حين تكون الهوية النسوية صراعاً من أجل البقاء

مارغريت آتوود في عملها الجديد «حكاية الخادمة»

مارغريت آتوود
مارغريت آتوود
TT

حين تكون الهوية النسوية صراعاً من أجل البقاء

مارغريت آتوود
مارغريت آتوود

مارغريت آتوود كاتبة روائية شاعرة ناقدة كندية مارست الكتابة منذ سبعينيات القرن الماضي، ولها عدة أعمال روائية، آخرها روايتاها «اضطراب» (2006) و«الفيضان» (2009)، ومن كتبها النقدية «أهداف متحركة: الكتابة والنية» (2004)، ولها أيضاً مجموعات شعرية، ويعد كتابها «البقاء: دليل موضوعاتي للأدب الكندي» أقدم كتبها النقدية وأهمها، وقد صدر في طبعته الأولى عام 1972، وطبع ثانية عام 2013 بطبعة «نثرلاند» بنيويورك. وقد صدرت لها بداية هذه السنة ترجمة عربية لروايتها الأخيرة «حكاية الخادمة» (Hand Maids) في الإمارات العربية المتحدة (2019). وفيها اختار المترجم أحمد العلي كلمة «الجارية». ولا أجد المسوغ الذي ذكره في سبب هذا الاختيار مقنعاً، لأن لكلمة الجارية في المخيال العربي مثل ما لها في المخيال الأوروبي، وهو مختلف تماماً عن دلالة كلمة الخادمة.
في هذه الرواية، تؤكد آتوود سردياً هويتها النسوية، كما أكدتها نقدياً في كتابها «البقاء: دليل موضوعاتي للأدب الكندي».
وقيمة هذا الكتاب الأخير تكمن في مادته النقدية التي أظهرت فيها آتوود مقدرة نقدية كبيرة، وهي تدشن أدباً كان في وقت تأليفها الكتاب ما زال غير معترف به، وهو ما جعل تصديها لإنجازه عملاً جريئاً، أظهرت فيه براعة تحسب لصالح النقد النسوي، مواجِهة ما كان الآخرون يسعون إليه من تفنيد مشروعها والالتفاف عليه. ولعل أوضح دليل على ذلك التصدي أنها سمته «البقاء» (survival)، وكأنها تستشرف مآلاً قادماً سيكون فيه للأدب الكندي مكانة، أسوة بسائر الآداب الأخرى، وبالفعل تحقق ذلك، وصار كتابها «البقاء: دليل موضوعاتي للأدب الكندي» هو القاعدة التي يبنى عليها دارسو هذا الأدب أبحاثهم وهم يتتبعون تطوره، ويبحثون في قضاياه وظواهره.
ونجاح آتوود في مهمتها النقدية دليل على قدرتها في إثبات الجدارة النسوية، مقاومة كل المحاولات التي أرادت إفشال مشروعها الفتي. وقد كشفت عنه في تقديمها للطبعة الثانية، مبينة أن «الأدب الكندي كان يراودها كإحساس هو بمثابة شيء مقدس. وأن فارلي موات -وهو كاتب كندي، أشهر أعماله رواية (شعب الغزلان) ورواية (لن يبكي الذئب)- قال لها إنها الآن الهدف، وسوف يطلقون النار عليها»، في إشارة إلى أن أي مشروع نقدي فتي بسبب هشاشة أركانه وعدم استقرار أساساته عادة ما يكون عرضة للهجوم والإقصاء.
وتشير آتوود أيضاً إلى أن هذا الكتاب تمتع في طبعته السبعينية بأفضل المبيعات. وكما أنّ الأشياء تتغير بسرعة -والقول لآتوود- كان الأدب الكندي يتطور تطوراً ثقافياً ملحوظاً بين الأربعينيات والخمسينيات، ثم صارت تشيع فيه الحيوية التي اتضحت بشكل جلي في عام 1972، ولم يعد الأدب الكندي يوصف بأنه في الدرجة الثانية بعد الأدب الإنجليزي أو الأدب الأميركي، أو أنه يماثل الأدب الأسترالي، في كونه ثقافة بطرة أنتجتها الحداثة الكولونيالية، بل غدا هو البقاء «على قيد الحياة».
ومن يقرأ الكتاب، يجد أنّ آتوود شيدت فيه أساسات مهمة في نقد الأدب الكندي، سواء في تناولها موضوعات ثقافية تتعلق بالطبيعة الكندية ووحوشها وحيواناتها، أو في معالجتها بعض القضايا معالجة أنثروبولوجية، واقفة عند الهنود والإسكيمو والطواطم الأجداد المستكشفين والمستوطنين والمهاجرين.
