هل نحن مستعدّون لاستقبال «الفيروسات النائمة»؟

الطبيعة تفرض شروطها على البشرية عبر صحة الإنسان والاقتصاد

هل نحن مستعدّون لاستقبال «الفيروسات النائمة»؟
TT

هل نحن مستعدّون لاستقبال «الفيروسات النائمة»؟

هل نحن مستعدّون لاستقبال «الفيروسات النائمة»؟

كانت السمة البارزة للعصر الحديث هي قدرة الإنسان على تغيير كل ركن من أركان الكوكب من خلال استنزاف موارده والتحكم بنظمه البيئية. لكن الشهور القليلة الماضية أظهرت حزم الطبيعة في فرض شروطها على البشرية بأسرها، عبر التأثير على صحة الإنسان وتهديد النمو الاقتصادي. وبينما تطغى أعداد الإصابات والوفيات الناتجة عن وباء «كورونا» على ما عداها من الأخبار في وسائل الإعلام، تسبب الانخفاض الحاد في ساعات العمل وحركة المرور على الطرقات وتراجع الانبعاثات الصناعية في تحسين نوعية الهواء حول العالم والحفاظ على حياة كثيرين.
فقد أدت إجراءات مواجهة الفيروس في أوروبا خلال شهر أبريل (نيسان) إلى انخفاض بنسبة 40 في المائة في متوسط مستوى التلوث بثاني أوكسيد النيتروجين، و10 في المائة في متوسط مستوى التلوث بالجسيمات المعلقة، مما ساعد في تجنب 11 ألف حالة وفاة كانت متوقعة بسبب تلوث الهواء. لكن أعداد المتوفين في أوروبا بسبب «كورونا» خلال الفترة نفسها فاق هذا بكثير. عدا عن أن هذه التقديرات التي نشرها «مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف»، تخص قارة واحدة خلال شهر واحد. لكن تلوث الهواء يتسبب بوفاة 7 ملايين إنسان حول العالم سنوياً، وفقاً لأرقام منظمة الصحة العالمية، التي تشير أيضاً إلى أن 91 في المائة من سكان العالم يعيشون في أماكن لا يتمتع هواؤها بالحد الأدنى من المواصفات المطلوبة.
وقد رصدت دراسات حديثة وجود ارتباط محتمل بين فيروس «كورونا» وتلوث الهواء. ويقترح فريق من الباحثين في جامعة بولونيا الإيطالية انتقال الفيروس على أسطح الأجسام المعلقة في الهواء، مما يفسر ارتفاع معدلات الإصابة في أجزاء من شمال إيطاليا، بصفتها واحدة من أكثر المناطق تلوثاً في أوروبا. وكانت دراسة نشرت سنة 2004 أظهرت انتقال فيروس «سارس» في الهواء بواسطة الرذاذ (إيروسول). كما أظهرت الإحصاءات علاقة بين ضعف مناعة الجهاز التنفسي عند الأشخاص المقيمين في مناطق ذات مستويات تلوث هواء مرتفعة وزيادة عدد الإصابات والوفيات بفيروس «كورونا».
وتتأكد يوماً بعد يوم العلاقة الوثيقة بين النشاط البشري والجائحات المرضية، التي لا تقتصر على انتشار الأوبئة، بل ترتبط أيضاً بظهورها وانتقالها في أغلب الأحيان من الحيوان إلى الإنسان. وفيما يُرجَّح أن أصل تفشي جائحة «كوفيد-19» يعود إلى انتقال الفيروس من أحد أنواع الخفافيش في سوق للحوم والحيوانات الحية في الصين، فالثابت أن 60 في المائة من جميع الأمراض المعدية بين البشر هي أمراض حيوانية المنشأ، و75 في المائة من الأمراض المعدية التي ظهرت حديثاً ويتسارع انتشارها في العالم تأتي عن طريق الحيوانات. لكن اللوم لا يقع على الحيوانات، إذ إن النشاط البشري هو الذي اقتحم موائلها الطبيعية، وليس العكس. كما أن أساليب الإنتاج الحيواني والزراعي المكثف تساهم بشكل رئيسي في انتقال الأمراض وتفشيها.
الأمراض الحيوانية المنشأ التي ظهرت، أو عادت إلى الظهور مؤخراً، مثل «إيبولا» وأنفلونزا الطيور ومتلازمة الجهاز التنفسي في الشرق الأوسط (ميرس) وحمى الوادي المتصدع (التي انتقلت من المواشي إلى البشر في كينيا في ثلاثينات القرن الماضي) والمتلازمة التنفسية الحادة المفاجئة (سارس) وفيروس غرب النيل وفيروس «زيكا»، والآن فيروس «كورونا» المستجدّ، بدأت في الخراف والأبقار والخنازير والطيور، لكنها انتقلت إلى الإنسان بسبب النشاط البشري. فقد تفشى فيروس «إيبولا» في غرب أفريقيا نتيجة لخسائر في الغابات أدت إلى تماس أوسع بين الحياة البرية والمستوطنات البشرية. وارتبط ظهور إنفلونزا الطيور بالتربية المكثّفة للدواجن، كما اقترن فيروس «نيباه» بالتربية المكثّفة للخنازير وإنتاج الفاكهة في ماليزيا. وتُظهر دراسة نشرت نتائجها سنة 2004 أن تحوراً أصاب إحدى سلالات فيروس الإنفلونزا كان وراء انتقالها من الطيور إلى الإنسان سنة 1918، ثم انتشرت العدوى بين ثلث تعداد سكان العالم متسببة بوفاة عشرات الملايين خلال سنة واحدة، فيما يعرف بجائحة الإنفلونزا الإسبانية.
