الكتابة... في مواجهة الانتحار

مبدعون يستعيدون اللحظة الحرجة عبر أعمالهم وتجاربهم

الكتابة... في مواجهة الانتحار
TT

الكتابة... في مواجهة الانتحار

الكتابة... في مواجهة الانتحار

ماذا يفعل المبدع حين ينخفض سقف الحياة، ويصل إلى حافة لحظة حرجة يتفاقم فيها الإحساس باللاجدوى، ويصبح كل شيء على شفا الانتحار؟ في هذا التحقيق يتحدث كتاب وشعراء عن تجربتهم مع تلك اللحظة الحرجة، وكيف واجهوها بالكتابة حتى أصبحت طوقاً للخلاص والنجاة لهم من هذه المحنة.

سيد الوكيل (روائي مصري): تطهير من الحزن
كان لوفاة أبي أثره النفسي السيئ عليّ، خاصة أني عشت معه تفاصيل مرضه قبل الموت، وقضيت معه أربعين يوماً في المستشفى، أتابع حالته الصحية، وأراه كل يوم وهو في حالة سيئة، وتأثرت بما يعانيه. بعد وفاته، أصبت بحالة اكتئاب، وتصورت أن الكتابة قد تطهرني من الحزن والوجع، وأنها قد تخلصني من إحساس بذنب على خطأ قد أكون اقترفته يوماً في حق أبي وأمي. وبالفعل، كتبت رواية «الحالة دايت» التي صدرت في عام 2012.
في الرواية، قدمت رؤيتي عن الموت، وحملتها بقدر كبير من البوح، إذ يعد الفصل الأول منها كتابة ذاتية، وكنت أتصور أن الكتابة عن وجعي قد تطهرني، لكن اكتشفت أن العكس صحيح، فالكتابة تثبت الشعور الداخلي، وتقويه في ذات المبدع، لأنها تجعلني أعيش التجربة مرة أخرى بكل تفاصيلها، وعند العودة مرة أخرى لما كتبته بعد مرور وقت، وقراءة ما كتبته، يداهمني الإحساس ذاته الذي كنت فيه ساعة الكتابة بكل وجعه وتفاصيله.

نورا ناجي (روائية مصرية): بديل للانتحار
بدايتي مع الكتابة كان السبب فيها رغبتي في الهرب من التفكير في الانتحار؛ كنت مصابة باكتئاب ما بعد الولادة، وأعيش في بلد غريب بعيد، لا أتحدث لغته ولا أعرف شوارعه، وحيدة جداً ومحبطة. وفي لحظة كنت جالسة على مقعد خشبي في حديقة، وخلفي جبل ضخم بدا وكأنه جاثم على صدري، قررت أن أكتب، فكتبت رواية «الجدار» في عام 2014.
في العام التالي، انفصلت عن والد ابنتي، وعدت إلى مصر مع طفلة صغيرة؛ كنت مرتبكة غير متوازنة. ويبدو أن نشر الرواية في عام 2016 أنقذني من هذا التخبط؛ شعرت بأنني قمت بإنجاز ما، وبدا وكأني تطهرت نفسياً من كل إحباطاتي وفشلي، لكن الاكتئاب لم يختفِ، كان يعود في نوبات قاسية؛ كتبت من قبل أنني كدت أقفز من شرفة البيت، ولم يمنعني سوى حبال الغسيل الممتدة، وخوفي من أن تعيقني عن السقوط، وفي اللحظة نفسها وقفت طفلتي خلفي تغني لي وتخبرني أنها تحبني، بكيت كثيراً جداً وقررت الذهاب للطبيب النفسي.
تمارين الكتابة مع الطبيب جعلتني أعود مرة أخرى لنسج رواية، فكتبت «بنات الباشا» التي نشرت في 2018. والحقيقة أنها كانت حزينة جداً، لكن في الوقت نفسه أسدت لي من جديد خدمة التطهير النفسي، والتخلص من المخاوف والإحباطات. الكتابة تنقذني في كل مرة أشعر فيها أنني فرغت من الحياة أو استسلمت، الكتابة تمنحني طاقة للعودة والمحاربة من جديد؛ يعني الكتابة تحييني من دون أي مبالغة.

