ظهور رامي مخلوف يثير انقساماً في «مناطق النفوذ الثلاث»

أكاديمي في اللاذقية يحذر من «شرخ العلويين»... وقلق من المنعكسات الاقتصادية

رامي مخلوف (أرشيفية - فيسبوك)
رامي مخلوف (أرشيفية - فيسبوك)
TT

ظهور رامي مخلوف يثير انقساماً في «مناطق النفوذ الثلاث»

رامي مخلوف (أرشيفية - فيسبوك)
رامي مخلوف (أرشيفية - فيسبوك)

تراوحت ردود فعل السوريين في مناطق النفوذ الثلاث (التي يسيطر على كل منها النظام السوري، والأكراد، والأتراك)، إزاء ظهور رامي مخلوف ابن خال الرئيس بشار الأسد، بين اعتباره «مراوغة لتبييض صفحة النظام»، وعدم الاكتراث به وبين اعتباره بداية لتطورات أهم مستقبلية، إضافة إلى القلق من انعكاس ذلك على الوضع المعيشي للناس.
وكتب الأكاديمي أحمد الأحمد المقيم في اللاذقية على صفحته في «فيسبوك» أول أمس: «ما زال رامي مخلوف يشرخ صفوف العلويين والناس نيام يصفقون، فاستيقظوا يا أيها الناس وكفى انجراراً بالعواطف». وأضاف «منشوره الأخير خنجر والغريب كمية التهليل. يقول: ‎نتمنى من الجهات الأمنية التوقف عن ملاحقة الموالين الوطنيين والانتباه إلى المجرمين المرتكبين. هذا كلام خطير لا يختلف عن كلام المعارضة منذ عام 2011. يقول: رغم الظروف الصعبة التي نمُرُّ بها لم ننس واجبنا تجاه أهلنا فقد تمّ تحويل مبلغ ما يقارب مليار ونصف المليار ليرة سورية لجمعية البستان وجهات أخرى كي تستمر بتقديم الخدمات الإنسانية لمستحقيها بصدق وأمانة!! الكل يعرف أنه لا علاقة لك بالجمعية منذ العام الماضي».
وسحبت رئاسة الجمهورية «جمعية البستان» الخيرية من مخلوف بعد إعلان الجمعية أنها تعمل تحت إشراف رئاسة الجمهورية. ويأتي هذا التطور بعد ساعات من كتابة مخلوف لمنشور على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» دعا فيه الجمعية لتقديم المساعدات إلى آلاف الجرحى والقتلى من عناصر الجيش السوري والقوات الموالية له. وقالت الجمعية عبر صفحتها بموقع «فيسبوك»: «نشير إلى أن الجمعية تقوم بعملها الخيري والإنساني والتنموي بمتابعة وإشراف السيد رئيس الجمهورية، ومن هذا السياق فإننا في جمعية البستان نؤكد حرصنا على استمرارية العمل المكلفين به وفق الدور الموكل إلينا به على أكمل وجه وبتوجيهات قائد الوطن».
وكان مخلوف قال في وقت سابق اليوم السبت إنه « قرر تحويل مبلغ مليار ونصف ليرة سورية من أمواله لصالح (جمعية البستان الخيرية) التابعة له ليتم توزيعها على أسر آلاف القتلى والجرحى من عناصر السوري والقوات الموالية له».
وأسس مخلوف جمعية البستان في مدينة اللاذقية منتصف عام 1999 لتقديم المساعدات الإنسانية للمحتاجين من فقراء ومرضى.
وفي دمشق، تقول إسراء (27 عاماً) وهي نازحة من محافظة إدلب: «ما يجري لا يخرج عن كونه مجرد مؤامرة هدفها تبييض صفحة النظام، لأن رامي لا يجرؤ على تحدي الرئيس»، الأمر الذي يوافق عليه ياسين (45 عاماً) من محافظة السويداء جنوب البلاد، ويعمل في تجارة البناء، ويمثل اعتقاداً واسع الانتشار بين السوريين. ويقول: «مخلوف هو الواجهة الاقتصادية للعائلة».
ولا يخفي رجال أعمال منافسون لرامي سعادتهم بما يجري معه، خصوصا الذين زاد دورهم أخيراً مثل يسار إبراهيم وسامر فوز و«أبو علي خضر» وبراء قاطرجي. ونُقل عن أحدهم: «كما تدين تدان. الآن صار يستنجد بالقانون. أخيراً انتهت سيطرته على اقتصاد البلد وصار فينا نتنفس شوية».
لكن «أ. ق» (38 عاماً)، وهو من طبقة التجار الوسطى في أسواق دمشق، يبدي تشاؤمه من النظام، ويقول: «لن يحصل تغيير كبير، سيبقون ماسكين الاقتصاد. يذهب مخلوف ويأتي مخلوف والسيارة لن تمشي».
ويبدو القلق كبيراً في مناطق الساحل السوري، حيث تتخوف أم سائد (57 عاماً) وهي أم لعنصر من الجيش النظامي قُتل في الحرب، من تقلص حجم المساعدة التي تتلقاها من «جمعية البستان» التابعة لرامي. وتذهب في تخوفها أبعد منذ ذلك، بقولها: «لا نريد أن يحسبونا على جماعة رامي. ساعتها لا مساعدات ولا وظيفة».
حالة القلق من المستقبل تسيطر أيضاً على العاملين والعاملات في شركات رامي، فمصير تلك الشركات التي يقتاتون من العمل فيها على المحك، وتقول «أ. س» (43 عاماً)، وهي موظفة بإحدى شركاته: «الوظيفة بالشركة كانت امتيازاً ومصدرا للأمن المالي والاقتصادي والبريستيج الاجتماعي».
ويقول فيصل الحسن ناشط حقوقي من محافظة حماة ويعيش في إدلب: «الخلافات الحاصلة بين رامي مخلوف والنظام، هو صراع على النفوذ بدايةً ثم المال الذي يسهم في تقوية النفوذ، ومحاولة من البعض للتفرد بكل شيء في سوريا وحتماً ذلك بأوامر روسيا، وهدف الأخيرة من ذلك هو إزاحة واستبدال منظومة رامي مخلوف من خلال منظومة جديدة موالية ومطيعة لروسيا تسهم في دعم الموقف الروسي وإحكام قبضتها على التركيبة الإدارية السورية».
من جهته، يرى الناشط السياسي بكار حميدي من منطقة سهل الغاب: «بعد التقلبات السياسية التي طرأت على وجه النظام السوري الحاكم نتيجة ضغط الثورة السورية عليه متمثلة بفصائلها وحراكها المدني، ظهرت خلافات أركان النظام وعامت على السطح ومن بينها الخلافات بين العائلة الحاكمة نفسها. ظهور رامي، ليس الخلاف الأول في صفوف العائلة الحاكمة إلا أنه الخلاف الأبرز الذي لم يستطع النظام التستر عليه لعظمته وتفشيه ليس فقط بين العائلة الحاكمة».
أما خالد الحمود، من ريف إدلب الجنوبي ويقيم في أحد المخيمات السورية التركية، فيقول: «حتماً كنا نتوقع هكذا خلافات... حقيقة لا نعير للقضية والخلافات بينهم أدنى اهتمام ولكن نترقب بذات الوقت انهيار منظومة النظام السياسية والإدارية والاقتصادية التي تسببت بانهيار سوريا اقتصادياً وبنيوياً».