وتوجد كثير من أوجه التشابه بين إنفلونزا «كورونا» المستجد والإنفلونزا الإسبانية، فالمرضان يأتيان في الأصل من مصدر حيواني، وهما واسعا الانتشار، إذ يمكن العثور حالياً على فيروس كورونا في جميع القارات، باستثناء القطب الجنوبي. وفي المقابل، تعد فترة حضانة الإنفلونزا الإسبانية قصيرة، مقارنة بفترة حضانة فيروس «كورونا». وفي حين تزامنت الإنفلونزا الإسبانية مع الحرب العالمية الأولى، مما ساعد على انتشار المرض بسرعة مع القوات المتنقلة من مكان إلى آخر، فقد أدى التطوُّر في وسائل المواصلات الجوية والبحرية والبرية إلى انتشار جغرافي واسع لفيروس «كورونا»، لم يحدّ منه إلا فرض قيود على السفر وتنقل الأفراد. ومع أن الوقت ما زال مبكراً لمعرفة النتائج النهائية لجائحة «كورونا»، فلا بد أن تطوُّر الرعاية الطبية عما كانت عليه قبل قرن من الزمن سيكون عاملاً حاسماً في تحديد حجم الخسائر البشرية.
- التدهور البيئي وانتشار الأمراض
لطالما وفّرت الحروب وحالات الجفاف الشديد والإصابات الزراعية التي ينتج عنها نقص في الغذاء الظروف المناسبة لانتشار الأوبئة. فالجفاف وغزو العالم الجديد تسببا بين نهاية القرن الخامس عشر ونهاية القرن السابع عشر في وفاة 90 في المائة من سكان أميركا الأصليين، نتيجة الحرب وانتشار الجدري والحصبة والتيفوئيد والإنفلونزا والدفتيريا. وتظهر مراجعة تاريخية نشرت نتائجها في 2002 أن الحمى النزفية التي يرتبط انتشارها بكائن ناقل مثل الجرذان، أودت بحياة 90 في المائة من المكسيكيين خلال القرن السادس عشر الذي شهد أقسى فترة جفاف عرفتها البلاد وأطولها.
وتزامن الموت الأسود (جائحة الطاعون) خلال القرن الرابع عشر مع غزوات المغول والعصر الجليدي المصغّر والمجاعة الكبرى في أوروبا. كما تزامنت الحملات الصليبية مع الجفاف الشديد الذي أصاب مصر في القرن الحادي عشر خلال فترة «الشدّة المستنصرية»، وأصاب بلاد الشام في القرن الثاني عشر؛ وفي المنطقتين اقترن انتشار الأوبئة مع الحرب والجفاف.
الجفاف يؤدي إلى تغيُّر استخدامات الأراضي بإزالة الغابات، وتحويلها إلى أراضٍ زراعية، مما يضع الإنسان على تماس أكبر مع الحيوانات الناقلة للأمراض، كما حصل في انتقال فيروس «إيبولا» من خفافيش الفاكهة إلى الإنسان في الكونغو والغابون. ويوفر تدمير الغابات الموطن الملائم لتكاثر البعوض الذي ينقل الملاريا، كما حصل في البيرو، عندما أصيب 120 ألف شخص بالمرض بعد إزالة آلاف الهكتارات من الغابات المطيرة. وفي منطقة تضم 18 بلداً أفريقياً، من غامبيا غرباً إلى إريتريا شرقاً، وتعرف باسم «حزام التهاب السحايا»، يرتبط انتشار التهاب السحايا وأمراض أخرى كالملاريا بتغيُّر استخدامات الأراضي والتغيُّرات المناخية.
وتسمح الاضطرابات البيئية للعوامل الممرضة الكامنة في القوارض والطيور في أن تجد طريقها إلى البشر أيضاً. ففي تسعينيات القرن الماضي، ظهر مرضان مستجدّان في الولايات المتحدة، هما فيروس «هانتا» وفيروس غرب النيل. ويعتقد العلماء أن هاتين الآفتين نتجتا عن تغيُّر المناخ. ففي حالة فيروس «هانتا»، أدّت ظاهرة «النينو» المصحوبة بأمطار غزيرة مبكرة إلى إقلال أعداد البوم والأفاعي والقيوط، وزيادة إثمار أشجار الصنوبر وأعداد الجنادب، مما وفّر الظروف المناسبة لتكاثر فئران الأيل وانتشارها بأعداد كبيرة، ناقلة معها الفيروس. وفي حالة فيروس النيل، تسبب الدفء والأمطار الغزيرة في وفرة أعداد البعوض التي تنقل الفيروس من الطيور إلى الإنسان.
لقد ساهم التطور في علوم الأمراض والفيروسات في علاج الأمراض وإبطاء انتشارها إلى حد بعيد. ومع ذلك، فإن ظهور الأمراض المستجدة غالباً ما يضع النظام الصحي العالمي أمام تحديات قد لا يكون فيروس «كورونا» المستجدّ أشدها وطأة، إذ إن الخشية الأكبر هي في ظهور بكتيريا وفيروسات قاتلة كانت غائبة لآلاف السنين، أو لم يسبق لنا أن واجهنا مثيلاً لها من قبل. إن فيروسات أمراض شبيهة بالجمرة الخبيثة والإنفلونزا الإسبانية والجدري والطاعون مدفونة في التربة الصقيعية في ألاسكا وسيبيريا، ويخشى العلماء أن يؤدي ذوبان الجليد نتيجة الاحترار العالمي إلى إيقاظها وانتشارها من جديد.
خلال الأشهر القليلة الماضية، تسبب فيروس «كورونا» في وفاة مئات آلاف البشر، وهدد آلاف الملايين في مصادر رزقهم وسبل عيشهم. ولئن كان انتشار الجائحة سبباً في خفض مؤقت للملوثات والانبعاثات، فإن مواجهة الأوبئة المستجدة تتطلب اتخاذ المبادرة لمجابهة التهديدات العالمية المستقبلية، من خلال الإدارة البيئية السليمة، وحماية التنوع الحيوي، وخلق وظائف خضراء تسهل الانتقال إلى اقتصادات أكثر انسجاماً مع الطبيعة.


مقالات ذات صلة

«شجرة ذهبية» في قاع المحيط تتحدَّى التصنيفات العلمية

يوميات الشرق لقطة من فيديو يُظهر غابة المرجان الذهبي خلال غوص «سوباستيان»

«شجرة ذهبية» في قاع المحيط تتحدَّى التصنيفات العلمية

يشكِّل المرجان الذهبي غابات في مياه شديدة الانخفاض بالأكسجين، تُوفِّر مأوى وغذاءً لحيوانات أخرى.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا امرأة تركض بالقرب من مساحة عشبية جففتها الشمس في حديقة فيكتوريا في لندن يوم 1 سبتمبر 2026 (رويترز)

الحكومة البريطانية تعلن حالة «جفاف شديد» في أجزاء من جنوب إنجلترا

أعلنت الحكومة البريطانية، الخميس، حالة «جفاف شديد» في أجزاء من جنوب إنجلترا، عازية ذلك إلى «فترة غير مسبوقة من الأحوال الجوية المتطرفة».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا الأمير البريطاني ويليام يضرب كرة كريكيت خلال فعالية للترويج لجائزة «إيرث شوت» في لندن يوم 13 أكتوبر 2026 (أ.ب)

الأمير البريطاني ويليام يلعب الكريكيت أمام قصر بكنغهام للترويج لجائزة بيئية

حوّل الأمير ويليام شارع «ذا مول» في لندن إلى ملعب كريكيت مؤقت، بمشاركة نجوم دوليين، للترويج لجائزة «إيرث شوت» للحلول البيئية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا صهاريج المكتب الوطني للصرف الصحي تعمل على شفط المياه من الشوارع الكبرى في نواكشوط (إعلام محلي)

شوارع نواكشوط تئن تحت وطأة مياه الأمطار

بعدما غمرت مياه الأمطار عدداً من شوارع نواكشوط، عاد إلى الواجهة جدل متجدد حول غياب شبكة صرف صحي متكاملة في مدينة يزيد تعداد سكانها على 1.5 مليون نسمة.

الشيخ محمد (نواكشوط)
بيئة شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 % من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030

«الشرق الأوسط» (باريس)

«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
TT

«إل نينيو» تدفع نحو تسجيل حرارة قياسية في 2026

ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)
ظاهرة «النينيو» ترفع احتمالات حدوث موجات الحرّ والجفاف (جامعة بريستول)

أكّد مدير مرصد المناخ التابع للاتحاد الأوروبي، الاثنين، أن تفاقم ظاهرة «إل نينيو» تسبّب بدرجات حرارة قياسية في منطقة رئيسية بالمحيط الهادئ خلال سبتمبر (أيلول)، وقد يُسهم في جعل هذا العام الأكثر حرّاً على الإطلاق على المستوى العالمي.

ويحذّر خبراء الأرصاد الجوية حول العالم منذ أشهر من أن ظاهرة «إل نينيو» الحالية قد تصبح الأقوى على الإطلاق، فيما تحطم الرقم القياسي الأخير حتى قبل بلوغ الظاهرة ذروتها المتوقعة في وقت لاحق من العام الحالي.

و«إل نينيو» هي مرحلة احترار ضمن دورة مناخية طبيعية تؤدي إلى ارتفاع درجات حرارة مياه المحيط الهادئ الاستوائية بشكل مؤقت، ما يتسبب في تغيرات بأنماط الطقس قد تزيد مخاطر الجفاف والفيضانات وتفاقم الاحترار العالمي الناجم عن النشاط البشري.

وأفاد مرصد «كوبرنيكوس» للمناخ بأن درجات حرارة سطح البحر في منطقة رئيسية لرصد ظاهرة «إل نينيو» في المحيط الهادئ تُعرف باسم «نينيو 3.4»، بلغت مستوى قياسياً غير مسبوق عند 29.70 درجة مئوية الشهر الماضي.

وتجاوزت هذه الحرارة المستويات القصوى المسجلة خلال موجات «إل نينيو» القوية السابقة في أعوام 1982-1983 و1997-1998 و2015-2016.

وقال مدير «كوبرنيكوس»، كارلو بونتمبو، لوكالة «فرانس برس»، إن «إل نينيو» هذا العام التي ظهرت في يونيو (حزيران) «استثنائية جداً»، لكن ما زال من المبكر تحديد إن كانت الأقوى التي يتم تسجيلها على الإطلاق.

ومع ارتفاع درجات حرارة المحيطات بفعل التغير المناخي، قد تبدو موجات «إل نينيو» الأخيرة أقوى من سابقاتها، ما يعقّد المقارنات التاريخية.

وأوضح مرصد «كوبرنيكوس» أنه اعتمد مؤشراً جديداً يأخذ في الاعتبار ارتفاع حرارة المحيطات الاستوائية، ويشير إلى أن الظاهرة الحالية لم تتجاوز بعد الموجات السابقة من حيث القوة.

وقال بونتمبو «إنه حدث كبير للغاية حتى وفق هذا المقياس، وهذه الظاهرة الكبيرة جداً تحدث اليوم في ظل مناخ أشد حرارة بكثير».

ولا يعتمد جميع خبراء الأرصاد الجوية المقياس نفسه لتقييم ظاهرة «إل نينيو».

لقطة من أعلى تُظهر المحاصيل بعد ظروف جفاف طويلة الأمد وذلك تزامناً مع إعلان الجمعية التشريعية في السلفادور حالة الطوارئ الوطنية بسبب تأثيرات ظاهرة «إل نينيو» (رويترز)

وأعلنت وكالة الأرصاد الجوية اليابانية، الجمعة، أن ظاهرة «إل نينيو» بلغت «أعلى شدة مسجلة على الإطلاق».

ومع اشتداد «إل نينيو»، سجل متوسط درجات حرارة سطح البحر عالمياً مستوى قياسياً لشهر سبتمبر (أيلول) بلغ 21.05 درجة مئوية، متجاوزاً الرقم القياسي السابق للشهر نفسه المسجل في عام 2023 الذي بلغ 20.92 درجة مئوية، وفق «كوبرنيكوس».

وحذّر خبراء من أن «إل نينيو» هذه المرة، مصحوبة بالتغيّر المناخي المدفوع بالأنشطة البشرية، يمكن أن تجعل 2027 العام الأكثر حراً على الإطلاق مع انبعاث الحرارة المخزّنة في المحيط الهادئ إلى الجو.

وقد تتسبب الظاهرة الجوية التي تقع عادة كل عامين إلى سبعة أعوام، وتدوم ما بين 9 أشهر و12 شهراً، برفع درجات الحرارة في العام التالي لتبلغ ذروتها.

لكن بونتمبو أشار إلى أن حتى العام 2026 يمكن أن يحطّم أرقاماً قياسية مع استعداد ظاهرة «إل نينيو» الحالية لبلوغ ذروتها.

وقال لـ«فرانس برس»: «إذا تابعنا النموذج الذي شهدناه في الماضي فقد ينتهي بنا المطاف بعام 2026 يحطّم الأرقام القياسية، متبوعاً بـ2027 يحطّم الأرقام القياسية» أيضاً.

وبعد شهر أغسطس (آب) الذي سجّل حرارة قياسية، سجل العالم عموماً ثاني أشد أشهر سبتمبر حرارة على الإطلاق، إذ بلغ متوسط درجة حرارة الهواء عند سطح الأرض 16.27 درجة مئوية، حسب المرصد الأوروبي.

وكانت درجات الحرارة في سبتمبر أعلى بمقدار 1.63 درجة مئوية من متوسط مستويات ما قبل الثورة الصناعية، أي الفترة الممتدة بين عامَي 1850 و1900.

وكان الشهر الثاني على التوالي الذي تجاوز فيه ارتفاع درجات الحرارة 1.5 درجة مئوية.

وقال بونتمبو إن درجات الحرارة ستبقى على الأرجح أعلى بـ1.5 درجة مئوية عن معدلها الطبيعي مطلع العام المقبل.

جعلت دورة «إل نينيو» الأخيرة عام 2024 العام الأكثر حرّاً على الإطلاق بعد عدة أشهر تجاوزت فيها الحرارة 1.5 درجة مئوية، حسب بونتمبو.

لكن في حين تلعب «إل نينيو» دوراً مهماً، فإن «السبب النهائي لارتفاع الحرارة وتجاوزها 1.5 درجة مئوية يعود إلى الانبعاثات البشرية لغازات الدفيئة»، على حد قوله.

واتفقت الدول خلال مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ في باريس في عام 2015 على إبقاء ارتفاع حرارة الأرض عند مستوى أقل بكثير من درجتَين مئويتَين مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع مواصلة الجهود لحصره عند 1.5 درجة مئوية، للحد من تداعيات التغير المناخي.

لكن الأمم المتحدة أعلنت في سبتمبر أن العالم سيتجاوز خلال سنوات قليلة هدف حصر الاحترار العالمي عند 1.5 درجة مئوية على المدى الطويل.

ويؤكد العلماء ضرورة خفض انبعاثات غازات الدفيئة الناجمة عن الوقود الأحفوري لتقليص الفترة التي يتجاوز فيها الاحترار العالمي عتبة 1.5 درجة مئوية، وإعادة درجات الحرارة إلى ما دونها بأسرع وقت ممكن.


البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
TT

البلاستيك يغزو «المتوسط»... ما خسائر الدول العربية؟

البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)
البلاستيك يستخدم بشكل واسع على مستوى العالم (رويترز)

يُسوَّق البلاستيك على أنه مادة رخيصة الثمن، وهو كذلك بالفعل عند البيع؛ غير أن السعر المدوّن على زجاجة المياه أو وعاء الوجبة الجاهزة لا يعكس سوى جزء ضئيل جداً من التكلفة الحقيقية التي تتكبدها الدول بسببه. إذ تظهر الفاتورة الحقيقية لاحقاً، متمثلةً في الأعباء التي تقع على عاتق الميزانية العامة والمناطق الساحلية والمنظومة الصحية. فالبلاستيك يكلّف العالم تريليونات الدولارات سنوياً، ومع تزايد النهم العالمي لاستخدامه، ستتفاقم هذه التكلفة أيضاً.

ويكشف تقرير جديد صادر عن منظمة «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا» تحت عنوان «الثمن الخفي للبلاستيك»، أن التلوث البلاستيكي يكلّف مصر والمغرب وتونس مجتمعين ما بين 1.7 و5.5 مليار دولار أميركي سنوياً نتيجة الأضرار التي يلحقها بالنظم البيئية البحرية في البحر الأبيض المتوسط، محذّراً من أن استمرار التقاعس عن مواجهة الأزمة قد يرفع من مقدار هذه الفاتورة لتصل إلى ما بين 30 و98 مليار دولار بحلول عام 2040.

وبيّن التقرير أن التلوث بالبلاستيك في كل من مصر والمغرب وتونس أصبح أحد أبرز الضغوط البيئية والاقتصادية في الوقت الحالي، إذ تتجاوز تداعياته الشواطئ المليئة بالنفايات لتطول ميزانيات الدول، وسبل العيش في المناطق الساحلية، والصحة العامة. وتشترك هذه الدول الثلاث في بحر يستقبل ما يقدر بـ229 ألف طن من البلاستيك سنوياً، ويحتوي بالفعل على أكثر من مليون طن في قاعه. كما أنها تقع في منطقة تولد أكثر من 155 مليون طن من النفايات سنوياً - ثلثاها لا تتم إدارته بشكل سليم - ومن المتوقع أن يتضاعف هذا الحجم تقريباً بحلول عام 2050.

وبما أنّ خفض هذه التكلفة يتطلب تحركاً على المستويين الدولي والوطني، طرح التقرير مجموعة من الإجراءات العملية على المستوى الوطني في كل من الدول الثلاث.

قالت فرح الحطّاب، المسؤولة الأولى عن حملات البلاستيك في «غرينبيس الشرق الأوسط وشمال أفريقيا»: «إن التلوّث البلاستيكي لم يعد مجرد مشكلة مرتبطة بإدارة النفايات، بل أصبحت له تكلفة تمتد إلى الاقتصاد والصحة والبيئة. وتتحمل الحكومات والبلديات والمجتمعات الساحلية والمواطنون جزءاً من هذه التكلفة، فيما تزداد الأعباء كلما استمر إنتاج البلاستيك واستخدامه وتسربه إلى البيئة».

التلوث البيئي يحاصر كثيراً من الدول (رويترز)

وأضافت، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تشمل الفاتورة تكلفة جمع النفايات ومعالجتها وتنظيف الشواطئ، إضافة إلى الخسائر التي تتكبدها قطاعات تعتمد على البيئة البحرية، مثل السياحة والصيد».

وتابعت: «لا تقتصر المخاطر على النفايات البلاستيكية نفسها. فبعض المواد الكيميائية المستخدمة في صناعة البلاستيك أو التي قد تتسرب منه ترتبط، وفق دراسات علمية، باضطرابات هرمونية وتأثيرات على الجهاز التناسلي والمناعي والتنفسّي. كما يمكن أن يدخل الميكروبلاستيك إلى الجسم عبر الغذاء والماء والهواء، ولا تزال آثاره الصحية على المدى الطويل قيد الدراسة. وهذا يعني أن التكلفة قد تمتد أيضاً إلى تكاليف الرعاية الصحية».

واستطردت أن البحر والكائنات البحرية يدفع ثمناً كبيراً أيضاً. فقد يؤدي ابتلاع البلاستيك أو التشابك به إلى إصابة الكائنات البحرية أو نفوقها، بينما يمكن للميكروبلاستيك أن يؤثر في التغذية والنمو والتكاثر لدى بعض الكائنات، وأن ينتقل عبر السلاسل الغذائية.

ووفق التقرير، تتفاوت التكلفة بين البلدان: ففي مصر، تتراوح بين 740 مليون دولار و3.1 مليار دولار سنوياً، بينما تُقدّر في المغرب بنحو 1.2 مليار دولار، وفي تونس بنحو 400 مليون دولار. وهذه التقديرات تركز على الأضرار الاقتصادية التي تلحق بالنظم البيئية البحرية، ولا تشمل كامل التكاليف المرتبطة بالتلوّث البلاستيكي.

ويكشف التقرير أيضاً عن تفاوت مهم في واقع البلدان الثلاثة. ففي مصر، يأتي ارتفاع التكلفة في سياق مستويات مرتفعة من التلوّث البلاستيكي في البحر المتوسط، فيما تُظهر حالة المغرب أن السياسات العامة يمكن أن تحدّ من بعض أشكال استخدام البلاستيك، كما حدث مع الأكياس البلاستيكية. أما في تونس، فيشير التقرير إلى أن خفض استخدام البلاستيك يمكن أن يحقق فوائد اقتصادية وبيئية.

وتأتي أهمية التقرير في توقيت حاسم لمسار المعاهدة العالمية للبلاستيك. فقد صدر قبيل اجتماع رؤساء الوفود الذي عُقد في بانكوك بين 27 و30 سبتمبر (أيلول)، بمشاركة ممثلين عن مصر والمغرب وتونس، وقبل الجولة الرسمية المقبلة من المفاوضات في مارس (آذار) 2027. وبالتالي، يقدّم التقرير دليلاً على أن تكلفة أزمة البلاستيك ليست بيئية وصحية فقط، بل اقتصادية أيضاً، وأن استمرار الاتجاه الحالي سيجعل تكلفة عدم التحرّك أعلى.

الشواطئ المصرية مليئة بالألعاب البلاستيكية (EPA)

قال الدكتور محمد عطية، أول باحث مصري ينضم للوكالة الأميركية لحماية البيئة، ويشغل حالياً منصب مستشار الخدمات البيئية والهندسية بشركة أيكوم: «إن البلاستيك رخيص الثمن عند الشراء، لكن تكلفته الحقيقية تظهر في المراحل التالية للشراء، في عمليات جمع وإدارة المخلفات، وعمليات التنظيف المطلوبة للتخلص منه، والتأثير على البيئة والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بها»، موضحاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «الأرقام الواردة بالتقرير تمثل تقديراً اقتصادياً لجزء من الضرر، وتحديداً ذلك الجزء المرتبط بتسرب البلاستيك إلى البيئة البحرية، وهو بالطبع لا يمثل التكلفة كاملة».

ووفق تقرير «غرينبيس» لا تشمل هذه الأرقام التكاليف المباشرة التي تتكبدها قطاعات السياحة، ومصايد الأسماك، والشحن البحري، أو التكاليف المتعلقة بصحة الإنسان؛ إذ لا يتضمن الرقم حالات دخول المستشفيات، أو أيام الصيد الضائعة، أو فواتير البلديات غير المسددة، كما أن جميع الافتراضات المستخدمة في إعداده وُضعت بحيث تُبقي التقديرات عند حدّها الأدنى، لا الأعلى. والجدير بالذكر أن القطاعات المستبعدة ليست ضئيلة؛ وتُضاف أي خسائر تلحق بهذه القطاعات بسبب التلوث بالبلاستيك إلى الأرقام المذكورة في التقرير.

وعلّق عطية بأن الحل هو مزيج من تقليل الاستخدامات غير الضرورية، مع زيادة معدلات إعادة الاستخدام، وتصميم منتجات أسهل في التدوير، وتحسين منظومة الجمع والاسترداد. محذراً من أن أي بديل مقترح لا بد أن يجري تقييمه على دورة حياته كاملة، فليس كل بديل «أخضر» يكون بالضرورة أفضل في كل الاستخدامات.

وأوصى عطية بتحليل لدورة حياة البلاستيك بشكل كامل، بما يضمن الاطلاع على كافة التفاصيل، وليس التركيز على المنتج النهائي فقط، مثل أنواع الكيماويات الداخلة في التصنيع ومعرفة حجم التأثير البيئي للمنتج.

ويعلق عطية على النتائج التقرير بقوله إن حجم التسرب هو أكبر نقطة ضغط في مصر، حيث يصل جزء كبير من المنتجات البلاستيكية إلى البحر المتوسط عبر نهر النيل، موصياً بتحسين عمليات جمع المخلفات البلاستيكية.

وأضاف أنه على الرغم من أن لدى المغرب بنية تحتية جيدة وخطط قائمة بالفعل، لكن التقرير يوضح وجود فجوة بين التخطيط والتنفيذ الفعلي على الأرض، مع وجود ضغوط مالية كبيرة على البلديات. وفي تونس هناك قطاع للجمع والتدوير، ولكن جزءاً كبيراً من قدرة التدوير غير مستغل، مع وجود مشكلة واضحة في نموذج التمويل، وليس مجرد نقص التكنولوجيا.

وأوضح أن التقرير يبرز بشكل واضح أن مشكلة مخلفات البلاستيك في هذه الدول الثلاث ليست في الاستخدام فقط، لكنها أيضاً في نظم الإدارة والتمويل.

من جانبها، شدّدت الحطّاب على أن المطلوب اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على الصعيد الدولي، هو معاهدة عالمية قوية تغيّر هذه المعادلة، من خلال الحد من البلاستيك غير الضروري من المصدر، وإلزام المنتجين بتحمّل مسؤولية ما يطرحونه في الأسواق، وتوفير آليات مالية قوية، بما يضمن ألّا تُترك دول منطقتنا وحدها في مواجهة تدفق متزايد من النفايات.


دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
TT

دراسة: العالم ليس على المسار الصحيح لتحقيق أهدافه بحماية الطبيعة

شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)
شعاب مرجانية في جزيرة كوه ماك بمقاطعة ترات بتايلاند 8 مايو 2024 (رويترز)

أفادت دراسة جديدة نُشرت الأربعاء بأن دول العالم ليست على المسار الصحيح لتحقيق التزاماتها بحماية 30 في المائة من أراضي العالم ومحيطاته بحلول عام 2030.

وتأتي نتائج هذه الدراسة قُبيل عقد قمة في أرمينيا حول التقدم المحرز في أهداف حماية التنوع البيولوجي، لتُضاف إلى تقييم مماثل أجرته الأمم المتحدة، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وحددت 200 دولة هدف «30 في 30»، أي حماية 30 في المائة من الأراضي بحلول عام 2030، في اتفاق أُبرم عام 2022، وأطلق بشكل غير رسمي «اتفاق باريس للطبيعة».

لكنّ تقريراً أعدته منظمتا «حملة من أجل الطبيعة» (Campaign for Nature)، و«معاً من أجل المحيط» (Together for the Ocean) أظهر أن الإجراءات لم تكن على قدر الالتزامات.

وقال مدير منظمة «حملة من أجل الطبيعة» براين أودونيل للصحافيين: «أظهرت الحكومات بالفعل أن تحقيق تقدّم سريع أمر ممكن، لكن العالم بعيد عن المسار الذي يضمن بلوغ نسبة 30 في المائة».

وأضاف التقرير أن وفاء الحكومات بجميع تعهداتها يمكن أن يرفع نسبة الأراضي والمياه المصنفة كمناطق محمية إلى 27 في المائة بحلول عام 2030.

غير أن نسبة المساحات البحرية المحمية قد لا تتجاوز 12 في المائة بحلول نهاية العقد.

وكانت اتفاقية التنوع البيولوجي، وهي المعاهدة الأممية المشرفة على الأهداف العالمية الخاصة بالطبيعة، حذرت أيضا الشهر الماضي من أن الدول لا تسير على الطريق الصحيح لتحقيق هذه الأهداف.

منظر جوي لغابات في الغابون (رويترز)

ويُعد نقص التمويل من أكبر العقبات أمام تحقيق الهدف.

وفيما تقدّر الحاجة بما بين 100 مليار دولار و180 ملياراً سنويا حتى عام 2030، لا يتجاوز الإنفاق السنوي حالياً 24 مليار دولار.

وقال التقرير إن «الفجوة تبدو أكثر وضوحاً فيما يتعلق بالمحيطات، إذ تقتضي الحاجة إنفاق نحو 16 مليار دولار سنوياً، بينما لا يتجاوز الإنفاق الفعلي حالياً ملياراً و800 مليون دولار».

ويتعيّن توجيه جزء كبير من هذا التمويل إلى البلدان النامية التي تضم بعضاً من أغنى النظم البيئية في العالم، لكنها تفتقر إلى الوسائل الكافية لحمايتها.

وقال أودونيل إن على الحكومات تخصيص موارد أكبر من موازناتها، كما يمكنها سن تشريعات تُلزم الصناعات الملوثة، مثل شركات الوقود الأحفوري والتعدين، بالمساهمة في تمويل جهود الحفظ.

وأضاف: «هذه الشركات لن تقوم بذلك طوعاً».

ورأى أن هدف «30 في 30»، ما زال ممكن التحقيق، لكن ذلك يتطلب جهوداً كبيرة على قدر «التحديات الكبيرة».

وستكون قمة الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي في العاصمة الأرمينية يريفان، التي تنطلق في 19 أكتوبر (تشرين الأول)، أول مناسبة تناقش فيها الدول فجوة التقدم المحرز وسبل إعادة أهداف الاتفاق إلى مسارها الصحيح.