أزمة قيادة عالمية... الصين في موقف الدفاع وأميركا غائبة

دول متوسطة الثقل تسعى إلى ملء الفراغ رغم الضغوط والتحديات

مقعدان خاويان خارج غرفة اجتماع الرئيسين الأميركي والصيني  على هامش قمة العشرين في أوساكا الصيف الماضي (نيويورك تايمز)
مقعدان خاويان خارج غرفة اجتماع الرئيسين الأميركي والصيني على هامش قمة العشرين في أوساكا الصيف الماضي (نيويورك تايمز)
TT

أزمة قيادة عالمية... الصين في موقف الدفاع وأميركا غائبة

مقعدان خاويان خارج غرفة اجتماع الرئيسين الأميركي والصيني  على هامش قمة العشرين في أوساكا الصيف الماضي (نيويورك تايمز)
مقعدان خاويان خارج غرفة اجتماع الرئيسين الأميركي والصيني على هامش قمة العشرين في أوساكا الصيف الماضي (نيويورك تايمز)

عندما شرعت أستراليا في الضغط من أجل فتح تحقيق عالمي حول مصدر وباء فيروس «كورونا»، لم تنضم أي دولة أخرى إليها، ولم يكن لدى مسؤوليها أدنى فكرة حول كيفية إنجاز هذا التحقيق، وإلى أي مدى قد يكون رد فعل الصين قاسياً.
وسرعان ما انضمت أوروبا إلى هذه الجهود، وتحركت نحو طرح الفكرة داخل أروقة منظمة الصحة العالمية في وقت لاحق هذا الشهر. واكتسبت أستراليا في خضم ذلك دوراً جديداً يتمثل في تحولها إلى فاعل عالمي، الأمر الذي جعلها هدفاً بارزاً للغضب الصيني، وزعيمة مفاجئة لجهود الضغط من أجل تعزيز المؤسسات الدولية التي تخلت عنها الولايات المتحدة تحت قيادة الرئيس دونالد ترمب.
وفي مواجهة أزمة لا تحدث إلا مرة واحدة في الجيل، تسعى القوى العالمية المتوسطة جاهدة نحو إحياء الأعراف القديمة للسياسات متعددة الأطراف.
وشرعت دول في أوروبا وآسيا في بناء أواصر جديدة فيما بينها حول قضايا مثل الصحة العامة والتجارة، والتخطيط لمستقبل يقوم على ما يعدونه الدروس الكبرى المستفادة من الوباء: أن وجود حكومة استبدادية صينية ينطوي على مخاطر لم يعد في الإمكان تجاهلها، وأن الولايات المتحدة لم يعد بالإمكان الاعتماد عليها في دور القيادة، في وقت تناضل للحفاظ على مواطنيها على قيد الحياة وعلى قوة العمل، وتتحول سياساتها الخارجية على نحو متزايد باتجاه «أميركا أولاً».
وربما يستمر هذا الزخم من قبل القوى العالمية المتوسطة الحجم فقط لفترة وجود الفيروس، لكن حال استمراره بعد ذلك، فإنه قد يطرح بديلاً للنظام العالمي ثنائي القطب. وبعيداً عن الجلبة والضجيج الصادرين عن واشنطن وبكين، ثمة مجموعة عمل آخذة في التشكل، تضم مجموعة من القيادات بالتناوب، وتحمل بداخلها إمكانية تحدي محاولات الاستئساد والتنمر من جانب الصين، وسد الفراغ الناجم عن غياب أميركا.
ويوضح عضو البرلمان الأسترالي رئيس اللجنة المشتركة لشؤون الاستخبارات والأمن، أندرو هيستي، أن «أستراليا تعيد تعديل شروط التعاون، بحيث يتوافر أمامنا قدر أكبر من حرية الحركة الاستراتيجية، ومن أجل تحقيق ذلك يتعين علينا بناء ائتلاف من الأمم ذات الفكر المتشابه». وأضاف: «كي تتصرف على الساحة العالمية بصفتك قوة متوسطة، يتعين عليك فعل ذلك من منطق قوة، ويتضمن ذلك قوة الأرقام».
