البرلمان الإيراني يؤدي القسم... وروحاني يطلب «التكامل»

«مبارزة» بين المحافظين على رئاسته وقاليباف الأوفر حظاً

المرشح لرئاسة البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يؤدي اليمين الدستورية أمس (خانه ملت)
المرشح لرئاسة البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يؤدي اليمين الدستورية أمس (خانه ملت)
TT

البرلمان الإيراني يؤدي القسم... وروحاني يطلب «التكامل»

المرشح لرئاسة البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يؤدي اليمين الدستورية أمس (خانه ملت)
المرشح لرئاسة البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يؤدي اليمين الدستورية أمس (خانه ملت)

انحصرت معركة رئاسة البرلمان بين أجنحة الأغلبية المحافظة، منذ اللحظات الأولى من افتتاح الدورة الحادية عشرة بأداء اليمين الدستورية. ووقف الرئيس الإيراني حسن روحاني وجهاً لوجه مع النواب الجدد، داعياً إلى التكامل والتعاون بين الجهازين في العام الأول من البرلمان الجديد والعام الأخير على نهاية ولايته الرئاسية، وفي المقابل، وجّه النواب رسالة صريحة بقولهم: «لسنا محامين ولا معاندين للحكومة؛ وإنما نقف صفاً واحداً خلف المرشد علي خامنئي لحل مشكلات البلاد».
وأبلغ محمد محمدي غلبيغاني، مدير مكتب «المرشد» الإيراني، رسالة من علي خامنئي تشدد على أولوية الاقتصاد في البلاد، مطالباً بـ«حفظ الأمانة» و«النزاهة».
ورهن خامنئي نجاح مهمة البرلمان بدراية أعضائه بـ«أوضاع وأولويات البلاد»، محذراً النواب من «الآفة الرسمية»، موضحاً أنها «انشغال نواب البرلمان بالقضايا الهامشية المضرة، وإدخال دوافع غير صحية؛ شخصية وفئوية، والتساهل في العمل، والتجمعات العرقیة والمناطقية».
وحضر مراسم تدشين البرلمان شخصيات سياسية وعسكرية رفيعة؛ في مقدمتهم رئيس القضاء إبراهيم رئيسي، إضافة إلى الرئيس حسن روحاني، ووزير الخارجية محمد جواد ظريف، ووزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي، فيما تغيّب رئيس «مجلس تشخيص مصلحة النظام» صادق لاريجاني، ورئيس «مجلس صيانة الدستور» أحمد جنتي.
وكانت نسبة المشاركة في الانتخابات التشريعية هي الأقل على مدى 40 عاماً في طهران؛ إذ لم يشارك سوى 25 في المائة في العاصمة طهران، ولم تتخطَّ الإحصائية الرسمية لعموم المشاركة في أنحاء البلاد 43 في المائة، وذلك في أول اختبار للمؤسسة الحاكمة بعد سلسلة احتجاجات كان وقودها تأزم الوضع الاقتصادي وتدهور الوضع المعيشي.
واتفق النواب على إقامة جلسة ثانية اليوم لانتخابات هيئة الرئاسة، في ظل المشاورات المكثفة حول انتخاب الرئيس، والتي سبقت مراسم تدشينه بأسابيع، لمعرفة النائب الفائز بمعقد الرئاسة بعد 12 عاماً من سيطرة علي لاريجاني على قيادة البرلمان.
وفي كلمة افتتاح البرلمان، قال الرئيس المؤقت للبرلمان، رضا تقوي، بلسان النواب إن البرلمان الحالي هو «برلمان الولاية»، مضيفاً: «نحن لسنا محامين أو معاندين للحكومة؛ بل نقف صفاً واحداً خلف المرشد لحل مشكلات البلاد». وأضاف: «لا نريد القضايا الهامشية»، وحذر: «من يريدون افتعال القضايا الهامشية، لا يحاولوا جرّ هذا البرلمان إلى الهامش».
وتعهد تقوي بأن يبدأ نواب هذه الدورة «الإصلاحات والتحقيق والتحري، والنقد والإشراف ومكافحة الأرستقراطية، بأنفسهم قبل الآخرين».
في المقابل، دافع الرئيس حسن روحاني عن أداء حكومته، وحضّ النواب على أن يكون «الأساس» في علاقات الحكومة والبرلمان «تفضيل المصلحة العامة على المصالح السياسية والحزبية والفئوية والانتخابية»، قبل قوله إن السلطتين التشريعية والقضائية «ملزمتان بالتعاون مع الحكومة».
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن روحاني قوله: «آمل أن ننجح خلال السنة المتبقية للحكومة (قبل الانتخابات الرئاسية التي يفترض أن تجرى في ربيع 2021)، في التعاون والعمل معاً».
وحاول روحاني تذكير خصومة المحافظين بالمواجهة المحتدمة مع الولايات المتحدة، بينما كان وزير خارجيته محمد جواد ظريف غارقاً في قيلولة، حسب مشاهد بثّها التلفزيون الإيراني. وأفادت وكالة الصحافة الفرنسية في هذا الصدد، بأن روحاني كرر إدانته «الحرب النفسية» و«الإرهاب الاقتصادي» من الولايات المتحدة، مضيفاً أن «الأمة الإيرانية وقفت ضد (العدو)» و«مقاومتها أدت إلى إفشاله».