موسى حوامدة (شاعر فلسطيني): الهروب من مسلسل {كورونا}
بسبب ظروف الحجر في مصر، وعدم قدرتي على السفر بعد إغلاق كل شيء، شعرت بالاختناق والضيق، وبات لا مناص من السجن الاختياري أو الإجباري لا فرق، بت لا أميز بين الليل والنهار. نعم، سبق أن سُجنت أكثر من مرة، وعشت مرارة الحبس الانفرادي، لكن ذلك حدث في وقت سابق، كان الجسد والروح ربما أقوى على التحمل، أما الآن لن أقول أني فكرت بالانتحار، لكني وصلت إلى حافة الكآبة، خاصة أنه لم يكن أمامي سوى متابعة الأخبار عبر التلفزيون التي تعزف كلها على الوتر نفسه للمرض والموت، فحفظت المذيعين والمحللين، وإحصائيات انتشار المرض، وأعداد الموتى، وكدت أجن، لدرجة وصلت معها إلى اليأس وفقدان الأمل.
وفي هذه الأثناء، تذكرت الكتابة، لكني شاعر، والشعر لا يحل الأزمة، فالقصيدة تأتي مرة واحدة وتنتهي، فذهبت لإعادة النظر فيما كنت كتبته من سيرتي الذاتية منذ سنوات بعيدة، وكنت أركن ذلك لقادم الأيام، قلت لعل نجاتي هنا في إعادة النظر ليس فيما كتبت، بل فيما لم أكتب، وبدأت بالفعل منذ أيام أكتب مقدمة للسيرة، فصارت المقدمة مادة جديدة لا بد أن تتصدر الكتاب، أو لعلها تأخذ منحى آخر. فعلاً، الكتابة أنقذتني من الجنون والهم والغم، ومن متابعة مسلسل كورونا، فالكتابة هي قارب نجاة من المرض النفسي أو الكآبة، وحتى الانتحار، ولولاها لانفجرت غيظاً.

سونيا بو ماد (روائية لبنانية): رحمة من السماء
في لحظات انعدام الثقة في الواقع والناس، لن تشغلنا النتيجة التي باعتقادنا لن تكون بأسوأ الاحتمالات من واقعنا على الأرض، لهذا نفكر في وقت ما بالانتحار مطمئنين أرواحنا بأننا أصحاب القرار الأخير حين تكون الحياة أشدّ قسوة مما نستطيع تحمله، وتلوح صرخة واحدة في أذهاننا: «سأجعلكم تندمون وتبكون وتحاسبون أنفسكم على وجعي، وإن كان ثمن هذا حياتي». لقد كنتُ واحدة من هؤلاء الأشخاص، حيث راودتني هذه المشاعر، لكني لم أستطع أن أكون أشدّ قسوة من الأرض وأهلها.
في عيادة الطب النفسي أحاول أن أشبه الأرض وأهلها، وأن أعاملهم بالمثل دون أن أموت، أحاول أن أتقن الكذب والتملق والتمثيل والقسوة، إن نجحت في ذلك سيبقى باب النهاية موصداً حتى إشعار آخر أقرره بنفسي، وإن لم أنجح حينها سيضاف اسم آخر إلى جانب فرجينا ولف وداليدا وآخرون كثُر ماتوا بصمت. لكني إلى الآن لم أنسَ رحمة السماء التي أعطتني بيدي الثانية مفتاحاً آخر، إنها الكتابة التي تراقص روحي وذاتي وكينونتي، أفتح بها باب السعادة والأمل، باب الرسائل في روايات قصيرة وطويلة، ومسرح، وروايات، وخواطر، وقصص أطفال لنبدأ بالإصلاح قبل ابتداء المشكلات.
أدخلتني الكتابة إلى عالم الطمأنينة الذي يختبئ بالقرب من باب النهاية، ما زلت أبكي بعد نهاية كل رواية، أبكي كي لا أعود إلى الواقع، إلى عالم يحكمني ولا أحكمه، ألملم شجاعتي وأبدأ بالكتابة من جديد، أبحث في دائرة أكبر وأوسع عن أناس تشبهني، تجد ما تبحث عنه في كتاباتي. أكتب عن القاتل وأحاكمه، أحتضن الزانية وأمنحها السلام، أقبض على السارق وأعطيه تلك الحلوى التي سرقها أول مرة ليتذوّقها.

