«الحرب المستعرة»... الوجه الآخر لسباق لقاحات «كوفيد ـ 19»

سخرية متبادلة واتهامات بعدم المصداقية

خبيرة تايلندية تسهم في تطوير لقاح ضد «كوفيد-19» في مختبر ببانكوك (إ.ب.أ)
خبيرة تايلندية تسهم في تطوير لقاح ضد «كوفيد-19» في مختبر ببانكوك (إ.ب.أ)
TT

«الحرب المستعرة»... الوجه الآخر لسباق لقاحات «كوفيد ـ 19»

خبيرة تايلندية تسهم في تطوير لقاح ضد «كوفيد-19» في مختبر ببانكوك (إ.ب.أ)
خبيرة تايلندية تسهم في تطوير لقاح ضد «كوفيد-19» في مختبر ببانكوك (إ.ب.أ)

بينما يعتبر علماء أن إنتاج لقاح لفيروس كورونا المستجد، هو السبيل الوحيد لإنقاذ العالم من الموجة الثانية الشرسة للفيروس، والمتوقع أن تكون بدايتها الخريف أو الشتاء القادمين، طفت على السطح حرب من التشكيك والسخرية المتبادلة بين الفرق البحثية التي أعلنت وصولها لمراحل متقدمة في إنتاج اللقاح، بما قد يؤدي إلى تقويض ثقة الناس في اللقاحات.
وعبرت دراسة نشرتها دورية «نيتشر» في 13 مايو (أيار) الحالي عن خشيتها من تنامي ظاهرة عدم الثقة في اللقاحات، بعد تعقب صفحات 100 مليون مستخدم لموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» عبر 37 دولة، وهو السلوك الذي قد يساعد على تعزيزه هذه الحرب الدائرة بين الفرق البحثية العاملة على إنتاج اللقاحات.
ووصل 12 لقاحا إلى مراحل التجارب السريرية، بينما يوجد قرابة 100 لقاح أخرى في المراحل قبل السريرية، ومن بين أبرز اللقاحات التي أثارت الحرب بين الفرق البحثية، هو لقاح جامعة أكسفورد.