ولكيلا يكون روحاني في موقف ضعيف أمام تأكيد النواب وقوفهم وراء خامنئي، استند بدوره إلى أقوال لصاحب كلمة الفصل في البلاد، وقال في نبرة حازمة: «لا نريد من البرلمان التنازل إطلاقاً في مهمتي التشريع والإشراف» وأضاف: «دون أي نقص؛ نريد برلماناً قوياً وسالماً وفعالاً»، محذراً في الوقت نفسه، البرلمان من أن مسؤوليته «ليست تنفيذية».
وافتتحت هذه الدورة في ظروف استثنائية منذ 4 عقود على تبني نظام ولاية الفقيه، جراء تفشي وباء «كورونا» المستجد، الذي سبب تعثر البرلمان السابق، في الأشهر الثلاثة الأخيرة.
وأشاد روحاني في الوقت ذاته بـ«نتائج» أداء حكومته في الأزمة الصحية، عادّاً أنها «مصدر فخر كبير للشعب والمسؤولين». وقال إن إيران «من الدول التي نجحت» في مكافحة فيروس «كورونا» المستجدّ.
وفي مؤشر على أن انتهاء المعركة ضد الوباء ما زال بعيداً، يفصل مقعد بين كل نائب وآخر، لكن أعضاء المجلس بشكل عام لم يرتدوا أقنعة واقية.
بدوره، دعا وزير الداخلية عبد الرضا رحماني فضلي، إلى إعادة نظر «جدية» في القوانين الخاصة بالانتخابات، رغم أنه تفاخر بإدارة وزارته العملية الانتخابية.
وشارك في الجلسة الأولى للبرلمان الإيراني في دورته الحادية عشرة، 276 نائباً خاضوا الانتخابات التشريعية في 21 فبراير (شباط) الماضي، بعدما وافق «مجلس صيانة الدستور» على طلباتهم للترشح من بين آلاف تقدموا وحاولوا خوض السباق الانتخابي، وهو ما أدى إلى سقوط غالبية مقاعد البرلمان في قبضة المحافظين.
وقال الرئيس المؤقت للبرلمان، رضا تقوي إن «بعض النواب يطالب بالإسراع في انتخاب هيئة الرئاسة، وسنعرض ذلك لتصويت البرلمان».
ويعدّ عمدة طهران السابق محمد باقر قاليباف الأوفر حظاً في الفوز بكرسي الرئاسة، رغم أن التقارير أمس تشير إلى «مبارزة مفتوحة» بينه وبين المحافظ حميد رضا حاجي بابايي، وزير التعليم السابق، في حكومة محمود أحمدي نجاد.
وقاليباف من أبرز قيادات «الحرس الثوري» الوافدين إلى المناصب السياسية، وهو أحد أبرز المقربين من قائد «فيلق القدس» السابق، قاسم سليماني. وانسحب في انتخابات الرئاسة 2017 من خوض التنافس لصالح المرشح المحافظ الآخر، إبراهيم رئيسي، الذي تم تنصيبه العام الماضي في رئاسة القضاء، بمرسوم من خامنئي.
وذكرت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري»، أمس، أن قاليباف سينافس رسمياً مصطفى آقا مير سليم وحاجي بابايي وحسن نوروزي. فيما يتنافس 8 من النواب المحافظين على منصبي نائبي رئيس البرلمان؛ ومن بينهم وزراء سابقون في حكومة محمود أحمدي نجاد. وأشارت «فارس» إلى استمرار المشاورات في ظل عدم التوصل إلى إجماع في داخل البرلمان. ويخيم شبح أحمدي نجاد على البرلمان مع دخول 50 مسؤولاً رفيعاً من حكومته إلى البرلمان، وهو ما قد يعزز حظوظه للعودة إلى سباق الانتخابات الرئاسية المقررة نهاية ربيع 2021.
ومن المفترض أن تحدد هوية الفائزين بمقاعد هيئة الرئاسة، الوزن الحقيقي للنواب المؤثرين في البرلمان.
وحذر النائب السابق حشمت فلاحت بيشه من تنامي دور المحافظين في البرلمان وحاجة بلاده إلى خفض التوتر، وقال في تصريح لموقع «نامه نيوز» الإصلاحي: «البلاد تحتاج إلى خفض التوتر، والعالم لا يطيق مزيداً من التوترات، في ظل هذه الأوضاع، سيؤدي إلى مضاعفة العقوبات ويقرب إيران من الحرب». وتابع: «على النواب أن يقبلوا بمسؤولياتهم تجاه الناس والبلد، وأن الأذواق الشخصية والجماعية لا يمكنها أن تتلاعب بمصير الأمة والبلاد»، غير أنه توقع «فريق قاليباف المقربين من المحافظين المعتدلين والمحافظين المتشددين».
وقال فلاحت بيشه إن «الجزء الأكبر من سلوك النواب ينعكس على السياسة الخارجية. في الواقع، لا يمكن أن نسلم إدارة السياسة الخارجية للتيار المتطرف، لأن السياسيين ما زالوا يدفعون ثمن تدمير المتشددين في مجال السياسة الخارجية، ويعود جزء منه إلى الهجمات ضد السفارات»، وأشار تحديداً إلى الهجوم ضد السفارتين البريطانية في 2011 ولاحقاً السفارة السعودية في 2016.
وأشار بيشه إلى حاجة بلاده إلى «الهدوء في المجال الدبلوماسي»، قائلاً: «نحتاج الهدوء، وهذا الهدوء لن يتحقق إلا عبر خفض التوتر في المستويات الدولية»، منوها بأنه «لا يوجد بلد لديه أعداء كثر مثل إيران، ومن أجل هذا يجب أن نكافئ المتشددين على صناعة الأعداء».



تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

تقرير: إصابة مسؤول إيراني مشارك في محادثات السلام بغارة أميركية-إسرائيلية

كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)
كمال خرازي مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق (أرشيفية - أ.ف.ب)

في تطور يُنذر بمزيد من التعقيد في المشهد الإقليمي، تعرّض مسار الجهود الدبلوماسية لضربة قوية بعد استهداف أحد أبرز المشاركين فيها. فقد أُصيب مسؤول إيراني رفيع المستوى، كان منخرطاً في محادثات تهدف إلى إنهاء الحرب، بجروح خطيرة إثر غارة جوية أميركية -إسرائيلية مشتركة، ما أثار تساؤلات حول مستقبل المساعي السياسية في ظل تصاعد العمليات العسكرية.

ووفقاً لتقارير إعلامية إيرانية نقلتها صحيفة «تلغراف»، أُصيب كمال خرازي، مستشار الحكومة الإيرانية ووزير الخارجية السابق، خلال غارة استهدفت منزله في طهران فجر يوم الخميس. وكان خرازي يؤدي دوراً محورياً في التنسيق مع باكستان بشأن مفاوضات محتملة بين الولايات المتحدة وإيران.

وأفادت التقارير بأن الهجوم، الذي نُفّذ بشكل مشترك بين الولايات المتحدة وإسرائيل، أسفر أيضاً عن مقتل زوجة خرازي، فيما نُقل هو إلى المستشفى وهو في حالة حرجة. وجاءت هذه التطورات بالتزامن مع خطاب للرئيس الأميركي دونالد ترمب، أعلن فيه أن بلاده «قريبة جداً» من إنهاء الحرب مع إيران.

ورأى محللون أن استهداف شخصية دبلوماسية بهذا المستوى قد يُفهم على أنه محاولة لإفشال أو عرقلة المساعي التفاوضية، خصوصاً في ظل الدور الذي كان يلعبه خرازي في إدارة قنوات التواصل غير المباشرة مع الجانب الأميركي عبر وسطاء باكستانيين، تمهيداً لعقد لقاء محتمل مع نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس.

