التكتل المسيحي يشتد ضد باسيل و«التيار» يعدّه «محاولة لإفشال الإصلاح»

الخلافات تشير إلى افتتاح مبكر لمعركة الرئاسة اللبنانية

لقاء سابق بين سمير جعجع وجبران باسيل (غيتي)
لقاء سابق بين سمير جعجع وجبران باسيل (غيتي)
TT

التكتل المسيحي يشتد ضد باسيل و«التيار» يعدّه «محاولة لإفشال الإصلاح»

لقاء سابق بين سمير جعجع وجبران باسيل (غيتي)
لقاء سابق بين سمير جعجع وجبران باسيل (غيتي)

توسعت الجبهات السياسية المسيحية خلال الأسابيع الأخيرة، لتكرس اصطفافين أساسيين، أحدهما يمثله «التيار الوطني الحر» الذي يترأسه النائب جبران باسيل، والثاني تمثله ثلاث قوى أساسية لا تجمعها خيارات استراتيجية واحدة، ويظهر الانقسام افتتاحاً مبكراً لمعركة رئاسة الجمهورية، مع أن ولاية الرئيس ميشال عون لا تزال في سنتها الرابعة.
ورغم أن «حزب القوات اللبنانية» الذي يترأسه الدكتور سمير جعجع، و«تيار المردة» الذي يترأسه النائب السابق سليمان فرنجية، و«حزب الكتائب اللبنانية» الذي يترأسه النائب سامي الجميل، تجمعهم الخصومة مع «الوطني الحر»، إلا أن مقارباتهم تتفاوت بين خصم اختار القطيعة مع العهد، مثل «الكتائب» و«المردة»، بينما اختار جعجع الفصل بين عون وموقع الرئاسة، وهو ما دفعه للمشاركة في لقاء بعبدا الأخير.
وتتخذ الحملات في ظاهرها تصعيداً على خلفية ملفات حكومية، واتهامات بالفساد والاستئثار بالتعيينات، وهي اتهامات موجّهة لباسيل، لكنها تحمل بذور التنافس على الرئاسة، بحسب ما تقول مصادر مسيحية لـ«الشرق الأوسط»، كون الشخصيات الاربع «مرشحة تلقائياً للموقع». وتعتبر المصادر هذا السجال «افتتاحاً مبكراً لمعركة الرئاسة» كون ولاية الرئيس عون تنتهي في خريف 2022.
لكن «القوات» تنفي التنافس على الرئاسة، بالنظر إلى أن الصراع مع باسيل بدأ بعد أشهر قليلة من انتخاب عون، وبالتالي لا علاقة له باستحقاق رئاسي. وتقول مصادر «القوات» لـ«الشرق الأوسط» إن الخلافات مع باسيل هي حول كيفية إدارة الدولة والخروج على «اتفاق معراب» بين الطرفين.
وتأسست معارضة «القوات» لباسيل حول الخلاف على مقارباته للملفات، لذلك يجري تحميله مسؤولية ما حصل في سنوات العهد من مواجهات، لكن التصعيد «ليس شخصياً ضده، بل هو على خلفية ملفات محددة نعارضه فيها» ما يعني أن المواجهة قائمة على عناوين. وتجزم المصادر أن المعارضة لا تقوم على هوية الشخص، وهي الآن في موقع معارضة العهد، وتعبر عن موقفها بشكل يومي.
وحمل هجوم «تيار المردة» التوجه نفسه، إذ يجري حول قضايا الطاقة والكهرباء، وملفات أخرى يختلف معها «المردة» مع «الوطني الحر»، ولو أن لهجة التصعيد التي اتبعها فرنجية أخذت بعداً أكثر حدة من المقاربة التي غالباً ما يعبر بها جعجع عن معارضته. فقد اتهم فرنجية «التيار» بالكذب على الناس، وبأن قوة «التيار» «لم تعد من الناس بل من السلطة».
غير أن مقاربة «حزب الكتائب» تأخذ منحى مختلفاً، ذلك أن الحزب يعارض كامل المنظومة السياسية، وليس باسيل وحده، ويرى أن المشكلة في لبنان هي المنظومة المؤلفة من 5 أو 6 أقطاب واللاعب الأساسي فيها هو «حزب الله».
ويقول عضو المكتب السياسي في حزب «الكتائب» سيرج داغر لـ«الشرق الأوسط» إن خصوم باسيل يعطونه أكبر من حجمه، ويستفيد هو من ذلك، مشيراً إلى أن قوة باسيل مستمدة من قوة «حزب الله» التي أوصلت عون للرئاسة. ويقول داغر إن باسيل يستقوي بالحزب، كما حلفاء آخرون للحزب ضمن الطائفة السنية أو الدرزية، ذلك أنه الفريق الوحيد القادر على تعطيل الانتخابات، وبات البعض يرى أن الطريق إلى الرئاسة يمر عبر «حزب الله» الذي يكفل وصول حلفائه إلى المقاعد الحكومية والإدارات الرسمية، في مقابل ألا تتعارض سياساتهم مع توجهات الحزب. وعليه، يرى أن «حجم جبران مفتعل»، وخصومه «يذهبون بالوهم إلى أنه قوي»، مشدداً على أنه لا مشكلة للكتائب مع باسيل بل مع سائر المنظومة.
