مزارعون ومتمرّدون وعسكر... وزراء تعاقبوا على حقيبة «الصحة» في السودان

مزارعون ومتمرّدون وعسكر... وزراء تعاقبوا على حقيبة «الصحة» في السودان

السبت - 30 شهر رمضان 1441 هـ - 23 مايو 2020 مـ رقم العدد [ 15152]
محمد أبو زيد مصطفى - بحر ادريس أبو قردة - خالد حسن عباس
الخرطوم: «الشرق الأوسط»

بدأ تقديم الخدمات الصحية الحديثة في السودان منذ عام 1899، ببناء بعض المستشفيات، وتنفيذ حملات تطعيم ضد الجدري. وفي 1904، أُنشئت الإدارة الطبية، لتتحول إلى «المجلس الصحي المركزي»، ثم الخدمات الطبية السودانية، بما في ذلك الخدمات الطبية العسكرية، بعد ثورة 1924، ومعركة مستشفى النهر الدامية.
وأسست أول وزارة صحة في السودان عام 1949. وتولى كرسيّها علي بدري، المتخرج في كلية الطب، بكلية غوردون الطبية (جامعة الخرطوم لاحقاً)، وهو نجل رائد تعليم البنات ومؤسس جامعة الأحفاد الشيخ بابكر بدري.
وعقب أول انتخابات برلمانية في السودان 1954، اختير محمد أمين السيّد، أول وزير للصحة في حكومة «أبو الاستقلال» إسماعيل الأزهري. وفي حكومة عبد الله خليل 1958 عيّن محمد نور الدين وزيراً للصحة، ثم جاء انقلاب الجنرال إبراهيم عبود (أول انقلاب عسكري في السودان) اختار الحكومة العسكرية د. محمد أحمد الزاكي وزيراً للصحة، وظل في الوزارة حتى أطاحت بالحكومة العسكرية «ثورة أكتوبر 1964».
وفي وزارة سرّ الختم الخليفة الانتقالية، أفلح الحزب الشيوعي السوداني في فرض مرشحه الأمين محمد الأمين وزيراً للصحة فيه. والطريف أن «شيخ الأمين» أول وزير صحة في حكومة الثورة، كان مزارعاً ونقابياً في مشروعي الجزيرة والمناقل الزراعيين، ومع ذلك يحفظ له التاريخ الصحي أنه أول من أسس لنظام الرعاية الصحية الأولية في السودان.
عاد «شيخ الأمين» إلى حقله، وجلس على كرسيه الهادي عابدون، وفي فبراير (شباط) 1965، وفوز حزب الأمة وتشكيل حكومة محمد أحمد المحجوب، جرت تسمية أحمد بحاري وزيراً للصحة.
وحين فرضت ترتيبات الأسرة المهدوية، تنحّي المحجوب من أجل نجم الأسرة الصاعد (وقتها) الصادق المهدي، وتوليه رئاسة الوزارة، أطاح الصادق الكهدي البحاري، وجاء بأحمد زين العابدين وزيراً للصحة.
وحين دقت المارشات العسكرية، وانقلب جعفر النميري على المهدي، وأودعه السجن مع حكومته، جاء بالدكتور موريس سدرة وزيراً للصحة، وكان سدرة أول مسيحي قبطي يتولى الوزارة في السودان. وبعد 18 شهراً حل محله الاختصاصي النفسي الشهير طه بعشر، ثم جاء اللواء أبو القاسم محمد إبراهيم وزيراً، فكان أول عسكري يتولى وزارة معنية بعافية الناس وطبابتهم.
بعدها، في عام 1974، جلس الدكتور النذير دفع الله في كرسي وزير الصحة لعامين، وجاء بعده اللواء خالد حسن عباس، الذي يُعدّ أطول وزراء الصحة بقاء في الوزارة، ثم في 1982 أخلى مقعده للوزير علي محمد فادي، ليخلفه بعد سنتين عبد السلام عيسى.
وحين أسقطت حكومة النميري بالثورة الشعبية الشهيرة، عام 1985، جاء المشير عبد الرحمن سوار الذهب الذي ترأس الحكومة الانتقالية، بالدكتور حسين أبو صالح وزيراً للصحة، وظل في منصبه حتى الانتخابات.
تولى الصادق المهدي رئاسة الوزارة بعد الانتخابات، فأعاد حسين أبو صالح وزيراً للصحة، ثم حلفه كل من أوهاج محمد عيسى ومأمون يوسف. وقبل أن تلفظ حكومة المهدي أنفاسها بانقلاب الإسلاميين بقيادة البشير بوقت قصير عين عبد الرحمن أبو الكل وزيراً.
«الحكومة العسكرية» عينت شاكر السراج أول وزيراً للصحة، وخلفه اللواء فيصل مدني مختار، ثم أعادت اللواء أبو القاسم محمد إبراهيم (أحد رفاق نميري السابقين) إلى الواجهة، وعينته وزيراً للصحة.
ومن الغرائب التي حلت بكرسي وزارة الصحة، أن جلس عليه بحر إدريس أبو قردة، زعيم «الجبهة المتحدة للمقاومة»، وهي إحدى حركات التمرّد ضد البشير، الذي اتهمته «المحكمة الجنائية الدولية»، بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور. وبعدما طاف الرجل العواصم قرّر مواجهة مصيره وسلم نفسه لمحكمة لاهاي بهولندا، فجاء حكمها «الأدلّة غير كافية لإثبات ضلوعه كشريك، أو كشريك غير مباشر في الجرائم التي نسبها إليه الادعاء»، فعاد للخرطوم وزيراً للصحة، حتى قبيل اقتلاع البشير بوزير واحد.
خرج أبو قردة من وزارة الصحة إلى وزارة العمل، وحلّ مكانه محمد أبو زيد مصطفى، الذي حاول البشير تحميله المسؤولية عن غضب الشارع الذي كان يغلي كالمرجل، واتهمه بالتهاون في ضبط أسعار الدواء، فأطاح به وجاء بالخير النور وزيراً للصحة في الوقت بدل الضائع، الذي أعلنت فيه «ثورة ديسمبر 2018» نهاية البشير ووزارته جميعاً.


حصاد

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة