الكتابة... في مواجهة الانتحار

مبدعون يستعيدون اللحظة الحرجة عبر أعمالهم وتجاربهم

الكتابة... في مواجهة الانتحار
TT

الكتابة... في مواجهة الانتحار

الكتابة... في مواجهة الانتحار

ماذا يفعل المبدع حين ينخفض سقف الحياة، ويصل إلى حافة لحظة حرجة يتفاقم فيها الإحساس باللاجدوى، ويصبح كل شيء على شفا الانتحار؟ في هذا التحقيق يتحدث كتاب وشعراء عن تجربتهم مع تلك اللحظة الحرجة، وكيف واجهوها بالكتابة حتى أصبحت طوقاً للخلاص والنجاة لهم من هذه المحنة.

سيد الوكيل (روائي مصري): تطهير من الحزن
كان لوفاة أبي أثره النفسي السيئ عليّ، خاصة أني عشت معه تفاصيل مرضه قبل الموت، وقضيت معه أربعين يوماً في المستشفى، أتابع حالته الصحية، وأراه كل يوم وهو في حالة سيئة، وتأثرت بما يعانيه. بعد وفاته، أصبت بحالة اكتئاب، وتصورت أن الكتابة قد تطهرني من الحزن والوجع، وأنها قد تخلصني من إحساس بذنب على خطأ قد أكون اقترفته يوماً في حق أبي وأمي. وبالفعل، كتبت رواية «الحالة دايت» التي صدرت في عام 2012.
في الرواية، قدمت رؤيتي عن الموت، وحملتها بقدر كبير من البوح، إذ يعد الفصل الأول منها كتابة ذاتية، وكنت أتصور أن الكتابة عن وجعي قد تطهرني، لكن اكتشفت أن العكس صحيح، فالكتابة تثبت الشعور الداخلي، وتقويه في ذات المبدع، لأنها تجعلني أعيش التجربة مرة أخرى بكل تفاصيلها، وعند العودة مرة أخرى لما كتبته بعد مرور وقت، وقراءة ما كتبته، يداهمني الإحساس ذاته الذي كنت فيه ساعة الكتابة بكل وجعه وتفاصيله.

نورا ناجي (روائية مصرية): بديل للانتحار
بدايتي مع الكتابة كان السبب فيها رغبتي في الهرب من التفكير في الانتحار؛ كنت مصابة باكتئاب ما بعد الولادة، وأعيش في بلد غريب بعيد، لا أتحدث لغته ولا أعرف شوارعه، وحيدة جداً ومحبطة. وفي لحظة كنت جالسة على مقعد خشبي في حديقة، وخلفي جبل ضخم بدا وكأنه جاثم على صدري، قررت أن أكتب، فكتبت رواية «الجدار» في عام 2014.
في العام التالي، انفصلت عن والد ابنتي، وعدت إلى مصر مع طفلة صغيرة؛ كنت مرتبكة غير متوازنة. ويبدو أن نشر الرواية في عام 2016 أنقذني من هذا التخبط؛ شعرت بأنني قمت بإنجاز ما، وبدا وكأني تطهرت نفسياً من كل إحباطاتي وفشلي، لكن الاكتئاب لم يختفِ، كان يعود في نوبات قاسية؛ كتبت من قبل أنني كدت أقفز من شرفة البيت، ولم يمنعني سوى حبال الغسيل الممتدة، وخوفي من أن تعيقني عن السقوط، وفي اللحظة نفسها وقفت طفلتي خلفي تغني لي وتخبرني أنها تحبني، بكيت كثيراً جداً وقررت الذهاب للطبيب النفسي.
تمارين الكتابة مع الطبيب جعلتني أعود مرة أخرى لنسج رواية، فكتبت «بنات الباشا» التي نشرت في 2018. والحقيقة أنها كانت حزينة جداً، لكن في الوقت نفسه أسدت لي من جديد خدمة التطهير النفسي، والتخلص من المخاوف والإحباطات. الكتابة تنقذني في كل مرة أشعر فيها أنني فرغت من الحياة أو استسلمت، الكتابة تمنحني طاقة للعودة والمحاربة من جديد؛ يعني الكتابة تحييني من دون أي مبالغة.

