جلال علوان: أردت تحويل مفردات البيئة من مشاهد تقليدية نمطية إلى أخرى إبداعية

يُجسد في أعماله الأحلام الشخصية على السطوح التصويرية

الفنان جلال علوان  -  الأراجيح  -  الطاقة التعبيرية للأثاث
الفنان جلال علوان - الأراجيح - الطاقة التعبيرية للأثاث
TT

جلال علوان: أردت تحويل مفردات البيئة من مشاهد تقليدية نمطية إلى أخرى إبداعية

الفنان جلال علوان  -  الأراجيح  -  الطاقة التعبيرية للأثاث
الفنان جلال علوان - الأراجيح - الطاقة التعبيرية للأثاث

كثيرة هي المشاريع الفنية التي ينغمس فيها الفنان التشكيلي جلال علوان، فقد انطلقت بواكير تجربته الفنية، منذ كان طالبا في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد. ثم تعززت بدماء جديدة، حينما واصل دراسته في الكلية الملكية للفنون بمدينة لاهاي الهولندية، وأقام فيها كثيرا من المعارض الشخصية والمشتركة. وعلى الرغم من الكرم الهولندي المعروف تجاه اللاجئين من مختلف أنحاء العالم، إلا أن جلال علوان لم يشعر بالاستقرار، وربما لم يجد آصرة للارتباط بهذه الأراضي المنخفضة التي تتوسد الضفة الشرقية لبحر الشمال. قرر جلال أن يحسم أمره وييمم وجهه شطر بريطانيا، التي يجد فيها العراقيون بعض ضالتهم الغامضة في الركون إلى هذا البلد، الذي قد يكون ملاذا لغويا، أو لعله ينطوي على بيئة عراقية وعربية مهاجرة «نحنُّ إليها على الرغم من تفادينا لهذا الحنين أو نكراننا له».
وأكثر من ذلك، فإن بريطانيا، هي بيئة فنية كوزموبوليتية تستطيع أن تصهر في بوتقتها نتاجات كل الفنانين العالميين المنفيين أو المقتلعين من جذورهم، أو الذين غامروا بالرحيل فوجدوا فيها فردوسا جميلا طالما حلموا بالوصول إليه، كي يتنفسوا هواء الحرية قبل أن ينهمكوا بتأمين هاجس الطعام.
من لندن المكتظة بأكثر من 100 جنسية، انطلق جلال علوان بمشاريعه الفنية التي اجترحها من مخيلته المشتعلة، فكانت تنطوي على التشخيص تارة، وعلى الفن المفهومي تارة أخرى، على التلميح حينا وعلى التصريح حينا آخر، تاركا لمشاهده أن يفك الرموز والطلاسم والأحجيات الفنية، إن توفر عليها هذا العمل الفني أو ذاك. وللتعرف على بعض مشاريعه الفنية الكثيرة، كان هذا الحوار مع الفنان جلال علوان.

* غرفة الانتظار
* كيف انبثق في ذهنك «مشروع غرفة الانتظار»؟ وهل أن الحلم أو الخيال المتشظي هو الوسيلة الوحيدة للتحايل على الواقع المزري في العراق الجديد كما يسمونه؟
- في زيارتي الأخيرة إلى العراق، في الماضي، قمت ببعض المعاملات الرسمية، وكان الانتظار السمة البارزة في حياة الناس وخصوصا في الدوائر الرسمية، ربما لأن مفهوم الوقت وحساباته لم يعد يمثل هاجسا لهم، فالضياع والخسارات أصبحت قرينة لوطن ينهشه الغياب. والوقت والأمان، والثروات، والخبز، والكهرباء، والإحساس بالآدمية، والحرية الفردية، والانتظار، كلها عناصر نهشتها فوضى اللامعقول وعدم المسؤولية.
لذلك جاء عملي «غرفة الانتظار» بعد مراجعتي لوزارة الخارجية العراقية لتصديق وثائق لي، حيث تطلب الأمر مني أن أنتظر 7 ساعات في صالة غير مهيأة لاستيعاب 400 مواطن كانوا موجودين في ذلك الصباح. فهي غير مكيفة، ومعدومة التهوية، ومقاعدها الخمسون نصفها عاطل لا يمكن الجلوس عليه، ولا يجوز مغادرة المبنى حتى اكتمال المعاملات.
كان الوضع بائسا ومتعبا للجميع، وبالكاد يستطيع الإنسان الاتكاء على الحائط. في تلك اللحظات التعيسة وأنا الغارق في حزني على ما آلت إليه الأمور، ولدت فكرة غرفة الانتظار. تخيلت المكان مليئا بالأراجيح، وتخيلت سعادة الناس وهي تتأرجح في فضاء رحب منتظرة معاملاتها التي ستنجز كالحلم، وفي وقت لا يزيد عن 7 دقائق. لقد قررت أن أنتصر على هذا الشعور القاتل بالتحايل، فأستبدل الصورة اللعينة للانتظار في ذهني، على الأقل، بصورة الأراجيح التي طالما أدخلت السرور إلى قلبي حينما كنت طفلا صغيرا.

