كيف يراقبنا المديرون أثناء العمل من المنزل؟

برامج ترصد نشاط الكومبيوتر وتصفح الإنترنت

كيف يراقبنا المديرون أثناء العمل من المنزل؟
TT

كيف يراقبنا المديرون أثناء العمل من المنزل؟

كيف يراقبنا المديرون أثناء العمل من المنزل؟

آدم ساتاريانو مراسل التقنية لصحيفة «نيورك تايمز» في لندن، يقول: «في الثالث والعشرين من أبريل (نيسان)، بدأت العمل عند الساعة التاسعة إلّا عشر دقائق صباحاً، فقرأتُ الرسائل الإلكترونية وأجبتُ عليها، وتصفّحتُ الأخبار وراجعتُ جديد (تويتر). عند الساعة التاسعة وأربع عشرة دقيقة، أدخلتُ بعض التعديلات على قصّة أعددتها قبل نشرها، وقرأتُ بعض ملاحظات المقابلة التي أجريتها. عند الساعة العاشرة وتسع دقائق، تبدّد زخم العمل واتجهتُ لقراءة خبرٍ عن القرية الآيرلندية التي يمضي فيها الممثل مات دايمون فترة العزل المنزلي».
-- مديرون يراقبون
«هذه التفاصيل جميعُها، من المواقع الإلكترونية التي زرتُها إلى معلومات الـ(جي بي إس)، كانت متوفرة لدى مديري لمراجعتها. أما السبب، فهو ومع عمل الملايين مناً اليوم من المنازل في ظلّ وباء كورونا، تبحث الشركات عن وسائل تضمن فيها أننا نقوم بما يتوجب علينا القيام به. وقد ارتفع الطلب على البرمجيات التي تراقب الموظفين، والبرامج التي تتعقّب الكلمات التي نطبعها والصور التي نلتقطها بكاميرا الكومبيوتر، لتقدّم للمديرين تقييمات توضح من يمضي الكثير من الوقت على (فيسبوك) ومن يمضي وقتاً أقل من المطلوب في استخدام برنامج إكسل». تثير هذه التقنية أسئلة جدية ومخيفة متعلّقة بالخصوصية وحول ما إذا كان أرباب العمل قد انتهكوا الخطّ الفاصل بين الحفاظ على إنتاجية أفراد القوى العاملة من منازلهم، وبين المراقبة المريبة.
«وللإجابة على هذه الأسئلة، شغّلتُ برنامجاً تجسسياً لمراقبة نفسي. فقد حمّلتُ الشهر الماضي برنامجاً لمراقبة الموظفين من تطوير شركة «هاب ستاف» Hubstaff في إنديانابوليس. كلّ بضع دقائق، كان هذا البرنامج يلتقطُ صورة للمواقع التي تصفّحتُها والمستندات التي كتبتُها ومواقع التواصل الاجتماعي التي زرتُها. ومن خلال هاتفي، حدّد البرنامج الأماكن التي قصدتُها ومنها جولة مدّتها ساعتين بالدراجة الهوائية حول حديقة باترسي مع أولادي في منتصف يوم عمل».
-- برامج «تدخلية»
«ولاستكمال الاختبار، أعطيتُ زميلتي المحرّرة بوي - وينغ تام في سان فرانسيسكو مفاتيح برنامج (هاب ستاف) لتتمكّن من تعقّبي. وبعد مرور ثلاثة أسابيع من المراقبة الرقمية، تبيّن لكلينا أنّ مستقبل المراقبة خلال العمل يمكن وصفه بأنه (تدخلي) بشكل مفرط، حتّى أنّ زميلتي وصفته بالـ(مقرف)».