موسى حوامدة (شاعر فلسطيني): الهروب من مسلسل {كورونا}
بسبب ظروف الحجر في مصر، وعدم قدرتي على السفر بعد إغلاق كل شيء، شعرت بالاختناق والضيق، وبات لا مناص من السجن الاختياري أو الإجباري لا فرق، بت لا أميز بين الليل والنهار. نعم، سبق أن سُجنت أكثر من مرة، وعشت مرارة الحبس الانفرادي، لكن ذلك حدث في وقت سابق، كان الجسد والروح ربما أقوى على التحمل، أما الآن لن أقول أني فكرت بالانتحار، لكني وصلت إلى حافة الكآبة، خاصة أنه لم يكن أمامي سوى متابعة الأخبار عبر التلفزيون التي تعزف كلها على الوتر نفسه للمرض والموت، فحفظت المذيعين والمحللين، وإحصائيات انتشار المرض، وأعداد الموتى، وكدت أجن، لدرجة وصلت معها إلى اليأس وفقدان الأمل.
وفي هذه الأثناء، تذكرت الكتابة، لكني شاعر، والشعر لا يحل الأزمة، فالقصيدة تأتي مرة واحدة وتنتهي، فذهبت لإعادة النظر فيما كنت كتبته من سيرتي الذاتية منذ سنوات بعيدة، وكنت أركن ذلك لقادم الأيام، قلت لعل نجاتي هنا في إعادة النظر ليس فيما كتبت، بل فيما لم أكتب، وبدأت بالفعل منذ أيام أكتب مقدمة للسيرة، فصارت المقدمة مادة جديدة لا بد أن تتصدر الكتاب، أو لعلها تأخذ منحى آخر. فعلاً، الكتابة أنقذتني من الجنون والهم والغم، ومن متابعة مسلسل كورونا، فالكتابة هي قارب نجاة من المرض النفسي أو الكآبة، وحتى الانتحار، ولولاها لانفجرت غيظاً.

سونيا بو ماد (روائية لبنانية): رحمة من السماء
في لحظات انعدام الثقة في الواقع والناس، لن تشغلنا النتيجة التي باعتقادنا لن تكون بأسوأ الاحتمالات من واقعنا على الأرض، لهذا نفكر في وقت ما بالانتحار مطمئنين أرواحنا بأننا أصحاب القرار الأخير حين تكون الحياة أشدّ قسوة مما نستطيع تحمله، وتلوح صرخة واحدة في أذهاننا: «سأجعلكم تندمون وتبكون وتحاسبون أنفسكم على وجعي، وإن كان ثمن هذا حياتي». لقد كنتُ واحدة من هؤلاء الأشخاص، حيث راودتني هذه المشاعر، لكني لم أستطع أن أكون أشدّ قسوة من الأرض وأهلها.
في عيادة الطب النفسي أحاول أن أشبه الأرض وأهلها، وأن أعاملهم بالمثل دون أن أموت، أحاول أن أتقن الكذب والتملق والتمثيل والقسوة، إن نجحت في ذلك سيبقى باب النهاية موصداً حتى إشعار آخر أقرره بنفسي، وإن لم أنجح حينها سيضاف اسم آخر إلى جانب فرجينا ولف وداليدا وآخرون كثُر ماتوا بصمت. لكني إلى الآن لم أنسَ رحمة السماء التي أعطتني بيدي الثانية مفتاحاً آخر، إنها الكتابة التي تراقص روحي وذاتي وكينونتي، أفتح بها باب السعادة والأمل، باب الرسائل في روايات قصيرة وطويلة، ومسرح، وروايات، وخواطر، وقصص أطفال لنبدأ بالإصلاح قبل ابتداء المشكلات.
أدخلتني الكتابة إلى عالم الطمأنينة الذي يختبئ بالقرب من باب النهاية، ما زلت أبكي بعد نهاية كل رواية، أبكي كي لا أعود إلى الواقع، إلى عالم يحكمني ولا أحكمه، ألملم شجاعتي وأبدأ بالكتابة من جديد، أبحث في دائرة أكبر وأوسع عن أناس تشبهني، تجد ما تبحث عنه في كتاباتي. أكتب عن القاتل وأحاكمه، أحتضن الزانية وأمنحها السلام، أقبض على السارق وأعطيه تلك الحلوى التي سرقها أول مرة ليتذوّقها.

