الكتابة... في مواجهة الانتحار

مبدعون يستعيدون اللحظة الحرجة عبر أعمالهم وتجاربهم

الكتابة... في مواجهة الانتحار
TT

الكتابة... في مواجهة الانتحار

الكتابة... في مواجهة الانتحار

ماذا يفعل المبدع حين ينخفض سقف الحياة، ويصل إلى حافة لحظة حرجة يتفاقم فيها الإحساس باللاجدوى، ويصبح كل شيء على شفا الانتحار؟ في هذا التحقيق يتحدث كتاب وشعراء عن تجربتهم مع تلك اللحظة الحرجة، وكيف واجهوها بالكتابة حتى أصبحت طوقاً للخلاص والنجاة لهم من هذه المحنة.

سيد الوكيل (روائي مصري): تطهير من الحزن
كان لوفاة أبي أثره النفسي السيئ عليّ، خاصة أني عشت معه تفاصيل مرضه قبل الموت، وقضيت معه أربعين يوماً في المستشفى، أتابع حالته الصحية، وأراه كل يوم وهو في حالة سيئة، وتأثرت بما يعانيه. بعد وفاته، أصبت بحالة اكتئاب، وتصورت أن الكتابة قد تطهرني من الحزن والوجع، وأنها قد تخلصني من إحساس بذنب على خطأ قد أكون اقترفته يوماً في حق أبي وأمي. وبالفعل، كتبت رواية «الحالة دايت» التي صدرت في عام 2012.
في الرواية، قدمت رؤيتي عن الموت، وحملتها بقدر كبير من البوح، إذ يعد الفصل الأول منها كتابة ذاتية، وكنت أتصور أن الكتابة عن وجعي قد تطهرني، لكن اكتشفت أن العكس صحيح، فالكتابة تثبت الشعور الداخلي، وتقويه في ذات المبدع، لأنها تجعلني أعيش التجربة مرة أخرى بكل تفاصيلها، وعند العودة مرة أخرى لما كتبته بعد مرور وقت، وقراءة ما كتبته، يداهمني الإحساس ذاته الذي كنت فيه ساعة الكتابة بكل وجعه وتفاصيله.

نورا ناجي (روائية مصرية): بديل للانتحار
بدايتي مع الكتابة كان السبب فيها رغبتي في الهرب من التفكير في الانتحار؛ كنت مصابة باكتئاب ما بعد الولادة، وأعيش في بلد غريب بعيد، لا أتحدث لغته ولا أعرف شوارعه، وحيدة جداً ومحبطة. وفي لحظة كنت جالسة على مقعد خشبي في حديقة، وخلفي جبل ضخم بدا وكأنه جاثم على صدري، قررت أن أكتب، فكتبت رواية «الجدار» في عام 2014.
في العام التالي، انفصلت عن والد ابنتي، وعدت إلى مصر مع طفلة صغيرة؛ كنت مرتبكة غير متوازنة. ويبدو أن نشر الرواية في عام 2016 أنقذني من هذا التخبط؛ شعرت بأنني قمت بإنجاز ما، وبدا وكأني تطهرت نفسياً من كل إحباطاتي وفشلي، لكن الاكتئاب لم يختفِ، كان يعود في نوبات قاسية؛ كتبت من قبل أنني كدت أقفز من شرفة البيت، ولم يمنعني سوى حبال الغسيل الممتدة، وخوفي من أن تعيقني عن السقوط، وفي اللحظة نفسها وقفت طفلتي خلفي تغني لي وتخبرني أنها تحبني، بكيت كثيراً جداً وقررت الذهاب للطبيب النفسي.
تمارين الكتابة مع الطبيب جعلتني أعود مرة أخرى لنسج رواية، فكتبت «بنات الباشا» التي نشرت في 2018. والحقيقة أنها كانت حزينة جداً، لكن في الوقت نفسه أسدت لي من جديد خدمة التطهير النفسي، والتخلص من المخاوف والإحباطات. الكتابة تنقذني في كل مرة أشعر فيها أنني فرغت من الحياة أو استسلمت، الكتابة تمنحني طاقة للعودة والمحاربة من جديد؛ يعني الكتابة تحييني من دون أي مبالغة.

