تدهور سعر صرف الليرة السورية وارتفاع أسعار المواد الغذائية بعد ظهور رامي مخلوف

«الشرق الأوسط» تجول في أسواق دمشق

رجل يحمل دراجته وهو يعبر طريقاً رئيسياً وسط دمشق (أ.ف.ب)
رجل يحمل دراجته وهو يعبر طريقاً رئيسياً وسط دمشق (أ.ف.ب)
TT

تدهور سعر صرف الليرة السورية وارتفاع أسعار المواد الغذائية بعد ظهور رامي مخلوف

رجل يحمل دراجته وهو يعبر طريقاً رئيسياً وسط دمشق (أ.ف.ب)
رجل يحمل دراجته وهو يعبر طريقاً رئيسياً وسط دمشق (أ.ف.ب)

كشف ظهور رامي مخلوف، ابن خال الرئيس بشار الأسد، حاجة الحكومة السورية الماسّة إلى المال، وأظهر عمق الانهيار الاقتصادي وعجز هذه الحكومة عن إيجاد الحلول، حسب محللين في دمشق. وأشاروا إلى التدهور السريع في سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي وإلى موجة ارتفاع قاسية في الأسعار وصلت إلى 200%.
- تفاقم عُقدة الدولار
ومع تفجر التوتر، بداية مايو (أيار) الجاري بين مخلوف (51 عاماً)، الذي كان لعقود يعد أبرز الأعمدة الاقتصادية من جهة والحكومة من جهة ثانية، وظهور الخلاف إلى العلن، بعدما طلبت الأخيرة تسديد نحو 180 مليون دولار كجزء من مستحقات للخزينة، ورفضه الامتثال لطلب الحكومة عبر فيديوهات متتالية لأن «الظلم فاق طاقته» على حد قوله، خسرت الليرة نحو 35% من قيمتها، حيث تراجع سعر صرفها أمام الدولار الأميركي من 1200 إلى 1600 بعدما كان قبل اندلاع الأحداث في سوريا التي دخلت عامها العاشر منتصف مارس (آذار) 2011 ما بين 45 و50 ليرة.
وقال خبراء اقتصاديون لـ«الشرق الأوسط»، إن الأزمة بين الحكومة ومخلوف قائمة بشكل صامت منذ أكثر من عام، لكن الجديد حالياً هو ظهورها إلى العلن بهذا الشكل، و«انفضاح حاجة الحكومة الماسة للدولار وسقوط ورقة التوت عن صمودها»، الأمر الذي يبدو أنه من أبرز أسباب تفجرها بهذه الشكل، ذلك بعد تراجع احتياطي «مصرف سوريا المركزي» من العملات الأجنبية من نحو 20 مليار دولار إلى الصفر خلال سنوات الحرب بسبب العقوبات الاقتصادية، ودمار الجزء الأكبر من القطاعات الاقتصادية الذي أدى إلى تراجع إيرادات الحكومة بنسبة كبيرة، و«توقف حلفاء دمشق (إيران) عن دعمها مالياً مع الضائقة الاقتصادية التي فرضتها عليهم العقوبات الغربية وفاقمتها أزمة (كورونا)».
ويرجّح أحد الخبراء أن يكون مخلوف عمل منذ أوائل عام 2019، عندما كانت الأزمة بينه وبين دمشق لا تزال في إطار الكتمان، على إخراج كميات كبيرة من الدولارات الأميركية إلى خارج سوريا، ويقول: «يشتبه كثيرون بأنه قام بشيء مماثل مؤخراً، ما زاد الطلب على الدولار في الداخل ورفع سعره».
ويوضح خبير آخر لـ«الشرق الأوسط»، أن «اقتصاديين ورجال أعمال توقعوا منذ أواخر عام 2019 الماضي، انخفاض سعر صرف الليرة أمام الدولار من 850 ليرة في حينه، إلى 1500 مطلع شهر فبراير (شباط) الفائت، فإن تشديد الحكومة لعقوبة التعامل بالدولار واتباعها الحل الأمني في عملية ضبط سعر الصرف أدى إلى تأجيل القدر المحتوم». ويشير إلى أن ما فاقم أكثر من تدهور سعر الصرف وبشكل متسارع مؤخراً، إضافةً إلى تفجر الأزمة بين مخلوف والحكومة، استعار الأزمة الاقتصادية والمالية في لبنان المجاور، ذلك أنه ورغم إغلاق الحدود بين البلدين في إطار إجراءات كل منهما لمواجهة انتشار وباء «كوفيد - 19»، فإن السحب اللبناني للدولار من الأسواق السورية استمر، عبر عناصر «حزب الله» الذين لم تتأثر حركتهم بين البلدين، بعدما شكّل السحب اللبناني للدولار من أسواق دمشق العامل الرئيسي في الضغط على الليرة السورية في فترة ما بعد 17 أكتوبر (تشرين الأول) في لبنان.