أحمد إبراهيم الشريف (روائي مصري): وقود الكتابة
الكتابة ابنة الشعور، وليدة الحزن أو الفرح، كما أن الألم جزء أساسي منها لأنه يختصر معنى العالم في لحظة واحدة، وكم مرة كنت شاهداً على ألم قاسٍ وفقد موجع؛ رأيت أماً تفقد ابنها الوحيد وتقف لا تعرف ماذا تصنع في هذه الحياة الضنينة، وكتبت ذلك؛ هذا الألم هو وقود الكتابة.
في روايتي «طريق الحلفا»، اقتربت من حافة الموت، وهي ليست فكرة فلسفية فقط، لكن لها أصلاً في الواقع. كنت طفلاً صغيراً أسبح في النيل تحت الماء، وعندما طفوت برأسي كان مركب شراعي كبير قد اقترب مني، كاد يصطدم برأسي، وذلك يعني النهاية. وقتها، لم أشعر بالفزع، لقد استسلمت وانفتحت روحي على اتساعها من الرحابة، وانتظرت أن يلامسني قاع المركب الخشبي الثقيل، وفجأة جذبني أحدهم من ذراعي وأبعدني فارتعبت. ظل هذا الإحساس يسكنني، ولم يفارقني أبداً، لذا فإنني في رواية «طريق الحلفا» كتبت فصلاً بعنوان «مديح الموت»، كتبته بكل المشاعر التي في داخلي، بمعرفتي الكاملة أن ألم الموت ليس من نصيب الميت، لكنه من نصيب أحبابه.

عزة حسين (شاعرة مصرية): حياة بديلة
«لا تكتب الشعر إلا إذا كنت تشعر أنك ستموت إذا لم تفعل»... أتوقف كثيراً أمام تلك الجملة، متسائلة هل كان ريلكة يدرك أنه يقترح على الشاعر الشاب الشعرَ كحياة بديلة، كنجاة، أو وصفة شفاء مجربة. أذكر أنني امتثلت لهذه النصيحة ضمنياً قبل خمسة عشر عاماً، لم أكن قد قرأت ريلكة، ولا التقيت أحداً من مريديه، ولم تكن مدارس التداوي بالفن والرقص والكتابة مطروحة كما هو الحال الآن، ولا أعرف كيف نبت الشعر خياراً منافساً للانتحار، وكيف صمد حتى اكتمل بين يدي ديواني الأول في قصيدة النثر «على كرسي هزاز» التي كانت وقتها خياراً فنياً جديداً بالنسبة للطالبة التي كنتها.
صدر لي من بعده ديوانان: «ما لم يذكره الرسام» و«من شرفة موازية لشريط قطار»، لكنني إلى وقت قريب كنت كلما اضطررت لمعاودة قراءته أو بعض قصائده، وتذكرت كيف كنت أفكر أو أشعر وقت كتابتها، أوقن أن بإمكان الشعر أن يجعلك تتأمل حياتك كناجٍ. المشكلة هي عندما تؤمن أنت بذلك، عندما تتأكد أن الشعر -الإبداع عموماً- هو نفسه الألم الذي لا معنى للحياة من دونه، كما يقول شوبنهاور، فلا تطيق وجودك في غيابه، خاصة إذا كنت من هؤلاء الذين لا يكتبون إلا إذا شعروا بأنهم سيموتون إن لم يفعلوا! للأسف الذين اقترحوا الكتابة بصفتها علاجاً لم يقترحوا علاجاً لحبسة الكتابة، حيث تنتظر من كل صفحة بيضاء أن تمنحك الأمل بنجاة جديدة.