- شرق الفرات
سولين البالغة من العمر ثلاثين عاماً وتنحدر من مدينة القامشلي شمال شرقي سوريا وتعمل في المجال الإعلامي، قالت: «ذُكرت مفردات للمرة الأولى نسمعها من أوساط العائلة الحاكمة بسوريا، وجّه خطابه مباشرةً للأسد دون ذكر أي جهة أو شخصية ما، كما ادّعى أن الأجهزة الأمنية حبست مديرين وموظفين بالشركة»، وأشارت إلى أن كل السوريين يعلمون حقيقة مفادها أن النظام وعلى مدى السنوات الماضية لم يسمح لأي شركة اتصالات عالمية العمل في سوريا لوجود شركتي (سيريتل) و(إم تي إن) كونهما احتكرتا سوق الاتصالات.
أما جوان، (37 سنة) من بلدة عامودا التابعة للحسكة والذي يعمل موظفاً لدى منظمة دولية تنشط في منطقة الجزيرة، فيقول إنه شاهد جميع مقاطع الفيديو التي نشرها رامي مخلوف، «ما بين السطور في كثير من الخفايا ممكن الواحد يلاحظها، فلماذا لجأ رامي إلى الله وللعبارات الدينية بهذا الخطاب؟».
غير أن معصوم (40 سنة) المنحدر من مدينة الحسكة ويعمل مدرساً منذ خمس عشرة سنة، تساءل مستغرباً عن تداعيات أزمة رامي مخلوف على الاقتصاد السوري والانخفاض الكبير الذي شهدته الليرة السورية، إذ وصل سعرها في ذروة الأزمة إلى ألفي ليرة سورية مقابل الدولار الأميركي وكانت قبل 2011 عند (47) ليرة فقط، وقال: «لأن رامي يعد من الدائرة الضيقة المقربة من الرئيس ومن أشد الموالين له، فحصدت تلك الفيديوهات الثلاثة التي نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي اهتماماً كبيراً من السوريين». ويضيف «هل هذه بالفعل تسببت بتلك الأزمة خصوصاً أننا أيام الحرب على (داعش) لم نعانِ اقتصادياً مثل اليوم. إنها مراوغة بين الرئيس وابن خاله لإشغال الرأي العام ونسيان باقي الأمور»، في إشارة إلى «قانون قيصر» الذي أعدته الإدارة الأميركية لمعاقبة أركان النظام الحاكم وسيدخل حيز التنفيذ مطلع الشهر القادم.