* الطاقة التعبيرية
* ما الطاقة التعبيرية الكامنة في الأثاث؟ وما نوع الذكريات الفردية والأسرية التي تكتنفها؟ وكيف توقف بناء ذاكرتك العاطفية من جهة، والوجودية من جهة أخرى ضمن حدود بيئتك المنتهكة، وحريتك الشخصية المصادرة؟
- كانت هنالك محطات في حياتي أرغمتني على تبديل أثاث منزلي لمرات كثيرة. في بداية العشرينات من عمري، اعتقلت مع أخي الوحيد في العراق في (معتقل أمن بغداد)، حيث أتلف رجال الأمن وسرقوا الكثير من أثاث منزلنا، وضاع معه كثير من الذكريات الشخصية والعائلية، وتوقف في أثنائها بناء الذاكرة العاطفية التي كانت تربطني بمفردات بيئتي. ثم تركت العراق إلى عمان ومنها إلى هولندا، الدولة التي منحتني الجنسية، ولكنها لم تمنحني الاستقرار، على الرغم من المدة الطويلة التي قضيتها هناك. ثم محطتي الأخيرة لندن.
الانتقال المتكرر أربك عندي أحاسيس الحنين، الامتلاك والانتماء، ولمجرد أن يبدأ الشعور بالامتلاك أجد نفسي مرغما على أن أهجر ممتلكاتي مرة تلو الأخرى، وأشعر وكأنني يتيم البيئة أو غريب عنها. لذلك وجدت نفسي متأرجحا بين الواقع بكل تعثراته والخيال بكل تأملاته. الواقع المتمثل بمفهوم الاستغناء والرحيل والفناء، والحلم المتمثل بمفهوم الخلود والتعلق، والتشبث والاستقرار.
كان لا بد من إيجاد حل لتخطي هذا الشعور المربك، باستبدال هذه العلاقة المليئة بالقطيعة والهجران، والتخلي عن عالم أكثر سحرا وواقعية واستقرارا، حتى ولو كان واقعا افتراضيا، أي بمعنى آخر، أريد خلق علاقة بين الواقع والمتوقع من خلال الاحتفاظ بما يمكن الاحتفاظ به من مفردات البيئة، بعد تحويلها من مشاهد تقليدية نمطية إلى مشاهد إبداعية أخرى، لأنني أريد أن أتعرف من جديد، على العالم المحيط بي. إنني أقوم بتفكيك صورة (مفردات البيئة التي من حولي) ومفهومها في ذهني وإعادة تركيبها إلى مفهوم تعبيري رمزي لخلق حوار بين المادة والوعي للتعرف من جديد على ممتلكاتي. وتلك المفردات لها مفاهيم محددة أود أن أحول تراكيبها إلى كائنات أكثر حيوية، ذات قدرة تواصلية يمكن أن تثير الأحاسيس والخيال، وتحرك الإدراك لوجود فيزيائي جديد ذي شحنة شعرية ساحرة.
إنها عملية تغيير في الهوية تتخطى عامل الزمان والمكان، عندما يصبح عملا إبداعيا يسمح لي وللمتلقي بالهروب من الواقع الروتيني اليومي التام من ناحية، ويصبح للحاجات وجود آخر في ذاكرتي من ناحية أخرى.

* هاجس الحوار
* تشتغل على فكرة المشروع المتعدد الثيمات الذي يستجيب لمفاهيمك الفكرية وخطابك الجمالي، ومشروع الحوار هو أحد هذه المشاريع التي انهمكت بها لمدة زمنية طويلة بعض الشيء. هل تريد أن تروج لمفاهيمك أم لرؤيتك البصرية الجمالية؟
- المشروع عبارة عن محاولة تحليلية بصرية، أردت من خلالها تصوير موقف الحوار (من قِبلي أنا ومن قِبَل الآخر)، وإلى أي مدى نحن أحرار بما نفكر ونقرر؟ وهل أن كل ما يطرح في الحوار هو كل شيء؟ وكيف نتبنى المواقف؟ وهل هنالك تبنيات مخفية أو معلنة؟ أم أن هنالك خلف مشهد الحوار مصالح أو خلفيات (تاريخية، دينية، عرقية، بيئية، عشائرية، طائفية أو أخلاقية) نحن مكبلون بها، وهي تحدد طبيعة الحوار ونوعيته، ومستواه واتجاهه؟ وما مصداقية الفكرة التي تقول: (عندما نتغير يتغير العالم من حولنا)، أو (كيف ما تكونوا يولى عليكم)!
في «مشروع الحوار» وضعت الرؤوس على وفق الترتيب الآتي: «الأبوان والبيئة والتعليم والعمل والتجربة والعوامل الطبيعية والزمن، كلها عوامل تكون الشخصية، وهي بالنتيجة مَن يقود الحوار. أما مصادر المعلومات، فهي متنوعة متشابهة ومختلفة ومتقاطعة أحيانا. وأردت للقناعات أن تكون راسخة كالمسامير في الرأس. أما عندما تنحسر مصادر المعرفة، فإننا نرفض الآخر ونتطرف في آرائنا. يكشف إلقاء اللوم على الآخر عن استراتيجية العاجز، إذ إن موقع المتفرج هو أكثر أمنا من موقع المبادرين. أما إظهار عيوب الآخرين وإسقاط المبادرين فهو يغطي فشلنا؟ يقول علي ابن أبي طالب: ما جادلتُ جاهلاً إلا وغلبني، إذ لا يصبح للحكمة قيمة أمام الجاهل العنيد.
لابد من الوقوف عند مادة الصنع فهي من الراكو (وهو خزف بطريقة يابانية قديمة خاصة طورها الأوروبيون)، والقطع المعدنية كالحديد والرصاص، إضافة إلى المطاط. أما الفيغر المنفذ هو بحجم الرجل الاعتيادي، وقد اخترت ملامحه بحيث يمكن أن نجدها في كل أعراق البشر، كما بالغت في طول الرقبة للدلالة على غرور الإنسان الذي يفخر بنفسه، حتى وإن لم يستحق ذلك. وقد قمت بتثبيت قطع البورتريهات على قواعد خشبية.



أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور
TT

أحمد قعبور وأحمد دحبور... جناس ناقص وعذوبة كاملة

أحمد قعبور
أحمد قعبور

كان مقدّراً لهذه المقالة أن تكون مخصصة بالكامل للحديث عن أحمد قعبور الذي لم يكن رحيله، وسط الدخان الكثيف الذي يغطي سماء لبنان والمنطقة، شأناً من شؤون المصادفات المجردة، بل بدا بمنزلة احتجاج صارخ على فساد العالم ووحشيته المطلقة، أو نزول متعمد عن خشبة المسرح الفظ الذي يسمى الحياة. غير أن ما عدّل في وجهة الكتابة لتشمل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور، هو خلطٌ بينه وبين المغني اللبناني، غالباً ما تسبب فيه التشابه في الأسماء. وهو ما حدث للشاعر الفلسطيني عبد السلام العطاري، حين ظل يخلط دون قصد بين الاسمين، في حوار أجرته معه إحدى الفضائيات، بما حوّل الحوار برمته إلى تأبين للشاعر والمغني على حد سواء.

وقد قادتني الحادثة تلك إلى التذكير بأن مثل ذلك الخلط لم يكن غائباً عن بال قعبور ذاته، وهو الذي أخبرنا في إحدى جلسات المقهى التي واكبت فترة مرضه القاسية، بأن العديد من أصدقائه قد اتصلوا به مستنكرين وفاته دون إعلامهم، إثر رحيل الشاعر الفلسطيني أحمد دحبور! ثم تابع على طريقته في الدعابة بأن زوجته إيمان بكداش قد اضطرت إلى نفي نبأ رحيله عبر أكثر من مكالمة هاتفية، وقد ظن البعض أنه هو نفسه المتوفى، ليضيف مبتسماً أن ما حدث له ذكّره برائعة جورج أمادو الروائية «كانكان العوام الذي مات مرتين».

أحمد دحبور

وإذا كان الكلام عن أحمد قعبور يستدعي مروحة واسعة من الأفكار والذكريات، فإن أكثر ما ميّزه عن سواه هو نقاء سريرته، وصدقه مع نفسه في كل ما يفعل، بحيث نستطيع أن نرى أي نغمة حزن أو لمعة فرح وهي تتلألأ في مياه أعماقه المشمسة. ولم تكن سمات أحمد الأخلاقية، التي ورثها عن والديه العصاميين، لتقتصر على البشاشة وخفة الظل والقدرة اللامتناهية على الحب فحسب، بل إنه اشتغل بدأب المحاربين على ألا يكون التواضع عنده اتضاعاً، والحاجة تضحيةً بالكرامة، محاولاً في الوقت ذاته أن يوائم قدر استطاعته بين صلابة الموقف وليونة التعبير عنه.

وقد بذل أحمد الشاب، وهو نجل عازف الكمان البيروتي محمود قعبور، جهوداً حثيثة لجعل الفن خط تماس شديد الحساسية بين الحياة والتعبير، ومحاولة شاقة للتوفيق بين الالتزام بشروط الواقع، والالتزام بشروط الجمال. إضافة إلى محاولات مماثلة لتكييف موسيقاه مع روح العصر وإيقاعه المتسارع، دون أن يقطع الصلة في المقابل مع الجذور الأم للموروث الموسيقي العربي. كما أن إلحاحه الدؤوب على أن يستقي أعماله وأغانيه من الهموم اليومية للبشر العاديين، وتحويل المناسبات الاجتماعية والدينية إلى أغنيات وأهازيج، لم يقلل من حرصه الموازي على إيلاء الجوانب الفنية في أعماله ما تستحقه من الاهتمام.

وقد تكون المزايا والسمات التي وفرت لتجربة قعبور سبل البقاء والانتشار الواسع، هي نفسها التي وفرت لتجربة مرسيل خليفة، على ما بين التجربتين من اختلاف، عناصر توهجها الداخلي وثرائها الخلّاق، في حين أن معظم التجارب المماثلة قد آلت إلى الوهن والضمور. كما أن ما منح أحمد قدرته الملحوظة على ردم الهوة مع الجمهور، هو ذلك الدفء الإنساني المنقوع بالألم الذي كانت تبثه حنجرته الراعشة في أوصال مستمعيه، لتصلهم رغم نحول الصوت بما أضاعوه من حيواتهم على غير انتباه. كما أن ذلك الدفء بالذات، متحداً مع ذكاء فطري وبراءة طفولية المنشأ، قد مكّن قعبور من شد انتباه الأطفال وملامسة قلوبهم اليانعة.

وحيث كان قعبور قادراً على تحويل كل ما يقاربه من يوميات العيش وتفاصيله إلى فن حقيقي، فإن الكثيرين يذكرون كيف أنه صنع من بعض «الفلاشات» والبرقيات الدعائية السريعة التي كانت تُبث في تلفزيون «المستقبل» في تسعينيات القرن المنصرم، مثل «لعيونك» و«البلد ماشي»، برقيات ولقى ذكية حفظها الناس عن ظهر قلب، وتجاوزت بُعدها السياسي الضيق لتدمغ بظُرفها اللماح مرحلة بكاملها. ولعل أكثر ما آلم أحمد يومذاك هو تلك السهام السياسية الحادة التي سددها نحوه الكثير من المتربصين به، وبينهم أقرب أصدقائه، والتي تركت في قلبه جراحاً عصيّة على الاندمال.

على أن من الصعب الحديث عن أحمد قعبور دون الإشارة إلى أن النجاح غير العادي الذي أصابته أغنيته «أناديكم»، التي كتبها الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، كان المحصلة الطبيعية للتحالف الوثيق بين جمال النص وبراعة اللحن، مضافاً إليهما الصوت الخارج من الأحشاء، بكامل حرقته وتمرده ونشيجه. كما أن الهوة الفاصلة بين صوت المنادي، الشبيه بما تبقى من صارية سفينة غارقة، وبين أسماع البشر المعنيين بالنداء، هي التي منحت الأغنية طابعها الطقوسي، وحوّلتها إلى تعويذة رمزية في وجه الموت.

أما أحمد دحبور، فلعل أكثر ما يتشاركه مع قعبور هو الصدق والعذوبة واقتطاع التعبير من المنابت التراثية الجمعية، التي أعاد كل منهما تجديدها على طريقته. وهو ما عكسه عند دحبور إلحاحه الدائم على محاورة الماضي واستنهاضه، كمثل قوله: «أضاعوني وأيَّ فتى أضاع الأهل والخلانْ». إضافة إلى استخدام صيغ النداء نفسها التي استخدمها المغني؛ إذ تتكرر عبارات من مثل: «يا كربلاء تلمّسي وجهي بمائكِ تلمسي عطش القتيل»، أو «ويا جَمل المحاملِ دربنا شوكُ»، وغير ذلك. كما تفصح البساطة واللغة الأليفتان عن نفسَيهما، عبر قول دحبور في إحدى قصائده الغزلية:

تبدأ القصة بالوجه المضيء الساحليْ

شعرها الأسود من ليل المخيمْ

فُتْحةُ العينين «يا دين النبيْ»!

والواقع أن هذه الميزة لدى الشاعر أكثر ما بدت واضحة في أعماله الأولى «حكاية الولد الفلسطيني» و«طائر الوحدات» و«بغير هذا جئت»، قبل أن تخلي مكانها في وقت لاحق لخلطة أكثر تعقيداً من الكتابة الحرَفية والحذق التأليفي. ففي تلك الأعمال بالذات بدا دحبور وكأنه يشحذ لغته على سكين الألم والمكابدة والانبثاق التلقائي من باطن الذات، كقوله في إحدى قصائده:

حين يكتمل الحزن تكتمل القنبلة

والدم المتربصُ يفتح ذاكرةً في الحجارةِ:

إن فلسطين ممتدةٌ من دمٍ عالقٍ بقماطي

إلى حقل رزٍّ يقاوم في عمق «فيتنام»

لكنها حين ينقصني خبزها تتجمّع في سنبله

كما أن أكثر ما ميّز دحبور في مختلف أعماله هو أسلوبه الجدلي الدرامي الحافل، الذي كان يشحن اللغة بطاقة عالية من الحيوية والتوتر. ومع أنه كان يعدّ شاعراً غنائياً بامتياز، فإنها ليست الغنائية الرخوة التي تتوسل التطريب الصوتي سبيلاً لدغدغة المشاعر، بل الغنائية المشحونة بقلق النفس، وأسئلة الهوية المحاصرة، والجموح العاصف للكلمات.

ولم تكن فلسطين وحدها هي التي وفرت لدحبور ما يحتاجه من مناجم الكتابة ومساقط الحنين إلى المكان الأول، بل إن نشأته وإقامته في حمص، مسقط رأس ديك الجن الحمصي وحبيبته ورد، قد زودتاه من جهتهما بقدر غير قليل من الرقة، حيث الهبوب المتواصل للرياح المحيطة بالمدينة لم يجبر الشجر وحده على الانحناء، بل تعهد بأنينه المكسور قصائد الحب، وقلوب العشاق، وبحة الأسى الدهري.

ولن تفوتني الإشارة، أخيراً، إلى أن ما جمع بين الطرفين من تشابهات لم يكن يقتصر على الجناس الناقص بين الاسمين، ولا على المزايا الإبداعية والإنسانية فحسب، بل إن من المفارقات الغريبة أن يكون أحمد دحبور المولود عام 1946 والمتوفى عام 2017م، وأحمد قعبور المولود عام 1955 والمتوفى عام 2026م، قد تقاسما العمر ذاته، بحيث أمكن لكل منهما المكوث واحداً وسبعين عاماً لا أكثر، فوق سطح الأرض. كما أن المفارقات نفسها قد تدخلت مرة أخرى لتجعل من موعد نشر هذه المقالة في «الشرق الأوسط»، اليوم الثامن من نيسان (أبريل) الحالي، هو الموعد نفسه الذي رحل فيه أحمد دحبور، أحد أكثر الأصوات الفلسطينية براءة ونقاء، عن هذا العالم.


تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
TT

تقاسيم زخرفية أموية من «قصر الحير الشرقي»

3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية
3 ألواح زخرفية من الجص المنحوت مصدرها موقع «قصر الحير الشرقي» في البادية السورية

ازدهرت خلال الحقبة الأموية حِرَف الزينة المعمارية، وشكّل نتاجها المبتكر أساساً لجمالية الفن الإسلامي بأقاليمه المتعدّدة على مدى قرون من الزمن. تجلّت هذه الحِرَف بنوع خاص في اعتماد تقنية الجص الجيري المنحوت في تزيين العناصر المعمارية الخاصة بالمباني التي عُرفت بـ«قصور البادية»، كما في صناعة لوحات مستقلّة داخل هذه المباني بأشكال مختلفة. تجلّى هذا الفن في مجموعات من اللقى عُثر عليها بين أطلال هذه القصور، منها مجموعة صغيرة خرجت في السنوات الأخيرة من مبنى كبير، شكّل ملحقاً من ملحقات قصر، ويُعدّ أكبر المنشآت الأموية وأضخمها في البادية السورية، ويُعرف بـ«قصر الحير الشرقي».

جال عالم الآثار الأميركي جورج فورسيث خلال عام 1956 في نواح عدة من الشرق الأوسط لاختيار مواقع جديرة بالمسح، ورافقه في هذه الجولة زميله الفرنسي أوليغ غرابار المختص في الفنون الإسلامية. شملت هذه الجولة موقع «قصر الحير الشرقي» الذي جذب غرابار، فقصده ثانية عام 1962 في مهمة تمهّد لاستكشافه، وعاد إليه في 1964 على رأس بعثة ضمت عدداً من كبار العلماء، وأشرف على حملة مسح وتنقيب استمرت شهرين. تجددت هذه الحملة في 1966، وتبعتها حملة ثالثة بين عامي 1967 و1968، ثم حملة رابعة في 1969، وخامسة في 1970، وكانت خاتمتها حملة سادسة في 1971. شملت هذه الحملات الميدانية المعمّقة مجمل مساحة «قصر الحير الشرقي»، ورافقها صدور تقارير توثيقية خاصة بها تناولت نتائج أبحاثها. تُوّج هذا العمل المتواصل أخيراً في 1978 بنشر كتاب شكّل دراسة جامعة لهذه الأبحاث، حمل عنوان «مدينة في الصحراء».

شيّد هذه المدينة التي تقع إلى الشمال الشرقي من تدمر، الخليفة هشام بن عبد الملك عامي 728 و729 كما يؤكّد نقش عُثر عليه في الموقع، ويقابلها قصر آخر، شيّده كذلك هذا الخليفة في عام 727، ويقع إلى الجنوب الغربي من تدمر، ويُعرف باسم «قصر الحير الغربي». يتكوّن «القصر الشرقي» من مجمّعين مربّعين متجاورين يُعرفان بـ«القصر الكبير» و«القصر الصغير»، في إشارة إلى حجميهما. ويتميّز في المقام الأوّل بطابعه المعماري الضخم، وتبدو أطلاله أكبر من أطلال نظيره «الغربي». في المقابل، يتميّز «القصر الغربي» بثراء حلله الزينية، وتبدو حلل نظيره «الشرقي» متواضعة للغاية أمام هذا الثراء الاستثنائي.

لم تشكّل الحملات الأميركية نهاية لاستكشاف «القصر الشرقي»؛ إذ توسّعت الدائرة خارج حدود الحرمين المتجاورين، وبلغت سلسلة من المساكن تقع في شمال هذا الموقع، أهمها مسكن ضخم يحمل طابعاً أميرياً كما تشهد اللقى التي خرجت منه، خلال سلسلة جديدة من الحملات أجرتها بعثة سويسرية - سورية مشتركة بين عامَي 2007 و2010. يتألف هذا المسكن الضخم من مجمّعين متلاصقين تتوسّط كلاً منهما ساحة داخلية، ويمتدّان على مساحة يبلغ طولها 65.5 متر، وعرضها 44.5 متر. يبدو هذا البناء معاصراً للحرمين الرئيسيين اللذين يتكوّن منهما الموقع، ويمكن القول إن تشيّيده مهّد في الأصل لبناء هذه المدينة، أو أنّه شكّل ملحقاً توسّعياً لها.