- لقاح أكسفورد... محاولة واعدة وانتقادات
لقاح أكسفورد هو اللقاح الأوروبي الوحيد في سباق اللقاحات التي وصلت لمراحل التجارب السريرية، والذي تهيمن عليه الصين وأميركا، ودقت أستاذة علم اللقاحات في جامعة أكسفورد سارة غيلبرت طبول الحرب عندما قالت في 10 أبريل (نيسان) الماضي في مقابلة مع «التايمز» إنها واثقة بنسبة 80 في المائة من نجاح اللقاح الجديد لفيروس كورونا المستجد، بناء على تجارب سابقة قاموا بها على أنواع مماثلة من اللقاحات.
وفي مجال محفوف بالفشل المحتمل، حتى بالنسبة لبعض اللقاحات التي تصل إلى المراحل الأخيرة من التجارب السريرية، اعتبر باحثون أميركيون أن هذا التصريح «غير علمي».
وعلق ويليام شافنر، خبير الأمراض المعدية في المركز الطبي بجامعة فاندربيلت على هذا التصريح «لقد جلست بشكل مستقيم، وأنا أسمع أحد علماء أكسفورد يتحدث عن مدى تقدم اللقاح».
وتابع مستكملا سخريته في تقرير نشرته شبكة «سي إن إن» الأميركية «فوجئ بعضنا في المجتمع العلمي هنا في الولايات المتحدة بالقدرة التنافسية العالية التي أبداها زملاؤنا في أكسفورد».
ووصف بول أوفيت، طبيب الأطفال في جامعة بنسلفانيا، الذي طور لقاحاً للفيروسة العجلية التي تسبب الإسهال عند الأطفال، تصريحات أكسفورد بـ«المتعجلة»، وقال «في هذه المرحلة، من المفترض ألا يكون لدى باحثي أكسفورد أي فكرة عما إذا كان لديهم شيء أم لا... سئمت من مثل هذه البيانات الصحافية».
ولم يتوقف الهجوم على لقاح أكسفورد، المنافس الأوروبي الوحيد في السباق، عند هذا الحد، بل تعرضت تجربة اللقاح التي أجراها الفريق البحثي على القرود لانتقادات حادة من باحث أميركي.
ونشر علماء أكسفورد في 13 مايو (أيار) الحالي، دراسة على (bioRxiv.org) حول تجارب اللقاح على 9 قرود تم إصابتهم عن قصد بالفيروس التاجي الجديد، ثم تم تطعيم 6 منهم ولم يتم تطعيم ثلاثة آخرين.
وبعد أن تم تطعيم القردة ثم تعريضها للفيروس، تم قتلهم وفحصهم بحثاً عن تلف الرئة، ووفقاً لدراسة أكسفورد، لم تظهر علامات على الالتهاب الرئوي أو مشاكل الرئة الأخرى في أي من الحيوانات المُلقحة، لكن اثنين من كل ثلاثة قرود غير مُلقحة طورت درجة معينة من الالتهاب الرئوي الفيروسي.
وعلق أدريان هيل، أحد الباحثين البارزين في فريق إنتاج لقاح أكسفورد، قائلا في مقابلة مع «سي إن إن» في 15 مايو الحالي «لقد نجح الأمر بالتأكيد في القرود... كان هذا تأثيراً مثيراً للإعجاب».
لكن ويليام هاسيلتين، عالم الفيروسات والأستاذ السابق في كلية الطب بجامعة هارفارد، قال إن هيل «مضلل». وأضاف لشبكة سي إن إن «هيل في هذه المقابلة يشبه الساحر الذي يجذب انتباه الجمهور بجسم واحد لامع ليصرفك عن حقيقة أن شريكه يختار جيبك».
وفي مقال نشرته مجلة «فوربس» في 16 مايو الحالي، قال هاسيلتين إن القرود التي تلقت اللقاح لديها الحمض النووي الفيروسي نفسه في إفرازاتها الأنفية مقارنة بالقرود غير المحصنة، في إشارة له إلى أن اللقاح لم ينجح ويمكن للقرود أن تنقل الفيروس للآخرين.
وأشار إلى أن اللقاح يجب أن يولد مستويات عالية من الأجسام المضادة القادرة على تعطيل الفيروس ومنعه من إصابة الخلايا البشرية، وهو ما لم يحدث، حيث إن مستوى هذه الأجسام المضادة في القرود التي تلقت لقاح أكسفورد «منخفض للغاية».
بطبيعة الحال لم يصمت الفريق البحثي لجامعة أكسفورد أمام هذه الانتقادات، وقال أدريان هيل لـ«سي إن إن» في 19 مايو إن لقاح أكسفورد، بالإضافة إلى آخر في الصين يستخدم تقنيتهم نفسها، هما المتصدران بين اللقاحات في التجارب السريرية.
ثم شرع في الاستخفاف بلقاحات الفرق الأخرى، ووصف بالتحديد اللقاحات التي تعتمد على الحمض النووي الريبي بأنها مجرد «ضوضاء من الأولاد الجدد».

- منافسة أميركية
من بين أربعة لقاحات أميركية في سباق التجارب السريرية يوجد لقاحان يستخدمان تقنية الحمض النووي الريبي التي أشار إليها هيل، وهما لقاح شركة (فايزر) و(موديرنا)، وتعتمد تلك التقنية على حقن قطعة من المادة الوراثية بالفيروس التاجي الجديد في الخلايا البشرية لتحفيز المناعة، وهو ما يختلف تماما عن تقنية الناقلات الفيروسية التي تستخدمها أكسفورد، بالإضافة لشركة «كانسينو» الصينية.
وتستخدم تقنية الناقلات الفيروسية نسخة معدلة وراثيا من فيروس نزلات البرد (المعروف باسم الفيروس الغداني) لنقل بروتين من الفيروس الجديد إلى الجسم، بما يساعد على تحفيز الاستجابة المناعية وتحفيز الجسم على الاستجابة لأي عدوى في المستقبل.
ويعمل هيل وزملاؤه على لقاحات فيروسات غدية منذ ما يقرب من 20 عاماً، وقد تم استخدامها على لقاحات تستهدف أكثر من 10 أمراض مختلفة، وفقاً لموقع لقاح أكسفورد.
ورغم أن أيا من لقاحات أكسفورد لم تصل إلى السوق من قبل، فإن سنوات عديدة من البحث الذي قام به فريقه حول التكنولوجيا المستخدمة في اللقاح منحته الثقة لانتقاد الآخرين، بل والاعتراف في المقابلة نفسها مع شبكة «سي إن إن»، بأنه كان يسخر تحديدا من شركة (موديرنا) عندما وصف تقنيتها لإنتاج اللقاح بأنها «غريبة ورائعة».
وفي تعليقها على هذه السخرية، بدت شركة (موديرنا) واثقة في قدرات تقنيتها، وقالت في تعليق نشرته «سي أن إن»: «منافسانا فقط في هذا السباق هما الفيروس والوقت... نحن لا يشغلنا نجاح اللقاحات المتعددة، لأننا نعتقد أنه لا يمكن لأي مصنع صنع جرعات كافية للكوكب».
كان تعليق الشركة يشير إلى واحدة من أهم مزايا اللقاحات الجينية، وهي القدرة على إنتاج كميات كبيرة منها في وقت قصير مقارنة بغيرها من اللقاحات، وهي الميزة نفسها التي توجد في لقاح جيني آخر تعمل عليه شركة «إينوفيو» الأميركية، والتي وجهت هي الأخرى طعنة للقاح أكسفورد، بالقول إنه لا يمكنه الارتقاء إلى المرحلة الثالثة من التجارب السريرية.
وتستخدم تقنية «إينوفيو» نبضة كهربائية قصيرة لتوصيل البلازميدات، أو قطع صغيرة من المعلومات الجينية الخاصة بالفيروس، إلى الخلايا البشرية، ما يؤدي إلى استجابة مناعية.
واستخدم جيف ريتشاردسون، المتحدث باسم الشركة، مفردات شبيهة بتعليق شركة (موديرنا) عندما قال: «منافسنا الوحيد في السباق هو الفيروس، وليس الشركات الأخرى».
وأضاف: «يجب أن يكون هناك ثلاثة أو أربعة فائزون في السباق لتطعيم العالم، فعلى الأرجح، سيكون هناك عدد من اللقاحات التي تصنع، وهذا شيء جيد».

- رأي مختص... وردود أممية
ما أشار إليه المتحدث باسم «شركة إينوفيو» من أن الأزمة وانتشارها تتحمل وجود أكثر من لقاح، هو نفسه ما يراه الدكتور تامر سالم، أستاذ الفيروسات بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط».
لا يخشى سالم من تأثير هذا التلاسن بين الشركات على ثقة الناس في اللقاحات، مشيرا إلى أن أقصى ضرر للقاح هو ألا يعمل، ويصاب الشخص الذي حصل عليه بالفيروس مجددا، ولكن في الغالب لا توجد له أي آثار جانبية.
ومع ارتفاع معدلات الإصابة بالفيروس والخشية من موجة ثانية أقسى وأشد، يتوقع سالم تلهفا من الدول على الحصول على اللقاحات، وستقرر التجربة العملية أيا من اللقاحات أكثر فاعلية.
ويضيف: «عندما تأخذ دولة ما لقاح إحدى الشركات ثم تجد أن عددا من مواطنيها ممن حصلوا عليه أصيبوا مجددا، فعندها يمكن أن تقارن الوضع عندها مع حالة دول أخرى أخذت لقاحا آخر وكان الوضع لديها أفضل، وقد تقرر عندها استخدام هذا اللقاح بدلا من غيره».
ويشبه سالم الوضع بما حدث مع الأدوية، ففي البداية كان هناك حماس لدواء الملاريا (هيدروكسي كلوروكوين)، ودواء أفيجان الياباني، ثم ثبت لاحقا عدم فاعليتهما، فتخلى العالم عن استخدامهما.
من جانبها، رفضت منظمة الصحة العالمية التعليق على السخرية المتبادلة والاتهامات المتبادلة بعدم المصداقية بين الشركات، وقال أمجد الخولي، استشاري الوبائيات بإقليم شرق المتوسط، إن هناك عددا من المعايير لا بد من توافرها لكي تصدق المنظمة على أي لقاح جديد.
وقال في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أي لقاح «ستصدق عليه المنظمة يجب ضمان مأمونيته ونجاعته من خلال التأكد من مروره بمراحل التقييم السريرية الثلاث بشكل علمي، مع مراعاة الجانب الأخلاقي عند تطبيق الدراسات والتجارب، وكذا قدرة اللقاح على تكوين مناعة ومدة بقاء وفاعلية هذه المناعة وعدم تسبب اللقاح في حدوث آثار جانبية شديدة».


