الفنانات السعوديات ينعشن الحراك التشكيلي بجهود «فردية»

محاولات إظهار نتاجهن الفني تمر بمخاض طويل

الفنان التشكيلي عبد العظيم الضامن ومجموعة من التشكيليين والتشكيليات  -  بورتريه صفية بن زقر بريشتها
الفنان التشكيلي عبد العظيم الضامن ومجموعة من التشكيليين والتشكيليات - بورتريه صفية بن زقر بريشتها
TT

الفنانات السعوديات ينعشن الحراك التشكيلي بجهود «فردية»

الفنان التشكيلي عبد العظيم الضامن ومجموعة من التشكيليين والتشكيليات  -  بورتريه صفية بن زقر بريشتها
الفنان التشكيلي عبد العظيم الضامن ومجموعة من التشكيليين والتشكيليات - بورتريه صفية بن زقر بريشتها

رغم وجود الفنانة السعودية في الحراك الفني التشكيلي، فإن معظم حلقات النقاش التي تضم التشكيليات السعوديات تبدو فيها حالة من الإحباط، لا تتعلق بتفاصيل العملية الإبداعية ذاتها، بقدر ما هي حالة عن عدم الرضا تجاه حضور الفنانات التشكيليات في السعودية، اللاتي يعتقد معظمهن أنهن لم يأخذن حقهن في الانتشار مقارنة بزملائهن من الفنانين الرجال، ويعتقدن أن فرص التطور والظهور الإعلامي متاحة للرجال أكثر من السيدات في هذا المجال، الأمر الذي دفع كثيرات منهن إلى الانكفاء على الجهود الذاتية في إنشاء المعارض الخاصة والعمل بمعزل عن أي جهات رسمية كانت أم إعلامية.
وتبدو هذه الحالة هي المعوق المقلق لدى الكثير من التشكيليات السعوديات، بعد أن تجاوزن مراحل صعبة من مخاض الولادة الفنية، وتغلبن على عقبة التقاليد والقيود الاجتماعية، وصار بمقدورهن اليوم البوح بكل ما لديهن من خلال أعمالهن، بعد ظهور رائدات في الحركة التشكيلية النسائية السعودية، مثل صفية بن زقر ومنيرة موصلي وشريفة السديري وبدرية الناصر وحميدة السنان وغيرهن من اللاتي نقشن أسماءهن في عالم التشكيل النسائي السعودي.
إلا أن هذا التطور الملموس في الواقع الأنثوي للفن التشكيلي لم يكن كافيا لصناعة أسماء نسائية شابة جديدة تكمل مسيرة السباقات، الأمر الذي يفتح الباب أحيانا لانتقاد حضور التشكيليات السعوديات على اعتبار أنهن لم يحققن التألق الكافي الذي يواكب قفزات السيدات الموجودات في بقية الفنون البصرية الأخرى، وهو ما تعلق الفنانات التشكيليات مسؤوليته على محدودية فرص التعلم والتطور وضرورة السفر والتنقل للمشاركة في المعارض الخارجية، وهي أمور قد لا تتم بسلاسة للسيدات كما هو الحال لدى الفنانين الرجال.
وترى التشكيلية السعودية بدرية الناصر، أن المجتمع بدأت أفكاره وتصوراته تتغير تجاه حضور المرأة في عالم الفن التشكيلي، قائلا: «مشاركة المرأة كفنانة من خلال المعارض ووسائل الإعلام أصبحت أكبر في الوقت الحاضر، وازداد عدد الفنانات وظهرت أسماء جديدة في الساحة التشكيلية، وهذا دليل واضح على أن القيود القديمة بدأت تخف أو ربما تلاشت».
وتسترجع الناصر بدايتها التي كانت قبل نحو عقدين من الزمان، قائلة: «في الفترة التي خرجت فيها واجهت الكثير من المعوقات، لكني تحديتها، وكان لدي إصرار كبير على المشاركة في المعارض، وكانت جمعية الثقافة والإعلام هي الجهة المعنية بذلك إلى جانب الرئاسة العامة لرعاية الشباب التي كان لها نشاط كبير، لكن الجمعية الآن أصبح صوتها خافتا، وأصبحت المعارض نادرة وفرص الظهور محدودة». وتضيف الناصر في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، «المعوق الذي نواجهه حاليا هو غياب الصالات والمناسبات والمعارض بصفتها الجهات التي تهتم بإظهار المواهب الجديدة، وهذه مشكلة كبيرة، وفي المنطقة الشرقية (تحديدا) نجد أن الفن هو آخر ما تفكر فيه الجهات الرسمية، وذلك بخلاف مدينة جدة التي تشهد حراكا فنيا واضحا في هذا الشأن».
