«كورونا» ينشر الرقمنة ويُنمي ميزانيات الصحة

ازدهار التعليم الإلكتروني وتوسع المعارض الافتراضية

«كورونا» ينشر الرقمنة ويُنمي ميزانيات الصحة
TT

«كورونا» ينشر الرقمنة ويُنمي ميزانيات الصحة

«كورونا» ينشر الرقمنة ويُنمي ميزانيات الصحة

خمسة أشهر مرت على بداية ظهور جائحة فيروس كورونا المستجد، ليفرض الفيروس خلال تلك الفترة واقعاً جديدا في مختلف المجالات، ويبدو أن هذا الواقع لن يتغير على المدى القريب، بعد أن اختار العالم سيناريو التعايش معه.
وتسببت الخسائر الاقتصادية الناتجة عن إجراءات التباعد الاجتماعي التي فرضها الفيروس، وعدم الوصول إلى لقاح حتى الآن، في انضمام دول عربية عدة إلى هذا التوجه العالمي، الذي سيفرض واقعا جديدا ومختلفا في شتى المجالات، وعلى رأسها مجال الصحة.

قطاع الصحة
وضخت الحكومات العربية المزيد من الأموال في هذا القطاع منذ بداية الأزمة وحتى الآن، بل وفرضت الأزمة تعديلات جوهرية على موازنات الأعوام القادمة، ليصبح شعارها «لا صوت يعلو فوق صوت الصحة».
وأعلنت أكثر من دولة عربية ضخ المزيد من الأموال في هذا القطاع، بعد أن صار التعايش مع الفيروس خيارا حتميا ستلجأ له دول العالم، بعد تقارير تتحدث عن أنه لن يكون هناك لقاح ضد كورونا قبل عام على الأقل. كان وزير الصحة السعودي، توفيق الربيعة، قال في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء السعودية في 7 أبريل (نيسان) الماضي، بأن وزارته تلقت «دعما من الدولة منذ بداية الأزمة حتى الآن بقيمة 15 مليار ريال، تم تخصيصها لتأمين الأدوية وتشغيل الأسرة الإضافية وشراء الأجهزة الطبية والمستلزمات الصحية وتأمين الكوادر الطبية من داخل وخارج المملكة». ولفت الربيعة في التصريحات ذاتها، إلى أن وزارته رفعت طلبات إلى نهاية السنة بقيمة 32 مليار ريال فوق المبالغ المخصصة سابقا، وقال بأن الصحة السعودية تلقت الموافقة عليها.
ومنذ بداية شهر مارس (آذار) الماضي وحتى الآن، خصصت وزارة المالية المصرية 3.8 مليار جنيه (الدولار يساوي 15.6 جنيه في المتوسط) بغرض تلبية الاحتياجات الملحة والحتمية من الأدوية والمستلزمات الطبية لتمكين هذا القطاع الحيوي من اتخاذ الإجراءات الاحترازية والوقائية لفيروس «كورونا المستجد»، وصرف مكافآت تشجيعية للأطقم الطبية، كما ستشهد ميزانية القطاع الصحي للعام المالي 2020 - 2021 الذي سيبدأ في شهر يوليو (تموز) القادم، أكبر زيادة في تاريخها حيث ستصل إلى 95.7 مليار جنيه بزيادة قدرها 23.4 مليار جنيه، وفق ما أعلن وزير المالية المصري د.محمد معيط في تصريحات صحافية. في مارس الماضي.
وأعلنت وزارة المالية بالمغرب هي الأخرى إن المملكة ستنفق ملياري درهم (200 مليون دولار) مبدئيا لمساعدة النظام الصحي في مواجهة تفشي فيروس كورونا.
ويقول الدكتور محمد خالد أستاذ الميكروبيولوجي بكلية الطب جامعة أسيوط (جنوب مصر) لـ«الشرق الأوسط»، بأن زيادة موارد الصحة، تعكس إدراك الحكومات لتبعات إجراءات تخفيف القيود التي تم فرضها منذ بداية الأزمة، واتجاهها للمرحلة الثانية لمواجهة الوباء، وهي التعايش معه.