أحمد إبراهيم الشريف (روائي مصري): وقود الكتابة
الكتابة ابنة الشعور، وليدة الحزن أو الفرح، كما أن الألم جزء أساسي منها لأنه يختصر معنى العالم في لحظة واحدة، وكم مرة كنت شاهداً على ألم قاسٍ وفقد موجع؛ رأيت أماً تفقد ابنها الوحيد وتقف لا تعرف ماذا تصنع في هذه الحياة الضنينة، وكتبت ذلك؛ هذا الألم هو وقود الكتابة.
في روايتي «طريق الحلفا»، اقتربت من حافة الموت، وهي ليست فكرة فلسفية فقط، لكن لها أصلاً في الواقع. كنت طفلاً صغيراً أسبح في النيل تحت الماء، وعندما طفوت برأسي كان مركب شراعي كبير قد اقترب مني، كاد يصطدم برأسي، وذلك يعني النهاية. وقتها، لم أشعر بالفزع، لقد استسلمت وانفتحت روحي على اتساعها من الرحابة، وانتظرت أن يلامسني قاع المركب الخشبي الثقيل، وفجأة جذبني أحدهم من ذراعي وأبعدني فارتعبت. ظل هذا الإحساس يسكنني، ولم يفارقني أبداً، لذا فإنني في رواية «طريق الحلفا» كتبت فصلاً بعنوان «مديح الموت»، كتبته بكل المشاعر التي في داخلي، بمعرفتي الكاملة أن ألم الموت ليس من نصيب الميت، لكنه من نصيب أحبابه.

عزة حسين (شاعرة مصرية): حياة بديلة
«لا تكتب الشعر إلا إذا كنت تشعر أنك ستموت إذا لم تفعل»... أتوقف كثيراً أمام تلك الجملة، متسائلة هل كان ريلكة يدرك أنه يقترح على الشاعر الشاب الشعرَ كحياة بديلة، كنجاة، أو وصفة شفاء مجربة. أذكر أنني امتثلت لهذه النصيحة ضمنياً قبل خمسة عشر عاماً، لم أكن قد قرأت ريلكة، ولا التقيت أحداً من مريديه، ولم تكن مدارس التداوي بالفن والرقص والكتابة مطروحة كما هو الحال الآن، ولا أعرف كيف نبت الشعر خياراً منافساً للانتحار، وكيف صمد حتى اكتمل بين يدي ديواني الأول في قصيدة النثر «على كرسي هزاز» التي كانت وقتها خياراً فنياً جديداً بالنسبة للطالبة التي كنتها.
صدر لي من بعده ديوانان: «ما لم يذكره الرسام» و«من شرفة موازية لشريط قطار»، لكنني إلى وقت قريب كنت كلما اضطررت لمعاودة قراءته أو بعض قصائده، وتذكرت كيف كنت أفكر أو أشعر وقت كتابتها، أوقن أن بإمكان الشعر أن يجعلك تتأمل حياتك كناجٍ. المشكلة هي عندما تؤمن أنت بذلك، عندما تتأكد أن الشعر -الإبداع عموماً- هو نفسه الألم الذي لا معنى للحياة من دونه، كما يقول شوبنهاور، فلا تطيق وجودك في غيابه، خاصة إذا كنت من هؤلاء الذين لا يكتبون إلا إذا شعروا بأنهم سيموتون إن لم يفعلوا! للأسف الذين اقترحوا الكتابة بصفتها علاجاً لم يقترحوا علاجاً لحبسة الكتابة، حيث تنتظر من كل صفحة بيضاء أن تمنحك الأمل بنجاة جديدة.

عماد غزالي (شاعر مصري): الكتابة فعل مقدس
في تجربتي الخاصة مع الكتابة، اختبرت لحظات كثيرة جعلتني أعيد توصيف لحظة الألم، فهي أشبه بعملية جراحية يجريها الوعي المختبئ لذاته، نستخرج عبرها جمرة ملتهبة من الأعماق، كنا قبل الكتابة لا نعرف صفتها أو مكانها، نعرف فقط مقدار الألم ووقع تصاعده. وإذا شارفت الكتابة رحابة الإبداع، فإنها تتجاوز كونها بوحاً أو تطهراً أو تنفيساً عن نواتج المعاناة، لتصبح شكلاً من الخلق والفاعلية وإعادة تشكيل وعي الذات بنفسها وبالعالم، ولست أشك في أن كثيراً ممن بدأوا بالكتابة بصفتها بوحاً وعلاجاً للألم استطاعوا عبر المثابرة الوصول لمنطقة الإبداع، تلك التي لا تكتفي بالعبور من حال إلى حال، لكنها تنزع إلى الخلق والتبصر والرؤية الحقة. قد لا يحيط أي وصف بالمعنى الحقيقي للكتابة لأنها فعل مقدس وسر من الأسرار الكبرى، كالحياة والحلم والميلاد والموت.