وحسب التقارير، فإن فانس كان قد تواصل مع وسطاء من باكستان حتى يوم الثلاثاء الماضي لمناقشة تطورات الصراع، ما يجعل توقيت استهداف خرازي عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد، الذي يُوصف أساساً بأنه هش وحساس.

من جهتهم، أبلغ مسؤولون إيرانيون الوسطاء أنهم لا يزالون بانتظار موافقة «القيادة العليا» لعقد أي لقاء مباشر، غير أن اغتيال شخصية تُعد محورية في هذه الترتيبات قد يُعمّق فجوة انعدام الثقة بين طهران وواشنطن، ويُضعف فرص استئناف الحوار.

ويشغل خرازي حالياً منصب رئيس المجلس الاستراتيجي الإيراني للعلاقات الخارجية، كما ظلّ مستشاراً مؤثراً لمكتب المرشد الأعلى حتى بعد اغتيال علي خامنئي في فبراير (شباط).

وفي مقابلة سابقة مع شبكة «سي إن إن» من طهران مطلع مارس (آذار)، أعرب خرازي عن تشاؤمه إزاء فرص الحل الدبلوماسي، مؤكداً أن إيران قادرة على إطالة أمد الصراع. وقال: «لم أعد أرى مجالاً للدبلوماسية، لأن دونالد ترمب كان يخدع الآخرين ولا يفي بوعوده. لقد شهدنا ذلك خلال مرحلتين من المفاوضات، فبينما كنا منخرطين فيها، تعرّضنا للهجوم».

وعند سؤاله عن مدى توافق القيادة العسكرية والسياسية في إيران، أجاب: «نعم، تماماً».

وفي سياق متصل، وبعد ساعات من تصريح ترمب بأن الأهداف العسكرية الأميركية في إيران «تقترب من الاكتمال»، ردّت طهران بلهجة حادة، حيث توعّد متحدث عسكري بمواصلة الهجمات «الساحقة» إلى أن ترضخ الولايات المتحدة وإسرائيل.

كما دعا ترمب الدول الأوروبية إلى «السيطرة على مضيق هرمز وتأمينه»، مطالباً الحلفاء بتحمّل مسؤولية أكبر في إعادة فتح هذا الممر الملاحي الحيوي.

ومنذ 28 فبراير، نفذت القوات الأميركية عمليات عسكرية واسعة، شملت استهداف أكثر من 12 ألفاً و300 هدف، وتنفيذ نحو 13 ألف طلعة جوية قتالية، إضافة إلى تدمير أو إلحاق أضرار بأكثر من 155 سفينة إيرانية، حسب بيانات صادرة عن القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم).


لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
TT

لماذا لا تساعد روسيا والصين إيران في الحرب؟

تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)
تصاعد الدخان من موقع غارة جوية على طهران أمس (أ.ف.ب)

رغم الشراكات السياسية والاقتصادية التي تجمع إيران بكل من روسيا والصين، فإن غيابهما عن تقديم دعم عسكري مباشر في ظل التصعيد الحالي يثير تساؤلات واسعة. غير أن حسابات المصالح الاستراتيجية، وتجنُّب مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، إلى جانب فرص الاستفادة من إطالة أمد الصراع، تفسر هذا الحذر من جانب موسكو وبكين.

هذا ما أكَّد عليه جاستن ميتشل، وهو محلل سياسة خارجية مقيم في واشنطن متخصص في الجغرافيا السياسية وأمن الولايات المتحدة، وذلك في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنتريست».

ويقول ميتشل إن إيران معزولة، وتخوض حرباً من أجل بقائها. ومع ذلك، فإن الصين وروسيا، الشريكتين المفترضتين لإيران، غائبتان بشكل لافت. فقد أدان البلدان الهجمات على إيران ودعيا إلى إنهاء الأعمال العدائية، لكنهما امتنعا عن تقديم دعم عسكري كبير. وفي الوقت نفسه، تنشر الولايات المتحدة مزيداً من القوات في الشرق الأوسط، بما في ذلك قوات من مشاة البحرية (المارينز) والفرقة 82 المحمولة جوَّاً، استعداداً لاحتمال غزو بري.

ويرى محللون أن عدم تحرك الصين هو «أوضح دليل على ارتباك بكين»، وأن عجز روسيا عن مساعدة «حليف رئيسي يعد بلا شك أمراً محرجاً».