- هلوسة شعبية
وبينما كان السوريون في مناطق سيطرة الحكومة والذين يقدِّر «البنك الدولي»، أن 87% منهم يعيشون تحت خط الفقر، يعانون من موجة الغلاء التي تسببت بها الإجراءات الحكومية لمواجهة انتشار وباء «كوفيد - 19»، جاء تفجر الخلاف بين الحكومة ومخلوف وظهوره إلى العلن ليتسبب لهم بموجة غلاء جديدة أشد وأعتى من السابقة نتيجة تدهور سعر صرف الليرة بشكل غير مسبوق.
وقدّر برنامج الأغذية العالمي ارتفاع أسعار المواد الغذائية بمعدل 107% خلال عام واحد، على حين يؤكد واقع الأسعار الحالية والمتعاملون مع السوق من مواطنين وباعة مفرق تسبُّب أزمة انتشار وباء «كوفيد - 19» في ارتفاع الأسعار بنسبة أكثر من 100% عما كانت عليه قبل الإجراءات الوقائية لمواجهته، وتضاعفها بالنسبة ذاتها مع تفجر الخلاف بين الحكومة ومخلوف، ما يعني أن الأسعار ارتفعت بنسبة 200% خلال أزمتي مخلوف والحكومة و«كوفيد - 19».
وفي هذه الأيام أكثر ما يلفت الانتباه في الأسواق، تأفف معظم المواطنين لدى اطّلاعهم على أسعار المواد الغذائية والخضار، وتحدثهم مع أنفسهم بعد مشاهدتهم المعلن منها، أو سماعهم من الباعة بأسعار المواد التي لا يتم عرضها.
كان سعر لتر الزيت النباتي قبل أزمة «كوفيد - 19» نحو 650 ليرة وارتفع خلالها إلى نحو 1200، ووصل حالياً مع تفجر الأزمة بين الحكومة ومخلوف إلى نحو 2000 ليرة، بينما كان سعر كيلوغرام المسبحة (حمص مطحون) نحو 600 ليرة وارتفع خلالها إلى 1200، وخلال الأزمة الثانية وصل إلى ما بين 1400 و1800 وفق مزاجية أصحاب المحلات.
وأبدى أحد المتسوقين في سوق شعبية وسط دمشق استغرابه لدى إطلاق أحد الباعة صيحات مرتفعة ومتتالية لعبارة «الفريز (فاكهة) بـ800» لجذب الزبائن، ويقول المتسوق بصوت مرتفع: «لماذا يصرخ بهذا الشكل؟ هل هذا يعني أنه رخيص؟»، معرباً عن اعتقاده بأنه لو تم بيع الكيلو بـ200 ليرة، لن يكون مناسباً للمواطن.
ويعرب الرجل خلال تبادل الحديث مع بعض من هم حوله عن انزعاجه وأسفه الكبيرين، لما وصلت إليه أحوال الناس من تردٍّ ويقول: «العائلة كانت تعيش مكرّمة بـ30 ألفاً شهرياً، وحالياً نصف مليون لا يكفيها والراتب 50 ألفاً!».
- الفيول
في خضمّ كل هذا، توقفت وزارة النفط، الأحد، عن تزويد السيارات التي تستهلك كميات أكبر من الوقود، بالبنزين المدعوم، في إجراء تقشفي جديد يعكس تراكم الأزمات وحاجة دمشق لتوفير النفقات والمشتقات النفطية والحلول. وأعلن وزير النفط والثروة المعدنية علي غانم، إيقاف تزويد السيارات الخاصة ذات سعة المحرك من «2000 سي سي» وما فوق، وكل من يملك أكثر من سيارة، سواء أكان فرداً أو شركة، بالبنزين المدعوم على أن توظّف الإيرادات التي سيتمّ توفيرها في «مشاريع خدمية وتنموية» لم يحدد ماهيتها.
وبات يتوجب على المشمولين بالقرار تأمين الوقود لسياراتهم بالسعر غير المدعوم والمحدد بتسعة آلاف ليرة سورية لصفيحة البنزين (20 لتراً) فيما كانوا يحصلون عليها بخمسة آلاف ليرة فقط وهو سعر الصفيحة المدعوم.
وأثار القرار انتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي وفي الشارع، بينما يلقي مسؤولون حكوميون بشكل مستمر المسؤولية في أزمة الوقود على العقوبات الاقتصادية التي تفرضها دول عدة عربية وغربية، ما يَحول دون وصول ناقلات النفط.
وفاقمت العقوبات الأميركية على طهران، أبرز داعمي دمشق، أزمة المحروقات في سوريا التي تعتمد على خط ائتماني يربطها بإيران لتأمينها. وقال غانم قبل أيام إن بلاده تحتاج 146 ألف برميل نفط خام يومياً، بينما المنتج حالياً هو 24 ألف برميل، أي أن الفجوة اليومية هي 122 ألف برميل.
وبلغ إنتاج سوريا من النفط قبل اندلاع الحرب عام 2011 نحو 380 ألف برميل يومياً. لكن القطاع مُني بخسائر كبرى، ولا تزال غالبية حقول النفط والغاز تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية»، المدعومة أميركياً، في شمال وشرق البلاد. وقوبل قرار الحكومة بانتقادات واسعة من موالين للنظام ومعارضين.
- متفرج
في مشهد يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك عجز الحكومة عن إيجاد حلول للأزمة الاقتصادية وضبط سعر صرف الليرة، اتخذت الحكومة و«مصرف سوريا المركزي» موقف المتفرج خلال أحدث وأكبر وأسرع موجة تدهور في قيمة الليرة من دون أن يقْدما على أي إجراء.
ويقول خبير اقتصادي: «هكذا أزمات تواجَه بإغراق السوق بالدولار، لكن حكومتنا ليس لديها وهي بالكاد تتدبر أمرها لجلب القمح والسكر والأرز، فكيف ستغرق السوق بالدولار الذي تتقصد أميركا تجفيفه في المنطقة في إطار العقوبات التي تفرضها على سوريا ودول وكيانات أخرى؟»، ويضيف: «ما لم تقْدم الحكومة على إبداء مرونة كبيرة في الصراع الدولي الحاصل حول الملف السوري فإن الأوضاع الاقتصادية في البلاد تتجه إلى مزيد من التدهور خصوصاً أن العمل بـ(قانون قيصر) الأميركي سيبدأ الشهر المقبل».
وإن كان الموقف الحكومي حيال مسألة ارتفاع أسعار المواد الغذائية، مختلفاً نوعاً ما عن الموقف من تدهور سعر صرف الليرة، فإنه لم ينعكس إيجاباً على المواطن بسبب غياب هيبة السلطة في مناطق سيطرة الحكومة، حيث عمدت الأخيرة إلى تنظيم أعداد كبيرة من المخالفات بحق باعة بسبب بيعهم بسعر زائد أو بيعهم مواد منتهية الصلاحية، وأغلقت الكثير من المحال، من دون أن يؤدي ذلك إلى أي انخفاض في الأسعار التي واصل معظمهما الارتفاع.
وحسب الخبراء، فإن الحكومة مطالَبة بإنعاش الاقتصاد الذي تلقى صدمة جديدة جراء إجراءات الإغلاق التي تم فرضها للتعامل مع وباء «كوفيد - 19»، تضاف إلى ما يعانيه هذا القطاع من تراجع هائل سبّبته سنوات من الحرب والإدارة الاقتصادية الارتجالية، وتحويل مزيد من العمليات الاقتصادية إلى «اقتصاد حرب» و«اقتصاد ظل». وقال أحدهم إنه لا بد من مغازلة التجار ورجال الأعمال وتخفيف القبضة الأمنية على الأعمال التجارية، وإلا سيؤدي المزيج المتشكل من تداعيات الحرب الكارثية إلى وضع اقتصادي لا يطاق، وسيترافق مع تراجع الداعمَين الروسي والإيراني لدمشق، وازدياد معاناة اقتصاديات دول المنطقة وخصوصاً العراق ولبنان اللذين شكّلا سابقاً رئتا سوريا الاقتصاديتين ومصادر تمويلها بالدولار والالتفاف على العقوبات الغربية.



اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
TT

اليمن يسعى لتعزيز مكانته في التجارة الدولية باستحداث ميناءين

اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)
اليمن يتطلع لاستعادة ميناء عدن مكانته التاريخية بصورة تدريجية (إعلام حكومي)

في خطوة تستهدف تعزيز مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية، أعلنت الحكومة المعترف بها دولياً استحداث ميناء على ساحل بحر العرب وآخر على المحيط الهندي، مع التخطيط لإنشاء ميناء ثالث على خليج عدن، بالتزامن مع البدء في المرحلة الثانية لتوسعة مداخل ميناء عدن.

ويأتي هذا التوجه وسط تفاؤل حكومي بإمكانية أن تلعب موانئ البلاد الممتدة على سواحل البحر العربي وخليج عدن، دوراً حيوياً في مستقبل التجارة الدولية وخدمة دول الجوار العربي، استناداً إلى المتغيرات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية، وهو ما يدفع وزارة النقل إلى تسريع العمل في تطوير ميناء عدن واستحداث موانئ جديدة في حضرموت وشبوة وسقطرى.

وأكد وزير النقل محسن العمري، خلال وضع حجر الأساس للمرحلة الثانية من مشروع توسعة مداخل ميناء عدن، أن هذه الخطوة تمثل محطة مهمة في إطار تطوير البنية التحتية للميناء وتعزيز قدرته التشغيلية، مشيراً إلى أن المشروع واجه تعثراً خلال الفترة الماضية، قبل أن يُرفع إلى رئيس الوزراء شائع الزنداني، الذي وجّه بسرعة تنفيذه نظراً لأهميته الاستراتيجية في دعم النشاط الملاحي والتجاري.

وضع اللمسات الأخيرة لاستحداث ميناءين في حضرموت وسقطرى (إعلام حكومي)

ووصف الوزير المشروع بأنه أحد أبرز الإنجازات ضمن حزمة من المشاريع التطويرية الجاري تنفيذها في قطاع النقل والموانئ، التي تشمل مشاريع موانئ في محافظة حضرموت وأرخبيل سقطرى، إلى جانب عدد من المشاريع الأخرى المتوقفة التي يجري العمل على إعادة تنشيطها خلال المرحلة الراهنة، ضمن رؤية أوسع لإعادة تأهيل قطاع النقل البحري ورفع جاهزيته لاستيعاب متطلبات المرحلة المقبلة.

وأعرب العمري عن أمله في أن تسهم هذه الخطوة في استعادة ميناء عدن لمكانته الطبيعية والتاريخية بصورة تدريجية، من خلال تعزيز كفاءته التشغيلية ورفع مستوى الخدمات المقدمة للسفن والخطوط الملاحية، وزيادة قدرته على استيعاب الحركة التجارية المتنامية، بما يعزز دوره الحيوي بوصفه ميناء محورياً في المنطقة ويسهم في تنشيط الحركة الاقتصادية والتجارية ورفد الاقتصاد الوطني.

تعزيز القدرة التشغيلية

من جانبه، أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة موانئ خليج عدن محمد أمزربه، أن مشروع تطوير مداخل الميناء يُعدّ من المشاريع الاستراتيجية المهمة في مجال البنية التحتية، لافتاً إلى أنه سيمثل نقلة نوعية في تطوير العمل ورفع كفاءة التشغيل بالميناء، من خلال تحسين انسيابية الحركة وتعزيز قدرات المناولة والشحن والتفريغ.

وأوضح أن المشروع سيسهم في تسهيل حركة دخول وخروج الشاحنات، بما يعزز كفاءة عمليات المناولة ويقلل من مدة بقاء السفن في الميناء، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على خفض تكاليف الشحن وتحسين مستوى الخدمات الملاحية، بما يجعل ميناء عدن أكثر قدرة على المنافسة واستقطاب الخطوط الملاحية العالمية.

رهان يمني على دور فاعل لميناء سقطرى على المحيط الهندي (إعلام محلي)

ووفق ما ذكره أمزربه، فإن المشروع يتضمن تنفيذ أعمال تطوير بطول يقارب كيلومتراً ونصف الكيلومتر في ميناء المعلا، و3 كيلومترات ونصف الكيلومتر في ميناء كالتكس، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى تم تنفيذها خلال السنوات الماضية، فيما جرى تدشين المرحلة الثانية بعد استكمال الإجراءات والمناقصات العامة، ضمن خطة متدرجة تستهدف تحديث البنية التحتية للميناء وفق احتياجاته التشغيلية المتنامية.

وأكد أن أعمال التطوير والتحديث في هذه الموانئ تحظى بدعم حكومي مستمر، حيث يجري العمل على تنفيذ عدد من المشاريع الحيوية الأخرى، من بينها الورشة الفنية الخاصة برصيف السياح، إلى جانب مشاريع سيتم طرحها وتنفيذها وفق مراحل زمنية محددة، بما يسهم في تعزيز مكانة ميناء عدن واستعادة دوره الاقتصادي والتجاري.

خريطة موانئ جديدة

قال وزير النقل اليمني إن رؤية الوزارة لا تتوقف عند حدود ميناء عدن؛ بل تمتد لتشمل خريطة متكاملة لتطوير الموانئ اليمنية، من «بروم» في حضرموت إلى «قرمة» في سقطرى، وصولاً إلى إعادة تنشيط جميع المشاريع المتوقفة، انطلاقاً من قناعة رسمية بأن الموانئ تمثل قاطرة التنمية، وأن بناء بنية تحتية بحرية حديثة بات ضرورة لمواكبة التحولات المتسارعة في حركة الملاحة الدولية.

وفي هذا السياق، ناقش وزير النقل الخطوات والإجراءات اللازمة لاستئناف العمل بمشروعي إنشاء مينائي «قرمة» بمحافظة سقطرى و«بروم» بمحافظة حضرموت، لما يمثله المشروعان من أهمية استراتيجية في تنشيط حركة النقل البحري والتجاري، ودورهما المتوقع في توسيع قدرة اليمن على استقبال الحركة الملاحية وتوزيعها على أكثر من منفذ بحري حيوي.

كما استعرض مع نائب وزير الصناعة والتجارة سالم سلمان، مستوى الإنجاز في الدراسات والإجراءات الفنية والإدارية المرتبطة بالمشروعين، إضافة إلى التحديات التي واجهت سير التنفيذ خلال الفترة الماضية، موجهاً بوضع آلية عملية لتسريع استكمال الإجراءات الفنية والإدارية، والعمل على تحديث التكاليف التقديرية تمهيداً لاستكمال إجراءات طرح المناقصات وفقاً للمعايير والشروط المعتمدة.

ميناء المكلا مرتكز حكومي لحركة التجارة في موانئ بحر العرب (إعلام محلي)

وفي موازاة ذلك، ناقش وزير النقل مع مجلس إدارة مؤسسة موانئ البحر العربي خريطة طريق تركز على تحويل الدراسات الفنية والاقتصادية إلى واقع ملموس، خصوصاً فيما يتعلق بمشاريع ميناء «بروم» الاستراتيجي في حضرموت، وميناء «قنا» في شبوة، وميناء «قرمة» في أرخبيل سقطرى، بالإضافة إلى مشروع توسعة ميناء المكلا الذي يُنظر إليه بوصفه ركيزة أساسية في النشاط الملاحي على سواحل بحر العرب.

وأكد الوزير أن الهدف لا يقتصر على التطوير الإنشائي؛ بل يمتد إلى تقديم أقصى التسهيلات والامتيازات للخطوط الملاحية والمستوردين، بما يضمن انسيابية الحركة التجارية وزيادة الإيرادات التي تخدم الاقتصاد الوطني، مشدداً على أن الوزارة، وبدعم من الشركاء، ماضية في تحويل موانئ البحر العربي إلى مراكز لوجستية عالمية تعزز من مكانة اليمن على خريطة التجارة الدولية.


العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
TT

العليمي: السلام يتحقق بردع الحوثيين وليس باسترضائهم

رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي استقبل في الرياض نائب رئيس البرلمان الألماني (سبأ)

في تصعيد يمني للخطاب السياسي تجاه الحوثيين، شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي على أن جوهر الأزمة في بلاده لا يرتبط بتباينات سياسية قابلة للتسوية، بل بمشروع سياسي مسلح قائم على احتكار السلطة، وادعاء الحق الإلهي في الحكم، ورفض مبدأ المواطنة المتساوية، مؤكداً أن أي مقاربة للسلام تتجاوز هذه الحقيقة لن تقود إلى تسوية عادلة، أو استقرار دائم.

وخلال استقباله نائب رئيس مجلس النواب الألماني الاتحادي (البوندستاغ) أوميد نوميبور، أوضح العليمي أن الشعب اليمني يواجه جماعة مسلحة استولت على مؤسسات الدولة بقوة السلاح، وانقلبت على التوافق الوطني، وفتحت البلاد أمام مشروع إقليمي عابر للحدود.

ويعكس هذا التوصيف من قبل العليمي تمسك القيادة اليمنية بقراءة ترى أن الصراع مع الحوثيين معركة مرتبطة باستعادة الدولة الوطنية، وحماية النظام الجمهوري، وليس مجرد نزاع داخلي محدود الأبعاد.

حشد للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

وأشار رئيس مجلس القيادة اليمني إلى أن المحافظات الواقعة تحت قبضة الحوثيين تحولت إلى بعض أسوأ مناطق العيش في العالم، خصوصاً بالنسبة إلى الأقليات، والمرأة، والصحافة، والعمل المدني.

وأكد أن تحقيق السلام لن يكون عبر مكافأة المتمردين، أو منحهم شرعية سياسية على حساب الدولة، وإنما عبر دعم مؤسسات الدولة الوطنية، وحماية التعددية، وردع الميليشيا، وفتح أفق سياسي عادل لكل اليمنيين يضمن الشراكة، والحقوق المتساوية.

تثمين الدعم الألماني

وفي هذا السياق، ثمن العليمي اهتمام البرلمان الألماني بالشأن اليمني، والدور الذي تضطلع به ألمانيا بوصفها شريكاً أوروبياً مهماً في دعم السلام وبناء المؤسسات، وحماية الحقوق، والحريات، معرباً عن تطلعه إلى زيادة الدعم الألماني والأوروبي خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل استئناف حضور المؤسسات الألمانية الفاعلة، خصوصاً في مجالات التدخلات الإنسانية، وبرامج التنمية، وبناء القدرات المؤسسية.

وربط العليمي بين هذا الدعم والاستثمار المباشر في الأمن والاستقرار الوطني والإقليمي، في إشارة إلى أن تعزيز مؤسسات الدولة اليمنية يمثل -من وجهة نظر الحكومة الشرعية- المدخل الأكثر واقعية لمواجهة الانهيارات الاقتصادية والإنسانية، وخلق بيئة أكثر تماسكاً في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية التي فرضتها الحرب.

كما تطرق إلى ما وصفها بالسرديات المضللة التي تروج لها بعض المنابر بشأن الحالة اليمنية، مؤكداً أن تصوير المشهد باعتباره نزاعاً سياسياً عادياً يتجاهل حقيقة الانقلاب المسلح على الدولة، وطبيعة المشروع الذي تحمله الجماعة الحوثية.


أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
TT

أزمة السيولة تربك الاقتصاد اليمني وتعطل صرف الرواتب

مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)
مقر البنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

مع اقتراب الشهر من نهايته، يخشى الموظفون اليمنيون في مناطق الحكومة الشرعية من عدم قدرتهم على الوفاء بالتزاماتهم المالية، بسبب عجزهم عن الحصول على رواتبهم، نتيجة أزمة السيولة التي تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية منذ أشهر.

ولا تُعدّ أزمة السيولة النقدية التي يواجهها اليمنيون أزمة نقود في حد ذاتها، بل أزمة أوراق نقدية تعجز البنوك عن توفيرها للعملاء، وتكتفي بمنح كل عميل يحاول السحب من رصيده أو صرف عملات أجنبية 80 ألف ريال يمني فقط يومياً (الدولار يساوي 1560 ريالاً) وسط اتهامات لها بتدمير ثقة عملائها بها.

وتعرّض الاقتصاد اليمني لأزمات متتالية بسبب الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، والتلاعب والمضاربة بالعملات في الأسواق الموازية وتراجع الثقة بالبنوك، واستبدال قنوات موازية غير قانونية بالقنوات المصرفية الرسمية، إلى جانب اعتداءات الجماعة الحوثية على موانئ تصدير النفط وحرمان الحكومة الشرعية من أهم مصادر الإيرادات.

ويرى عبد السلام الأثوري، الخبير الاقتصادي اليمني، أن أزمة السيولة في مناطق الحكومة اليمنية ليست نقصاً في النقد، بل نتيجة اختلالات هيكلية عميقة في إدارة المال العام والنظام النقدي؛ إذ خرجت كتل نقدية كبيرة من الجهاز المصرفي، ما أضعف قدرة البنك المركزي اليمني على التحكم بالسيولة.

القاعة الرئيسية لإجراء المعاملات بالبنك المركزي اليمني في عدن (رويترز)

ويشير الأثوري في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى تآكل القنوات الرسمية للإيرادات، مع إيداع مؤسسات حكومية أموالها لدى شركات الصرافة بدل البنك المركزي؛ ما خلق قنوات مالية موازية، كما يبرز اختلال الإنفاق العام، خاصة في الرواتب، حيث تُصرف أموال لأسماء وهمية أو غير فعالة، وتتسرب لاحقاً إلى المضاربة وتحويل الأموال للخارج.

ومنذ أيام اتهم مسؤولان في البنك المركزي بعض السلطات المحلية والجهات الحكومية بمفاقمة الأزمة من خلال الامتناع عن التوريد لحساب الحكومة في البنك المركزي بعدن، وتجاهل قرار مجلس القيادة الرئاسي وخطة الإصلاحات الاقتصادية الشاملة المدعومة دولياً.

وحسب ما نقلت «رويترز» عن المسؤولين، فإن الحكومة لا تمتلك إيرادات كافية لتغطية نفقاتها، بسبب «هبوط حاد في الإيرادات العامة عقب توقف صادرات النفط منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022، فضلاً عن آلاف المليارات من الريالات المكدسة في مخازن شركات الصرافة ورجال الأعمال، وهي عوامل تسببت في أزمة سيولة خانقة داخل المالية العامة».

وذكر مصدر مقرب من إدارة البنك المركزي اليمني في عدن لـ«الشرق الأوسط» أن من أسباب هذه الأزمة تجميد عقود طباعة العملة وإحجام التجار عن قبول الأوراق النقدية الممزقة والتالفة، والتي تمثل أكثر من 70 في المائة من الأوراق النقدية المتداولة، مع إصرار الكثير من السكان على تخزين الأوراق السليمة في منازلهم.

ابتلاع السيولة

وتعدّ هذه الأزمة إحدى تداعيات اقتصاد الحرب الذي تتراجع فيه الإيرادات العامة، وتفقد الدولة قدرتها على تنظيم السوق.

ويخشى المراقبون أن يتراجع دور البنوك أكثر مما هو حاصل فعلاً؛ إذ يستمر بقاء معظم الكتلة النقدية خارجها، ورغم الإجراءات التي اتبعها البنك المركزي في الصيف الماضي، فإنها لم تكن كافية لإعادة الدورة النقدية إلى وضعها القانوني، ومنع الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.

ويصف عبد الحميد المساجدي، الباحث الاقتصادي اليمني، الأزمة الحالية بالاختلال العميق في بنية الدورة النقدية ذاتها نتيجة الاكتناز خارج البنوك؛ وهو ما أدى إلى شلل فعلي في وظيفة النقود وسيطاً للتبادل داخل النظام المالي الرسمي، وخلق مفارقة اقتصادية حادة تمثلت بشح داخل البنوك مقابل فائض غير منضبط في السوق الموازية، يُستخدم في المضاربة بالعملة.

وأوضح المساجدي لـ«الشرق الأوسط» أن البنوك فقدت جزءاً كبيراً من جاذبيتها لصالح قطاع الصرافة الذي يعمل بسرعة ومرونة أعلى وبقنوات أقل تعقيداً، وفي غياب الأدوات المالية الفعالة التي تستقطب السيولة، مثل شهادات الإيداع أو أدوات الدين الداخلي، تراجعت قدرة النظام المصرفي على أداء دوره وسيطاً مالياً، وتآكلت وظيفة خلق الودائع.