موسى حوامدة (شاعر فلسطيني): الهروب من مسلسل {كورونا}
بسبب ظروف الحجر في مصر، وعدم قدرتي على السفر بعد إغلاق كل شيء، شعرت بالاختناق والضيق، وبات لا مناص من السجن الاختياري أو الإجباري لا فرق، بت لا أميز بين الليل والنهار. نعم، سبق أن سُجنت أكثر من مرة، وعشت مرارة الحبس الانفرادي، لكن ذلك حدث في وقت سابق، كان الجسد والروح ربما أقوى على التحمل، أما الآن لن أقول أني فكرت بالانتحار، لكني وصلت إلى حافة الكآبة، خاصة أنه لم يكن أمامي سوى متابعة الأخبار عبر التلفزيون التي تعزف كلها على الوتر نفسه للمرض والموت، فحفظت المذيعين والمحللين، وإحصائيات انتشار المرض، وأعداد الموتى، وكدت أجن، لدرجة وصلت معها إلى اليأس وفقدان الأمل.
وفي هذه الأثناء، تذكرت الكتابة، لكني شاعر، والشعر لا يحل الأزمة، فالقصيدة تأتي مرة واحدة وتنتهي، فذهبت لإعادة النظر فيما كنت كتبته من سيرتي الذاتية منذ سنوات بعيدة، وكنت أركن ذلك لقادم الأيام، قلت لعل نجاتي هنا في إعادة النظر ليس فيما كتبت، بل فيما لم أكتب، وبدأت بالفعل منذ أيام أكتب مقدمة للسيرة، فصارت المقدمة مادة جديدة لا بد أن تتصدر الكتاب، أو لعلها تأخذ منحى آخر. فعلاً، الكتابة أنقذتني من الجنون والهم والغم، ومن متابعة مسلسل كورونا، فالكتابة هي قارب نجاة من المرض النفسي أو الكآبة، وحتى الانتحار، ولولاها لانفجرت غيظاً.

سونيا بو ماد (روائية لبنانية): رحمة من السماء
في لحظات انعدام الثقة في الواقع والناس، لن تشغلنا النتيجة التي باعتقادنا لن تكون بأسوأ الاحتمالات من واقعنا على الأرض، لهذا نفكر في وقت ما بالانتحار مطمئنين أرواحنا بأننا أصحاب القرار الأخير حين تكون الحياة أشدّ قسوة مما نستطيع تحمله، وتلوح صرخة واحدة في أذهاننا: «سأجعلكم تندمون وتبكون وتحاسبون أنفسكم على وجعي، وإن كان ثمن هذا حياتي». لقد كنتُ واحدة من هؤلاء الأشخاص، حيث راودتني هذه المشاعر، لكني لم أستطع أن أكون أشدّ قسوة من الأرض وأهلها.
في عيادة الطب النفسي أحاول أن أشبه الأرض وأهلها، وأن أعاملهم بالمثل دون أن أموت، أحاول أن أتقن الكذب والتملق والتمثيل والقسوة، إن نجحت في ذلك سيبقى باب النهاية موصداً حتى إشعار آخر أقرره بنفسي، وإن لم أنجح حينها سيضاف اسم آخر إلى جانب فرجينا ولف وداليدا وآخرون كثُر ماتوا بصمت. لكني إلى الآن لم أنسَ رحمة السماء التي أعطتني بيدي الثانية مفتاحاً آخر، إنها الكتابة التي تراقص روحي وذاتي وكينونتي، أفتح بها باب السعادة والأمل، باب الرسائل في روايات قصيرة وطويلة، ومسرح، وروايات، وخواطر، وقصص أطفال لنبدأ بالإصلاح قبل ابتداء المشكلات.
أدخلتني الكتابة إلى عالم الطمأنينة الذي يختبئ بالقرب من باب النهاية، ما زلت أبكي بعد نهاية كل رواية، أبكي كي لا أعود إلى الواقع، إلى عالم يحكمني ولا أحكمه، ألملم شجاعتي وأبدأ بالكتابة من جديد، أبحث في دائرة أكبر وأوسع عن أناس تشبهني، تجد ما تبحث عنه في كتاباتي. أكتب عن القاتل وأحاكمه، أحتضن الزانية وأمنحها السلام، أقبض على السارق وأعطيه تلك الحلوى التي سرقها أول مرة ليتذوّقها.

أحمد إبراهيم الشريف (روائي مصري): وقود الكتابة
الكتابة ابنة الشعور، وليدة الحزن أو الفرح، كما أن الألم جزء أساسي منها لأنه يختصر معنى العالم في لحظة واحدة، وكم مرة كنت شاهداً على ألم قاسٍ وفقد موجع؛ رأيت أماً تفقد ابنها الوحيد وتقف لا تعرف ماذا تصنع في هذه الحياة الضنينة، وكتبت ذلك؛ هذا الألم هو وقود الكتابة.
في روايتي «طريق الحلفا»، اقتربت من حافة الموت، وهي ليست فكرة فلسفية فقط، لكن لها أصلاً في الواقع. كنت طفلاً صغيراً أسبح في النيل تحت الماء، وعندما طفوت برأسي كان مركب شراعي كبير قد اقترب مني، كاد يصطدم برأسي، وذلك يعني النهاية. وقتها، لم أشعر بالفزع، لقد استسلمت وانفتحت روحي على اتساعها من الرحابة، وانتظرت أن يلامسني قاع المركب الخشبي الثقيل، وفجأة جذبني أحدهم من ذراعي وأبعدني فارتعبت. ظل هذا الإحساس يسكنني، ولم يفارقني أبداً، لذا فإنني في رواية «طريق الحلفا» كتبت فصلاً بعنوان «مديح الموت»، كتبته بكل المشاعر التي في داخلي، بمعرفتي الكاملة أن ألم الموت ليس من نصيب الميت، لكنه من نصيب أحبابه.

عزة حسين (شاعرة مصرية): حياة بديلة
«لا تكتب الشعر إلا إذا كنت تشعر أنك ستموت إذا لم تفعل»... أتوقف كثيراً أمام تلك الجملة، متسائلة هل كان ريلكة يدرك أنه يقترح على الشاعر الشاب الشعرَ كحياة بديلة، كنجاة، أو وصفة شفاء مجربة. أذكر أنني امتثلت لهذه النصيحة ضمنياً قبل خمسة عشر عاماً، لم أكن قد قرأت ريلكة، ولا التقيت أحداً من مريديه، ولم تكن مدارس التداوي بالفن والرقص والكتابة مطروحة كما هو الحال الآن، ولا أعرف كيف نبت الشعر خياراً منافساً للانتحار، وكيف صمد حتى اكتمل بين يدي ديواني الأول في قصيدة النثر «على كرسي هزاز» التي كانت وقتها خياراً فنياً جديداً بالنسبة للطالبة التي كنتها.
صدر لي من بعده ديوانان: «ما لم يذكره الرسام» و«من شرفة موازية لشريط قطار»، لكنني إلى وقت قريب كنت كلما اضطررت لمعاودة قراءته أو بعض قصائده، وتذكرت كيف كنت أفكر أو أشعر وقت كتابتها، أوقن أن بإمكان الشعر أن يجعلك تتأمل حياتك كناجٍ. المشكلة هي عندما تؤمن أنت بذلك، عندما تتأكد أن الشعر -الإبداع عموماً- هو نفسه الألم الذي لا معنى للحياة من دونه، كما يقول شوبنهاور، فلا تطيق وجودك في غيابه، خاصة إذا كنت من هؤلاء الذين لا يكتبون إلا إذا شعروا بأنهم سيموتون إن لم يفعلوا! للأسف الذين اقترحوا الكتابة بصفتها علاجاً لم يقترحوا علاجاً لحبسة الكتابة، حيث تنتظر من كل صفحة بيضاء أن تمنحك الأمل بنجاة جديدة.

عماد غزالي (شاعر مصري): الكتابة فعل مقدس
في تجربتي الخاصة مع الكتابة، اختبرت لحظات كثيرة جعلتني أعيد توصيف لحظة الألم، فهي أشبه بعملية جراحية يجريها الوعي المختبئ لذاته، نستخرج عبرها جمرة ملتهبة من الأعماق، كنا قبل الكتابة لا نعرف صفتها أو مكانها، نعرف فقط مقدار الألم ووقع تصاعده. وإذا شارفت الكتابة رحابة الإبداع، فإنها تتجاوز كونها بوحاً أو تطهراً أو تنفيساً عن نواتج المعاناة، لتصبح شكلاً من الخلق والفاعلية وإعادة تشكيل وعي الذات بنفسها وبالعالم، ولست أشك في أن كثيراً ممن بدأوا بالكتابة بصفتها بوحاً وعلاجاً للألم استطاعوا عبر المثابرة الوصول لمنطقة الإبداع، تلك التي لا تكتفي بالعبور من حال إلى حال، لكنها تنزع إلى الخلق والتبصر والرؤية الحقة. قد لا يحيط أي وصف بالمعنى الحقيقي للكتابة لأنها فعل مقدس وسر من الأسرار الكبرى، كالحياة والحلم والميلاد والموت.

شاكر عبد الحميد (أستاذ علم نفس الإبداع): تطهير الذات
الكتابة أحد أساليب مواجهة الألم وإخفاقات لحياة، وهي بديلة للانسحاب والانطواء والأمراض النفسية، وطريقة للعلاج، بصفتها وسيلة للوجود وتحقيق الذات، وممارستها تخفض الإحساس بالتوتر، والتجارب في هذا السياق تثبت أن لها آثاراً إيجابية كثيرة، نظراً لقدرتها على تطهير الذات من الوجع والألم، فالإبداع في عمومه منقذ من الهلاك والاكتئاب. أما مهاجمة الاكتئاب للمبدع مرة أخرى بعد انتهائه من الكتابة، فمسألة نسبية تختلف من شخص لآخر، فقد يشعر بعضهم بعد إنجاز مهمة الكتابة بفراغ وخواء يعيده إلى ما نطلق عليه اكتئاب ما بعد الكتابة، خاصة أنه فترة الكتابة كان محتشداً بالطاقة والأحلام، يكرس جهده وتفكيره في إنجاز مهمته الإبداعية، ثم بعد الانتهاء يشعر بعودته لنقطة البداية، وهناك آخرون يتخلصون من الاكتئاب تماماً بالكتابة حتى بعد الانتهاء منها.



«الوحوش دخلت البيت»... الشعر مواجهاً الفوضى والجنون

«الوحوش دخلت البيت»... الشعر مواجهاً الفوضى والجنون
TT

«الوحوش دخلت البيت»... الشعر مواجهاً الفوضى والجنون

«الوحوش دخلت البيت»... الشعر مواجهاً الفوضى والجنون

في ديوانه الجديد «الوحوش دخلت البيت»، يبحث الشاعر المصري كريم عبد السلام عن مسار جديد لقصيدة النثر، يختلف عن المسار الذي سار فيه أبناء جيله من شعراء التسعينيات، الذين استغرقتهم مقولات اليومي والمعيش، والانغماس في الذات وهمومها الشخصية، والالتصاق بالجسد، حتى صارت هذه الموضوعات أقرب إلى وصفة جاهزة لكتابة قصيدة النثر، التي تأبى بطبيعتها الانحباس في قالب ثابت، ما أفقدها بحكم هذا التكرار وهذه الوصفة كثيراً من طزاجتها وتمردها. كما يخاصم كريم في هذا الديوان وصفة سوزان برنار في كتابها الذي شاع بين أبناء جيله أيضاً، حتى اتخذه معظمهم مرجعاً جمالياً وحيداً لهذه القصيدة، خاصة فيما يتعلق بطروحات الناقدة الفرنسية عن الكثافة والمجانية.

الديوان صادر عن دار «يسطرون» في القاهرة، وهو الثاني في تجربة يطلق عليها الشاعر عنوان «بالادات»، و«البالاد» فن شعبي أوروبي، يمزج بين الحكاية الشعبية والشعر والرقص والموسيقى، لينتج الـ«بالاد» من جماع هذه الفنون. من هنا، يتكئ الديوان في كل قصائده تقريباً على أنماط شتى من الفنون الشعبية، المحلية والعالمية، فضلاً عن اتكائه على عوالم الأساطير والخرافة، وإفادته من التاريخ، كما يفيد كثيراً من تقنيات السرد، ومن إمكانات فن السينما والسيناريو، وكذا الفنون التشكيلية، دامجاً كل هذه الروافد في عجينة واحدة، هي القصيدة، التي تأتي حاملة مدلولاً سياسياً أو فلسفياً أو حضارياً، وليست مجانية أو ذاتية، ولا تنكفئ على الجسد، بل إنها تعيد الاعتبار للقضايا الكبرى، كما تعيد للشاعر - وكذا قصيدته - مكانته بوصفه صاحب موقف من الوجود والعالم والتاريخ، وليس محض مشاهد عاجز، منكفئ على ذاته، ولا عدمياً غير مبالٍ بالعالم من حوله. عنوان «الوحوش دخلت البيت»، بوصفه العتبة الأولية لقراءة الديوان، وهو في الوقت نفسه عنوان قصيدة رئيسية فيه، يبدو حاملاً المفاتيح الدلالية لقصائد المتن، إذ تحيل مفردة «الوحوش» إلى عوالم الغابات والقتل والحيوانات المفترسة، تلك العوالم القديمة، حين كان الإنسان الأول يسكن الغابات والكهوف، حيث لا قوانين حاكمة سوى قانون الغابة والقوة والتوحش.

أما مفردة البيت، فتحيل إلى دلالات الحضارة والسكن والفردانية والهدوء، وبينهما يأتي الفعل «تدخل»، لكن الفعل هنا لا يشير إلى الاستضافة، بل إلى الاقتحام والانتهاك، فالوحوش الآتية من عوالم الغابة، تقتحم عالم البيت بحمولاته الحضارية، ورغم أن البيت يحافظ على سمته من حيث الشكل الخارجي، فإنه يصبح مسكوناً بالوحشية والافتراس وقوانينهما الغاشمة، المبنية على شريعة القوة والبطش والالتهام. هذه هي الحمولات الدلالية التي ينبئ بها عنوان الديوان، وتتأكد مع كل قصيدة فيه، ليكون بمثابة إدانة للحضارة الإنسانية الراهنة، التي تبدو برَّاقة من الخارج، لكنها في بنيتها العميقة لا تختلف كثيراً عن قوانين الغابة القديمة، التي لا تزال تسكن تحت جلد الإنسان المعاصر، وتدفعه للحرب والقنص والقتل، مثل سلفه الإنسان البدائي، بل ربما يبدو هذا الأخير أكثر وضوحاً، فهو لا يدعي الحضارة والتمدن مثل إنسان العصر الراهن. يقول في هذه القصيدة:

«الوحوش عادت من العمل

ساعدت الأطفال في واجباتهم المدرسية

وتناولت العشاء مع العائلة

ثم جلست أمام التليفزيون.

عشر دقائق

عشرون

جدران البيت وصلت إلى مشارف الغابة

والنهر قسّم الصالة نصفين

وبدأت التماسيح تطل برؤوسها على الضفتين

في انتظار الفرائس العطشانة»

يبدو دخول الوحوش للبيت دخولاً رهيفاً، لكنه أقرب إلى التسلل، ثم سرعان ما تتمدد الوحوش وعالمها داخل البيت وعالمه، تحتله، تحت سمع وبصر الذات الشاعرة التي تكتفي في البداية بموقف المراقب، لكنه في النهاية يجد عالمه قد تغير تماماً، حتى يكتسحه هو قانون الغاب، وتنتهي القصيدة وقد أصبحت البدائية مهيمنة على عالم البيت، وعلى الذات الشاعرة، التي تتحول هي الأخرى، ويعود إلى عوالم الكهف:

«ها أنا نائم في مخبئي أحلم بالغد ورحيق أنثى الهومو،

والليل يأتي بها مع سلة من الفاكهة ولحم الغزال والأسماك

المرأة تخمش جدران المخبأ، وتئن بصوت يخشى النجوم والوحوش الصيادة

ذات العيون الصفراء

المرأة في وكري إلى الأبد...

وعلي أن أخرج للقتل

وانتزاع الطعام»

في قصيدة «الزار من أجل الشريفة... الهواء تسلل وقبّل الباب المقدس»، يفيد الشاعر كثيراً من تقنيات السينما، وحركة الكاميرا، وتصوير الأجواء المحيطة بالحدث، فتبدو الذات الشاعرة مثل كاميرا تتجول وتسجل تفاصيل المكان والحالة، ثم سرعان ما تنتقل إلى سرد الحكاية، معتمدة على السرد البصري، وعلى موسيقى أقرب إلى موسيقى تصويرية، مع الإفادة الواضحة والتداخل مع فن «الزار»، وهو فن شعبي يعتمد كثيراً على خرافة إخراج الجن من الجسد، فيوظف إيقاعات موسيقى الزار، وما يقال فيه من توسُّلات بالصالحين لإخراج الجن العاشق، مع تناصٍ واضح بين حكاية الشريفة التي حملت من الهواء، دون أن يمسسها بشر، مع حكاية مريم العذراء في التراث الديني، ومع كثير من الحكايات المماثلة في الحكي الشعبي، يقول:

«الشباك كان مفتوحاً على الصيف

والشريفة تحلم

والقمر بدر

والنجوم شاهدة

الهواء تسلل من الشباك،

على صورة الغائب

والشريفة تحلم

قبل الباب المقدس

والشريفة تحلم

وتمادى..

والشريفة تحلم»

ينشغل الديوان كثيراً بشعرنة الحكايات الشعبية والتاريخ، بل شعرنة مفاهيم مجردة، مثل الموت، الذي يؤنسنه، ويخاطبه ويجادله، في قصيدة «المراقبون.. والموت المحترم»، وكذا شعرنة الزمن، الذي يصوره بشكل سوريالي ساخر في قصيدة «الزمن يشرب القهوة مع الشيشة»، فيجسده ويؤنسنه، لكن كإنسان كلي المعرفة، يجلس على المقهى ليخطط لمسيرة ومستقبل البشرية في ألف عام مقبلة، مع كثير من الشعور بالملل، فما سيحدث في الألفية المقبلة لا يختلف كثيراً عن الألفية المنقضية، ربما تختلف الأطراف ويتبدل الفاعلون، لكنها نفس المآسي والفواجع، من انقلابات وحروب وصراعات مسلحة على السلطة وأوبئة وأمراض وزلازل وبراكين، فالبشرية تعيد إنتاج نفسها، وكلما تقدمت قليلاً تنتكس، وتنقلب على ذاتها، لتعيد إنتاج عجلة الحضارة، التي تنطوي في عمقها على أسباب تفككها وسقوطها، مع إعادة إنتاج الجنون ذاته، والحماقة نفسها، يقول على لسان الزمن:

«من أجل تحقيق التارجت

لا بد من مختلين

من أجل توريد عدد القتلى المطلوب

لا بد من زعماء مجانين

كهنة مجانين

صيارفة مجانين

كتبة مجانين

خطوط إنتاج للمجانين

الثورة الصناعية للجنون».

وتتبدى شعرنة التاريخ في إعادة إنتاج وتشكيل قصص تراثية شهيرة، مثل صراع قبيلتي «طسم» و«جديس»، وأبطالها: عفيرة، والعمليق، والأسود بن عفار. قصة الظلم والإغارة والسبي، التي تبدو بعيدة للغاية زمنياً وحضارياً، لكنها تعاد في كل لحظة في أماكن متفرقة من العالم الآن، لكن بأبطال مختلفين. كما ينزع الشاعر إلى إعادة شعرنة قصة «إيزادورا»، الفتاة المصرية رائعة الجمال، التي عاشت في القرن الثاني قبل الميلاد في عصر الإمبراطور هادريان، وراحت ضحية حبها للشاب «حابي» أحد عامة الشعب، وانتحرت بإلقاء نفسها في النيل، بعد رفض والدها الثري حبها لأحد العوام، وصارت نموذجاً يعاد إنتاجه بشكل دائم في كثير من قصص الحب التي تنتهي نهايات مأساوية، بدافع من تقسيمات طبقية.