غير أن الأمر لا يتعلق باللامبالاة أو الإهمال، بل إن لدى كلا البلدين تعريفات أكثر انضباطاً لمصالحهما الوطنية، ما يقيدهما عن الانخراط المباشر. إضافة إلى ذلك، من المرجح أن يحقق كلاهما مكاسب استراتيجية كلما طال انخراط الولايات المتحدة في الحرب، وفقاً لما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

وتنظر الصين إلى آسيا وجوارها المباشر باعتبارهما محور سياستها الخارجية واستراتيجيتها العسكرية. ورغم أهمية الشرق الأوسط بالنسبة إلى الطاقة والتجارة الصينية، فإن بكين لم تعتبره يوماً أكثر أهمية من تايوان أو اليابان أو أوروبا. وعلى مدار تاريخها الحديث، تجنبت الصين الدخول في تحالفات رسمية. ومعاهدة الأمن الوحيدة التي تربطها هي مع كوريا الشمالية منذ عام 1961، وحتى قوة هذا الالتزام تبقى محل شك.

ويقول ميتشل إنه رغم أن الصين زودت إيران بالأسلحة على مر السنوات، فإن علاقتهما الأمنية لا تقارن بعلاقات الصين الأمنية مع روسيا أو كوريا الشمالية. فإيران ليست شريكاً أمنياً عميقاً، كما أنها لا تقع ضمن مسرح الأولويات الصينية، مما يمنح بكين أسباباً محدودة للتدخل لصالحها.

وتعد الطاقة المحرك الرئيسي لعلاقات الصين مع إيران. ففي عام 2025 وحده، اشترت الصين أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيرانية، ما يمثل 13.4 في المائة من إجمالي وارداتها النفطية. ومن شأن إغلاق مضيق هرمز، الذي سيوقف معظم صادرات النفط من إيران ودول الخليج الأخرى، أن يؤثر على مزيج الطاقة الصيني.

ويرى ميتشل أن استمرار الحرب وتعطل تدفقات النفط قد يدفع الصين إلى إعادة التفكير في استراتيجيتها الضمنية المتمثلة في إسناد أمن الطاقة في الشرق الأوسط إلى الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن احتياطي الصين النفطي يمكن أن يغطي وارداتها لمدة 120 يوماً، كما أن موردين بديلين، مثل روسيا، يمكنهم التخفيف من الصدمة. وحتى مع هذا الاضطراب في سوق النفط، فإن تحويل الولايات المتحدة اهتمامها وإعادة توجيه قوتها العسكرية من منطقة المحيطين الهندي والهادئ إلى الخليج يصب في مصلحة الصين.

ومن المرجح أن ينظر المخططون العسكريون في الصين، الذين يتركز اهتمامهم بشكل كبير على محيط بلادهم المباشر، بارتياح إلى تحويل القوة العسكرية الأميركية من جوار الصين إلى الشرق الأوسط. وبدأت الولايات المتحدة بالفعل في تحويل أسلحة من منطقة المحيطين الهندي والهادئ، بما في ذلك بطارية اعتراض من نظام «ثاد» من كوريا الجنوبية إلى إيران، مع استنزاف الحرب لمخزونها المحدود من الصواريخ الاعتراضية. كما نقلت وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) قوات برية وبحرية من المنطقة ذاتها إلى الشرق الأوسط، بما في ذلك السفينة «يو إس إس تريبولي» ووحدة مشاة بحرية من اليابان، إضافة إلى مجموعة حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لينكولن» من بحر الصين الجنوبي.

مقاتلات حربية على متن حاملة الطائرات الأميركية أبراهام لينكولن (رويترز)

أما روسيا، فلا تنظر إلى إيران باعتبارها عنصراً حاسماً في سياستها الخارجية والدفاعية. فقد ركز «مفهوم السياسة الخارجية الروسية لعام 2023» على «الجوار القريب» بوصفه الأكثر أهمية، بينما جاءت إيران ضمن دول الشرق الأوسط في مرتبة متأخرة. وعلى خلاف الصين، لا تعتمد روسيا على الشرق الأوسط في النفط والغاز، كما أن حجم تجارتها مع إيران محدود.