والمهم في رواية «حكاية الخادمة» أنها عكست الجرأة والتحدي أنفسهما اللذين عرفت بهما مارغريت آتوود وهي تستثمر إمكانياتها الأدبية شعرية ونقدية وروائية، مستجمعة قواها الثقافية والفكرية، معبرة عن الكينونة الأنثوية التي همشها النظام الذكوري وجعلها تابعة له، ليس لها أن تقول «لا»، بل عليها دوماً أن تقول «نعم».
ولقد حظيت هذه الرواية بمكانة في الأدب العالمي، لا بسبب كثرة ترجماتها إلى مختلف اللغات أو بسبب ما نالته من اهتمام نقدي أو صدارتها قائمة مبيعات الكتب، بل لبراعة المؤلفة في تجسيد القسوة الذكورية وهي تبطش بالنسوية، وفي الآن نفسه التعبير عن هوية المرأة وشجاعتها في المطالبة بالتحرر الذي هو قضية نساء العالم جميعاً.
وأول مؤكدات الهوية النسوية هو العتبة المناصية «أنا أروي، إذن أنت موجود» التي اعتلت العنوان الرئيس في الغلاف الأمامي، وفيها اختزلت الكاتبة لب الرواية، وكثفت المراد منها، جاعلة الخادمة هي البطلة الساردة بضمير المتكلم.
أما المكان الروائي فرسم بطريقة هندسية تعكس ما فيه من الانعزال والانفراد والانضباط الصارم، ليبدو كالسجن أو المصحة أو الدير، محاطاً بالأسلاك الشائكة، مملوءاً بالرعب والخوف والصمت. أما المكين فكان عبارة عن مجموعة فتيات أجبرن على الخدمة، وقبلن باستعلائية الآخر -السيد الذي عاملهن بجفاء ممارساً معهن كل صنوف التمييز. فمثلاً، لا يسمح لهن باستعمال الأبواب الأمامية، ولا الكلام جهراً، مع ضرورة «الاحتشام؛ بمعنى الاختفاء التام»، وكل واحدة مثل أي دمية باستطاعة السيد التحكم في مصيرها، وحتى ضربها «تعلمت الواحدة منا كيف تقرأ حركة شفتي الأخرى». وبسبب هذه الصرامة، صرن مقتنعات بأنْ ليس لهن سوى خدمة هؤلاء السادة الذين ملكوهن داخلياً، وسخروهن لخدمتهم خارجياً، فلا خيار أمامهن غير خيار هوبسن «أما هذا أو لا شيء». ومن ثم، لا انعتاق من هذه السيطرة ولا إفلات من قبضتها.
والغريب أن هذه الهيمنة الذكورية لم يجسدها الرجال وحدهم في الرواية، بل جسدتها أيضاً النساء اللائي ما صرن سيدات إلا لأنهن قبلن أن يكن تابعات للنظام البطرياركي، ويعاملن بنات جنسهن بالطريقة نفسها التي بها يعاملهن السادة الرجال. وهو ما شعرت به الساردة حين قابلت سيدة المنزل لأول مرة، فبدت لها خشنة الطبع كأنها رجل، متنكرة لأنثويتها، منسلخة عن نسويتها، مطاوعة الذكورية بكيان مستلب «هبطت عليّ مشاعر إحباط وخيبة، تمنيتها أن تغدو أختاً كبيرة لي، أردت تحويلها إلى كيان أمومي، إلى إنسانة تفهمني وتحميني». وكذلك كان حال الخالة ليديا التي كانت مهمتها توجيه الخادمات ومراقبتهن كي يعملن بروتين لا يخرجن فيه عن النظام الذكوري.
وبسبب هذه الأجواء القسرية المكهربة، والمشاعر السلبية المفزعة، تقرر الساردة أن تتكلم، ولو مع نفسها، مقتنعة بأنها ما دامت تروي، فإن الآخر موجود معها، كتعالق اشتراطي مع عقلانية القاعدة الديكارتية القائلة: «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، بانية عليها قاعدتها السرية الخاصة «أنا أروي، إذن أنت موجود». وكان ستيوارت ميل قد أكد أن المرأة التي تقرأ، وأكثر منها التي تكتب، تعد عنصراً مزعجاً متناقضاً، ولذلك صار واجباً تنشئة النساء على اكتساب صفات السريات والمحظيات وخدم المنازل (كتابه «استعباد النساء»، ص 70).