عماد غزالي (شاعر مصري): الكتابة فعل مقدس
في تجربتي الخاصة مع الكتابة، اختبرت لحظات كثيرة جعلتني أعيد توصيف لحظة الألم، فهي أشبه بعملية جراحية يجريها الوعي المختبئ لذاته، نستخرج عبرها جمرة ملتهبة من الأعماق، كنا قبل الكتابة لا نعرف صفتها أو مكانها، نعرف فقط مقدار الألم ووقع تصاعده. وإذا شارفت الكتابة رحابة الإبداع، فإنها تتجاوز كونها بوحاً أو تطهراً أو تنفيساً عن نواتج المعاناة، لتصبح شكلاً من الخلق والفاعلية وإعادة تشكيل وعي الذات بنفسها وبالعالم، ولست أشك في أن كثيراً ممن بدأوا بالكتابة بصفتها بوحاً وعلاجاً للألم استطاعوا عبر المثابرة الوصول لمنطقة الإبداع، تلك التي لا تكتفي بالعبور من حال إلى حال، لكنها تنزع إلى الخلق والتبصر والرؤية الحقة. قد لا يحيط أي وصف بالمعنى الحقيقي للكتابة لأنها فعل مقدس وسر من الأسرار الكبرى، كالحياة والحلم والميلاد والموت.

شاكر عبد الحميد (أستاذ علم نفس الإبداع): تطهير الذات
الكتابة أحد أساليب مواجهة الألم وإخفاقات لحياة، وهي بديلة للانسحاب والانطواء والأمراض النفسية، وطريقة للعلاج، بصفتها وسيلة للوجود وتحقيق الذات، وممارستها تخفض الإحساس بالتوتر، والتجارب في هذا السياق تثبت أن لها آثاراً إيجابية كثيرة، نظراً لقدرتها على تطهير الذات من الوجع والألم، فالإبداع في عمومه منقذ من الهلاك والاكتئاب. أما مهاجمة الاكتئاب للمبدع مرة أخرى بعد انتهائه من الكتابة، فمسألة نسبية تختلف من شخص لآخر، فقد يشعر بعضهم بعد إنجاز مهمة الكتابة بفراغ وخواء يعيده إلى ما نطلق عليه اكتئاب ما بعد الكتابة، خاصة أنه فترة الكتابة كان محتشداً بالطاقة والأحلام، يكرس جهده وتفكيره في إنجاز مهمته الإبداعية، ثم بعد الانتهاء يشعر بعودته لنقطة البداية، وهناك آخرون يتخلصون من الاكتئاب تماماً بالكتابة حتى بعد الانتهاء منها.



حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول
TT

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول

تمتد تجربة الكاتب المصري حجاج أدول في عمق التاريخ والجغرافيا معاً، فهو مسكون بميراث الحكايات الخرافية وأجواء الفانتازيا العابرة للثقافات والحدود عربياً وعالمياً، كما أن جذوره نوبية عبر أقصى جنوب البلاد حيث الخصوصية الثقافية المدهشة، في حين أن نشأته كانت بمدينة الإسكندرية، أقصى الشمال، على ساحل البحر المتوسط.

كتب القصة القصيرة والرواية والمسرحية والمقال عبر لغة سردية مختلفة وشخصيات تلعب في المنطقة الوسطى بين الواقع والخيال، وهو ما انعكس على العديد من مؤلفاته، من أبرزها «ثلاث برتقالات مملوكية»، و«جبل الصعاليك»، و«سيرة المملوك عنطزة»، و«هضبة المساخيط»، و«بولاق الفرنساوي». كما يحظى فن السينما باهتمام خاص لديه.

هنا حوار معه:

سبع سنوات من القتال الشرس عشتها ما بين نهاية الستينات وبدايات السبعينات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب > تعود في أحدث رواياتك «الطاووس الباكي والقرد اللاطم» إلى ولعك القديم بأجواء الفانتازيا وعالم القصص الخرافية الشهيرة في التراث العربي والعالمي... ما سر هذا الولع؟

- الإبداع الأدبي ملكة متعددة الأنواع، ما بين شعر ومسرح وقصة ورواية، وكل منها له تفريعات، وبعض التفريعات لها تفريعات، وكل جيل يبتكر الجديد ويضيفه على ما قد سبق. والأديب المبدع يولد بفطرته الخاصة، وأنا مدفوع في أغلب رواياتي على حب الفانتازيا، أي الحكي العجائبي.

