حين تكون الهوية النسوية صراعاً من أجل البقاء

مارغريت آتوود في عملها الجديد «حكاية الخادمة»

مارغريت آتوود
مارغريت آتوود
TT

حين تكون الهوية النسوية صراعاً من أجل البقاء

مارغريت آتوود
مارغريت آتوود

مارغريت آتوود كاتبة روائية شاعرة ناقدة كندية مارست الكتابة منذ سبعينيات القرن الماضي، ولها عدة أعمال روائية، آخرها روايتاها «اضطراب» (2006) و«الفيضان» (2009)، ومن كتبها النقدية «أهداف متحركة: الكتابة والنية» (2004)، ولها أيضاً مجموعات شعرية، ويعد كتابها «البقاء: دليل موضوعاتي للأدب الكندي» أقدم كتبها النقدية وأهمها، وقد صدر في طبعته الأولى عام 1972، وطبع ثانية عام 2013 بطبعة «نثرلاند» بنيويورك. وقد صدرت لها بداية هذه السنة ترجمة عربية لروايتها الأخيرة «حكاية الخادمة» (Hand Maids) في الإمارات العربية المتحدة (2019). وفيها اختار المترجم أحمد العلي كلمة «الجارية». ولا أجد المسوغ الذي ذكره في سبب هذا الاختيار مقنعاً، لأن لكلمة الجارية في المخيال العربي مثل ما لها في المخيال الأوروبي، وهو مختلف تماماً عن دلالة كلمة الخادمة.
في هذه الرواية، تؤكد آتوود سردياً هويتها النسوية، كما أكدتها نقدياً في كتابها «البقاء: دليل موضوعاتي للأدب الكندي».
وقيمة هذا الكتاب الأخير تكمن في مادته النقدية التي أظهرت فيها آتوود مقدرة نقدية كبيرة، وهي تدشن أدباً كان في وقت تأليفها الكتاب ما زال غير معترف به، وهو ما جعل تصديها لإنجازه عملاً جريئاً، أظهرت فيه براعة تحسب لصالح النقد النسوي، مواجِهة ما كان الآخرون يسعون إليه من تفنيد مشروعها والالتفاف عليه. ولعل أوضح دليل على ذلك التصدي أنها سمته «البقاء» (survival)، وكأنها تستشرف مآلاً قادماً سيكون فيه للأدب الكندي مكانة، أسوة بسائر الآداب الأخرى، وبالفعل تحقق ذلك، وصار كتابها «البقاء: دليل موضوعاتي للأدب الكندي» هو القاعدة التي يبنى عليها دارسو هذا الأدب أبحاثهم وهم يتتبعون تطوره، ويبحثون في قضاياه وظواهره.
ونجاح آتوود في مهمتها النقدية دليل على قدرتها في إثبات الجدارة النسوية، مقاومة كل المحاولات التي أرادت إفشال مشروعها الفتي. وقد كشفت عنه في تقديمها للطبعة الثانية، مبينة أن «الأدب الكندي كان يراودها كإحساس هو بمثابة شيء مقدس. وأن فارلي موات -وهو كاتب كندي، أشهر أعماله رواية (شعب الغزلان) ورواية (لن يبكي الذئب)- قال لها إنها الآن الهدف، وسوف يطلقون النار عليها»، في إشارة إلى أن أي مشروع نقدي فتي بسبب هشاشة أركانه وعدم استقرار أساساته عادة ما يكون عرضة للهجوم والإقصاء.
وتشير آتوود أيضاً إلى أن هذا الكتاب تمتع في طبعته السبعينية بأفضل المبيعات. وكما أنّ الأشياء تتغير بسرعة -والقول لآتوود- كان الأدب الكندي يتطور تطوراً ثقافياً ملحوظاً بين الأربعينيات والخمسينيات، ثم صارت تشيع فيه الحيوية التي اتضحت بشكل جلي في عام 1972، ولم يعد الأدب الكندي يوصف بأنه في الدرجة الثانية بعد الأدب الإنجليزي أو الأدب الأميركي، أو أنه يماثل الأدب الأسترالي، في كونه ثقافة بطرة أنتجتها الحداثة الكولونيالية، بل غدا هو البقاء «على قيد الحياة».
ومن يقرأ الكتاب، يجد أنّ آتوود شيدت فيه أساسات مهمة في نقد الأدب الكندي، سواء في تناولها موضوعات ثقافية تتعلق بالطبيعة الكندية ووحوشها وحيواناتها، أو في معالجتها بعض القضايا معالجة أنثروبولوجية، واقفة عند الهنود والإسكيمو والطواطم الأجداد المستكشفين والمستوطنين والمهاجرين.
والمهم في رواية «حكاية الخادمة» أنها عكست الجرأة والتحدي أنفسهما اللذين عرفت بهما مارغريت آتوود وهي تستثمر إمكانياتها الأدبية شعرية ونقدية وروائية، مستجمعة قواها الثقافية والفكرية، معبرة عن الكينونة الأنثوية التي همشها النظام الذكوري وجعلها تابعة له، ليس لها أن تقول «لا»، بل عليها دوماً أن تقول «نعم».
ولقد حظيت هذه الرواية بمكانة في الأدب العالمي، لا بسبب كثرة ترجماتها إلى مختلف اللغات أو بسبب ما نالته من اهتمام نقدي أو صدارتها قائمة مبيعات الكتب، بل لبراعة المؤلفة في تجسيد القسوة الذكورية وهي تبطش بالنسوية، وفي الآن نفسه التعبير عن هوية المرأة وشجاعتها في المطالبة بالتحرر الذي هو قضية نساء العالم جميعاً.
وأول مؤكدات الهوية النسوية هو العتبة المناصية «أنا أروي، إذن أنت موجود» التي اعتلت العنوان الرئيس في الغلاف الأمامي، وفيها اختزلت الكاتبة لب الرواية، وكثفت المراد منها، جاعلة الخادمة هي البطلة الساردة بضمير المتكلم.
أما المكان الروائي فرسم بطريقة هندسية تعكس ما فيه من الانعزال والانفراد والانضباط الصارم، ليبدو كالسجن أو المصحة أو الدير، محاطاً بالأسلاك الشائكة، مملوءاً بالرعب والخوف والصمت. أما المكين فكان عبارة عن مجموعة فتيات أجبرن على الخدمة، وقبلن باستعلائية الآخر -السيد الذي عاملهن بجفاء ممارساً معهن كل صنوف التمييز. فمثلاً، لا يسمح لهن باستعمال الأبواب الأمامية، ولا الكلام جهراً، مع ضرورة «الاحتشام؛ بمعنى الاختفاء التام»، وكل واحدة مثل أي دمية باستطاعة السيد التحكم في مصيرها، وحتى ضربها «تعلمت الواحدة منا كيف تقرأ حركة شفتي الأخرى». وبسبب هذه الصرامة، صرن مقتنعات بأنْ ليس لهن سوى خدمة هؤلاء السادة الذين ملكوهن داخلياً، وسخروهن لخدمتهم خارجياً، فلا خيار أمامهن غير خيار هوبسن «أما هذا أو لا شيء». ومن ثم، لا انعتاق من هذه السيطرة ولا إفلات من قبضتها.
والغريب أن هذه الهيمنة الذكورية لم يجسدها الرجال وحدهم في الرواية، بل جسدتها أيضاً النساء اللائي ما صرن سيدات إلا لأنهن قبلن أن يكن تابعات للنظام البطرياركي، ويعاملن بنات جنسهن بالطريقة نفسها التي بها يعاملهن السادة الرجال. وهو ما شعرت به الساردة حين قابلت سيدة المنزل لأول مرة، فبدت لها خشنة الطبع كأنها رجل، متنكرة لأنثويتها، منسلخة عن نسويتها، مطاوعة الذكورية بكيان مستلب «هبطت عليّ مشاعر إحباط وخيبة، تمنيتها أن تغدو أختاً كبيرة لي، أردت تحويلها إلى كيان أمومي، إلى إنسانة تفهمني وتحميني». وكذلك كان حال الخالة ليديا التي كانت مهمتها توجيه الخادمات ومراقبتهن كي يعملن بروتين لا يخرجن فيه عن النظام الذكوري.
وبسبب هذه الأجواء القسرية المكهربة، والمشاعر السلبية المفزعة، تقرر الساردة أن تتكلم، ولو مع نفسها، مقتنعة بأنها ما دامت تروي، فإن الآخر موجود معها، كتعالق اشتراطي مع عقلانية القاعدة الديكارتية القائلة: «أنا أفكر، إذن أنا موجود»، بانية عليها قاعدتها السرية الخاصة «أنا أروي، إذن أنت موجود». وكان ستيوارت ميل قد أكد أن المرأة التي تقرأ، وأكثر منها التي تكتب، تعد عنصراً مزعجاً متناقضاً، ولذلك صار واجباً تنشئة النساء على اكتساب صفات السريات والمحظيات وخدم المنازل (كتابه «استعباد النساء»، ص 70).