.


النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة
TT

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

النقد المسرحي بين التجهم الزائف ومتعة المشاهدة

منذ اللحظة الأولى في كتابه «كلام في المسرح» الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، ضمن سلسلة «كتابات نقدية»، يحدد المؤلف يسري حسان بوضوح شديد أنه ضد التجهم الزائف، والمصطلحات العويصة التي يشهرها بعض النقاد في وجه القارئ باعتبارها دليلاً على العمق.

وعبر فصول الكتاب التي تتناول 39 عملاً مسرحياً مصرياً، عُرضت في الفترة بين عامي 2023 و2024، تحضر متعة النقد المسرحي عبر اللغة البسيطة التي تخاطب القارئ غير المتخصص، ولكنها لا تتنازل عن الرؤية المتعمقة، والقدرة البارعة على النفاذ إلى سر العمل، والغوص في جميع مفرداته.

لا يقدم المخرج محمد زكي في عرضه المسرحي «الأرتيست» سيرة ذاتية للفنانة الكوميدية الراحلة زينات صدقي، وأغلب الظن أن طموح العرض كان أبعد من ذلك بكثير، وما زينات صدقي هنا إلا وسيلة للتعبير عن كفاح الفنانة العربية في العموم، وتضحياتها من أجل فنها في وسط محافظ، كان إلى وقت قريب وربما لا يزال ينظر إليها باعتبارها خارجة على الأعراف، ويرى في اشتغالها بالفن عاراً، وكم من عائلات قاطعت بناتها اللاتي عملن في الفن، وتبرأت منهن.

كانت زينات واحدة من هؤلاء، ولعل استعادة سيرتها هنا تؤشر إلى أن نظرة المجتمع للمرأة العاملة بالفن لا تزال لدى بعضهم تحمل تلك الرواسب القديمة التي تجعلهم متحفظين تجاهها، ساخرين من أن تلجأ لهذا العمل حتى وإن أبدوا إعجابهم به ظاهرياً.

إذن فالعرض في رسالته المضمرة يسعى إلى الانتصار للمرأة الفنانة، وبيان ما تعانيه من آلام نفسية، وما تدفعه من أثمان غالية نتيجة نظرة المجتمع إليها، ولذلك لم ينشغل بسرد السيرة الذاتية لزينات صدقي بقدر ما أجرى عملية انتقاء لبعض الملامح الدالة التي تؤكد على جمال الرسالة الفنية، وعمق الألم الذي يتحمله صاحبه في سبيل توصيلها.

ويلفت حسان إلى أنه من الملاحظ -في مصر على الأقل- أنه لم يسبق لمخرج مسرحي اللجوء إلى الدمى في معالجته مسرحية لرواية «البؤساء» الشهيرة للشاعر الفرنسي الشهير فيكتور هوغو «1802-1885»، لكن محمود جراتسي غامر وفعلها، حيث قدم العمل مازجاً بين الدمى والعنصر البشري بشكل تغلب عليه الكوميديا السوداء في بعض المشاهد، تاركاً خلفه كل المعالجات السابقة لهذا النص، والتي جاءت في غالبها متشابهة حد التطابق.

من يقرأ رواية البؤساء التي تعد واحدة من أشهر روايات القرن التاسع عشر -سواء في ترجماتها الكاملة أو المختصرة-، ويطالع الجحيم البشري الذي يصوره هوغو، والمتمثل في الجهل، والبؤس، والقوانين التي لا تعرف المرونة، أو لا تضع الرحمة فوق العدل، فقد لا ترد إلى ذهنه فكرة تقديمها مسرحياً بطابع تغلب عليه الكوميديا.

ورغم أن العرض كسر أفق التوقع لدى كل من يعرف الرواية الشهيرة بطابعها المأساوي، فقد نجح المخرج في تقديم صياغته المشهدية بشكل جيد، ومتماسك، وحافظ على الرؤية الكلية للنص الأصلي من دون أن ينزلق إلى الاستغراق في الكوميديا، أو يعممها على المشاهد كافة، وهي على أي حال كوميديا سوداء تجلب الضحك والأسى في آنٍ واحد.

في المقابل أثقل المخرج مارك صفوت على نفسه كثيراً، إذ لم يكتفِ بتقديم عرض مسرحي عن إحدى روايات الكاتب التشيكي فرانز كافكا المشهور بالطابع التشاؤمي المعقد لأعماله، ولكنه قدم عرضه «التحول» مأخوذاً عن نص كتبه محمود محمد سيد مزج فيه بين روايتي «المسخ» و«المحاكمة»، وبين حياة كافكا ذاته.