العليمي يشدد على احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات

العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
TT

العليمي يشدد على احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات

العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)
العليمي استقبل في الرياض قائد «القوات المشتركة لدعم الشرعية» الفريق فهد السلمان (سبأ)

وسط تأكيد سعودي على الاستمرار في دعم اليمن لتحقيق الأمن والاستقرار والتنمية، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، الاثنين، على ضرورة احتكار الدولة السلاح في كامل مسرح العمليات ومنع أي تشكيلات عسكرية خارج سلطة الدولة.

وجاءت تصريحات العليمي خلال استقباله في الرياض قائد «القوات المشتركة لتحالف دعم الشرعية» في اليمن، الفريق الركن فهد بن حمد السلمان، حيث يأتي اللقاء ضمن جهود التنسيق المستمر بين اليمن و«التحالف» لتعزيز قدرات القوات المسلحة اليمنية في مواجهة التهديدات الأمنية، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وضمان الأمن في المناطق المحررة.

ونقلت وسائل الإعلام الرسمية عن العليمي تأكيده على أن احتكار الدولة السلاح «خطوة حاسمة لتعزيز سيادة المؤسسات الحكومية وتحقيق الاستقرار في المحافظات المحررة، ومنع أي تشكيلات عسكرية أو أمنية خارج نطاق الدولة».

كما أشاد بالدعم السعودي المستمر بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، والأمير محمد بن سلمان، ولي العهد، إلى جانب الدعم المباشر من الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع، في مواجهة الانقلاب الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة.

اجتماع للقيادات العسكرية اليمنية في عدن لمناقشة إخراج معسكرات القوات خارج المدينة (سبأ)

وأشار العليمي إلى النجاحات النوعية التي حققتها «القوات المشتركة» خلال عملية تسلم المواقع العسكرية، وما رافقها من تقدم ملموس في تأمين العاصمة المؤقتة عدن وبقية المحافظات المحررة.

كما أعرب عن تقديره الجهود الإنسانية والمشروعات التنموية السعودية المصاحبة، بما في ذلك تمويل رواتب الموظفين؛ مما أسهم في دعم الاستقرار المحلي وتعزيز التنمية الاقتصادية.

استمرار الدعم

وجدد الفريق السلمان، قائد «القوات المشتركة»، التأكيد على استمرار دعم السعودية اليمن في المجالات العسكرية والأمنية والتنموية، مشدداً على التزام «التحالف» مساندة القيادة اليمنية في تحقيق تطلعات الشعب اليمني نحو الأمن والسلام والتنمية المستدامة؛ وفق ما نقله الإعلام الرسمي اليمني.