شاكر عبد الحميد (أستاذ علم نفس الإبداع): تطهير الذات
الكتابة أحد أساليب مواجهة الألم وإخفاقات لحياة، وهي بديلة للانسحاب والانطواء والأمراض النفسية، وطريقة للعلاج، بصفتها وسيلة للوجود وتحقيق الذات، وممارستها تخفض الإحساس بالتوتر، والتجارب في هذا السياق تثبت أن لها آثاراً إيجابية كثيرة، نظراً لقدرتها على تطهير الذات من الوجع والألم، فالإبداع في عمومه منقذ من الهلاك والاكتئاب. أما مهاجمة الاكتئاب للمبدع مرة أخرى بعد انتهائه من الكتابة، فمسألة نسبية تختلف من شخص لآخر، فقد يشعر بعضهم بعد إنجاز مهمة الكتابة بفراغ وخواء يعيده إلى ما نطلق عليه اكتئاب ما بعد الكتابة، خاصة أنه فترة الكتابة كان محتشداً بالطاقة والأحلام، يكرس جهده وتفكيره في إنجاز مهمته الإبداعية، ثم بعد الانتهاء يشعر بعودته لنقطة البداية، وهناك آخرون يتخلصون من الاكتئاب تماماً بالكتابة حتى بعد الانتهاء منها.



أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025
TT

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

أفضل قصائد الشعر الأميركي لعام 2025

بعد أن انغمستُ في قراءة مجلدات «أفضل قصائد الشعر الأميركي» في وقت سابق من العام الجاري، تعهدت بألا أبدأ أبداً أياً من مقالاتي بالتساؤل عن معنى كلمة «الأفضل»، وهي كلمة أزعجت محرري تلك السلسلة أكثر بكثير من كلمتي «أميركي» أو «شعر». كنت أرغب في الابتعاد عن ذلك أيضاً، ما أسمته لويز غلوك «استبداد صناعة الذوق». أنا أكتب هذه القوائم لصحيفة «التايمز» منذ خمس سنوات الآن؛ وأنا على ثقة من أن قرائي يعرفون أن كل ما تعنيه كلمة «الأفضل» في عالم الفنون هو ما تحبه فئة بعينها من الناس.

قصيدة «إنقاذ» هيدجي تشوي

بعض القصائد التي أثَّرت فيَّ بشدة هذا العام تعكس قسوة معينة. خذ على سبيل المثال الأسطر الأولى من قصيدة تشوي «الهلع»: «أعلم أن الآخرين حقيقيون، لا تُذكرني بذلك». أنا نفسي نطقت عبارة «الآخرون حقيقيون»، لذا شعرت أنها بمنزلة مواجهة مباشرة معهم. وضحكت بصوت مرتفع مرات عدة في أثناء قراءة قصيدة «إنقاذ»، أول عمل لتشوي، وهو عمل مفعم بالحقد والسخرية القاسية -بل ربما هو أقرب إلى الوحشية!

ينمُّ صوت تشوي عن ثقة الشباب المتحدية، التي نحتاج جميعاً إلى التعرض لها. القصائد مسيئة بعض الشيء («ألا يمكن أن تكون، مثل مملكة السماء، فالصور/ للخاسرين والمختلين؟») بطريقة جذابة للغاية، مثل جدال يُغير رأيك بالفعل. «هل من المهم معرفة الحقائق؟»، تسأل قصيدة «مراحل»؛ «لأنني بدأت أعتقد/ ربما لا». لا يمكن للقصائد أن تؤذيني إلا قليلاً، ويمكن أن تبدو قسوتها حقيقية للغاية: «في النهاية/ أنا/ شخص جاد للغاية/ لكننا لم نصل إلى النهاية بعد».

«أعرف بعض الأشياء» لريتشارد سايكن

كان هذا كتاباً آخر منحني متعة شبه مازوخية. في خروج رسمي عن مجموعة سايكن بعنوان «صراع الثعالب» (2015)، ومجموعته الأولى المؤثرة بعنوان «انكسار» (2005)، تأتي هذه القصائد في صورة نثرية. كُتبت جميع القصائد الـ77 (والرقم تكريم، على ما أعتقد، لمؤلفة بيريمان «أغاني الحلم 77») بعد إصابة سايكن بالسكتة الدماغية وخلالها، وتُشكل في حد ذاتها سيرة ذاتية موجزة: «إنها نافذة صغيرة، تلك الفترة الزمنية التي نستطيع فيها أن نقول ما نعرفه».