وترتبط روسيا بترتيبات أمنية مع بيلاروسيا ودول منظمة معاهدة الأمن الجماعي، كما تجمعها «شراكة شاملة وتعاون استراتيجي» مع الصين. وأبرمت روسيا صفقات أسلحة عديدة مع إيران، من بينها صفقة بقيمة 500 مليون يورو (589 مليون دولار) لتوريد 500 قاذف محمول على الكتف من طراز «فيربا» و2500 صاروخ من نوع «9إم336». ومع ذلك، فإن إيران لا تحظى بالأهمية الكافية لدى روسيا لتبرير تقديم ضمانات أمنية لها.

ويقول ميتشل إنه على غرار الصين، يمكن لروسيا أن تخرج مستفيدة بشكل كبير من هذه الحرب، لا سيما في قطاع الطاقة. فإغلاق إيران لمضيق هرمز سيجبر دولاً، منها الصين والهند، على زيادة وارداتها النفطية من روسيا. كما أن الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة عالمياً، إلى جانب تعليق العقوبات النفطية، قد يوفِّر عائدات تشتد الحاجة إليها لاقتصاد روسيا المعتمد على الوقود الأحفوري.

كما أن انخراط الولايات المتحدة في إيران يخدم حرب روسيا في أوكرانيا. فالعمليات الأميركية تستهلك موارد عسكرية، خاصة الصواريخ الاعتراضية. وكل صاروخ من أنظمة «ثاد» أو «باتريوت» أو «توماهوك» يتم تحويله إلى إيران هو صاروخ لن يصل إلى جبهات القتال في أوكرانيا. كذلك تملك روسيا فرصة لدعم إيران في استهداف القوات الأميركية عبر تقديم معلومات استخباراتية لتحديد مواقع الأهداف العسكرية الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط.

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

وبذلك، تستطيع روسيا مساعدة إيران بشكل غير مباشر ومن مسافة، مع الاستفادة من الحرب دون المخاطرة بمواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

ويخلص ميتشل إلى أن ضبط النفس الذي تبديه الصين وروسيا يعكس انضباطاً استراتيجياً، لا إهمالاً. فجيش أميركي مستنزف وموزع على جبهات متعددة يصب في مصلحة الصين في منطقة المحيط الهادئ وروسيا في أوكرانيا. وكلما طال أمد هذه الحرب، زادت المكاسب المحتملة لكلا البلدين.


بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
TT

بعد تهديدات ترمب... الجيش الإيراني يتعهد بشنّ هجمات «ساحقة» على أميركا وإسرائيل

قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية وفرق الإنقاذ تعمل في موقع سقوط صاروخ في حي سكني بتل أبيب عقب هجوم إيراني أمس (أ.ف.ب)

تعهّد الجيش الإيراني، الخميس، بشنّ هجمات «ساحقة» على الولايات المتحدة وإسرائيل، بعد ساعات من تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بتوجيه ضربات شديدة للجمهورية الإسلامية في الأسابيع المقبلة، وإعادتها إلى «العصر الحجري».

وقال «مقر خاتم الأنبياء»، غرفة العمليات المركزية للقوات المسلحة الإيرانية، في بيان بثّه التلفزيون الرسمي: «بالتوكّل على الله، ستستمرّ هذه الحرب حتى إذلالكم وذلّكم وندمكم الدائم والحتمي واستسلامكم».

وأضاف: «انتظروا عملياتنا الأكثر سحقاً وتدميراً».

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، إن الولايات المتحدة «تقترب من تحقيق» أهدافها في الحرب ضد إيران لكنها ستواصل ضرب البلاد «بشدة» لمدة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع أخرى.

وأشاد الرئيس الأميركي، في خطاب للأمة من البيت الأبيض، بالانتصارات «الحاسمة» و«الساحقة» التي حققتها الولايات المتحدة، مؤكداً مرة أخرى أن الضربات كانت ضرورية لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي. وتعهّد بعدم التخلي عن دول الخليج التي تستهدفها إيران رداً على الضربات الإسرائيلية الأميركية على الجمهورية الإسلامية، وقال: «أود أن أشكر حلفاءنا في الشرق الأوسط... لقد كانوا رائعين، ولن نسمح بتعرضهم بأي شكل لأي ضرر أو فشل».

وفي الوقت نفسه، أصر ترمب على أن نهاية الحرب لم تأتِ بعد، وقال: «سنوجه إليهم ضربات شديدة للغاية خلال الأسبوعين أو الثلاثة المقبلة. سنعيدهم إلى العصر الحجري الذي ينتمون إليه».