كما قدم الفريق السلمان تهانيه للعليمي بالمكاسب الأخيرة والقرارات التي من شأنها تعزيز الاستقرار ودعم المواطنين في المناطق المحررة.

يأتي هذا اللقاء في وقت تتواصل فيه جهود استعادة الدولة اليمنية وإعادة هيكلة القوات المسلحة لضمان سيادة الدولة ووقف انتشار التشكيلات المسلحة خارج نطاقها، في خطوة محورية نحو تعزيز الأمن الوطني وتحقيق السلام الدائم.


الخنبشي: حضرموت تحرَّرت من تسلط الزُّبيدي وهيمنة الإمارات

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
TT

الخنبشي: حضرموت تحرَّرت من تسلط الزُّبيدي وهيمنة الإمارات

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي (الشرق الأوسط)

اتهم عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ حضرموت، سالم الخنبشي، دولة الإمارات العربية المتحدة باستغلال مشاركتها ضمن تحالف دعم الشرعية في اليمن لتحقيق أجنداتها الخاصة، مؤكداً أن ممارساتها في المحافظة شكلت صدمة للسلطات المحلية ولأبناء حضرموت.

وقال الخنبشي، خلال مؤتمر صحافي عقده في مدينة المكلا، الاثنين، إن السلطات المحلية كانت تعوّل على أن تكون الإمارات «سنداً وعوناً» لليمنيين في إطار التحالف، إلا أن تصرفاتها على الأرض جاءت «مخالفة للتوقعات»، مشيراً إلى أن حضرموت عانت من هيمنة مجموعات مسلحة تابعة لعيدروس الزبيدي، وبدعم مباشر من أبوظبي.

وأوضح الخنبشي أن المحافظة تحررت من تسلط عيدروس الزبيدي والهيمنة الإماراتية»، متهماً المجموعات المسلحة التابعة له بنهب مقرات الدولة، وترويع الأهالي، وارتكاب انتهاكات واسعة بحق المدنيين، الأمر الذي ألحق أضراراً جسيمة بالأمن والاستقرار في حضرموت خلال المرحلة الماضية.

وأكد الخنبشي أن السلطات ستتخذ «الإجراءات القانونية كافة» تجاه الإمارات والمجموعات المسلحة التابعة للزبيدي، مشدداً على أن العدالة ستُطبَّق، وأن القانون «سيأخذ مجراه دون استثناء»، مع التعهد بدعم ضحايا الانتهاكات ومحاسبة جميع المتورطين.

وكشف عضو مجلس القيادة الرئاسي عن اكتشاف «عدد كبير من السجون السرية» قال إنها كانت تدار بدعم إماراتي داخل حضرموت، إضافةً إلى العثور على متفجرات جرى تخزينها في معسكر مطار الريان، وُصفت بأنها كانت معدة لاستهداف أبناء المحافظة وتنفيذ عمليات اغتيال.

وأشار الخنبشي إلى أن حضرموت طوت «صفحة مريرة وخطيرة» من تاريخها، بدعم مباشر من المملكة العربية السعودية، مؤكداً أن هذا الدعم أسهم في استعادة الاستقرار، وتعزيز سلطة الدولة، وإنهاء مرحلة من الفوضى والانتهاكات.

يأتي المؤتمر الصحافي للخنبشي في ظل جهود حثيثة لإعادة تطبيع الأوضاع الأمنية في حضرموت، وسط مطالب محلية متزايدة بتعزيز سلطة الدولة، وإنهاء أي وجود مسلح خارج الأطر الرسمية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الماضية.


دعم سعودي للحوار الجنوبي الشامل دون احتكار أو إقصاء

السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
TT

دعم سعودي للحوار الجنوبي الشامل دون احتكار أو إقصاء

السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)
السعودية تسعى إلى خروج الجنوبيين في اليمن بحلول شاملة من خلال الحوار المرتقب (رويترز)

في خطوة تؤكد استعادة ملف الجنوب اليمني بوصفه قضية مركزية في مسار السلام في اليمن، احتضنت الرياض «اللقاء التشاوري الجنوبي» تمهيداً لمؤتمر حوار جنوبي شامل، حيث جمع اللقاء قيادات ومكونات جنوبية، بمن فيهم المطالبون باستعادة الدولة التي كانت قائمة في الجنوب والشرق اليمني قبل الوحدة الاندماجية مع الشمال في 1990.