هذا عمل قاسٍ، ومخيف أحياناً في تعامله مع الشيخوخة والموت -الحياة بوصفها ضرراً- والصراع من أجل استعادة الجسد والعقل والذات بعد الأزمة. كما يستجوب سايكن أيضاً مفهوم الذاتية بوصفها مشروعاً طويلاً، وطريقة للدفاع، وفعلاً من أفعال المخاتلة: «قلت كذبة وتحولت إلى حقيقة». تَظهر كلمة «يحدث» كعبارة مخفَّفة مخيفة؛ ما يحدث قد يحطم حياتك: «كان من الواضح أن شيئاً ما قد حدث ولن يتراجع» («الرصيف»). «أنا أنتظر أن يخبرني أن هذا لن يحدث مرة أخرى. إنه لا يقول ذلك» («خريطة حرارية»). «عليك أن تكون حذراً، فالأشياء ترغب أن تحدث» («غابة ديفون»).

قد يكون هذا الكتاب قاتماً، ولكنه ساحر أيضاً («تحت السرير الأرضية، ثم الأرض، ثم الجانب الآخر والنجوم. سقطت في كل الاتجاهات») ومضحك بطريقة غريبة -ضحكة من مقطع واحد في وجه الشيطان، يكتب قائلاً: «إذا كان في ذلك أي عزاء، فلن أسامحك أبداً».

قصيدة «رحمة الدم» لآي. إس. جونز

تُعيد هذه القصائد في هذا العمل الأول المثير للإعجاب، تفسير قصة قابيل وهابيل على أنهما أختان، وهي تتمتع بقوة الأسطورة المخيفة والعنيفة والموسيقية. «معظم الألم منعدم الفائدة»، كما تكتب جونز في القصيدة الافتتاحية، «لكنه أقدم أغنية للجسد». تشكل هذه القصائد سلسلة من التفاعل المستمر مع فكرة القوة -القوة التي نستسلم لها والقوة التي نطالب بها- وتجسد نوعاً من الفضاء الهجين الحقيقي والرمزي، والحاضر والأبديّ في آن واحد.

تكتب جونز في قصيدة «قابيل»: «كنتُ أسطورة ذات يوم، وأنا الآن فتاة». وفي قصيدة «حواء ليليث» تكتب: «يكسر/ السماء فوق جمجمتي ويُظلم العالم. أختي، يستمر الأمر هكذا/ .../ الأيام لا تُعدّ».

يتحقق تماسك مذهل بصفة جزئية من خلال تكرار رمزيات الدم والشفرات والماعز القربانية والشمس: «أنا الفأس التي تحلم بشق طريقها عبر حلق آدم». وفي قصيدة «تاريخ موجز للعالم حسب الماعز»، تكتب جونز: «يولد الماعز برؤية بانورامية ليرى الموت/ الماعز يخطط للحرب مثل أي حيوان آخر/ هذه قصيدة عن التعفن». وفي النهاية الرائعة لقصيدة «قطعة موسيقية حالمة»: «تجسيد حُلم معاناتي/ الشمس تجر جسدها مقطوعة الرأس عبر السماء كنصب تذكاري/ للحرب».

قصيدة «غزة: القصيدة قالت ما لديها» لناصر رباح

يعلق مترجمو كتاب «غزة»، الذي يضم مختارات من قصائد الشاعر الفلسطيني ناصر رباح، في خاتمة الكتاب على الصعوبات التي واجهتهم في نقل هذه القصائد إلى الإنجليزية الأميركية، التي تلعب دوراً في تمكين الكثير من التشويهات في طريقة تصوير فلسطين على الساحة العالمية. وسعى المترجمون إلى تجنب «الإفراط في الترجمة»، مُفسحين النطاق لقَدرٍ من الغرابة و«الغموض وحتى عدم الفهم». أدى ذلك إلى ظهور سطور تُسبب أحياناً ارتباكاً نحوياً، غير أن الاغتراب والغرابة أمران مألوفان في هذه المناطق السريالية الشبيهة بالأحلام، حيث يتصادم الرعب والدمار مع الجمال والموسيقى والجنس، وحيث تتعايش الروتينية اليومية والملل مع الجنون واللا معقول.