والحكي عموماً، بالنسبة إليّ على الأقل، فطرة وجدت نفسي فيها، فقمت بتحقيقها مستمتعاً بها تماماً، ومن ثم، فأنا موقن بأن القارئ سيستمتع أيضاً، لأنه وجد روائياً فطرته الحكي.

والحقيقة أنني أحب الحكي، وأجد أنه ألذ بند في فن الرواية، ولا أتفق مع من يقدمون بنوداً فنية روائية أخرى عليه. أحب أن أسرح مع نفسي وأكتب ما يجذب صديقي القارئ ليسرح معي ونقفز معاً في مياه بحر ممتد الأفق، نسبح سباحة رائقة شائقة مثيرة، ونجد أسماكاً متنوعة من الفكر فنتفكر معاً في هدوء.

> ينتمي العمل إلى الرواية القصيرة «النوفيلا» الذي ينطوي على تحديات فنية قد لا توجد في النص الطويل المسهب... كيف تتحدد مساحة العمل لديك؟

- لا أختار النوع سواء أكان رواية أم قصة أم مسرحاً، فالعكس هو الصحيح والتجربة تختار قالبها، أي أن النوع هو من يأتي ليقول لي اكتبني كما أتيت لك. والرواية عندي تأتيني من عقلي الوجداني بصيغتها الخاصة وتقول لي، على سبيل المثال، أنا نوفيلا، فلا أستطيع أنا بعقلي الواعي أن أشوهها لأجعلها ملحمة.

> من بين أعمالك العديدة، يبدو أن رواية «بولاق الفرنساوي» تحظى بمكانة خاصة لديك... هل السبب يعود إلى أنك تستعيد عبرها مساحة ما من سيرتك الذاتية كمقاتل خاض حرب أكتوبر 1973؟ وما الذي تبقى من تلك التجربة إنسانياً وأدبياً؟

- لحظة القتال المحتدم ليست كغيرها من اللحظات، هي لحظة قاتل أم مقتول، سليم أم مصاب. غريزة الحياة تدفع المقاتل للحرص على حياته فيجبن أحياناً، لكن واجبه الوطني أو الديني أو غيرهما يدفعانه لتخطي الجبن ليكون شجاعاً؟ لحظات رهيبة. لذا سبع سنوات من القتال الشرس التي عشتها ما بين نهاية الستينيات وبدايات السبعينيات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب، سنوات مجيدة وموجعة معاً.

كنت أنتوي كتابة ملحمة عن سنوات القتال، لكن ظروف قاسية حالت دون ذلك، فكتبت قصصاً ثم رواية «بولاق الفرنساوي»، وحالياً أكتب «ذكريات في دفتر العبور».

> كيف ترى مصطلح «أدب الحرب» عموماً وهل ينبغي أن يكون الكاتب المصنف ضمن تلك الدائرة خاض أهوال القتال بالفعل؟

- أي مصطلح أدبي يجب أن يجمع عدداً من التجارب والأعمال الأدبية ذات الخصوصية المشتركة. فنقول أدب البحر لنحتوي روايات وقصص البحر مثل رواية «موبي ديك» لهيرمان ميلفيل أو نقول أدب الصحراء ونأتي بنصوص إبراهيم الكوني.

وأدب الحرب يجتمع تحت جناحه كل سرد أساسه الحرب، والأمثلة عديدة منها «كل شيء هادئ في الميدان الغربي» لإريش ماريا ريماك. أما أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فليس بالضرورة، فتولستوي كتب «الحرب والسلام» لكنه لم يشارك في حرب روسيا ضد الغزو النابليوني، لكنه قرأ عنها وسمع، وتعمق في مشاعره تجاهها حتى صار وكأنه حارب فيها، لكن أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فهذا أفضل.

> ما بين جذورك النوبية في أقصى جنوب البلاد ونشأتك بالإسكندرية بأقصى الشمال، كيف تكونت ملامح الخصوصية السردية في تجربة حجاج أدول؟

- جمعت بين أقصى الجنوب النوبي وأقصى الشمال السكندري، فحين يقال حجاج، فأنا البحر الذي يحتوي الإسكندرية، بكل ما يحمله من معانٍ، وحين يقال أدّول فأنا النيل الذي تربطه علاقة خاصة بالنوبة. وفي كتاباتي يحضر النيل مثلما في روايتي «الكُشَر» ومجموعتي القصصية «ليالي المسك العتيقة»، كما يحضر البحر في روايتَيَّ «رحلة السندباد الأخيرة» و«رحلة العنقاء إلى بلاد التبر والألماظ».