ويأتي اللقاء التشاوري، الذي حضره نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني عبد الرحمن المحرمي وقرأ بيانه الختامي، في إطار مسار سياسي تسعى السعودية لرعايته، بعيداً عن الاستقطابات الداخلية، والتدخلات الخارجية المثيرة للجدل، سعياً لحلول «عادلة، وآمنة، ومستدامة» وفق البيان الختامي للقاء.

وتظهر السعودية، من خلال رعايتها لهذا اللقاء، تحولاً في أدائها الإقليمي من طرف داعم عسكرياً يقود التحالف الداعم للشرعية إلى راعٍ سياسي رئيس للحل الشامل. وقد عبّر البيان عن هذا الدور بوضوح، مشيراً إلى أن المملكة «لا تتبنى موقفاً معادياً لأي خيار» جنوبي، شرط أن يكون نتاج حوار جنوبي-جنوبي شامل، وغير مُحتكر.

جانب من الحضور في المؤتمر التشاوري الجنوبي المنعقد في الرياض (أ.ب)

وإضافة إلى الطبيعة المباشرة والشاملة للرعاية السعودية، تجاوز ذلك الدعم السياسي إلى معالجات اقتصادية عاجلة، ومنها تخصيص 1.9 مليار ريال سعودي لدعم الاقتصاد، وضمان صرف مرتبات الموظفين والعسكريين.

ويؤكد مراقبون أن هذه الخطوات تُعطي الرعاية السعودية مصداقية عملية، وتُقيم ارتباطاً مباشراً بين الاستقرار المعيشي ونجاح المسار السياسي.

رفض التدخل الفوضوي

في المقابل، حمل البيان الختامي للقاء التشاور الجنوبي، والمواقف المصاحبة له نقداً لاذعاً، وإن كان غير مباشر، للدور الإماراتي، الذي يتهمه مراقبون بتعزيز الانقسامات الجنوبية عبر دعم أطراف محددة، هي التي كانت مستفيدة من كل ما حولها بقيادة عيدروس الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل الذي هرب إلى أبوظبي بعد رفضه الانخراط في الحوار الذي ترعاه الرياض.

ويشير التحليل الضمني إلى أن الرياض تُقدم نفسها بوصف أنها نموذج مضاد للتدخلات الإماراتية «الفوضوية»، عبر التركيز على الحوار الجامع للجنوبيين، ودعم مؤسسات الدولة ضمن مسار يقود لاحقاً إلى ترتيب كامل الجغرافيا اليمنية، وصولاً إلى سلام شامل في الشمال والجنوب على حد سواء.

وفيما يتطلع فريق من القيادات الجنوبية إلى الانفصال عن الشمال، واستعادة الدولة التي كانت قائمة قبل الوحدة الاندماجية، يتطلع فرقاء آخرون إلى صيغ أخرى، حيث يفضلون البقاء ضمن يمن اتحادي يحظى بأقاليم تحكم نفسها ذاتياً، فيما يتطلع فرقاء آخرون إلى حلول أخرى يرون أنها ستكون أكثر إنصافاً وبعداً عن الهيمنة، والتبعية المركزية المجحفة.

اللقاء التشاوري الجنوبي أكد على رفض استغلال المظاهرات لإحداث الفوضى (أ.ف.ب)

كل هذه الرؤى والتطلعات –بحسب المراقبين- تضع السعودية في موقع الوسيط الحريص على توحيد الجنوبيين، فيما قد يُنظر إلى أبوظبي على أنها طرف يغذي التفتيت، ويهدف إلى زعزعة الاستقرار، وتنفيذ أجندات مشبوهة.

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي طلب من الإمارات مغادرة اليمن عسكرياً، ووقف التدخل في شؤونه الداخلية بعد أن قامت بدعم ورعاية التحركات الأحادية التي قادها الزبيدي عسكرياً لإخضاع حضرموت والمهرة بالقوة.