ورغم أن رئيس الوزراء الأسترالي، سكوت موريسون، شدد على أن دعوته لإجراء تحقيق عالمي «ليست موجهة ضد دولة بعينها»، فإن جميع الأدلة المتاحة تشير إلى الصين بصفتها مهد الوباء، مما يعني أن أستراليا اختارت لنفسها قضية بالغة الحساسية لاستخدامها في القفز إلى صدارة الساحة العالمية.
وأوضحت قيادات صينية أنها تنظر إلى الانتقادات الموجهة إلى استجابة بلدها المبدئية للوباء بالتعتيم على الحقائق على نحو سمح للفيروس بالتفشي، بصفتها تهديداً لحكم الحزب الشيوعي.
وحتى تشكيل لجنة تقصي حقائق يبدو مطلباً مبالغاً فيه للغاية من وجهة نظر القيادة الصينية. وقد وصف السفير الصيني لدى أستراليا، تشينغ جينغي، مقترح فتح تحقيق عالمي الذي من المتوقع أن تعيقه الصين داخل منظمة الصحة العالمية، بأنه «خطوة خطيرة» قد تؤدي إلى مقاطعة اقتصادية. وقال: «إذا تحول المزاج العام من سيء إلى أسوأ، قد يتساءل الناس فيما بينهم: لماذا علينا الذهاب إلى تلك البلاد التي لا تبدو صديقة تجاه الصين؟ وربما يعيد السياح التفكير في الأمر». وأضاف أن المستهلكين الصينيين ربما يرفضون شراء المشروبات ولحوم الأبقار الأسترالية أو إلحاق أبنائهم بجامعات أسترالية.
ولم يتأخر قرار الصين بمنع استيراد لحوم الأبقار الأسترالية، أمس، وإن نفت ارتباطه بالجدل حول التحقيق في مصدر الوباء. وإذا اكتملت دائرة التهديدات الصينية، فستتعرض أستراليا لألم اقتصادي بالغ، وذلك بالنظر إلى أن الصين السوق التصديرية الأولى لأستراليا، والمصدر الأكبر للطلاب الدوليين، والسوق الأهم للسياحة والمنتجات الزراعية. وحذرت صناعة الحبوب في أستراليا من أن الصين تهدد بفرض تعريفات ضخمة على الصادرات الأسترالية من الشعير.
ومع هذا، يراهن مسؤولون أستراليون على أن الصين ستبقى عميلاً كبيراً للبلاد، بما في ذلك شراء الفحم وخام الحديد اللذين تحتاج إليهما للتعافي اقتصادياً من جديد بعد فترة الوباء. ويبدي هؤلاء المسؤولون قناعتهم بأن الرأي العام الأسترالي قد يتسامح مع بعض العقوبات الصينية، إذا ما عنى ذلك الاعتماد بدرجة أقل على بلد، تبعاً لاستطلاعات الرأي، انعدمت ثقتهم به بالفعل، في وجهة نظر سلبية تتشارك فيها على نطاق واسع دول غرب أوروبا.
والملاحظ أن مشاعر إحباط تتراكم منذ سنوات، خصوصاً أنه في ظل قيادة الرئيس شي جينبينغ، تفاقمت معدلات السرقة الفكرية والقرصنة من جانب الصين. وحاول عملاء للحزب الشيوعي التدخل في الشؤون السياسية الداخلية لأستراليا ودول أخرى، بينما طالبت بكين على نحو متزايد بالطاعة عبر أرجاء العالم، ولم تترك مساحة لأي من الشركات أو الحكومات الأجنبية بطرح تساؤلات حول سياساتها.
وفي هذا السياق، قال بيتر جينينغز، المسؤول السابق في وزارة الدفاع المدير التنفيذي للمعهد الأسترالي للسياسات الاستراتيجية، إن وباء «كوفيد-19» عرى «الأوهام الأخيرة المتعلقة بفكرة أن أي بلد بمقدوره التعاون بمجال الأعمال مع الصين، من دون الحاجة إلى الشعور بالقلق إزاء أسلوب حكمها».
ومن خلال كبت المعلومات المتعلقة بالفيروس لدى ظهوره في ووهان، كشفت الصين بشكل كامل الأخطار التي ينطوي عليها نظامها الاستبدادي، ليس فقط تجاه شعبها، وإنما العالم. وبدلاً من الاعتراف بالخطوات الخاطئة التي اتخذتها، تمادت بكين في أخطائها، عبر الترويج لنظريات مؤامرة، والإصرار على ضرورة الاحتفاء باستجابتها، ومهاجمة كل من يلمح إلى خلاف ذلك.
في مثل هذه الظروف، عادة ما تحول أستراليا أنظارها نحو الولايات المتحدة، خاصة أنه على امتداد سبعة عقود، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، جرى النظر إلى الولايات المتحدة بصفتها حامي الشفافية والتعاون. بيد أن الاعتماد على واشنطن في ظل مثل هذا النمط من القيادة يبدو مستحيلاً اليوم، خاصة أن جزءاً كبيراً من العالم يتابع بحسرة وخيبة أمل تداعي أميركا تحت وطأة الفيروس، واستجابة ترمب غريبة الأطوار للأزمة.
الملاحظ أن الرئيس لم يبد اهتماماً بالتعاون مع أي دولة أخرى، وقال إن إدارته تجري تحقيقاً خاصاً بها فيما يخص الصين، لكن هذا الأمر يجري النظر إليه على نطاق واسع بصفته محاولة لتحويل دفة اللوم بعيداً عن أسلوب تعامله مع أزمة الوباء.
وكتب رئيس الوزراء الأسترالي السابق، كيفين رود، في مقال نشره أخيراً: «في الظروف العادية، كانت واشنطن لتتولى تحفيز العالم، بغض النظر عن مدى العيوب التي ربما يتسم بها التوجه الأميركي، لكن هذه المرة، وفي ظل غياب أميركا، لم يقدم أي طرف على الاضطلاع بهذا الدور».
تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن هذا الفراغ يسبق فترة ظهور الوباء، ففي عام 2018، وبعد انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق الشراكة العابرة للمحيط الهادئ، وقعت 11 دولة، منها أستراليا وكندا واليابان ونيوزيلندا والمكسيك وفيتنام، اتفاقية تجارية خاصة بها لحمايتها في مواجهة الصين. إلا أن ظهور وباء فيروس «كورونا» أدى إلى إسراع وتيرة هذا التفاعل.
وتبادلت كثير من القوى العالمية متوسطة الحجم معلومات تفصيلية عن استجاباتها للوباء، ودعمت حلولاً مشتركة، مثل جهود إيجاد مصل، وبدأت في التطلع قدماً. وانضم موريسون، الخميس الماضي، إلى اتصال هاتفي بين دول تطلق على نفسها «المتحركين الأوائل»، بعد تحركها السريع في مواجهة الوباء، ونجاحها في تسطيح منحنى الإصابات، وتضم النمسا والدنمارك واليونان وإسرائيل وسنغافورة ونيوزيلندا. كما يشارك مسؤولون أستراليون في حوار أسبوعي حول مستقبل ما بعد الوباء مع مجموعة من الدول، تضم الهند واليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام. وأشار الدبلوماسي السابق رئيس كلية الأمن الوطني بالجامعة الأسترالية الوطنية، روري ميدكاف، إلى أنه رغم مشاركة الولايات المتحدة هي الأخرى، فإن اللافت أنها تشارك بصفتها عضواً عادياً، وليس قائداً للمجموعة.
من ناحية أخرى، فإنه من الناحية التاريخية، لطالما نظرت أستراليا، البالغ إجمالي تعداد سكانها 25 مليون نسمة، إلى نفسها بصفتها دولة صغيرة للغاية على نحو لا يمكنها من ممارسة قدر كبير من النفوذ على الساحة العالمية، رغم أن اقتصادها على درجة ضخامة الاقتصاد الروسي نفسها تقريباً. وخلال مقابلات، أظهر مسؤولون أستراليون قدراً من الحيرة الممتزجة بثقة وليدة، تقوم في جزء منها على شعورهم بأن أستراليا نجحت في بناء سجل مقاومة وبقاء في مواجهة الصين، يمكن لكثير من دول العالم التعلم منه.