مقالات ذات صلة

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

صحتك صورة توضيحية لفيروس «كوفيد - 19» (أرشيفية - رويترز)

باحثون: مضاد اكتئاب شائع يخفف من إجهاد «كوفيد» طويل الأمد

عقار فلوفوكسامين المضاد للاكتئاب، وهو عقار شائع الاستخدام وغير مكلف، حسن على نحو ملحوظ نوعية الحياة لدى البالغين المصابين «بكوفيد طويل الأمد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ سُجّل نحو 840 ألف وفاة بكورونا في شهادات الوفاة خلال عامي 2020 و2021... لكن فريقاً من الباحثين قدّر أن ما يصل إلى 155 ألف وفاة إضافية غير معترف بها ربما حدثت خلال تلك الفترة خارج المستشفيات (رويترز)

دراسة: أكثر من 150 ألف وفاة بكورونا في أميركا لم تُحتسب مع بداية الجائحة

أظهرت دراسة جديدة أن حصيلة الوفيات في المراحل الأولى من جائحة كورونا كانت أعلى بكثير من الأرقام الرسمية في الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك مكملات فيتامين «د» تبدو واعدة في تقليل خطر الإصابة بـ«كوفيد طويل الأمد» (أرشيفية- رويترز)

دراسة: مكملات فيتامين «د» قد تساعد في تخفيف أعراض «كوفيد طويل الأمد»

تشير دراسة حديثة إلى أن مكملات فيتامين «د» قد توفر مؤشرات جديدة تساعد الباحثين على فهم الأعراض التي تستمر لدى بعض المصابين بعد التعافي من «كوفيد-19».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
علوم عاملون مختبريون يفحصون عينات فيروس «كوفيد» ميدانياً

دراسة أميركية جديدة: «كوفيد-19 كان عادياً» مقارنةً بالأوبئة الأخرى

الفيروسات تتطور بشكل عادي لدى الحيوانات، إلا أنها تتطور بشكل جذري عند إصابتها الإنسان.

كارل زيمر (نيويورك)
صحتك اللقاح يُعطى عن طريق الأنف عبر رذاذ أنفي (أرشيف - أ.ب)

لقاح أنفي قد يحمي من «كورونا» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي في آنٍ واحد

طوَّر باحثون أميركيون لقاحاً جديداً قادراً على الوقاية من عدة فيروسات في آنٍ واحد، بما في ذلك «كوفيد-19» والإنفلونزا والالتهاب الرئوي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

تحركات دولية متسارعة لفكّ خناق هرمز... وأوكرانيا تعرض خبرتها البحرية

الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
TT

تحركات دولية متسارعة لفكّ خناق هرمز... وأوكرانيا تعرض خبرتها البحرية

الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي متحدّثاً في منتدى بسيول يوم 3 أبريل (أ.ف.ب)

تتسارع التحركات الدولية لمعالجة تداعيات إغلاق إيران لمضيق هرمز، في وقت تتباين فيه المقاربات بين طرح عسكري دفاعي مباشر، كما فعلت أوكرانيا، والدفع نحو تنسيق سياسي - أمني أوسع، كما برز في التقارب الفرنسي - الكوري الجنوبي، والاجتماع الدولي الذي استضافته لندن، الخميس.

وبينما تشكك باريس وعواصم أوروبية أخرى في واقعية أي تدخل عسكري لفتح الممر الحيوي، تستعدّ لندن لاستضافة اجتماع لـ«مخططين عسكريين»، الأسبوع المقبل، لبحث خيارات تشمل إزالة الألغام وتوفير قوة طمأنة للسفن التجارية، ضمن مقاربة متعددة المراحل قد لا تُفعّل قبل وقف إطلاق النار.