وبهذه الرؤية، صار الحكي هو السلاح الذي به تحول صمتها إلى كلام. وما دامت تتكلم، فإن هناك من يسمعها، وستتبدل عزلتها إلى ألفة، متمكنة من إثبات هويتها، باقية على أمل الخلاص من الإذلال الذكوري. وهذا البقاء هو نفسه البقاء الذي أرادته مارغريت آتوود للأدب الكندي الذي كان هامشياً، فمركزته وجعلته حاضراً بهوية وخصوصية بين سائر الآداب العالمية.
ولأن البقاء هو الهدف، تغدو الحياة في نظر الساردة حباً وشمساً وزهوراً، وقد انقلب المكان الذي كان معادياً إلى مكان رحب مألوف، تتجسد فيه هويتها «هو ليس سجناً، بل امتيازاً». وأحد أشكال توكيد البقاء هو سيطرتها على المكان بالوصف، فلا تترك تفصيلاً من تفصيلاته إلا وذكرته، مستعملة أسلوب التحديق والحملقة اللذين بهما تكشف عن زيف المكان واختلاقيته.
أما وصف المكين فهو الشكل الثاني لتوكيد البقاء الذي به دللت الساردة على قسوة النظام البطرياركي، مركزة على وصف غطاء الرأس ورداء البدن اللذين فيهما تتجلى حالة الإذلال التي بها يحجم النظام الذكوري فاعلية المرأة الخادمة، ويقيد طاقتها، ويحول دون تحررها، كقولها: «القلنسوتان حول وجهينا حاجبتا الضوء، يصعب علينا رفع أنظارنا أو استقبال المشهد كاملاً أو لأي أمر آخر، لكننا نرى قدراً ضئيلاً كل مرة بتحريك الرأس سريعاً إلى أعلى ثم أسفل، وإلى الجانبين والوراء، لقد تعلمنا كيف نرى العالم في لقطات لاهثة».
وفي هذا اللباس قسوة هي بمثابة شفرة سمتها جوليا كرستيفيا «الدناءة»، وفيها تتجلى «الواجهة الأخرى للشفرات الدينية والأخلاقية والآيديولوجية». ومن أمثلة القسوة والدناءة أيضاً الجثث المتدلية من الحائط الكنيسي وغرفة الانتظار في عيادة الطبيب وغيرهما.
وعلى مستوى الزمان، يغدو الليل هو زمن النسوية الذي فيه تجد الساردة متسعاً من الحرية والأمان «إن الليل بالنسبة لي زمني الذي أخرج فيه»، وفيه تستطيع الساردة أن تحول صمتها إلى كلام، وحياتها إلى قصة، شاعرة أنها على مستوى الكتابة حية تعيش باحترام، متخذة من السرد سلاحاً تماماً كشهرزاد التي بقيت على قيد الحياة بالحكي الليلي «ما أحكيه هو في الوقت نفسه قصة تدور داخل رأسي، فيما أتابع حياتي، أحكي لا أكتب، فليس عندي ما أكتب به، والكتابة محرمة في جميع الأحوال، لكن إن كانت قصة رغم دورانها في رأسي، فلا بد أن أحكيها لأحد، فأنت لا تحكي قصة لنفسك... فقط الآخر دوماً هناك... إنه هناك حتى لو لم يكن هناك أحد».
وإذا كان الليل هو زمنها، فإن جسدها ليس هو الخطيئة التي فيها عارها، بل هو موضوعها الذي فيه مستقبلها، لذا تحاول الغوص فيه «أريد أن أشعر بقيمي في أمور أستحقها ولا أستحقها، أريد أن أكون أعلى من أي قدر». وكلما غاصت فيه وجدت نفسها أكثر، وتأكدت أنّ لها هويتها، وأنها قادرة على البقاء، مهما كانت القيود التي تريد إزالتها ومحوها «إنهم لا يخشون هروبنا، بل يخشون تلك المهارب الأخرى التي يمكنك فتحها في داخلك، في جسدك، إذا تمكنت من الحصول على شفرة حادة».
وما تنتهي إليه الرواية يجسده قول ستيوارت ميل إنه «منذ أن أصبح للنساء قدرة على تدوين مشاعرهن، والتعبير عنها عن طريق الكتابة، سجل عدد متزايد منهن احتجاجهن ضد الوضع الاجتماعي القائم» (كتابه «استعباد النساء»، ص 51). وبهذا الاحتجاج الذي جسدته بطلة رواية «الخادمة»، تكون مارغريت آتوود تلميذة نجيبة لفرجينا وولف وسيمون دي بوفوار.



أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار
TT

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

لطالما حظيت شجرة الأرز بمكانة مرموقة لم تتح لأي شجرة مماثلة عبر التاريخ، سواء تعلق الأمر بالملاحم والأساطير أم بالكتب المقدسة وقصائد الشعراء. ففي ملحمة غلغامش الشهيرة، لم يجد البطل السومري أفضل من أرز لبنان، لكي يبني من أخشابه بيوت أوروك، حتى ولو اضطره الأمر إلى مصارعة «خومبابا»، الكائن المرعب الذي عيّنه الإله «إنليل» حارساً للغابة. والأرزة هي الشجرة التي حرص الفينيقيون على الاستعانة بخشبها لصناعة سفنهم التجارية العابرة للبحار، والتي استعان بها الفراعنة للإفادة من زيوتها في تحنيط الموتى، واستعان بها العبريون لبناء الدور والقصور والمعابد.

كما ورد اسم الأرز أكثر من سبعين مرة في العهد القديم، بوصفه أحد أكثر الأشجار صلابةً وجمالاً وتحدياً لغضب الطبيعة وثباتاً في وجه الزمن. ففي سفْر الأخبار الثاني يكتب الملك سليمان لحيرام ملك صور، أثناء بناء الهيكل، رسالة جاء فيها «أرسل لي خشب أرزٍ وسروٍ وصندلٍ من لبنان، فأنا أعرف أن رجالك ماهرون في قطع خشب الأرز». وجاء في سفْر عزرا «أعطوا فضة للنحاتين والنجارين ومأكلاً ومشرباً للصيدونيين والصوريين كي يأتوا بخشب الأرز من لبنان إلى بحر يافا، حسب إذن قورش ملك فارس». أما في «نشيد الأناشيد»، فيرد شجر الأرز في موقعي الجمال والصلابة في آن واحد، فالعريس في النشيد «طلعته كلبنان رائع كالأرز»، فيما الحبيبان يأنسان إلى مسكن راسخ الأركان، يصفانه بالقول «جوائز بيتنا أرز وروافدنا سرو».

أمين الريحاني

ولعل الصفات الاستثنائية التي جعلت من الأرز موضع إعجاب الأنبياء والملوك في العهد القديم هي نفسها التي جعلته يظهر من جهة أخرى بمظهر الصلف والتشاوف الجالبين للشرور، بحيث جاء في المزمور السابع والثلاثين «رأيت الشرير متعالياً مثل أرز لبنان». كما جاء في سفر حزقيال «يا ابن آدم، قل لفرعون ملك مصر إني أشبّهك بشجرة أرز في لبنان، بهية الأغصان، وارفة الظل، شامخة تُطاول قمتها الغيوم. ولأن فرعون تشامخ وتكبّر، فإن الرب يكسره ويحطم فروعه، لئلا تشمخ شجرةٌ ما، مغروسة على المياه».

إلا أن التهديد بأوخم العواقب، لن يظل في دائرة البشر المستكبرين والشبيهين بالشجرة فحسب، بل سيتعدى ذلك ليطال الشجرة نفسها، وقد طفح بغرورها الكيل. وهو ما بدا واضحاً في المزمور التاسع والعشرين، حيث نقرأ ما حرفيته «صوت الرب عظيم القوة. صوت الرب يكسر الأرز. يكسر الرب أرز لبنان. يجعل لبنان يقفز كالعجل، وحرمون كولد الثور الوحشي». والأرجح أن يسرائيل كاتس، وزير الدفاع الإسرائيلي الحالي، كان يستند إلى الوعيد التوراتي نفسه، حين عمد قبل أيام إلى التهديد بإحراق لبنان وأرزه، على حد سواء.

سعيد عقل

أما اللبنانيون من جهتهم، فلم يكفوا عن التغني بالشجرة المعمرة، التي رأوا في مواصفاتها النادرة دليلاً آخر على فرادة لبنان، ورأوا في شموخها بعضاً من شموخه. ولأن الشجرة واحدة من الرموز القليلة التي اتفقوا عبر الزمن على الالتفاف حولها، فهم لم يترددوا في جعلها تتوسط علم الكيان الناشئ، ليصبح لونها الأخضر، بما يحمله من دلالات الخصب والنماء، اللون الثالث المضاف إلى بياض الثلوج والقلوب، وإلى احمرار الدماء المراقة على مذبح التحقق.

ولم يكن مستغرباً بالطبع، أن يجعل رشيد نخلة من الشجرة المعمّرة جزءاً من النشيد الوطني اللبناني، وهو الذي يسند ظهره وشعره إلى غابة أرز الباروك، الأمر الذي عكسه قوله في النشيد «إسمهُ عزّهُ، منذ كان الجدودْ، مجدهُ أرزهُ، رمزه للخلودْ». على أن نخلة لم يكتف من الأرز بهذه الإشارة المهمة التي يرددها ملايين اللبنانيين منذ أجيال، بل أفرد له قصائد ومنظومات عدة، كان من أكثرها حرارة وصدقاً قوله أثناء إبعاده القسري إلى فلسطين، عند نهايات الحقبة العثمانية:

تلفَّتُ من عليا فلسطين أبتغي

سواحلَ أرض الأرز والهضباتِ

فقلتُ لنفسي تلكُمُ الدار دارهم

رفاقي، وأهلي عنها ولِداتي

فهل حفروا قبري بمنْبت أرزها

ولفُّوا بخضراء الغصون رفاتي

إذا طاب موتي بعد يأسٍ وغربةٍ

وإن رقصتْ فوق الضريح عِدَاتي

اللافت أن رغبة الشاعر في أن يتحول خشب الأرز إلى نعش له، وترابه إلى مثوى، قد سرت لدى الكثير من شعراء لبنان مسرى النار في الهشيم، وتكررت عند غير مشتغل بالأدب والفن، وبينها قول داود عمون، البرلماني والحقوقي والشاعر اللبناني المعروف، وقد اضطرته الظروف القاهرة للابتعاد طويلاً عن وطنه الأم:

يا بني أمي إذا حضرتْ ساعتي

والطبُّ أسلَمَني

فاجعلوا في الأرز مقبرتي

وخذوا من ثلجه كفني

والواقع أن كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين، بخاصة في الفترة التي أعقبت ولادة دولة لبنان الكبير، لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام. لا بل إن التغزل بالأرز وصفاته ودلالاته الموحية، بات جزءاً لا يتجزأ من الصورة الزاهية التي رسمها للبنان، عشرات الشعراء والكتاب الذين اصطلح على وضعهم في خانة «المدرسة اللبنانية في الأدب». وإذا كان قد أطلق على شبلي الملاط لقب «شاعر الأرز»، فإن سعيد عقل رغم ذلك، هو الذي يستحق تلك التسمية، باعتباره أحد أكثر الشعراء الذين خصوا لبنان وجباله وأرزه بعشرات القصائد والمقطوعات، وبينها بيتاه الشهيران:

أهلي، ويغلون، يغدو الموت لعبتهم إذا تطلّع صوب السفح عقْبانُ

من حفنةٍ وشذى أرزٍ كفايتهمْ زنودهم، إن تَقلَّ الأرضُ، أوطانُ

وبصرف النظر عن القيمة الإبداعية للقصائد والنصوص المكتوبة في تمجيد الأرز، وقد اتسم بعضها بالوصف السطحي والإنشاء الركيك، فيما حفل بعضها الآخر بالبلاغة العالية والأسلوب المتقن، فقد انفرد المفكر والأديب اللبناني أمين الريحاني بتقديم مقاربة مغايرة لواقع الحال، تختلف تماماً عن المألوف البلاغي أو المدرسي.

كل من يتابع نتاج الشعراء والكتاب اللبنانيين في القرنين السابقين لا بد له أن يلاحظ مدى ما خص به هؤلاء شجر الأرز من عناية واهتمام

ففي مقالة له بعنوان «الأرز»، كتبها إثر زيارة قام بها إلى غابة بشرّي المعروفة، يستهل صاحب «قلب لبنان» المقالة بالقول: «وصلنا إليك يا أرز لبنان سالمين. ولكن الأمل تدهور من علياه، والخيال طاح عن سماه، والقلب نُكب في إيمانه وهواه، عندما أطللتُ على مجدك المكوّم تحت جفن الجبل»، وصولاً إلى قوله القاسي: «كنت أتخيل الزمان مجسماً في غابات الأرز، فرأيت الأرز مصغراً في كف الزمان».

ومع أن الريحاني ما يلبث لدى توغله في عمق الغابة، أن يصحح الصورة على نحو ما، ليوضح مستدركاً بأن ما يصح على الجبال والسهول والبحار، لا يصح على المعابد والآثار واللوحات، لأن هذه الأخيرة ينبغي معاينتها عن كثب، لكي يمكننا الوقوف على قيمتها الحقيقية، إلا أن ذلك لم يمنعه بالمقابل من الانتقاد الجريء لأسلافه الأقدمين، باعتبار أنهم أسهموا جميعاً في تقزيم غابة الأرز، لتنكمش على نفسها في ركن منعزل من الجبل، فكتب قائلاً «سمعتُ أصوات الفؤوس والمناجل في الغابات، وسمعتُ أصوات المطارق والمناشير في مصانع جبيل، ورأيت خشب الأرز في السفن الحربية التي غزا بها الفرس بلاد الإغريق».

وإذ يغفر الريحاني لأسلافه الفينيقيين قطعهم أشجار الأرز لبناء سفن متينة يمخرون بواسطتها أعالي البحار، بحثاً عن حياة أفضل وتبادلات تجارية رابحة، فإنه لم يغفر لهم تنازلهم عن تلك الأشجار العظيمة لغيرهم من الأمم والشعوب، ممن بنوا بواسطتها هياكل ومعابد وقصوراً باذخة، مقابل حفنات متفاوتة من الأموال. لا بل إن ما أصابه بالذهول، هو أن الأسلاف أنفسهم، هم الذين قدموا للإسكندر المقدوني، الخشب اللازم لبناء الأسطول الضخم، الذي تمكن بواسطته من إسقاط مدنهم الساحلية، واحدة تلو الأخرى. ولم يكن بالأمر المفاجئ تبعاً لذلك، أن يختتم الريحاني نصه المؤثر بالقول «ولكنها التجارة يا بني، التجارة على الدوام، في كل زمان ومكان».


عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
TT

عُمّال في لوحة من الميراث الفني الأموي

عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن
عمال البناء في لوحة من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن

حلّ «يوم العمال العالمي» في مطلع هذا الشهر، كما جرت العادة منذ عقود، وأعادت هذه المناسبة إلى الواجهة أعمالاً فنية متنوّعة تحتفي بشكل أو بآخر بالعمال، وجلّها يعود إلى الأزمنة الحديثة. في الواقع، يحضر العمال بشكل هامشي أو ثانوي في أعمال فنية متعدّدة المصادر تعود إلى الحقبة التي سبقت هذه الأزمنة، وقلّما نجد أثراً فنياً كلاسيكياً خُصّص بشكل أساسي لهم. تبرز في هذا الميدان لوحة من الميراث الفني الأموي، تبدو استثنائية في موضوعها كما في تأليفها المتقن، وتشكّل جزءاً من جداريات قُصير عمرة في بادية الأردن، ويجمع أهل الاختصاص على القول بأنّها تُمثّل العمّال الذين بنوا هذا القصير.

يجمع قُصير عمرة بين حمّام كبير مؤلّف من ثلاث غرف، ومجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة. تزيّن هذه القاعات جداريّات تجمع بين مواضيع إنشائية متعدّدة، تشكّل أكبر برنامج تصويري مدني معروف من الألفية الأولى في مجمل العالم المتوسطي، بأقاليمه الوثنية والمسيحية والإسلامية. يلفّ هذا البرنامج الاستثنائي جدران هذه القاعات، ويمتدّ إلى سقوفها. في هذا السياق، تزين سقف الإيوان الغربي المقوّس شبكة من اثنين وثلاثين مكعباً، رُتّبت في أربعة صفوف متساوية الأبعاد، اشتمل كل صف منها على ثماني لوحات، وفيها يظهر أشخاص في أوضاع مختلفة، تختزل متاع الدنيا بصنوفها المتعدّدة. في المقابل، يتكرّر هذا التأليف على سقف الإيوان الشرقي؛ إذ نقع كذلك على أربعة صفوف متساوية، اشتمل كلّ منها على ثماني لوحات، تمثّل كلّها عمّالاً من أصحاب الحرف المتنوّعة.

تحتلّ هذه الشبكة مساحة السقف المقوّسة، وتتكوّن من جزأين متساويين متعاكسين، يتكوّن كلّ منهما من شريطين من الخانات المكعّبة، يُشكّل كلّ منها لوحة يحدّها إطار خاص بها، كما في الشرائط المصوّرة المعاصرة. تحتاج قراءة هذه الصور بشكل دقيق إلى الرسوم التوثيقية التي تُظهر عناصرها بشكل جليّ، وتتمثّل برسم شامل يعود إلى مطلع القرن الماضي، نُشر في أول بحث علمي كشف عن قصير عمرة، وسلّط الضوء على جدارياته. إلى جانب هذا الرسم، يحضر رسم معاصر نُشر في مجلّد صدر عام 2007، وفيه تحضر تفاصيل كشفت عنها أعمال البحث التي سبقت هذا الإصدار. تواصل استكشاف الموقع في السنوات التالية، وشهد حملة ترميم جديدة شملت هذه الجدارية، وأعادت إليها بريقها الأوّل، كما كشفت عن تفاصيل جديدة ظهرت في لوحاتها بعدما كانت ممحوة.

في الخلاصة، تتكوّن هذه اللوحة من صفين متوازنين من جهة، يقابلهما صفان متوازنان من الجهة الأخرى. خُصّص الصفّ الأسفل من القسم الأول لأعمال البناء، من قطع الحجارة ونقلها على ظهور الجمال، ثم حملها إلى معلّم البناء. وخُصّص الصف الثاني للأعمال المعدنية، من الصهر والطرق، إلى التشذيب والتبريد. في الجهة المعاكسة، خُصّص الصف الأسفل لأعمال القصارة، كما توحي العناصر التصويرية القليلة التي بقيت من هذا الصف الذي تلف وانمحى بشكل كبير. وخُصّص الصف الأعلى لأعمال النجارة، كما يتّضح عند قراءة صوره التي حافظت على أغلب مكوّناتها. يتألّف كل صف من ثماني خانات متساوية. الإطار واحد وجامع، وقوامه خلفيّة تتألف من ثلاثة أقسام أفقية. يحتل القسم الأسفل مساحة كبرى من كل خانة، وهو باللون الأبيض العاجي، وتعلوه مساحة زرقاء، تحدّها مساحة بيضاء. يتشابه العمال من حيث الشكل الخارجي، ويبدو لباسهم واحداً، ويتألف من رداء أبيض بسيط ينسدل حتى الركبتين، مع حزام مجرّد يلتف حول الخصر.