إليكم ما حدث في الأسبوع الأوّل.
> آدم: نزّلتُ «هاب ستاف» على اللابتوب والهاتف وأنا في وضع يساورني فيه الكثير من الشكّ. سمعتُ عن هذا النوع من الأدوات الذي استخدمته شركات «وول ستريت» لسنوات، لا سيّما في المجال الأمني مع موظفين نادراً ما كانوا يعرفون شيئاً عن المراقبة التي يتعرّضون لها.
وقال لي دايف نيفوغت، مؤسّس «هاب ستاف» ورئيسها التنفيذي «الذي منحني تجربة مجّانية لاختبار برنامجه الذي يفرض اشتراكاً على مستخدميه، إنّ العمل من المنزل خلال أزمة فيروس كورونا حوّل برامج مراقبة الموظفين إلى سلعة مطلوبة بشدّة. وكشف أنّ مبيعات برنامج (هاب ستاف) الذي يتراوح اشتراكه الشهري بين 7 دولارات و20 دولاراً، تضاعفت ثلاث مرّات منذ مارس (آذار)». وأضاف نيفوغت: «العالم يتغيّر. الموظفون يعرفون أنّهم مراقبون، مما يعني أنّ خصوصيتهم ليست منتهكة».
يضمّ برنامج «هاب ستاف» ميزات عديدة أبرزها مراقب للنشاط يزوّد ربّ العمل بصورة لما يفعله الموظّف. يقدّم النظام أيضاً نسبة مئوية للوقت الذي يمضيه الموظّف في الطباعة على لوحة المفاتيح أو في تحريك الفأرة... وتشير هذه النسبة المئوية إلى مستوى الإنتاجية. «حاولتُ أنّ أتقبّل التقييم. في كلّ يوم، كنتُ أتلقّى رسالة إلكترونية من بوي - وينغ تزوّدني فيها بمراجعة يومية تستعرض ساعات العمل ومستوى الإنتاجية والمواقع الإلكترونية والتطبيقات التي كنتُ أستخدمها.
في أحد أيّام الشهر الفائت، كنتُ أضع اللمسات الأخيرة على مقالة كتبتُها، فأمضيتُ ثلاث ساعات و35 دقيقة في تعديلها، وساعة داخل ملف لمراجعة نتائج البحث وملاحظات المقابلة، بالإضافة إلى 90 دقيقة أمضيتُها في استخدام البريد الإلكتروني. كان هذا اليوم واحداً من أكثر أيّامي إنتاجية، ولكنّ البرنامج استمرّ في تسجيل الأوقات التي تلهّيتُ فيها. فقد أظهر أنني استخدمتُ «تويتر» لـ35 دقيقة وخسرتُ 11 دقيقة في تصفّح (سبوتيفاي)، بالإضافة إلى 22 دقيقة أضعتُها في العمل على تطبيق (سلاك). في أيّام أخرى، شكّل الطعام وسيلة شائعة للتشتيت كتبديد عشر دقائق في الذهاب لجلب البيتزا. نجح برنامج «هاب ستاف» أيضاً في الدخول إلى بيانات الـ(جي بي إس). الخاصة بي من خلال ميزة قال نيفوغت إنّها تُستخدم من قبل الشركات التي تحاول ضمان أنّ مندوبي مبيعاتها يزورون منازل الزبائن. ولكنّ مع دخول العاصمة البريطانية لندن في إجراءات الحجر منذ أواخر مارس (آذار)، كانت تحرّكاتي التي تعقّبها البرنامج قليلة، لا تتعدّى الجري حول الحديقة القريبة والذهاب إلى متجر السلع».
-- مراقبة عن بعد