وينفي داغر أن يكون رئيس الحزب سامي الجميل يتصرف على أساس أنه مرشح طبيعي للرئاسة، لأن «الكيان اللبناني في خطر، وهناك أولوية معالجة حماية الكيان وحل الأزمات الاقتصادية ومعالجة الأسباب عبر إبعاد كل الطبقة الحاكمة المسؤولة عن التدهور».
في المقابل، يرى «التيار» أن تركيز الهجوم على باسيل هو بهدف «النيل منه»، كما يقول عضو تكتل «لبنان القوي» ماريو عون لـ«الشرق الأوسط»، عاداً الهجوم على باسيل «محاولة لإفشال كل مخطط الإصلاح الذي تحدث عنه»، مضيفاً: «الهجوم المركّز يطال الشخص الرصين والمسؤول والقوي لمحاولة إضعافه، وهو ما يزيدنا قناعة بصوابية خياراتنا، وبضرورة الدفاع عنها»، متحدثاً عن نوايا خفية تجاه باسيل والعهد وتكتله.
ورغم تلك الاصطفافات، لا يرى الكتائبي السابق والسياسي كريم بقرادوني أن الاصطفافات ظاهرة جديدة، ويوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن المسيحيين في معظم المراحل، لم يكونوا مريدين لزعيم واحد أو جبهة واحدة، بل «هم معتادون على التعددية» باستثناء فترة الحرب، حيث كان هناك إجماع على زعامة الرئيس الراحل بشير الجميل. وقال: «المسيحيون اليوم في حالة عادية، حتى أن تصعيد الخطاب لم يصل بعد إلى مستوى التصعيد بين الراحلين بيار الجميل وريمون إده».
خسارة على مختلف الجبهات
والحال أن هناك ثغرتين وقع بهما باسيل خلال تجربته السياسية منذ 12 عاماً، أسستا لخصومات واسعة له على مختلف الجبهات، أولهما مخاصمة مختلف الأقطاب على الساحة المسيحية، ما يتيح لهم التكتل ضده، وهو ما يكرر تجربة تحالف أحزاب «الكتلة الوطنية» (ريمون إده)، و«الكتائب» (بيار الجميل)، و«الأحرار» (كميل شمعون) في مواجهة الحلف الشهابي (تيار الرئيس فؤاد شهاب)، ما أسفر عن خسارة الأخير للانتخابات البرلمانية في العام 1968... أما الثانية، فهي الخصومة مع «الحزب التقدمي الاشتراكي» الذي يتهمه بتجاوز توازنات الجبل، و«التوتر» المحدود مع رئيس المجلس النيابي نبيه بري في وقت سابق، فضلاً عن الخصومة مع المجتمع المدني على خلفية ملف النازحين السوريين ومنح الأم اللبنانية جنسيتها لأولادها، وتصاعد الحملات ضده بسبب معارضته لتوقيع مراسيم توظيف الناجحين في مجلس الخدمة المدنية، سعياً لتكريس التوازن الطائفي.
ويرى النائب ماريو عون أن «تكتل الآخرين ضد باسيل مرده إلى أنه «زعيم قوي، ويملك رؤية استراتيجية»، نافياً أن يكون قد تخطى التوازنات الداخلية اللبنانية والطائفية، مشدداً على أنه «لا يزال يرتكز إليها بهدف الوصول إلى الدولة المدنية». ومع إقراره بصعوبة تطبيقها الآن، يشير عون إلى أن الهدف الأقرب هو تحقيق «اللامركزية الإدارية كخطوة أولى».
ولا ينفي النائب عون أن باسيل يطرح ملفات حساسة، لكنه يوضح أن ملف الجنسية لا يعارضه فيه المسيحيون «لأننا في واقع ديموغرافي صعب»، ولا يرى أن موقف باسيل منه «خطأ استراتيجي» لأن «قول الحقيقة ليس خطأ»، فيما «يفكر الآخرون بمصالح آنية خلافاً لما نفكر به بالحفاظ على البلد لأولادنا عبر الوصول إلى نظام مدني وغير طائفي».
ومع اتساع رقعة المعارضة لباسيل، يرى بقرادوني أن المعارضة اليوم ليست كبيرة، فهناك «التيار الوطني الحر» وما يمثل، وحزب «القوات اللبنانية» وما يمثل بشكل أساسي، أما الشمال، (وهي المنطقة التي يتحدر منها فرنجية)، «فدائماً كانت له خصوصية، حيث يتحالف زعماء الشمال مع الجبل أحياناً، وفي أحيان أخرى كانوا يختلفون».
ويؤكد بقرادوني أن لبنان الآن «في وضعية وطنية ممتازة، لأن كل جبهة مسيحية لها حليف مسلم»، لكنه يرى أن لبنان يقف الآن على أبواب تغيير سلمي.

وأوضح أن السياسيين في لبنان اعتادوا على إيجاد حلول للمشاكل الطائفية والسياسية، لكن أهل الحكم لم يعتادوا على مواجهة أزمات اقتصادية واجتماعية، وهو تحول جديد في البلاد».



العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.


ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.