في الصف المكرّس لقطع الحجارة، من اليسار إلى اليمين، يحضر أوّلاً عامل يقف في وضعية نصف جانبية، حاملاً أداة طويلة تبدو أشبه بمسطرة للقياس. ثم يحضر في الخانة الثانية عامل يحمل أداة مغايرة، تبدو أشبه بمطرقة ثاقبة طويلة. ويحضر في الخانة الثالثة عامل يحمل ما يُعرف بأداة الكُوس التي تُستخدم لتحديد الزوايا. في الخانات الثلاث التالية، يظهر عامل يرفع حجارة فوق ظهر جمل، ثم يظهر هذا الجمل وهو يجر هذه الحمولة، ويظهر العامل وهو يقود هذا الجمل في خانة مستقلّة. في الخانة السابعة، يحلّ عاملان ينقلان حجراً ثُبّت على رافعة، وفي الثامنة، يظهر عامل بين واجهتين صغيرتين متوازيتين.

في الصف المكرّس للأعمال المعدنية، يظهر أولاً حداد وسط مسبك، ثم حداد يطرق سنداناً، ثم حداد يرفع مطرقة، ومن بعده حرفي ينشغل بالعمل على خشبة مثبّتة على حاملتين مثلّثتين. في الخانة الخامسة، يظهر حِرفي آخر يسقي الحديد في حوض على الأرجح، وفي السادسة، يظهر حِرفي جالساً أمام حوض مشابه. تتصل الخانة السابعة بالخانة الأخيرة، حيث يواجه حرفياً زميلاً يتوجه نحوه رافعاً ذراعيه في اتجاهه.

الصف المخصص لأعمال القصارة تلف بشكل كبير، وبدا ممحواً في مطلع القرن الماضي، غير أن بعض ملامحه اتّضحت في زمننا. في وسط هذا الشريط، يظهر مشهد تحميل دابة، ويحضر في تأليف يشابه التأليف المعتمد في الصف المكرّس لقطع الحجارة، وفيه يحلّ حمار مكان الجمل، كما كشفت أعمال الترميم الحديثة العهد. في المقابل، حافظ الصف المخصّص لأعمال النجارة على ست من خاناته الثماني. ضاعت الخانة الأولى، كما ضاعت الخانة الأخيرة، وظهر في الخانة الثانية نجاران ينشران لوحاً خشبياً، وفي الثالثة نجار يعمل على لوح آخر، وفي الرابعة حرفي يحمل مطرقة، وفي الخامسة حرفي يقف رافعاً خشبة بين يديه، وفي السادسة حرفي يجلس أرضاً حاملاً كذلك مطرقة. انمحت الخانة السابعة بشكل كبير، وما بقي منها يكشف عن حرفي يعمل في منشرة على الأرجح.

يطغى على هذه الجدارية البديعة الأسلوب الروماني، وهو الأسلوب الذي يغلب على مجمل جداريات قُصير عمرة. يستعيد هذا التأليف العديد من العناصر التي تعود إلى هذا الطراز، غير أنه يجمعها في قالب كُرس بأكمله للعمّال الذين قاموا بتشييد الموقع وتزيينه، من البنائين إلى النجارين مروراً بالحدادين والمقصّرين، ممّا يجعل منه لوحة استثنائية تتميّز بموضوعها، وتلمع بثراء صورها المتقنة.


الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش
TT

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

الحنين إلى الجمال المفقود مقابل التوحش

في الظاهر، يبدو محورُ رواية «فورور» للكاتب العراقي نزار عبد الستار (هاشيت أنطوان/ دار نوفل) مشلحاً من الفرو، ورجلاً لا يزال طفلاً يبحث عن رائحة والدته في هذا الفورور.

ولعل المحطة الأبرز لهذا الفورور هي عندما حطّ رحاله على كتفي الممثلة المصرية الفاتنة مريم فخر الدين حين مثلت مع العندليب عبد الحليم حافظ في فيلم «حكاية حب» حيث أدّى أغنيته الشهيرة «بتلوموني ليه» (عُرض الفيلم في 1959).

تنهض الرواية برمتها على هذه التفصيلة. يروي عبد الستار في روايته، أن مريم فخر الدين استعارت هذا المشلح من المونولوجيست العراقية «وحيدة جميل»؛ (وهذا من مخيلة الكاتب)، لترتديه في الفيلم. و«وحيدة» لم تتلقَّ في حياتها هدية أقيم من هذا المشلح الذي أهداها إياه وزير دفاع الاتحاد السوفياتي السابق عندما كان في زيارة إلى بغداد بخمسينات القرن الماضي. ولهذا كانت متعلقة بفورورها... فيما «صابر عفيف»، هذا الرجل/ الطفل كان متعلقاً بتلابيب فستان والدته.

في خضم الزحمة، ضاع مشلح الشنشيلا، لكنه سيظهر لاحقاً في أوساط طبقة المشاهير والأثرياء، قبل أن يستقر على كتف الشهبانو فرح ديبا بلهوي، لدى لجوئها مع زوجها إلى القاهرة عقب الثورة الإسلامية في إيران. وبعد علم «صابر» بذلك، اتصل تليفونياً بسكرتير الشهبانو مطالباً باستعادة الفورور. وهو اتصال سيكلّفه عمله في دار «كريستيز»، التي ستستغلّ هذا الخطأ الذي اقترفه «صابر» لطرده من العمل، والاستحواذ على الفورور.

أضاعت «وحيدة» الفورور.. وخسرت ابنها «صابر» حين انتقلت حضانته إلى عمه بعد إعدام والده، ثم تلاشى حلمها في الحصول على لحن من فريد الأطرش، قبل أن تموت كدراً في لبنان.

هذه هي قصة «الفورور» باختصار. وقد يبدو البحث عن المشلح أشبه بسردية تشويقية تحاكي الحبكات البوليسية. لكن الرواية ليست كذلك.

الفورور هو فقط ذريعة ليخلق لنا صاحب رواية «يوليانا» خطين سرديين، الأول مُغرق في رومانسية مشرقية («وحيدة» وبحثها عن الشهرة)، والثاني يكشف عن برودة المؤسسات الرأسمالية الغربية («كريستيز» و«سوذبيز» وغيرهما من دور المزادات العريقة).

سنقرأ في رواية «فورور» عن الفن بأشكاله: الغناء والعزف والتمثيل.. وأيضاً الرسم. وسنجد في الرواية؛ إلى جانب عبد الحليم ومريم فخر الدين، فريد الأطرش وفيلمون وهبة... وفنانين تشكيليين مثل حافظ الدروبي ولوحته المشهورة «باعة البطيخ»، ويوهان غونتر ولوحته «يد الخريف». وسننتقل من بلد إلى آخر مع «وحيدة» وابنها ومشلحها البيج، بين العراق ومصر ولبنان ولندن.

لكننا نقرأ أكثر عن كيفية صناعة النجوم في كواليس تجارة الفنّ ودنيا المال والحياة المخمليَّة، وكيفية إبرام الصفقات في دار «كريستيز» وطرقها في الحصول على اللوحات المهمة والتلاعب بأسعارها لبيعها بأثمان خيالية، عبر أساليب ملتوية تعتمدها هذه الدار وغيرها لتحقيق مكاسب لا علاقة لها بالمبادئ أو القيم الفنية. وهكذا يصبح «صابر»؛ ذلك الوسيط البسيط الذي يزوّد «كريستيز» بلوحات مهمة، شخصاً لا بد من الاستغناء عنه، لكي تتمكن الدار من الاستيلاء على الفورور الشنشيلا وأيضاً على كَمَان خاص بخالته «بدرية» عازفة الكمان المشهورة.

في الصفحة الـ73 من الرواية، يقول «الطفل صابر»: «وأنا في القاهرة كنت غير ذلك الشاب الذي حضر حفلة فريد الأطرش بمدرج لبنان في عالية. لا أملك الفضول؛ وإنما الشعور بالأسى... شيء يشبه عاطفة إطعام القطط والعصافير، والشيء الوحيد الذي رافقني هناك هو أن (وحيدة جميل) ضاعت وسط هذا العالم». أما في الصفحة الـ110، فنرى «الرجل صابر» الذي ينازع من أجل هويته... «سيلين (حبيبته) تخبرني الكثير عن نفسي، وتعرف كيف تسترجع كل ما سلبته (كريستيز) مني».

تتخيّل هذه الرواية، كما يقول الناشر، «ما لم يحدث، وما كان يُفترض به أنْ يحدث»، وهي تصوّراتٌ يتخلّلها الحبّ الجارف في زمنٍ لم يكن كاملَ الجمال، لكنَّه باهرٌ ويستحقّ أنْ يُسردَ.

إنها رواية متعددة الطبقات، فهي رواية الحنين في مقابل التوحش، والبحث عن الدفء مقابل برودة العالم الرأسمالي، ورواية رجل هو في الحقيقة لا يزال طفلاً في أعماقه، يمتهن بيع الفن في مزادات عالمية باردة تقيس القيم بالأرقام، لا بالقيمة الجمالية للفن.

و«فورور» هي الرواية الرابعة للقاصّ والروائي العراقي نزار عبد الستّار بعد «يوليانا» (2016)، و«ترتر» (2018)، و«مسيو داك» (2020).

* صحافي وكاتب سعودي