حافظ هذا المسكن على بعض من حلله المنقوشة، وبدت مشابهة من حيث التكوين والأسلوب لما نراه في حرمَي «القصر الشرقي» المجاورين. هنا وهناك، نقع على عواميد تزينها نقوش منجزة بتقنية الجص المنحوت. تعلو هذه العواميد تيجان كبيرة، تشكّل أساساً لأقواس منقوشة تتبنى أطرزة شاعت في العالم المتوسّطي، تجمع بين التقاليد الرومانية والساسانية، وتشكّل امتداداً لميراث محلّي انتشر في بقاع واسعة من بلاد الشام.

إلى جانب هذه الشواهد المعمارية، تحضر مجموعة من الألواح تعتمد كذلك تقنية الجص المنقوش، وصلت للأسف بشكل مجتزأ. يصعب تحديد وظيفة هذه الألواح الأصلية بدقّة، غير أن ما بقي من مكوّناتها يشهد لرهافة بالغة في تأليف الشبكات الزخرفية المتنوّعة. تعتمد هذه الشبكات صياغة تجريدية شاملة، إلا إنها لا تمنع ظهور العناصر التصويرية ضمن هذه القوالب، وأبرزها العناصر النباتية المحوّرة. تظهر هذه العناصر في شواهد كثيرة، منها 3 ألواح تختزل هذا النسق الذي طبع الميراث الفني الأموي بشكل واسع. عُثر على أحد هذه الألواح عام 2008، ويبلغ طوله في الأصل على الأرجح 64 سنتيمتراً، وعرضه 42 سنتيمتراً، وقوامه مساحة مزخرفة يحدها إطار مستطيل بسيط. تبدو هذه المساحة لأول وهلة هندسية بشكل خالص، غير أن التأمل فيها يُظهر تبنيها عنصراً وحيداً جامعاً يتمثل في زهرة ذات 6 بتلات طويلة متساوية، تلتفّ حول ثقب دائري يشكّل برعماً لتفتّحها. تستقرّ هذه الزهرة داخل إطار يتكوّن من 6 أضلاع، وتؤلّف وحدة هندسية ثابتة، تتشابك وتتداخل مع أطر مماثلة لها. ويشكّل هذا التشابك مساحة زخرفية متناسقة متقنة ومحكمة تعتمد تأليفاً هندساً صارماً.

يتغيّر هذا النسق في لوح ثانٍ يعود اكتشافه إلى عام 2010، طوله في الأصل تقديرياً 70 سنتيمتراً، وعرضه 50 سنتيمتراً. ما تبقّى من هذا اللوح يُظهر مجموعة من 6 ورود متماثلة، تحضر وسط أغصان لولبية مورقة تلتفّ من حولها بشكل دائري. تتألف كل وردة من 6 بتلات صغيرة، تحيط بقرص مماثل لها من حيث الشكل والحجم. تحيط بهذه الورود أغصان تخرج منها أوراق، يظهر بعضها بشكل جانبي، ويظهر البعض الآخر بشكل منبسط ومواجه. في القسم الأسفل من هذا اللوح، تظهر أغصان مورقة أخرى تمتد عمودياً بشكل حر، واللافت أن وريقات هذه الأغصان تخرج عن القالب الجامع؛ إذ تختلف في الحجم والتكوين. في قطعة صغيرة تشكّل جزءاً من هذا التأليف، موقعها على الأرجح الطرف الأيسر من اللوح، نقع على وردة كبيرة تتلاحم بتلاتها الكثيفة، وتبدو أشبه بعنقود من العنب.

يتكرّر هذا القالب الزخرفي الحر في لوح ثالث يصعب تقدير حجمه الأصلي، وفيه تحضر أغصان نباتية من الفصيلة التي تُعرف باسم «الأقنثا»، وتبدو أوراق هذه الأغصان المحوّرة هندسياً أشبه بكوز يتكوّن من 4 مساحات هلالية. يشكّل كل من هذه الأكواز كتلة دائرية تلتف من حولها أغصان لولبية، تخرج منها أوراق جانبية مسنّنة، يمتد بعض منها عمودياً، ويمتدّ البعض الآخر أفقياً. ينصهر هذا التأليف في قالب منفلت، يُسبِغ على هذه الشبكة الزخرفية طابعاً حياً.


دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ
TT

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

دراسة جديدة عن «حرافيش» نجيب محفوظ

يشير لفظ الحرافيش إلى دلالات لغوية واجتماعية تتعلق بـ«المهمشين» وسط الجموع، وهو اسم جمع ومفرده «حرفوش» المنحدر من الجذر اللغوي لفعل «حرفش» الذي يعني، حرفياً، الغلظة وقلة تهذيب والخروج عن اللائق، كما يدل أحياناً على المصارع والمقاتل.

وظهر لفظ «الحرافيش» في بداية عصر المماليك، حيث أطلقه المؤرخون على المصريين سكان القاهرة من الطبقات الشعبية التي يملك الواحد فيها صنعة أو حرفة.

هذا ما تلاحظه الباحثة حنان راضي محمود في كتابها «صور التقابل في رواية الحرافيش»، الصادر ضمن سلسلة «كتابات نقدية» عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، مشيرةً إلى أن «ملحمة الحرافيش» تعد واحدة من روائع نجيب محفوظ، تسلط الضوء على تلك الفئة من الشعب ليس باعتبارها طبقة كادحة فحسب بل طبقة ذات طابع إنساني، حيث أكسبتها المعيشة القاسية صفات من الغلظة والخشونة.

ويتناول محفوظ هؤلاء البشر باعتبارهم «المستضعفين من الناس»، فحياتهم الفقيرة لم تحرمهم من الحلم والسعي وراء العدالة والحرية التي ينتظرون أن تأتي مع البطل الملحمي القادر على أن يملأ الأرض عدلاً بعد أن امتلأت ظلماً. هذا ما تجسد بالفعل في أحداث «ملحمة الحرافيش» على يد عاشور الناجي الجد مروراً بـ«الفتوات» الذين ساروا على نهجه، وصولاً إلى عاشور الحفيد الذي اختتم الملحمة.

وتعتقد الكاتبة أن المشهد الأول في الرواية يحظى بأهمية خاصة حيث يوثق بداية ظهور البطل عاشور الناجي من خلال العثور عليه رضيعاً وسط المقابر، وقد عثر عليه الشيخ «عفرة زيدان» وأخذه لزوجته، وقاما على تربيته رغم عدم معرفة أصله، ثم تتطور الأحداث حين ينمو ويكبر عاشور ويصبح شاباً ثم يتزوج وينجب ثلاثة أبناء.

يأتي الحدث الثاني، وهو الحدث الفاصل في بلورة الأحداث التالية في الرواية، وهو حدث «الشوطة»، أو الوباء، الذي حل على الحارة وأخذ الأخضر واليابس، كما اكتسح الموت كل معالم الحياة. وتكتمل وحدة الحدث بإحدى «كرامات عاشور» الناجي برحيله عن الحارة قبل أن تصيبه «الشوطة» عبر حلم تحول به مصيره، فقد نجا من الوباء هو وزوجته «فلة» و«شمس الدين»، نجله، ومنذ ذلك الوقت لُقّب بـ«الناجي»، وأصبح اسمه «عاشور الناجي» وكأن أسرته التي كونها قبل الوباء لم تكن.

وتشير المؤلفة إلى سمة فنية تتجلى في معظم نهايات أحداث الحكايات الأخرى من «الحرافيش» وتشكلت معها جماليات أسلوبية في الحكي عبر النهايات الحزينة ذات الطابع المأساوي، التي يأتي فيها الموت مصيراً محتوماً، وهي نهاية تشير إلى طبيعة الاتجاه الرومانسي الذي تغلب عليه مشاعر الحزن والقلق ومشاهد الضعف الإنساني.

وعلى سبيل المثال، نجد في الحكاية الثالثة «شمس الدين» أن النهاية تعلن عن رحيله، فقد عاش خائفاً من الضعف والمرض أكثر من الموت نفسه، فلُقّب بـ«قاهر الشيخوخة»، كما تحل النهاية المأساوية مجدداً عبر الحكاية السادسة «شهد الملائكة» بمقتل «زهيرة» على يد طليقها في مشهد صادم.