عرض زيلينسكي

عرض الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي مساهمة بلاده في جهود إعادة فتح المضيق، مؤكداً استعداد كييف لتقديم دعم دفاعي يستند إلى خبرتها في تأمين الملاحة في البحر الأسود بعد الغزو الروسي. وقال إن بلاده قادرة على توفير تقنيات تشمل اعتراض الطائرات المسيّرة، ومرافقة السفن، والحرب الإلكترونية، مشيراً إلى أن إعادة فتح المضيق قد تتطلب أيضاً مزيجاً من أنظمة الدفاع الجوي، وقوافل بحرية محمية، وقدرات تشويش متقدمة لضمان سلامة العبور. وأضاف أن أوكرانيا «مستعدة للمساعدة في كل ما يتعلق بالدفاع».

ويأتي الطرح الأوكراني في ظل مساعٍ من كييف لتفادي تراجع موقعها على الأجندة الدولية مع تحوّل التركيز نحو حرب الشرق الأوسط، ومحاولة توظيف خبرتها العسكرية في مواجهة أنماط تسليح مشابهة لتلك التي تستخدمها إيران، لا سيما الطائرات المسيّرة التي اكتسبت القوات الأوكرانية خبرة واسعة في التصدي لها، بحسب ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية»، كما يأتي ذلك بعد جولة قام بها زيلينسكي في عدد من دول الشرق الأوسط، شملت توقيع اتفاقيات تعاون دفاعي في إطار سعيه لتعزيز حضور بلاده كشريك أمني في المنطقة.

باريس تفضّل الدبلوماسية

في المقابل، اختار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في قمّة جمعته بنظيره الكوري الجنوبي لي جاي ميونغ، التركيز على المسار الدبلوماسي؛ حيث اتفق الجانبان على تنسيق الجهود للمساهمة في إعادة فتح المضيق، وتخفيف تداعيات الأزمة على الاقتصاد العالمي.

وأكد الزعيمان ضرورة ضمان أمن خطوط الملاحة، دون الخوض في تفاصيل عملياتية. وشدد ماكرون على أهمية بلورة إطار دولي لخفض التصعيد، معتبراً أن اللجوء إلى عملية عسكرية لفتح المضيق «غير واقعي»، وهو موقف يعكس تبايناً مع دعوات الرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي حضّ الحلفاء، خصوصاً في آسيا، على الاضطلاع بدور أكبر في تأمين الممر الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط العالمية.

وكان الرئيس الفرنسي قد وصف خيار السيطرة العسكرية على المضيق بأنه «غير واقعي»، محذراً من مخاطر التصعيد، وتعريض السفن لهجمات محتملة.

إجماع دولي

وجاءت هذه المواقف غداة اجتماع عبر الفيديو، نظّمته لندن، الخميس، وجمع 40 دولة شدّدت على ضرورة «إعادة فتح مضيق هرمز فوراً ومن دون أي شروط». ورأى وزراء خارجية هذه الدول، التي لم تشمل الولايات المتّحدة، أن إغلاق المضيق من جانب إيران يُشكّل «تهديداً مباشراً للازدهار العالمي» وانتهاكاً لمبدأ حرية الملاحة وقانون البحار.

وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر تترأس اجتماعاً بالفيديو لبحث مستقبل مضيق هرمز يوم 2 أبريل (رويترز)

وقالت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوبر إن المجتمع الدولي أظهر «تصميماً واضحاً» على ضمان حرية العبور في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي، إضافة إلى شحنات الغاز الطبيعي المسال والمنتجات النفطية، كما يكتسب المضيق أهمية خاصة لنقل مواد حيوية، مثل الأسمدة؛ ما يجعله عنصراً أساسياً في دعم سلاسل الغذاء، خصوصاً في أفريقيا.

وحدّد المشاركون 4 محاور رئيسية للتحرك المشترك: أولاً، زيادة الضغط الدبلوماسي الدولي، بما في ذلك عبر الأمم المتحدة، لإيصال رسالة واضحة ومنسقة إلى إيران بضرورة السماح بالمرور الحرّ وغير المقيّد، ورفض فرض أي رسوم على السفن. ثانياً، بحث إجراءات اقتصادية وسياسية منسقة، بما فيها العقوبات، في حال استمرار إغلاق المضيق. ثالثاً، العمل مع المنظمة البحرية الدولية للإفراج عن آلاف السفن والبحّارة العالقين، وإعادة حركة الشحن. رابعاً، إقامة ترتيبات مشتركة لتعزيز الثقة في الأسواق والعمليات التشغيلية، عبر التنسيق مع شركات الشحن والهيئات المعنية لضمان تدفق المعلومات بشكل متماسك وفي الوقت المناسب.