وما زاد من صعوبة التجربة أن العرض قدمته «فرقة ثقافة أبنوب» التابعة لوزارة الثقافة، وأبنوب مدينة تتبع محافظة أسيوط في جنوب مصر، وتكمن الصعوبة هنا في كيفية العثور على 20 ممثلاً وممثلة هم عدد شخصيات العرض ينهضون بعبء تجربة نوعية، ومركبة كهذه في عمق الأقاليم البعيدة، والنائية بجنوب البلاد.

يبدأ العرض بساتر مفتوح على منظر واحد ثابت، في يمين المسرح غرفة بطل كافكا غريغور سامسا، ويؤدي دوره مصطفى غانم، الغرفة في مستوى مرتفع قليلاً، وفي المنتصف بهو البيت، وفي العمق عدة أبواب لحجرات، ومدخل البيت، وفي اليسار حجرة كافكا. تتغير وضعية المنظر بتحريك بعض القطع، أو بتحويل مائدة الطعام إلى سجن أثناء مشهد المحاكمة، أو نعش يُحمل فيه كافكا، أو قرينه، بحسب تصور كاتب النص غريغور سامسا.

عند دخول الجمهور إلى صالة العرض ينتشر عدد من الممثلين والممثلات في الصالة حاملين الشموع، ويقفون أو يجلسون في وضع متجمد، وكأنهم مجرد تماثيل لا روح فيها، ثم مع بداية العرض يبدأون في التحرك. إنه مشهد مهيب وغامض يفتتح به المخرج عرضه الذي يمضي بعد ذلك مراوحاً بين عرض مأساة غريغور الذي تحول إلى حشرة هائلة، وضيق أهله به، وبين مأساة كافكا وعلاقته المتوترة بأبيه وتهيؤاته عن الأشباح التي تطارده، وكذلك ظهور المحققين اللذين يظهران له فجأة في إحالة إلى رواية «المحاكمة» ليدفعاه في النهاية إلى الاعتراف بجرائم لم يرتكبها، وغيرها من المواقف التي تتماس فيها الشخصيتان حتى تلتصقا معاً في أحد المشاهد باعتبارهما كياناً واحداً.


أمهات الأدیبات

أمهات الأدیبات
TT

أمهات الأدیبات

أمهات الأدیبات

حین ترد على الأذهان أسماء الأدیبات تتجه أفكارنا عادةً إلى الرجال - آباءً وأزواجاً وعشاقاً - الذین لعبوا أدواراً في حیاتهن. فنحن لا نفكر في سیمون دي بوفوار مثلاً إلا من حیث علاقتها بجان بول سارتر. وكذلك الشاعرة الأميركية سیلفیا بلاث ترتبط في الأذهان بزوجها الشاعر الإنجليزي تيد هیوز، والنهایة المأسوية لهذا الزواج حین تركها من أجل امرأة أخرى فانتحرت بلاث في شقتها بمدینة لندن بأن فتحت على نفسها محبس الغاز. لكننا قلما نفكر في الدور الذي تلعبه الأم في حیاة الأدیبة. وهذا هو موضوع كتاب عنوانه: «أمهات العقل: النساء المرموقات اللواتي شكلن فرجینیا وولف، وآغاثا كریستي، وسیلفیا بلاث» (Mothers of the Mind: The Remarkable Women who Shaped Virginia Woolf, Agatha Christie and Sylvia Plath).

الكتاب صادر عن «مطبعة التاریخ» في 2023 من تألیف راشیل ترثوي Rachel Trethwey، وهي صحافیة وكاتبة بريطانية، درست التاریخ بجامعة أوكسفورد، وحصلت على الدكتوراه في الأدب الإنجليزي، ولها خمسة كتب مؤلفة، أحدثها «بنات تشرتشل» (2021).

موضوع الكتاب غولیا ستيفن ولف (والدة فرجینیا وولف)، وكلارا میلر كریستي (والدة آجاثا كریستي)، وأوریلیا بلاث (والدة سیلفیا بلاث). فهو كتاب عن المیراث الأموي، وعن ثلاث أمهات قویات الشخصیة شكلن اتجاهات بناتهن إزاء الحیاة والأدب والنسویة، إن خیراً وإن شراً. إن الأمهات یحتللن هنا مركز المسرح بینما الأدیبات یلیهن في الأهمیة. كن أمهات مشبوبات العاطفة، معقدات الشخصیة، وأحیاناً ملآنات بالمتناقضات. طمحن جمیعاً إلى أن یغدون أدیبات. وكتاباتهن تلقي الضوء على كتابات بناتهن.

كانت الصلة الوثیقة بالأم حائلاً بین الأدیبات الثلاث وبین تكوین هویة منفصلة وشخصیة مستقلة. وقد ورثت ثلاثتهن عن أمهاتهن فرط الحساسیة وحدة المشاعر وسعة الخیال. وأضفى ذلك على كتابتهن فهماً لتعقیدات العلاقات الإنسانیة.