تحديات داخلية

ويكشف اللقاء الجنوبي التشاوري والبيان الختامي عن إدراك عميق للتحديات الداخلية التي أنهكت القضية الجنوبية، فقد شدد المشاركون على رفض «احتكار التمثيل»، أو «اختزال القضية» في مكون أو شخص، في إشارة واضحة إلى ممارسات سابقة لبعض القيادات، يتصدرهم عيدروس الزبيدي.

كما ميّز البيان بوضوح بين «عدالة القضية» بوصف أنها مطلب سياسي وحقوقي مشروع، وبين «الممارسات الفردية» لبعض القيادات التي ألحقت ضرراً بالقضية عبر «توظيفها في صراعات إقليمية»، أو «قضايا فساد وسوء إدارة». وسط الكشف عن قضايا فساد كبيرة مرتبطة بالزبيدي، والمقربين منه.

ويبدو أن هذا النقد الذاتي، لا سيما في أوساط من كانوا منتمين للمجلس الانتقالي الجنوبي قبل حلّه بقيادة الزبيدي، يعد تطوراً ملحوظاً، حيث يُظهر رغبة في تصحيح المسار، واستعادة المصداقية المفقودة أمام الشارع الجنوبي، والمجتمع الدولي.

اللقاء التشاوري الجنوبي انعقد بحضور عبد الرحمن المحرّمي عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني (رويترز)

كما أن الدعوة الموجهة لجماهير الجنوب لدعم المسار الراهن «بوعي، ومسؤولية» تأتي في سياق محاولة استعادة الشرعية الشعبية للعملية السياسية، بعيداً عن توظيف الاحتجاجات الشعبية في عدن لأغراض ضيقة، كما يريد لها المراهنون على الفوضى التي تريد الإمارات تغذيتها عبر أدواتها، والرافضون لمنطق الحوار.

كل ذلك يشير إلى أن «القضية الجنوبية» باتت الآن في طريقها للبحث عن هيكلة جديدة، يكون الحوار والتمثيل الجامع أساسها، بدلاً من الزعامات الفردية، والخضوع للرغبات الأحادية المعتمدة على قوة السلاح.

فرصة تاريخية

ويصف البيان الختامي للقاء التشاوري مؤتمر الحوار الجنوبي الشامل المرتقب انعقاده بأنه «فرصة تاريخية نادرة»، وهي فرصة تكمن في توفر رعاية سعودية تدفع للحوار من ناحية، ومن ناحية ثانية في وجود إجماع جنوبي مبدئي على الاحتكام لطاولة المفاوضات باعتبار أنه مسار وحيد، وآمن.

الأهم من كل ذلك، هو أن الحل السياسي للقضية الجنوبية أصبح يُنظر إليه، إقليمياً ودولياً، على أنه «مدخل أساسي» لأي تسوية شاملة في اليمن، مما يرفع سقف الأهمية والتركيز عليه.

شخصيات جنوبية تاريخية حضرت اللقاء التشاوري في الرياض يتصدرهم حيدر أبوبكر العطاس (رويترز)

لكن هذه الأرضية واعدة ومحفوفة بالمخاطر في الوقت ذاته، حيث إن الخطر الأكبر يتمثل في «محاولات العبث» بهذه الفرصة، سواء عبر «خلق استقطابات داخلية» مدعومة إقليمياً، أو «الزج بالجنوب في صراعات جانبية»، فضلاً عن تراكم المظالم والانقسامات الجنوبية-الجنوبية العميق، وهو ما سيجعل مهمة الحوار بحاجة إلى أكبر قدر من المسؤولية السياسية والتاريخية.

إلى ذلك، يظهر اللقاء التشاوري الجنوبي على أنه محاولة لإعادة تدوير القضية الجنوبية من مسار الصراع والانقسام إلى مسار الحوار والتسوية، لكن النجاح سيبقى مرهوناً بقدرة القيادات الجنوبية على تجاوز إرث الاحتكار والصراع وتوحيد كلمتهم، إلى جانب الجهد السعودي الذي سيتواصل لتحييد التدخلات المعيقة، وإقناع المجتمع الدولي بدعم هذا المسار باعتبار أنه جزء من حل يمني شامل.