أول بابا أميركي للفاتيكان يتحوّل إلى منتقد حاد لترمب

بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)
بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)
TT

أول بابا أميركي للفاتيكان يتحوّل إلى منتقد حاد لترمب

بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)
بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر (رويترز)

أصبح بابا الفاتيكان، البابا ليو، في ‌مايو (أيار) الماضي أول زعيم أميركي للكنيسة الكاثوليكية العالمية، لكنه تجنّب في الغالب خلال الأشهر العشرة الأولى من ولايته الإدلاء بتعليقات بشأن بلده الأم، ولم يذكر الرئيس دونالد ترمب علناً ولو مرة واحدة، لكن هذا زمن ولّى.

ففي الأسابيع القليلة الماضية، ​أصبح البابا منتقداً حاداً للحرب مع إيران. وذكر اسم ترمب، لأول مرة علناً، يوم الثلاثاء في نداء مباشر حضّ فيه الرئيس على إنهاء الصراع الآخذ في التوسع.

وهذا تحوّل مهم في اللهجة والنهج، قال خبراء إنه يُشير إلى رغبة البابا في أن يكون ثقلاً موازناً أمام ترمب وأهداف سياسته الخارجية على الساحة العالمية، وفقاً لوكالة «رويترز».

وقال ماسيمو فاغولي، وهو أكاديمي إيطالي يتابع الفاتيكان من كثب: «لا أعتقد أنه يريد أن يُتهم الفاتيكان بالتساهل مع سياسات ترمب لأنه أميركي».

وحضّ البابا ليو، المعروف بحرصه الشديد على اختيار كلماته، ترمب على إيجاد «مخرج» لإنهاء الحرب، مستخدماً مصطلحاً عامياً أميركياً يفهمه الرئيس ومسؤولو الإدارة.

وقال فاغولي، الأستاذ في كلية ترينيتي في دبلن، «عندما يتحدث (البابا ‌ليو)، يكون دائماً ‌حذراً... لا أعتقد أن ذلك كان مصادفة».

وقال الكاردينال بليز كوبيتش، ​وهو ‌حليف مقرب ​للبابا ليو، لوكالة «رويترز»، إن البابا يتبنى نهج سلسلة طويلة من الباباوات الذين حثوا قادة العالم على الابتعاد عن الحرب.

وأوضح: «ففي الوقت الحالي، يستمع الأميركيون والعالم الناطق باللغة الإنجليزية بأسره إلى الرسالة بلغة مألوفة لهم».

بابا الفاتيكان البابا ليو الرابع عشر يتحدث للصحافيين (رويترز)

البابا: الرب يرفض صلوات القادة الذين يشنون حروباً

قبل يومين من مناشدة ترمب مباشرة، قال البابا ليو إن الرب يرفض صلوات القادة الذين يشنّون الحروب، وتصبح «أيديهم ملطخة بالدماء»، في تصريحات قوية بشكل غير معتاد بالنسبة لبابا كاثوليكي.

وفسر معلقون كاثوليك محافظون تلك التعليقات على أنها موجهة إلى وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث، الذي استخدم كلمات مسيحية لتبرير الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران، والتي أشعلت الحرب.

وأدت هذه التصريحات ‌إلى أحد الردود الأولى المباشرة من إدارة ترمب على تعليق للبابا ‌ليو. فقد قالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، عندما سُئلت عن تصريحات ​البابا: «لا أعتقد أن هناك أي مشكلة في ‌دعوة قادتنا العسكريين أو الرئيس للشعب الأميركي للصلاة من أجل أفراد جيشنا».

وقالت ماري دينيس، الزعيمة السابقة ‌لحركة السلام الكاثوليكية الدولية «باكس كريستي»، إن تعليقات البابا ليو الأحدث ونداءه المباشر لترمب «انعكاس لقلب محطم بسبب العنف الذي لا هوادة فيه».

وأضافت: «هو يمد يده إلى جميع الذين أرهقهم هذا العنف المتواصل، ويتوقون إلى قيادة شجاعة».