وفي حين أن الصوت قد لا يُترجم دائماً، فإن الصورة تُترجَم، وأعمال رباح مليئة بالصور التي لا تُنسى: «أنا لست جندياً، لكن/ في أثناء الحرب أرى نفسي شرفة معلَّقة في السماء/ بعد أن هدموا المبنى... أنا لست جندياً، لكنني أرى نفسي في أثناء الحرب أرتِّب/ مشهد الموت الأخير، لإرضاء الأحياء بموتي». في القصيدة الطويلة «ما لم أقله لنفسي»، يكتب رباح: «كن مملاً... كن توم هانكس وقل: يا إلهي! كل شيء رائع يا رفاق. كن أي شيء، فقط لوِّح لموتك الجميل في المرآة»، و«لمرة واحدة، كن برتقالياً يا بحر، وأنتِ يا سماء، أمطري لمرة واحدة في اتجاهك».

قصيدة «ابنة المينوتور» لإيفا لوكا

أحياناً بعد سطر أو سطرين فقط تعرف أن الشاعر يتحدث إليك -كما لو أن الحساسية تتبدى في أصغر الكلمات. كانت هذه تجربتي مع لوكا وقصيدة «ابنة المينوتور»، المترجَمة عن السلوفاكية بواسطة جيمس ساذرلاند-سميث. أحب هذه القصائد السحرية عن الأماكن الحدودية والمخلوقات الهجينة، والرجال-الوحوش والأسماك-الطيور والكائنات الحية-الميتة: «مكسوة-مكشوفة/ في فمها تبكي وتغني/ تعود إلى أسفل المنحدر/ إلى المنزل الذي ليس منزلاً»، تكتب لوكا في قصيدة «الأخت البرية». «لا ماشية على الأقدام ولا راكبة في عربة/ على كتفها بومة، في يدها/ تفاحة، في تفاحتها/ حب، في حبها/ سُمّ».

انجذبتُ بصورة خاصة إلى سلسلة القصائد المستوحاة من لوحات ليونورا كارينغتون، مثل «لوحة السيدة بارتردج الراحلة» (هذه المرأة تبدو كأنها تجسيد للبرق) و«دجاجة أختي غير الشقيقة»: «لكن الآن هو أوان التمرد. الدجاجة تكشر عن أنيابها/ .../ انتظري فقط، تقول الدجاجة/ يوماً ما ستقيَّدين في طوق، كما يحدث بين المالكين/ والمملوكين... يوماً ما سنتبادل الأدوار». هذا كتاب ينبض بظلامية حكايات القصص الخيالية القديمة.

قصيدة «نوبات غضب في الهواء» لإميلي سكيلينغز

بناءً على مجموعتها الثانية، «نوبات غضب في الهواء»، أرى أن سكيلينغز زميلة لي في محبة الفراغ -نحن الذين نحب أن نجمل الفراغ. عن «زهرة الجزرة، أو دانتيل الملكة آن»، تكتب سكيلينغز في إحدى قصائدها: «أحبها عندما تكون كبيرة/ وبيضاء مثل صحن خزفي/ النقطة في المنتصف/ إيماءة صغيرة للتركيز/ رشفة من الظلام، ثقب/ ينزلق فيه كل/ تطريز السماء».

تُذكرنا قصائد سكيلينغز بمدرسة «غورلسك» (مصطلح أرييل غرينبرغ للإشارة إلى «دمج النسوية للغريب والقاسي مع البراق والحالم»)، قصائد سكيلينغز تبدو أشبه ما تكون بمسرح عبثي في بيت دمى مسكون. فكرة استعارتها من إيلين مايلز -أن الشعراء ليسوا أذكياء، بل «شيء آخر»- تتكرر طوال القصائد في شكل إصرار على نوع من الذكاء الخارجي، سبيل سلبي: «نصف تفكير، نصف لا شيء».

القصيدة الأخيرة آسرة، بسطورها الطويلة لدرجة أنها مطبوعة بشكل أفقي: «أوه، لقد لاحظت الفئران، لا تهتم بها/... / بدأت أعتقد أنها توسِّع الفجوات بين الأشياء: الكلمات، الأيام/.../ هذه مجرد غرفة واحدة في مؤامرة واسعة من الفضاء».

* تشمل مجموعات إليسا غابرت الشعرية والقصصية، في الآونة الأخيرة، «المسافة الطبيعية»، و«أي شخص هو النفس الوحيدة». تُنشر مقالاتها في دورية «حول الشعر» أربع مرات في السنة.

* خدمة: «نيويورك تايمز»


شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»