محل لبيع الأسماك في مدينة سيئون شرق اليمن (أ.ب)

وتتجلى الأزمة في تفاصيل يومية حصلت «الشرق الأوسط» على شهادات ميدانية عنها، مثل تأجيل المرضى زياراتهم للأطباء، وتحذيرات مدارس خاصة لأولياء أمور الطلاب من حرمان أبنائهم من إكمال العام الدراسي لعدم سداد الرسوم، وعجز تجار عن تجديد بضائعهم، مقابل عجز المستهلكين عن شراء السلع الأساسية إلا في أضيق الحدود.

ويشير حلمي الحمادي، الباحث المالي اليمني، إلى أن الأوراق النقدية وقعت فيما يسميه «مصيدة السيولة» التي نشأت بعد إجراءات البنك المركزي خلال العام الماضي، حيث كان المتحكمون بالإيرادات يضعون الأوراق النقدية في حوزة شركات الصرافة ويضاربون بها بالعملات الأجنبية، إلا أنهم الآن يحتفظون بها في المنازل.

ويخلص في توضيحه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أخطر ما في هذه الأزمة أن النقود لا تدخل البنوك التي لا تستطيع تمويل الاقتصاد، والذي بدوره يعمل خارج النظام المالي، وأن تجزؤ الإيرادات جغرافياً وقطاعياً، في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، تسبب في تركيز وإدارة السيولة في مناطق ولدى فئات وجهات وأفراد محددين، لينشأ ما يمكن تسميته «اختناق السيولة الموضعي».

حِزم الأوراق النقدية اليمنية تُحتجز لدى جهات تسعى للإضرار بالاقتصاد (رويترز)

وتتزايد المخاوف من أن تؤدي هذه الأزمة إلى تعطيل سلاسل الإمداد الغذائي، بصعوبة حصول التجار على أموالهم لاستيراد السلع، وعجز السكان عن الحصول على أوراق نقدية لشراء المواد الاستهلاكية.

استعادة الثقة

ولا تعدّ الأزمة الحالية مجرد تعثر مالي، بل هي «أزمة ثقة» حادة متعددة المستويات داخل المؤسسات الرسمية، وفي علاقة مختلف القطاعات بالقطاع المصرفي؛ ما يهدد بدفع الأسواق إلى الاعتماد على «المقايضة» القسرية أو الاعتماد الكلي على التحويلات الرقمية التي لا تتوفر للغالبية العظمى من السكان في الريف.

ويشدد الباحث الأثوري على ضرورة ضبط المالية العامة، وإغلاق حسابات الصرافة الحكومية، وتوحيد الرقابة على المال العام، وإصلاح الرواتب، وتدقيق القوائم الوظيفية، وإزالة الازدواجية والأسماء الوهمية، وربط الرواتب بنظام مصرفي أو رقمي مباشر.

شركات الصرافة أسهمت في تدهور القطاع المصرفي اليمني (أ.ف.ب)

كما يرى أن من أهم وسائل مواجهة هذه الأزمة، تفعيل أدوات البنك المركزي والتحول للدفع الرقمي وتوسيع المحافظ الإلكترونية والمدفوعات الرقمية، ورقمنة الرواتب لتقليل الاعتماد على النقد ومعالجة اختلالات التهربات الضريبية التي تفقد الإيرادات مبالغ كبيرة وخاصة لدى كبار المكلفين.

من جهته، يدعو المساجدي إلى إصلاح هيكلي شامل، واستخدام أدوات مالية ذكية وجاذبة، تعيد توجيه النقد إلى القنوات الرسمية بدلاً من بقائه خارجها، وتحديث القطاع المصرفي ليصبح أكثر كفاءة وسرعة وقدرة على تقديم خدمات حقيقية تعيد بناء الثقة تدريجياً بدلاً عن الاعتماد على شركات الصرافة.

ويتفق الاثنان على أهمية استعادة التوازن النقدي بالإلزام الصارم لكل الجهات بتوريد الإيرادات العامة إلى البنك المركزي، بما يعيد للدورة المالية وحدتها.