إلا أن الناصر لا تخفي أن تجربة المرأة في الحراك الفني التشكيلي لم تنضج بعد مقارنة بالفنانين الرجال، قائلة: «ربما لأن المرأة تأخذ الفن كنوع من التسلية والترف، لكن يظل الإبداع هو الإبداع، والمرأة بحاجة لجهود كبيرة حتى تبرز أكثر، وربما ظروفها تمنعها أحيانا من ذلك، بينما الفنان الرجل حقق وجودا في ساحة الفن التشكيلي بصورة أكبر». من ناحيتها، ترى التشكيلية السعودية نوف السماري، أن مشكلة الفنانات التشكيليات مختلفة قليلا، قائلة: «المرأة التشكيلية أصبح لها حضور أكثر من الرجل التشكيلي من حيث كم الغزارة الإبداعية، لكن عندما نرى التغطيات الإعلامية على سبيل المثال، نجد أن الرجل هو الأبرز والأكثر حضورا، ولا أعرف لماذا!»، معتقدة أن المجتمع السعودي لديه قابلية للاحتفاء بالفنان التشكيلي أكثر من الفنانة التشكيلية.
وتستشهد السماري التي تعد كاتبة مختصة بالفن التشكيلي، في تجربتها الكتابية حول التشكيلية السعودية شادية عالم والثنائيات التي تقدمها مع أختها الروائية رجاء عالم، خاصة ما فعلنه في أحد أبرز الأعمال السعودية المعاصرة «الفلك الأسود»، قائلة «كثير من الصحف العالمية اهتمت بهذا العمل، وعندما كتبت أنا عنه أبدت الفنانة شادية عالم سعادتها، وقالت لي إنه لا توجد أي صحيفة سعودية تكلمت عن هذا العمل الذي نوقش بإسهاب في الخارج، وذلك بخلاف بعض تجارب الفنانين التشكيلين من الرجال، الذين يأخذون حقهم في الاهتمام الإعلامي».
وتتابع السماري حديثها لـ«الشرق الأوسط»، «لا أعرف اللوم يقع على من في ذلك، هل الإعلام هو المسؤول أم تقبل المجتمع، لأن الفرص موجودة ومتاحة للفنانات التشكيليات، إلا أن الفن التشكيلي حتى الآن لم يؤخذ بشكل جدي لدينا»، وتضيف «الفنان التشكيلي بعد أن يعمل معارض في الخارج ويصبح معروفا هناك يتم النظر إليه في الداخل، فلا أحد ينتبه للتشكيلي السعودي إلا إذا اشتهر في الخارج، خصوصا بالنسبة للفنانات النساء».
ورغم رتابة المشهد التشكيلي بالنسبة للفنانات السعوديات، فإن دراسة حديثه أعدتها الباحثة مسعودة قربان من جامعة الملك سعود في الرياض، تحت عنوان «دور المرأة السعودية في التصوير التشكيلي المعاصر بالمملكة العربية السعودية»، كانت قد أظهرت نتائجها أن الفنانات السعوديات ساهمن على اختلاف اتجاهاتهن الفنية في المشاركة بالحركة الفنية التشكيلية من خلال عمل المعارض الفردية والجماعية، وتبني الحركة التشكيلية بإلقاء المحاضرات والندوات من خلال انضمامها لبعض الجمعيات الفنية، والمشاركة في المعارض الداخلية والخارجية، وعمل ورش عمل مختلفة.
وربما هذه الإشادة البحثية لا تنسجم بصورة كافية مع سقف التطلعات المرتفع للتشكيليات السعوديات، حيث ترى السماري أنه «كل يغني على ليلاه»، مشيرة لحالة التراخي بين الفنانات أنفسهن، في كونهن يعملن بمفردهن وفي ذات الوقت يفصحن عن الكثير من المطالب والآمال، مضيفة «رغم ذلك لا أزال متفائلة بأن مستقبل الفنانات التشكيليات في السعودية سيكون أفضل، وهذه المعوقات لن تحد من طموحات الشابات الجدد في ساحة الحراك التشكيلي».
وتبدو النافذة المشرقة حاليا متمثلة في وسائل الإعلام الاجتماعي على شبكة الإنترنت، حيث وجدت فيها الكثيرات من الفنانات التشكيليات منبرا للتعبير عن بوحهن الفني وإنشاء معارض إلكترونية يقدمن من خلالها نتاجهن لمتذوقي الفن التشكيلي، وهو ما يعكس الدور التقني الذي أظهر صورة جديدة وأكثر حيوية للتشكيليات السعوديات، في حين ما زالت أحلام كثير منهن تتجاوز المدى، حيث تبدأ من المحلية ثم تداعب بوابة الشهرة العالمية.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.