البابا يُصعّد انتقاداته منذ أسابيع

واستهدف البابا ليو في السابق سياسات ترمب المتشددة تجاه الهجرة، متسائلاً عما إذا كانت تتماشى مع تعاليم الكنيسة ‌المؤيدة للحق في الحياة. وفي تلك التعليقات، التي أثارت انتقادات حادة من الكاثوليك المحافظين، امتنع عن ذكر اسم ترمب أو أي مسؤول في الإدارة بشكل مباشر.

وأجرى البابا تغييراً كبيراً في قيادة الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة في ديسمبر (كانون الأول)، إذ أقال الكاردينال تيموثي دولان من منصب رئيس أساقفة نيويورك. وخلف دولان، الذي يُعدّ من أبرز المحافظين بين الأساقفة الأميركيين، رجل دين غير معروف نسبياً من إلينوي، هو رئيس الأساقفة رونالد هيكس.

وصعّد البابا من انتقاداته للحرب على إيران على مدار أسابيع.

وقال في 13 مارس (آذار) إن القادة السياسيين المسيحيين الذين يشنون الحروب يجب أن يذهبوا للاعتراف ويقيموا ما إذا كانوا يتبعون تعاليم المسيح. وفي 23 مارس (آذار)، قال البابا إن الغارات الجوية العسكرية عشوائية، ويجب حظرها.

وقال الكاردينال مايكل تشيرني، أحد كبار المسؤولين في الفاتيكان، إن صوت البابا له وزن على الصعيد العالمي؛ لأنه «بوسع الجميع أن يدركوا أنه يتحدث... من أجل الصالح العام، ومن أجل جميع الناس، خصوصاً الضعفاء».

وتابع: «صوت البابا ليو الأخلاقي موثوق به، والعالم يريد بشدة أن يؤمن بأن السلام ممكن».

وبدأ البابا ليو، الخميس، 4 أيام ​من الفعاليات في الفاتيكان التي تسبق «عيد القيامة» ​يوم الأحد عندما سيلقي صلاة خاصة ورسالة من شرفة كاتدرائية القديس بطرس.

وخطاب «عيد القيامة» من أكثر الفعاليات التي تحظى بمتابعة دقيقة على جدول أعمال الفاتيكان، وغالباً ما يستغله البابا لإطلاق نداء دولي مهم.


روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
TT

روسيا تعتزم طلب وقف النار من أميركا وإسرائيل لإجلاء موظفين من محطة بوشهر

صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)
صورة عامة للمفاعل النووي الرئيسي في بوشهر جنوب طهران 21 أغسطس 2010 (رويترز)

ذكرت وكالة الإعلام الروسية، الخميس، أن موسكو ستطلب من الولايات المتحدة وإسرائيل ضمان وقف إطلاق النار أثناء قيامها بإجلاء مزيد من الموظفين الروس من محطة بوشهر للطاقة النووية في إيران.

ونقلت الوكالة عن أليكسي ليخاتشيف، رئيس شركة روس آتوم النووية الحكومية الروسية، قوله: «سيجري إبلاغ السلطات المعنية في إسرائيل والولايات المتحدة بمسارات التحرك، وسنستخدم جميع القنوات لطلب الالتزام الصارم بوقف إطلاق النار أثناء تحرك القافلة»، وفق ما أفادت وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف ليخاتشيف أن «الموجة النهائية من الإجلاء»، التي ستشمل نحو 200 شخص، من المقرر مبدئياً أن تجري، الأسبوع المقبل. وبنت روسيا المفاعل النووي الإيراني في بوشهر، ويعمل موظفو «روس آتوم» هناك على إنشاء وحدات جديدة.

وتشهد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران تصعيداً لافتاً في الخطاب العسكري والسياسي، مع تبادل تهديدات مباشرة بين الطرفين بشأن المرحلة المقبلة من الحرب.

ففيما أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب اقتراب بلاده من تحقيق أهدافها العسكرية، ولوّح بتوجيه ضربات «شديدة للغاية»، خلال أسابيع، ستعيد إيران «إلى العصر الحجري»، ردّت طهران بتصعيدٍ مماثل، متعهدة بمواصلة القتال حتى «الندم والاستسلام»، وتصعيد عملياتها بهجمات «أكثر سَحقاً واتساعاً وتدميراً».

ويأتي هذا التراشق في ظل استمرار الحديث عن مسار تفاوضي لم تتضح مآلاته بعد.