> تمتلك علاقة شديدة الخصوصية والعمق بفن السينما الذي وضعت فيه العديد من المؤلفات... ما سر تلك العلاقة؟

- من صغري وأنا عاشق لفن السينما. الشاشة الفضية أفق ساحر ممتع ملهم، وكتبت كثيراً عن «أفلام الويستيرن»، وكيف أنها تكشف جانباً عميقاً من نفسية الشعب الأميركي. ثم واصلت التعمق فأظهرت أن شخصية «الكاوبوي» لم تنحصر في فترة الوصول الأولى للمهاجرين من أوروبا، بل شخصية الكاوبوي متوغلة فيهم حتى الآن، بدليل فيلم «ذئب وول ستريت» على سبيل المثال وبطله ليوناردو دي كابريو الذي يقوم بدور صاحب شركة لها منافسون يتسمون بالشراسة، فيحفز العاملين عنده للعمل العنفواني العاصف، فماذا فعل؟ ينفعل ويقلد الغوريلا الهائجة، فيضرب بيمناه على صدره بقوة ويصيح: هُو هُو هُو، فيقلده موظفوه في حماسة ويعوون مثل الذئاب. إنهم رغم حداثة زمنهم، يبدون كأنهم في حالة توحش. إنهم حالة الكاوبوي الحديث.

> لكن إعجابك بأفلام بعينها كثيراً ما تحول إلى مشاريع كتب كاملة؟

- نشرت كتاب «رائعة خلّي بالك من زوزو» عن الأحداث التي رافقت عرض الفيلم، إنتاج 1972 بطولة السندريلا سعاد حسني وحسين فهمي، والمعارضات الحادة التي واجهته، رغم أنه لا يزال حتى الآن، الفيلم الذي ضرب الرقم القياسي في البقاء معروضاً على شاشات السينما.

بينت في الكتاب عظمة سعاد حسني، وكيف أنها تماهت تماماً مع شخصية بطلة الفيلم «زوزو»، فكان هذا التماهي زيادة في تألقها، ثم انقلب ليكون من أسباب متاعبها النفسية، حين تسرب منها الشباب وبهتت الشهرة.


«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز
TT

«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز

بعض الكتب تحجز لنفسها مكانة خاصة في الذاكرة ليس لقيمتها فحسب، إنما لقصة تتفرد بها مع قارئها؛ قصص برونو شولتز المسماة بـ«دكاكين القرفة»، المدى، بغداد: 2026، أحد هذه الكتب المختلفة القادرة على أن تكون لها قصة مختلفة. كانت المدى، الدار الناشرة للقصص، قد روَّجت، بصورة أولية، للكتاب بتجنيسه بصفة الرواية، فيما كانت الكاتبة المصرية منصورة عز الدين تصرُّ بمقالين سابقين لها وبمحاورة مباشرة معها، أن الكتاب عبارة عن قصص. ثمّ وجدت أن الدار ذاتها قد صحَّحت نشرتها بوصف الكتاب بأنه «قصص». وهذا ما أكَّده المترجم نفسه، هاتف جنابي، برسالة جوابية وصلت إليّ منه، قال إن الكتاب: قصص، وهي كل تراث برونو شولتز القصصي المؤكد، بالإضافة إلى مجموعة قصص ثانية بعنوان: «مصحَّة عند الساعة الرملية» تضمنت 13 قصة قصيرة. لكن القراءة الفعلية لقصص «دكاكين القرفة» الخمس عشرة تنحاز، ربما، للنشرة الإعلانية الأولى للدار الناشرة؛ فالقصص تتضافر في تشكيل عالم سردي بخصائص موحدة ومكرَّرة. ماذا يعني هذا؟ عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