وشهد الأسبوع الثاني عمليات الإشراف المتبادل:
> آدم: بعد تأقلمي مع فكرة وضع حياتي تحت المراقبة، اتخذتُ قرار السماح لبوي - وينغ بالدخول إلى البرنامج. وفي رسالة إلكترونية كتبتُها مسبقاً، قلتُ لها: «بدخولك في هذا الاختبار، أنتِ توافقين على عدم التسبب بطردي أو الحكم علي أو ابتزازي مهما كانت النتيجة النهائية لهذا العمل».
> بوي - وينغ: شعرتُ بالفضول وأعترفُ بذلك. ولكنّني في الوقت نفسه شعرتُ بالتردّد لأنّني لم أعرف ما إذا كنتُ أريد حقّا أنّ أطّلع على مكان شخص ما في كلّ لحظة، أو أن أعرف أوقات استخدامه لـ«تويتر».
ولكن رغم هذا التردّد، فتحتُ البرنامج ورأيتُ لوحة تستعرض فئات متعدّدة كالصور الملتقطة لشاشة كومبيوتر آدم وجداوله الزمنية والتطبيقات والمواقع الإلكترونية التي زارها بالإضافة إلى بياناته المكانية. ثم ضغطتُ على الصور ووجدتُ أنّ آدم أمضى تسع ساعات و42 دقيقة و17 ثانية في استخدام الإنترنت يوم أمس. عرضت عشرات الصور الموجودة في الفئة لقطات لاتصال عبر «غوغل ميت كونفرنس» شارك فيه آدم بالإضافة إلى صورٍ قريبة للكثير من الزملاء.
بعدها، عدتُ بسرعة إلى اللوحة الرئيسية. هناك، رأيتُ أنّ نشاط آدم خلال الأسبوع كان مخيّباً للآمال نوعاً ما حيث إن إنتاجيته بلغت 45 في المائة. إلا أنه شرح لي لاحقاً أنّ هذا الرقم لا يعكس الوقت الحقيقي الذي أمضاه في العمل لأنّه سجّل الأوقات التي كان يطبع فيها على لوحة المفاتيح فقط، بعيداً عن الاتصالات أو أي عمل يقوم به بعيداً عن الكومبيوتر.
> آدم: تفهّمتُ الطلب المتنامي على «هاب ستاف» من قبل أرباب العمل الذين يخافون من تبديد أموالهم في اقتصاد هشّ، بعد أنّ عرّفني نيفوغت على كريس هيويتير، الذي يدير شركة تسويق اسمها «98 باك سوشيال» في مدينة جوبيتر، فلوريدا. أخبرني هيويتير أنّه لاحظ تراجعاً كبيراً في عدد ساعات العمل بعد أن سمح لموظفيه العشرين بالعمل من المنزل بسبب تفشّي فيروس كورونا. في ذلك الوقت، واجهت الشركة هبوطاً حاداً في مبيعاتها، حتّى أنّ بعض الموظفين كانوا بحسب هيويتير، لا يجيبون على هواتفهم قبل الساعة العاشرة صباحاً، مما أدّى إلى تراجع الردود على الزبائن أيضاً.
لهذا السبب، بدأ باستخدام «هاب ستاف» في 31 مارس (آذار)، لترتفع مستويات إنتاجية موظّفيه «بشكل فوري» بعدها. هنا، ربطتُ الأمور ببعضها. فقد لاحظتُ أنّ «هاب ستاف» كان قد بدأ بالتأثير على سلوكي أيضاً. في كلّ يوم، كنتُ أسجّل دخولي في البرنامج مبكّراً لأنني كنتُ أنتبه لنشاطي. ولأنني أعي أنّ نشاطي الإلكتروني قد يتعرّض للمراقبة، لم أمضِ وقتاً طويلاً في قراءة الأخبار الرياضية كما