وقبل اندلاع الحرب، كان يُقدَّر أن إيران تمتلك مخزوناً يزيد على ألفي صاروخ باليستي قصير المدى. ومع ذلك، لا تنشر الجيوش عادة أرقاماً دقيقة حول عدد الأسلحة التي تمتلكها؛ إذ تُبقي هذه المعلومات سرية بهدف عدم كشف قدراتها الحقيقية للخصوم.

وفي هذا الإطار، صرّح القائد الأعلى للقوات الأميركية، الجنرال دان كين، أمس (الأربعاء)، بأن إطلاق إيران للصواريخ الباليستية انخفض بنسبة 86 في المائة مقارنة باليوم الأول للقتال يوم السبت. كما تقول «القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)» إن هناك انخفاضاً بنسبة 23 في المائة خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية فقط.

ويُعتقد أن إيران أنتجت عشرات الآلاف من طائراتها المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه «شاهد» بكميات كبيرة، قبل اندلاع الحرب. وقد صدّرت هذه التقنية إلى روسيا، التي تستخدم نسختها الخاصة من «شاهد» بفعالية مدمرة في أوكرانيا. وحتى الولايات المتحدة قامت بنسخ هذا التصميم.

طائرة إيرانية مسيرة من طراز «شاهد» أطلقتها روسيا تحلق في السماء قبل ثوانٍ من اصطدامها بالمباني في كييف (أ.ب)

غير أن كين قال إن عمليات إطلاق الطائرات المسيّرة الإيرانية انخفضت أيضاً بنسبة 73 في المائة، منذ اليوم الأول للصراع، ما يشير إلى أن إيران قد تواجه صعوبة في الحفاظ على وتيرة عمليات مرتفعة لفترة طويلة.

ومع ذلك، لا يمكن استبعاد احتمال أن يكون هذا التراجع الحاد محاولة متعمدة للحفاظ على المخزونات العسكرية. لكن استمرار الإنتاج سيصبح أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

وفي الوقت الراهن، تتمتع الطائرات الأميركية والإسرائيلية بتفوق جوي واضح فوق إيران.

وتقول القيادة المركزية الأميركية إن المرحلة التالية من الحرب تركز على ملاحقة منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، إضافة إلى استهداف مخزونات الأسلحة وتدمير المصانع التي تُنتجها.

ورغم أن التفوق الجوي قد يسهل على الولايات المتحدة وإسرائيل إضعاف القدرة القتالية الإيرانية، فإن تدمير جميع مخزونات أسلحتها سيظل مهمة صعبة للغاية، بحسب تقرير «بي بي سي».

أنظمة الدفاع الجوي تعترض طائرة مسيرة بالقرب من القنصلية الأميركية ومطار أربيل الدولي (إ.ب.أ)

الولايات المتحدة... والجيش الأقوى

لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم؛ إذ يفوق مخزونها من الأسلحة التقليدية مخزون أي دولة أخرى.

ومع ذلك، يعتمد الجيش الأميركي بدرجة كبيرة على الأسلحة الدقيقة التوجيه باهظة الثمن، التي تُنتج عادة بكميات محدودة. وتشير التقارير إلى أن ترمب دعا إلى اجتماع مع شركات المقاولات الدفاعية في وقت لاحق من هذا الأسبوع للضغط عليها من أجل تسريع الإنتاج، وهو ما قد يشير إلى أن موارد الولايات المتحدة نفسها قد تتعرض لضغوط إذا استمر الصراع لفترة طويلة.

وقد خفّ بعض هذا الضغط مؤخراً، بعد أن باتت أميركا تتمتع بحرية نسبية في تنفيذ ضربات قريبة المدى.

طائرة مقاتلة تستعد للهبوط في قاعدة جوية تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني بعد تعرضها لهجوم بطائرة مسيرة بالقرب من ليماسول بقبرص (أ.ب)

وأوضح كين أن واشنطن تخلّت بالفعل عن استخدام «الأسلحة بعيدة المدى» في هذه المرحلة من العمليات، وهي أسلحة أكثر تكلفة وتطوراً، مثل صواريخ «توماهوك كروز».

وبدلاً من ذلك، يستخدم سلاح الجو الأميركي الآن أسلحة «بديلة» أقل تكلفة، مثل قنابل JDAM التي يمكن إسقاطها مباشرة فوق الهدف.

ويقول مارك كانسيان، العقيد السابق في مشاة البحرية الأميركية، الذي يعمل في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)» في واشنطن، إنه بعد الهجوم الأولي من مسافة بعيدة «يمكن للولايات المتحدة الآن استخدام صواريخ وقنابل أقل تكلفة».

ويضيف أن واشنطن قادرة على مواصلة هذا المستوى من القتال «إلى أَجَل غير مسمى تقريباً». ومع ذلك، فكلما طالت الحرب تقلّصت قائمة الأهداف العسكرية المحتملة، وهو ما يؤدي عادة إلى تباطؤ تدريجي في وتيرة العمليات.

وتشكل الضربات العسكرية التي تعرضت لها إيران من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل تطوراً لافتاً ومؤثراً، ليس على واقع طهران فحسب، بل قد تنعكس تداعياتها على أكثر من صعيد في المنطقة.

ومنذ أيام، نفذت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل سلسلة ضربات قوية أدَّت إلى مقتل قادة بارزين في إيران، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي. وفي المقابل، أطلقت إيران سلسلة صواريخ ومسيَّرات باتجاه إسرائيل، لكن العديد منها طالت عدة دول عربية، وتسببت في حرائق وخلقت ضحايا وسط موجة إدانات ضد النظام الإيراني.