تقول لنا قراءة قصص شولتز إن هناك راوياً أساسياً واحداً يتكرر في القصص كلها، هو يوسف، فيما تدور أغلب القصص على الطبائع الغريبة للأب يعقوب وشخصيته المتفردة، وهو أبو يوسف نفسه، راوي القصص. وفي شخصية الأب نفسه ألف حجة ودليل تدعم فرضية تهافت منطق القصة القصيرة، نذكر منها بالإجمال اضطراب وصف الأب في القصص كلها؛ فلا صفات مكرَّرة عنه في القصص، وقد نقول إن كل قصة تصف لنا أباً مختلفاً عن الأب في القصة السابقة، عنها في القصة اللاحقة. وربما يكون الأمر الموحد، أو ما يجري تكراره في وصف الأب، أو حتى بناء شخصية الأب، هو تعاطف الراوي مع أبيه. وهناك الأم ذات الملامح الباهتة والشخصية النمطية التي لا يُظهر الراوي تعاطفاً معها. وثمة عم «شقيق الراوي»، وهو شخصية تشابه الأم في التزامها سلوكيات مكرَّرة. وفي القصص ثمة حضور جيد لشخصيات مكمِّلة، تدعِّم غلبة فرضية الرواية على منطق القصة القصيرة، هي: أغاتا، خالة الراوي، وزوجة العم مارك. ومارك نفسه، عم الراوي، وهو أبو لوتسيا وأميل. ولا ننسى كارول، العم الثاني للراوي. وهناك برازيا، خالة الراوي. فضلاً عن الموظف العامل في متجر الأب يعقوب: تئودور أو تيودور. ويقابل هذه الشخصيات «الواقعية» شخصيات تصفها هوامش المترجم، أو حتى الراوي/ الكاتب نفسه بأنها «خيالية»، مثل: أديلا، الشخصية الخيالية، بطلة قصة «دكاكين القرفة» التي اتَّخذت القصص من اسمها عنواناً لها. ويرد عنها في الملحق الخاتمي الإيضاح الآتي: «أديلا خادمة شابة ذات ساقين جميلتين ونحيلتين. في أعمال شولتز، ترمز إلى أنوثة شريرة ومظلمة».

هذه الشخصيات القصصية المكرَّرة، غالباً، تعيد تأسيس السرد بعيداً عن منطق السرد القصير، أو كما يُسمى بالقصة القصيرة، فهي شخصيات إشكالية متطلِّبة لأوصاف كثيرة وحكي متراكم ورؤى فكرية وسردية لتعبِّر عن عالمها وذاتها المأزومة. لذا؛ نراها تعمد إلى مراكمة التوصيفات وسرد الوقائع القصصية من زوايا مختلفة. وليست المشكلة القصصية كامنة في الشخصيات ومنطقها الحكائي المكرَّر فحسب؛ نحن نرى أن السرد وبنياته المتعددة يتلاعب بالقصة القصيرة ويتحرَّر منها، ويسعى إلى تشكيل عالمها بطرائق مختلفة تنسجم مع منطق الرواية القصيرة ذات الفصول المتعدِّدة. لكن تمرُّد السرد على منطق القصة القصيرة غير كافٍ، وحده، للتحول الأجناسي من القصة القصيرة إلى النوفيلا، مثلاً.

وقد نرجح فرضية المتتالية السردية، أو القصصية كما يستقر لدى نقاد عالميين وعرب. والقصص، مجتمعة، بتسلسلها الحالي تنتظم بمنطق التوالي؛ إذ يصعب أن تكتفي القصة الأولى، «أغسطس/ آب»، بعالمها المتفرِّد، وتكتفي به، ويظل العالم القصصي، والحدث، والزمان، والأوصاف، مفتوحة على مصراعيها كي تترحَّل أجزاء أساسية منها للقصة «المتتالية» اللاحقة، وهكذا.


«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن
TT

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

صدر في لندن بالإنجليزية كتاب «بين عالمين: رحلة سورية» للكاتبة دُنى حاج أحمد، عن دار النشر البريطانية «Palewell Press».

وهو عمل يمزج بين السيرة الذاتية والشهادة الإنسانية على واحدة من أكثر المراحل قسوة وتعقيداً في التاريخ السوري المعاصر.