في السابق، وتراجع استخدامي لتطبيقات التراسل على اللابتوب لأنني كنتُ أشعر بالتوتر من فكرة الصور التي قد تلتقط أي محادثة خاصّة. ولكنّ نتائج إنتاجيتي لم تبارح مستوياتها المنخفضة وبقيت تترنّح بين 30 و45 في المائة. وفي الرابع عشر من أبريل (نيسان)، أظهر «هاب ستاف» أنني عملتُ 14 ساعة تقريباً ولكنّ مستوى إنتاجيتي لم يتجاوز 22 في المائة.
-- إحراجات العمل
أما نتائج الأسبوع الثالث فكانت كما يلي:
> آدم: في الثالث والعشرين من أبريل (نيسان) وفي الساعة الحادية عشرة والنصف تحديداً، عرفتُ أنني لم أعد أريد أن تتمّ مراقبتي بعد أن ضبطني «هاب ستاف» وأنا أشاهد صفاً للتمارين الرياضية. في ذلك الوقت، أدركتُ أنني لم أسجّل خروجي وأنّ البرنامج التقط صورة للمدرّبة التي كانت تعطي الصفّ من غرفة المعيشة في منزلها.
ورغم أنّ هذا الأمر لم يكن إلّا مجرّد اختبار، شعرتُ بالكثير من الإحراج والاختراق لأنّ الأمر يتجاوز فكرة ضبطي وأنا أتمرّن في منتصف النهار. هنا تساءلتُ: ماذا إذا كشفت اللقطات الأخرى معلومات صحية أو مالية حسّاسة عنّي؟
أثقُ ببوي - وينغ ولكنّ أنظمة المراقبة لا تحتوي على الكثير من ضوابط الحماية من الانتهاك، وغالباً ما تُستخدم من قبل مديرين يصدرون الأحكام ويمارسون الضغوطات.
> بوي - وينغ: لم أشاهد صفّ الرياضة الذي حضره آدم عبر الإنترنت. فبعد الاطلاع على المقاييس التي يعتمدها «هاب ستاف»، تبيّن لي أنّه لا يسجّل عمل آدم أثناء كتابة التقارير والتواصل مع المصادر، مما يعني أنّ البرنامج غير دقيق أو أنّه على الأقلّ لا يفهم طريقة عملنا.
وهل حدّثتكم عن النفور الذي شعرتُ به بعد مراقبة الكثير من المعلومات التي تتعلّق بشخص معيّن؟ ولهذا السبب لم أسجّل دخولي في البرنامج مرّة أخرى. من وقت إلى آخر، كنتُ أطلع على الرسائل الإلكترونية اليومية التي يرسلها «هاب ستاف» عن آدم، وقد أظهرت أنّ إنتاجيته سجّلت 30 في المائة، وأنّها أحياناً كانت تصل إلى 50 في المائة. وضحكتُ عندما لاحظتُ أنّه بدأ يمضي وقتاً أطول على المواقع الإخبارية بالتزامن مع التغيرات التي طرأت على سلوكه.
> آدم: في النهاية، وجدتُ نفسي أحاول تضليل نظام «هاب ستاف». فأثناء كتابتي لهذا المقال عند الساعة الحادية عشرة وثمانية وثلاثين دقيقة في صباح الرابع والعشرين من أبريل (نيسان)، كنتُ أتحضّر لتناول كوب قهوة وإمضاء الوقت مع أولادي. ولكنني كنتُ في الوقت نفسه أخطّط لترك برنامج «غوغل دوك» مفتوحاً على الكومبيوتر ليلتقط «هاب ستاف» صورة تجعلني أبدو وكأنني أعمل.
- خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

صحتك وفقاً للباحثين من «مركز تشارلز بيركنز» بجامعة سيدني يتميّز هذا الجزيء بقدرته العالية على الالتصاق ببروتينات «النتوء» الموجودة على سطح فيروسات كورونا (بيكسلز)

دراسة: اضطرابات «كورونا» أسهمت في ارتفاع حالات الوفاة بين مرضى السرطان

أعرب خبراء الصحة في الولايات المتحدة عن مخاوفهم، خلال السنوات الأولى لجائحة فيروس كورونا (كوفيد-19)، من أن الاضطرابات بتشخيص وعلاج السرطان تسببت في الوفاة.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
صحتك امرأة مسنة ترتدي كمامة تسير في أحد شوارع بكين (إ.ب.أ)

ما العلاقة بين «كوفيد-19» ومرض ألزهايمر؟

كشفت بعض التقارير عن أن فيروس «كوفيد-19» يزيد من خطر الإصابة بمرض ألزهايمر، خاصةً لدى الأشخاص الذين يعانون من عدوى شديدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك سجَّلت بريطانيا أحد أعلى معدلات الوفيات المرتبطة بجائحة «كورونا» في أوروبا إذ حصد «كوفيد-19» أرواح نحو 226 ألف شخص (رويترز)

كيف يبدو مستقبل «كوفيد-19» في 2026؟

يتوقع خبراء استمرار «كوفيد-19» في 2026، مع هيمنة متحوِّرات «أوميكرون» وأعراض مألوفة، محذِّرين من التهاون.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك فيروس «كورونا» تسبب في وفيات بالملايين حول العالم (رويترز)

دراسة مصرية تثبت قدرة أدوية الالتهاب الكبدي على الحد من وفيات «كوفيد - 19»

كشفت دراسة طبية مصرية عن نجاح دواء يستخدم في علاج مرضى فيروس (التهاب الكبدي الوبائي سي) في الحد من مضاعفات الإصابة بفيروس «كوفيد - 19» المعروف بـ«كورونا»

نصري عصمت (لندن)

لماذا أثار تطبيق صيني للذكاء الاصطناعي ذعراً في هوليوود؟

شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)
شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)
TT

لماذا أثار تطبيق صيني للذكاء الاصطناعي ذعراً في هوليوود؟

شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)
شعار شركة «بايت دانس» المالكة لتطبيق «تيك توك» وأعلام الصين والولايات المتحدة (رويترز)

أحدث نموذج جديد للذكاء الاصطناعي، طوّرته «بايت دانس» الشركة الصينية المطورة لتطبيق «تيك توك»، ضجةً في هوليوود هذا الأسبوع، ليس فقط بسبب قدراته، بل لما قد يُحدثه من تغيير في الصناعات الإبداعية.

ووفقاً لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، يستطيع تطبيق «سيدانس» إنتاج فيديوهات بجودة سينمائية، مع مؤثرات صوتية وحوارات، بمجرد إدخال بعض النصوص.

وكانت انتشرت على نطاق واسع مقاطع فيديو يُزعم أنها صُنعت باستخدام «سيدانس»، وتضم شخصيات شهيرة مثل «سبايدرمان» و«ديبول».

وسارعت استوديوهات كبرى مثل «ديزني» و«باراماونت» إلى اتهام «بايت دانس» بانتهاك حقوق الملكية الفكرية، لكن المخاوف بشأن هذه التقنية تتجاوز المسائل القانونية.

شعار شركة «بايت دانس» الصينية للتكنولوجيا (رويترز)

ما هو «سيدانس»؟ ولماذا كل هذه الضجة؟

أُطلق «سيدانس» في يونيو (حزيران) 2025 دون ضجة كبيرة، لكن النسخة الثانية التي صدرت بعد ثمانية أشهر هي التي أثارت ضجة كبيرة.

يقول يان ويليم بلوم، من استوديو «فيديو ستيت» الإبداعي: ​​«للمرة الأولى، لا أظن أن هذا يبدو جيداً للذكاء الاصطناعي، بل أظن أنه من عملية إنتاج حقيقية».

ويضيف أن نماذج الفيديو الغربية التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي قد أحرزت تقدماً في معالجة تعليمات المستخدم لإنتاج صور مذهلة، لكن يبدو أن «سيدانس» قد جمع كل شيء معاً.

ومثل أدوات الذكاء الاصطناعي الأخرى يستطيع «سيدانس» إنشاء مقاطع فيديو من نصوص قصيرة، وفي بعض الحالات يبدو أن مجرد إدخال نص واحد ينتج مقاطع فيديو عالية الجودة.

وتقول مارغريت ميتشل، الباحثة في أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، إن الأمر مثير للإعجاب بشكل خاص؛ لأنه يجمع بين النص والصورة والصوت في نظام واحد.

ويُقاس تأثير «سيدانس» بمعيار غير متوقع: مدى جودة إنتاجه لمقطع فيديو لويل سميث وهو يأكل معكرونة، حيث لا يقتصر دور «سيدانس» على ابتكار نسخة واقعية بشكل مذهل للنجم وهو يتناول طبقاً من المعكرونة، بل أنتج أيضاً مقاطع فيديو انتشرت كالنار في الهشيم لسميث وهو يقاتل وحشاً من المعكرونة، ويبدو كل ذلك وكأنه فيلم ضخم الإنتاج.

ويعتقد العديد من خبراء الصناعة وصنّاع الأفلام أن «سيدانس» يمثل فصلاً جديداً في تطوير تقنية توليد الفيديو.

ويقول ديفيد كوك، مدير استوديو للرسوم المتحركة في سنغافورة، إن مشاهد الحركة المعقدة التي ينتجها تبدو أكثر واقعية من منافسيه، ويضيف: «يكاد المرء يشعر وكأنه يستعين بمدير تصوير أو مصور سينمائي متخصص في أفلام الحركة».

الوعد والتحدي

واجه «سيدانس» مشاكل تتعلق بحقوق النشر، وهو تحدٍّ متزايد في عصر الذكاء الاصطناعي، ويحذر الخبراء من أن شركات الذكاء الاصطناعي تُعطي الأولوية للتكنولوجيا على حساب البشر؛ إذ تُطوّر أدوات أكثر قوة وتستخدم البيانات دون مقابل.

واشتكت كبرى شركات هوليوود من استخدام شركة «سيدانس» شخصيات محمية بحقوق الطبع والنشر مثل «سبايدرمان» و«دارث فيدر».

وأصدرت «ديزني» و«باراماونت» خطابات إنذار تطالب «سيدانس» بالتوقف عن استخدام محتواهما، كما تُجري اليابان تحقيقاً مع «بايت دانس» بتهمة انتهاكات حقوق الطبع والنشر، بعد انتشار مقاطع فيديو بتقنية الذكاء الاصطناعي لشخصيات «أنمي» شهيرة.

وقالت «بايت دانس» إنها تتخذ خطوات لـ«تعزيز الضمانات الحالية».

ولفتت «بي بي سي» إلى أن هذا ليس حكراً على الشركة الصينية. ففي عام 2023، رفعت صحيفة «نيويورك تايمز» دعوى قضائية ضد شركتَي «أوبن إيه آي» و«مايكروسوفت»، مدعيةً أنهما استخدمتا مقالاتها دون إذن لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بهما. كما رفعت «ريديت» دعوى قضائية ضد شركة «بيربلكسيتي» العام الماضي، مدعيةً أن شركة الذكاء الاصطناعي قامت بجمع منشورات المستخدمين بشكل غير قانوني. وأثارت «ديزني» مخاوف مماثلة مع «غوغل».

وتقول ميتشل إنّ وضع علامات واضحة على المحتوى لمنع التضليل وبناء ثقة الجمهور في الذكاء الاصطناعي أهم بكثير من مقاطع الفيديو «الأكثر جاذبية».

وتضيف أنّه لهذا السبب يجب على المطورين بناء أنظمة لإدارة التراخيص والمدفوعات، وتوفير آليات واضحة للأفراد للاعتراض على إساءة الاستخدام. فعلى سبيل المثال، وقّعت «ديزني» صفقة بقيمة مليار دولار (730 مليون جنيه إسترليني) مع برنامج «سورا» من «أوبن إيه آي» ليتمكن من استخدام شخصيات من أفلامها.

ويقول شانان كوهني، الباحث في مجال الحوسبة بجامعة ملبورن، إنّ مطوري «سيدانس» كانوا على الأرجح على دراية بمشاكل حقوق النشر المحتملة المتعلقة باستخدام الملكية الفكرية الغربية، ومع ذلك خاطروا.

ويضيف: «هناك مجال واسع لتجاوز القواعد استراتيجياً، وتجاهلها لفترة من الوقت، واكتساب نفوذ تسويقي».

وفي الوقت نفسه، بالنسبة للشركات الصغيرة، يُعدّ «سيدانس» أداة بالغة الأهمية لا يمكن تجاهلها.

«بايت دانس»... الشركة الأم لـ«تيك توك» (أ.ف.ب)

ويقول كوك إن الذكاء الاصطناعي بهذه الجودة سيمكّن شركات مثل شركته من إنتاج أفلام كانت تكلفتها تفوق بكثير إمكاناتها الحالية.

وأعطى مثالاً بازدهار مقاطع الفيديو القصيرة والمسلسلات الدرامية القصيرة في آسيا، والتي تُنتج عادةً بميزانيات متواضعة - نحو 140 ألف دولار أميركي لما يصل إلى 80 حلقة، لا تتجاوز مدة كل منها دقيقتين.

وقد اقتصرت هذه الإنتاجات على الأعمال الرومانسية أو الدراما العائلية لخفض التكاليف؛ نظراً لقلة حاجتها إلى المؤثرات البصرية، لكن الذكاء الاصطناعي الآن قادر على «الارتقاء بالإنتاجات منخفضة الميزانية إلى أنواع أكثر طموحاً مثل الخيال العلمي، والدراما التاريخية، والآن الحركة».


البيت الأبيض: أميركا ترفض «بشكل قاطع» حوكمة الذكاء الاصطناعي

مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
TT

البيت الأبيض: أميركا ترفض «بشكل قاطع» حوكمة الذكاء الاصطناعي

مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)
مدير مكتب سياسات العلوم والتكنولوجيا بالبيت الأبيض مايكل كراتسيوس يحضر جلسة خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (إ.ب.أ)

صرَّح مستشار البيت الأبيض لشؤون التكنولوجيا مايكل كراتسيوس، الجمعة، بأن الولايات المتحدة ترفض «رفضاً قاطعاً» الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي.

وجاءت تصريحات كراتسيوس، رئيس وفد بلاده إلى «مؤتمر الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي، قبل بيان مرتقب للقادة يحدِّد رؤيةً مشتركةً لكيفية التعامل مع هذه التقنية المثيرة للجدل.

وقال في القمة التي تختتم أعمالها الجمعة: «كما صرَّحت إدارة (الرئيس الأميركي دونالد) ترمب مراراً: نرفض رفضاً قاطعاً الحوكمة العالمية للذكاء الاصطناعي».

وأضاف: «لا يمكن لاعتماد الذكاء الاصطناعي أن يُفضي إلى مستقبل أفضل إذا كان خاضعاً للبيروقراطية والسيطرة المركزية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قد صرَّح، صباح الجمعة، بأن لجنة خبراء جديدة شكَّلتها المنظمة الدولية تسعى إلى «جعل التحكم البشري واقعاً تقنياً».

وأعلن غوتيريش تشكيل المجموعة الاستشارية في أغسطس (آب)، والتي تسعى إلى أن تكون على غرار الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيّر المناخ في مجال الاحتباس الحراري، وقد تمّ تأكيد أعضائها الأربعين.

و«مؤتمر الذكاء الاصطناعي» رابع تجمع دولي سنوي يُركّز على المخاطر والفرص التي تُتيحها قوة الحوسبة المتقدمة.

سوندار بيتشاي الرئيس التنفيذي لشركة «غوغل» يتحدث خلال قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في نيودلهي يوم 20 فبراير 2026 (أ.ب)

وفي النسخة التي عُقدت العام الماضي في باريس، حذَّر نائب الرئيس الأميركي، جي دي فانس، من «الإفراط في التنظيم» الذي «قد يقضي على قطاع قادر على إحداث تحوّل».

وفي نيودلهي، قال كراتسيوس: «إن النقاش الدولي حول الذكاء الاصطناعي قد تطوّر، كما تؤكده هذه القمة نفسها»، مُشيراً إلى تغيير اسم الاجتماع من «أمان الذكاء الاصطناعي» (AI Safety) إلى «تأثير الذكاء الاصطناعي» (AI Impact).

وأضاف: «هذا تطور إيجابي دون شك... لكن كثيراً من المنتديات الدولية، مثل الحوار العالمي للأمم المتحدة حول حوكمة الذكاء الاصطناعي، لا تزال تتسم بأجواء من الخوف».

وأضاف كراتسيوس: «علينا أن نستبدل الأمل بهذا الخوف»، مؤكداً أن الذكاء الاصطناعي قادر على «الارتقاء بمستوى معيشة البشرية وتحقيق ازدهار غير مسبوق».

ورأى أن «الهوس الآيديولوجي وتركيز الاهتمام على المخاطر، مثل قضايا المناخ أو العدالة، يتحوَّل إلى مُبرِّر للبيروقراطية وزيادة المركزية».

وتابع: «باسم الأمن، تزيد هذه الهواجس من خطر استخدام هذه الأدوات لأغراض استبدادية».

وقال كراتسيوس: «إن تركيز سياسة الذكاء الاصطناعي على الأمن والمخاطر التخمينية... يُعيق بيئة تنافسية، ويُرسخ هيمنة الشركات القائمة، ويعزل الدول النامية عن المشارَكة الكاملة في اقتصاد الذكاء الاصطناعي».


غوتيريش: لجنة أممية تسعى لضمان «تحكم بشري» في الذكاء الاصطناعي

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

غوتيريش: لجنة أممية تسعى لضمان «تحكم بشري» في الذكاء الاصطناعي

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي خطاباً خلال قمة تأثير الذكاء الاصطناعي في نيودلهي بالهند يوم 19 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

دعا الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، الجمعة، إلى «تقليل التهويل والخوف» بشأن الذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى تشكيل لجنة خبراء دولية جديدة تسعى إلى «جعل التحكم البشري واقعاً تقنياً».

وأوضح غوتيريش أن الجمعية العامة للأمم المتحدة صادقت على تعيين 40 عضواً في هذه المجموعة، التي أُطلق عليها «الفريق العلمي الدولي المستقل المعني بالذكاء الاصطناعي».

وقال خلال القمة حول الذكاء الاصطناعي في نيودلهي إن «الحوكمة القائمة على العلم لا تُعوق التقدم»، بل يمكن أن تجعله «أكثر أماناً وعدلاً وانتشاراً».

وأضاف: «الرسالة واضحة: تقليل التهويل والخوف، وزيادة الحقائق والأدلة»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

أُنشئت هذه الهيئة الاستشارية في أغسطس (آب) الماضي، وهي تسعى لأن تكون مرجعاً في مجال الذكاء الاصطناعي، على غرار الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ في مجال الاحتباس الحراري.

ومن المتوقع أن تنشر تقريرها الأول بالتزامن مع انعقاد الحوار العالمي للأمم المتحدة حول حوكمة الذكاء الاصطناعي في يوليو (تموز).

وتهدف الهيئة إلى مساعدة الحكومات في وضع قواعد للذكاء الاصطناعي، في ظل ما تُثيره هذه التقنية السريعة التطور من مخاوف عالمية بشأن فقدان وظائف والمعلومات المضللة والإساءة عبر الإنترنت، وغيرها من المشكلات.

وقال غوتيريش إن «ابتكارات الذكاء الاصطناعي تتطور بسرعة فائقة، تتجاوز قدرتنا الجماعية على فهمها بشكل كامل، فضلاً عن إدارتها». وأضاف: «إننا نندفع نحو المجهول». وتابع: «عندما نفهم ما تستطيع الأنظمة فعله وما لا تستطيع، سنتمكن من الانتقال من التدابير التقريبية إلى ضوابط أكثر ذكاءً قائمة على تقييم المخاطر».

وقدّم غوتيريش هذا الشهر قائمة بأسماء خبراء اقترحهم للانضمام إلى لجنة الأمم المتحدة المعنية بالذكاء الاصطناعي، ومن بينهم الصحافية الحائزة جائزة «نوبل للسلام» ماريا ريسا من الفلبين، والرائد في مجال الذكاء الاصطناعي الكندي يوشوا بنغيو.

وقال: «هدفنا جعل التحكم البشري حقيقة تقنية، لا مجرد شعار». وأكد أن ذلك «يتطلب مساءلة واضحة، بحيث لا يُعهد بالمسؤولية أبداً إلى خوارزمية».

ومن المتوقع أن يُصدر العشرات من قادة العالم والوزراء في وقت لاحق الجمعة بياناً يحدد ملامح التعامل العالمي مع الذكاء الاصطناعي، وذلك في ختام قمة استمرت خمسة أيام، وتركزت أعمالها على هذه التكنولوجيا.