جدير بالذكر أن أستراليا كانت من أوائل دول العالم عام 2018 التي حظرت مشاركة شركتي «هواوي» و«زد تي إي» الصينيتين في بناء شبكات الجيل الخامس على أراضيها. كما مررت تشريعات حاسمة في مواجهة محاولات التدخل الأجنبي.
ومع هذا، يشكل الضغط من أجل فتح تحقيق عالمي حول «كورونا» قفزة نوعية في هذا المسار. وظهرت هذه الفكرة عندما أعلنتها ماريس باين، وزيرة الخارجية، في أثناء مشاركتها في برنامج إخباري، لتفاجئ العالم بأسره.
في بادئ الأمر، أخبر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون رئيسَ الوزراء الأسترالي بأن الوقت ليس مناسباً بعد لإجراء تحقيق، لكن يبدو أنه غير موقفه منذ ذلك الحين، وتحول نحو تأييد الفكرة. أما وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، فأشاد بالفكرة، وأشار ضمنياً (على خلاف الحقيقة) إلى أن أستراليا تدعم إجراء تحقيق أميركي، مسلطاً الضوء على واحدة من العقبات الكبرى القائمة باستمرار في طريق أستراليا: وجود وجهة نظر عامة ترى أن موريسون حريص على نحو مفرط على إرضاء حليفه ترمب. أما جعل التحقيق واقعاً فربما يتطلب دليلاً أكبر على الاستقلالية، ونمطاً من الجهود الحذرة المستدامة لم تتقنه أستراليا بعد.
وفي هذا الصدد، أعرب جينينغز عن اعتقاده بأن «الاختبار الحقيقي سيكون: ما الذي ستفعله أستراليا لاحقاً؟». واستطرد بأنه في حال موت المقترح داخل منظمة الصحة العالمية «ينبغي لأستراليا تشكيل لجنة مستقلة، تضم محققين من مختلف أرجاء العالم، والمشاركة في تكلفتها وقيادتها».
من غير الواضح ما أقصى ما يمكن لمجموعة من القوى العالمية متوسطة الحجم من دون قيادة ثابتة إنجازه على أرض الواقع. وعند نقطة محددة، سيتعين على أستراليا والدول الأخرى اتخاذ قرار بخصوص ما إذا كان ينبغي التركيز على إصلاح النظام الدولي القديم، أم محاولة بناء نظام جديد تماماً.
اليوم، ثمة شكوك تحيط بالفعل بمنظمة الصحة العالمية التي اتهمتها دول كثيرة، بينها الولايات المتحدة واليابان، بإبداء قدر مفرط من الثقة في الحكومة الصينية، وتجاهل مؤشرات التحذير الأولى التي انطلقت من تايوان حول وجود وباء. ويعتقد كثير من النقاد أن السبيل للخروج من الوباء، والصراع الأميركي - الصيني المتفاقم، ربما يكمن في بناء أشكال جديدة من المنظمات، يعتمد على الدول التي تحاول بالفعل إحياء التعاون العالمي من أجل القضاء على فيروس قاتل لا يأبه بالحدود الوطنية.
من جهتها، قالت المشرعة الفيدرالية في أستراليا، كونسيتا فسرافانتي ويلز، التي كثيراً ما وجهت انتقادات شديدة إلى الصين، إن العالم بحاجة للتحلي بالجرأة، ومقاومة «النهج المعتاد للأمور». وأضافت أن «هناك حاجة لتعزيز نظام دولي يقوم على مجموعة من القواعد. وإذا لم يستجب العالم ويتحرك الآن، فمتى سنتحرك إذن؟».

* خدمة «نيويورك تايمز»



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.