تنطلق دُنى حاج أحمد، في كتابها، من حياتها في سوريا قبل أن تتغير ملامح ذلك العالم، مع اندلاع الحرب السورية. ومن خلال تجربتها الشخصية، تروي ما تعنيه الحرب حين لا تعود خبراً سياسياً أو رقماً في نشرات الأخبار، بل تصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية: الخوف، والفقد، والانفصال عن الأماكن والأشخاص، والاضطرار إلى اتخاذ قرارات يمكن أن تغيّر مسار حياة كاملة.

لكن «بين عالمين» ليس كتاباً عن الحرب وحدها. فهو يتابع رحلة اللجوء وما يأتي بعدها: الوصول إلى بلد جديد، ومحاولة البدء من الصفر، وتعلّم العيش داخل مجتمع مختلف، والبحث عن الأمان والاستقرار، ومواجهة الأسئلة المعقدة المتعلقة بالهوية والانتماء والذاكرة.

تتابع المؤلفة التحولات التي مرّت بها حياتها، وكيف يمكن للإنسان أن يحمل وطنه معه حتى بعد أن يصبح بعيداً عنه جغرافياً. ومن هنا يأتي عنوان الكتاب «بين عالمين»، إذ يعكس حالة العيش بينهما: عالم بقي في الذاكرة، وشكّل الهوية، وعالم جديد أصبح واقعاً يومياً ومكاناً لبناء مستقبل جديد.

ويحاول الكتاب كذلك أن يذهب أبعد من الصورة النمطية للاجئ بوصفه رقماً أو حالة إنسانية عابرة. فمن خلال التفاصيل الشخصية والعائلية والمهنية، يظهر اللاجئ إنساناً يحمل تاريخاً وذاكرة وأحلاماً وعلاقات وطموحات، ويواجه بعد وصوله إلى الأمان معركة أخرى لإعادة بناء حياته واستعادة الشعور بالاستقرار والانتماء.

في بلد اللجوء والأمان تبدأ أسئلة، مثل؛ ماذا يبقى من الوطن عندما يصبح بعيداً؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يبني حياة جديدة من دون أن يشعر أنه يتخلى عن حياته الأولى؟ وكيف تتغير علاقتنا بالمكان والذاكرة والهوية عندما نجد أنفسنا، حرفياً ومجازياً، بين عالمين؟

ومن خلال قصتها الشخصية، تفتح دنى حاج أحمد نافذة على تجربة عاشها كثير من السوريين الذين حملوا معهم إلى المنافي أكثر مما يمكن أن تحمله حقيبة سفر؛ ذكريات البيوت والشوارع، تفاصيل العائلة والأصدقاء، اللغة والعادات، صورة حياة كانت تبدو يوماً عادية وبديهية، قبل أن تصبح جزءاً من الماضي. ولهذا، لا يحاول الكتاب أن يروي قصة الحرب بقدر ما يروي قصة الإنسان الذي عاشها، وما الذي يحدث له بعد أن تتغير حياته ومكانه وعلاقته بفكرة الوطن إلى الأبد.

وفي الوقت نفسه، لا يبقى الكتاب أسيراً للحزن أو الفقد. فإلى جانب ما ضاع، هناك أيضاً ما يُبنى من جديد؛ حياة جديدة، وعلاقات جديدة، ومساحة جديدة للانتماء والأمل. وبين العالم الذي تركته دُنى خلفها، والعالم الذي أصبحت جزءاً منه، تظهر رحلة أكثر تعقيداً من مجرد الانتقال من سوريا إلى بريطانيا؛ إنها رحلة البحث عن طريقة للتصالح بين ماضٍ لا يمكن التخلي عنه ومستقبل لا يمكن التوقف عن بنائه.

وربما هنا تكمن إحدى أكثر الأفكار حضوراً في الكتاب؛ أن الإنسان قد يغادر وطنه لكن الوطن لا يغادره بالسهولة نفسها، وأن البدء من جديد لا يعني محو ما سبق بل تعلّم كيف نحمل ما فقدناه معنا، من دون أن يمنعنا ذلك من الاستمرار في الحياة.