وبهذه الرؤية، صار الحكي هو السلاح الذي به تحول صمتها إلى كلام. وما دامت تتكلم، فإن هناك من يسمعها، وستتبدل عزلتها إلى ألفة، متمكنة من إثبات هويتها، باقية على أمل الخلاص من الإذلال الذكوري. وهذا البقاء هو نفسه البقاء الذي أرادته مارغريت آتوود للأدب الكندي الذي كان هامشياً، فمركزته وجعلته حاضراً بهوية وخصوصية بين سائر الآداب العالمية.
ولأن البقاء هو الهدف، تغدو الحياة في نظر الساردة حباً وشمساً وزهوراً، وقد انقلب المكان الذي كان معادياً إلى مكان رحب مألوف، تتجسد فيه هويتها «هو ليس سجناً، بل امتيازاً». وأحد أشكال توكيد البقاء هو سيطرتها على المكان بالوصف، فلا تترك تفصيلاً من تفصيلاته إلا وذكرته، مستعملة أسلوب التحديق والحملقة اللذين بهما تكشف عن زيف المكان واختلاقيته.
أما وصف المكين فهو الشكل الثاني لتوكيد البقاء الذي به دللت الساردة على قسوة النظام البطرياركي، مركزة على وصف غطاء الرأس ورداء البدن اللذين فيهما تتجلى حالة الإذلال التي بها يحجم النظام الذكوري فاعلية المرأة الخادمة، ويقيد طاقتها، ويحول دون تحررها، كقولها: «القلنسوتان حول وجهينا حاجبتا الضوء، يصعب علينا رفع أنظارنا أو استقبال المشهد كاملاً أو لأي أمر آخر، لكننا نرى قدراً ضئيلاً كل مرة بتحريك الرأس سريعاً إلى أعلى ثم أسفل، وإلى الجانبين والوراء، لقد تعلمنا كيف نرى العالم في لقطات لاهثة».
وفي هذا اللباس قسوة هي بمثابة شفرة سمتها جوليا كرستيفيا «الدناءة»، وفيها تتجلى «الواجهة الأخرى للشفرات الدينية والأخلاقية والآيديولوجية». ومن أمثلة القسوة والدناءة أيضاً الجثث المتدلية من الحائط الكنيسي وغرفة الانتظار في عيادة الطبيب وغيرهما.
وعلى مستوى الزمان، يغدو الليل هو زمن النسوية الذي فيه تجد الساردة متسعاً من الحرية والأمان «إن الليل بالنسبة لي زمني الذي أخرج فيه»، وفيه تستطيع الساردة أن تحول صمتها إلى كلام، وحياتها إلى قصة، شاعرة أنها على مستوى الكتابة حية تعيش باحترام، متخذة من السرد سلاحاً تماماً كشهرزاد التي بقيت على قيد الحياة بالحكي الليلي «ما أحكيه هو في الوقت نفسه قصة تدور داخل رأسي، فيما أتابع حياتي، أحكي لا أكتب، فليس عندي ما أكتب به، والكتابة محرمة في جميع الأحوال، لكن إن كانت قصة رغم دورانها في رأسي، فلا بد أن أحكيها لأحد، فأنت لا تحكي قصة لنفسك... فقط الآخر دوماً هناك... إنه هناك حتى لو لم يكن هناك أحد».
وإذا كان الليل هو زمنها، فإن جسدها ليس هو الخطيئة التي فيها عارها، بل هو موضوعها الذي فيه مستقبلها، لذا تحاول الغوص فيه «أريد أن أشعر بقيمي في أمور أستحقها ولا أستحقها، أريد أن أكون أعلى من أي قدر». وكلما غاصت فيه وجدت نفسها أكثر، وتأكدت أنّ لها هويتها، وأنها قادرة على البقاء، مهما كانت القيود التي تريد إزالتها ومحوها «إنهم لا يخشون هروبنا، بل يخشون تلك المهارب الأخرى التي يمكنك فتحها في داخلك، في جسدك، إذا تمكنت من الحصول على شفرة حادة».
وما تنتهي إليه الرواية يجسده قول ستيوارت ميل إنه «منذ أن أصبح للنساء قدرة على تدوين مشاعرهن، والتعبير عنها عن طريق الكتابة، سجل عدد متزايد منهن احتجاجهن ضد الوضع الاجتماعي القائم» (كتابه «استعباد النساء»، ص 51). وبهذا الاحتجاج الذي جسدته بطلة رواية «الخادمة»، تكون مارغريت آتوود تلميذة نجيبة لفرجينا وولف وسيمون دي بوفوار.



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.