غدون بحاجة إلى الحمایة: وفي غیاب الأم لجأن إلى عشاق أو أزواج أو أصدقاء یملأون الفراغ.

هؤلاء الأمهات كُنَّ أول من أدرك عبقریة بناتهن. وقد بذلن كل ما في وسعهن من أجل تنمیة قدراتهن الأدبیة، وكن أول معلمات وقارئات وناقدات لكتاباتهن. وقد شجعهن على الانتقال من الهوایة إلى الاحتراف. وبدورهن كتبت الأدیبات عن أمهاتهن وذلك في صور أوتوبیوغرافیة أحیاناً وتخیلیة أحیاناً أخرى. ففى روایة فرجینیا وولف «صوب المنار»، على سبيل المثال، نجد أن شخصیة «مسز رامزي» مبنیة على شخصیة أم الكاتبة. وفى كتاب أغاثا كریستي المسمى «صورة شخصیة غیر مكتملة» نجد أن شخصیة میریام مبنیة على شخصیة أم الكاتبة. وشخصیة مسز جریتون في روایة سیلفیا بلاث «الناقوس الزجاجي» مبنیة على شخصیة الأم.

وفي الأسر التي جاءت منها هؤلاء الكاتبات كان الأب شكلیاً رأس الأسرة؛ لكن الواقع غیر ذلك. فقد كانت الأم هي الشخصیة المهیمنة والمحددة لنمط الحیاة والمؤثرة في تربیة الأبناء.

وكان لكل من الأمهات الثلاث قدم في الأدب. فجولیا ستيفن ولف كتبت قصصاً للأطفال ومقالات وكتاباً عن فن التمریض.

وكلارا میلر كریستي كتبت قصائد وقصصاً قصیرة. وأوریلیا بلاث كتبت قصائد وأطروحة أكادیمیة ومقدمة لكتاب ابنتها المعنون «رسائل إلى البیت» وهو یضم رسائل الابنة إلیها.

وكتابات هؤلاء الأمهات تساعدنا على فهم مواهب بناتهن. فما كان مجرد بذرة في جیلهن أثمر نباتاً في جیل البنات.

ونحن نرى آثاراً إیجابیة للحب غیر المشروط بین الأمهات والبنات، كما نرى العواقب السلبیة للرغبة في التملك والاستحواذ على عواطف الطرف الآخر. ومن الجدير بالذكر هنا أن فرجینیا وولف ذكرت أن أمها ظلت تطارد خیالها حتى بعد مرور ثلاثة عقود على رحیلها عن الدنیا إذ كانت فرجینیا ترى أن أمها على صواب دائماً.

وأكثر اللحظات غموضاً فى حیاة كریستي كانت اختفاءها عن الأنظار عام 1926 حیث لم یعرف أحد لها مكاناً. وقد عزا هذا إلى تحطم زواجها. ولكن الحقیقة أن انهیارها العصبي في تلك الفترة كان راجعاً إلى حیرتها إزاء هذا السؤال:

من الأهم لصحتها العقلیة: زوجها أم أمها؟

وقد اشتهرت كریستي بروایاتها البولیسیة ولكنها كتبت أیضاً - تحت اسم قلمي مستعار هو ماري وستكوت - ست روایات عن الحیاة العائلیة. وكانت هذه الروايات بمثابة دراسات نفسیة معقدة تستكشف العلاقات بین أفراد الأسرة الواحدة.

إنها نافذة نطل منها على حیاة أغاثا الداخلیة وعلى تصورها للرابطة بین الأم والابنة.

وكانت علاقة سیلفیا بلاث بأمها - كعلاقتها بزوجها تيد هیوز - علاقة عاصفة. وقد انعكست هذه العلاقة على قصائد بلاث وروایتها الوحیدة ویومیاتها.

إن أشهر قصائد بلاث تدور حول أبیها. وفى قصیدتها المسماة «بابا» تصوره في صورة نازي وحشي. لكنها كتبت أیضاً قصائد عن أمها، مثل قصیدة «میدوزا»، وهي قصيدة صادمة تبین كم كانت هذه العلاقة سامة غیر صحیة.

إن كتاب راشیل ترثوي رحلة مرور من الاعتماد إلى الاستقلال، ومحاولة الانفصال عن الأم لتكوین هویة مستقلة، وهو یطرح هذا السؤال: إلى أي حد یفترض بالآباء والأمهات أن یتدخلوا في حیاة الأبناء؟ وإلى أي مدى یعرف كل طرف الآخر على حقیقته رغم الرابطة القویة ظاهریاً بینهما؟ لكن يبقى أهم ما یبینه الكتاب هو أن الحبل السري الذي یربطنا بأمهاتنا لا ینقطع قط، حتى بعد الموت.