ورغم تعبير «منظمة الصحة العالمية» عن قلقها من أن يكون مثل هذا القرار متسرعاً، إلا أنها لا تنكر على كل دولة حقها في اتخاذ ما تراه مناسبا لظروفها وقدرتها على تحمل قرارات الإغلاق التام، شريطة أن يكون نظامها الصحي قادرا على استيعاب حالات الإصابة المتوقعة عند تخفيف القيود، كما يجب أن يكون هناك تحديد للمجموعات الأكثر عرضة للخطر، وتجرى فحوصات دائمة لهذه المجموعات وتكثيف التوعية بينها للالتزام بإجراءات التباعد الاجتماعي.
ويوضح خالد، أن «الإجراءات التي تم الإعلان عنها في أكثر من دولة عربية أخيراً تكشف عن إدراكها للتحديات التي تشير إليها هذه الشروط التي حددتها منظمة الصحة العالمية، والتي تظهر ملامحها واضحة في أكثر من دولة خلال الفترة الأخيرة مع تنفيذ بعض إجراءات تخفيف القيود».
وحولت مصر العديد من المدن الجامعية ونزل الشباب إلى مستشفيات عزل لاستقبال حالات الإصابة بالفيروس، كما أعدت وزارة السياحة في السعودية دور ضيافة تشرف عليها وزارة الصحة، لاستخدامها في الحجر الصحي للحالات المشتبه فيها، وفي الإمارات أعلنت شركة أبوظبي للخدمات الصحية في 22 أبريل (نيسان) الماضي عن تجهيز ثلاثة مستشفيات ميدانية في مناطق مختلفة بأبوظبي، كما قررت هيئة الصحة بدبي تحويل مركز التجارة العالمي إلى مستشفى ميداني لمصابي فيروس كورونا، بسعة 3000 سرير، 800 منها مخصصة للعناية المركزة.
لكن بعدا آخر مهما يلفت إليه د. محمد علي عز العرب، مستشار «المركز المصري للحق في الدواء»، والذي يقول لـ«الشرق الأوسط»، إنه «يخشى من أن انخراط الأنظمة الصحة في مواجهة كورونا قد ينسيها الأمراض الأخرى، كما أن الخوف من العدوى قد يتسبب في عزوف بعض المرضى عن الذهاب إلى المستشفيات».
وظهرت هذه المشكلة فب أكثر من دولة ومنها تونس، حيث قال الصحبي بن فرج، النائب السابق في البرلمان التونسي على صفحته بموقع «فيسبوك»، إن «هناك ارتفاعا غير عادي في حالات الوفاة في أوساط المتقاعدين، خلال الفترة بين 6 و21 أبريل الماضي. وعزا الارتفاع إلى حدوث تدهور في صحة المرضى العاديين من غير المصابين بكورونا بسبب صعوبة التنقل ومراجعة الأطباء وتوقف العمل في العيادات الخارجية والأقسام الطبية لأسابيع طويلة، نظرا لتجنيد المنظومة الصحية بصفة شبه حصرية لمقاومة كورونا.
وأبدت «منظمة الصحة العالمية» مخاوفها من نفس المشكلة، ولكن في قطاع التطعيمات، وحذرت مع بداية الأسبوع العالمي للتطعيمات، والذي يبدأ في الفترة من 24 وينتهى في 30 أبريل من كل عام، من أن إغلاق خدمات التحصين في ظل تفشي جائحة فيروس كورونا، حيث قد يؤدي إلى عودة ظهور الأمراض التي يمكن منعها باستخدام لقاحات آمنة وفعالة، مثل شلل الأطفال والجدري والحصبة.
وبالإضافة إلى المخاوف من عودة تلك الفاشيات، يخشى عز العرب من التأثيرات النفسية لمتابعة أعداد الإصابات بالفيروس، وقال «علينا الأخذ بنصائح وإرشادات دراسة أعدتها جامعة أكسفورد البريطانية، وأهمها أخذ استراحة من مشاهدة الأخبار أو الاستماع إليها».
وأدركت أكثر من دولة هذا الواقع النفسي الذي يفرضه الفيروس، وأعلنت أمانة الصحة النفسية وعلاج الإدمان بوزارة الصحة المصرية في نهاية الشهر الماضي عن حملة «احمي النفسية»، والتي تم خلالها تنظيم دورة تدريبية عن بعد عبر الإنترنت، لتدريب الأطباء وطواقم التمريض واختصاصيين نفسيين واجتماعيين، على تقديم الدعم النفسي للمواطنين.

معارض افتراضية
لجوء أمانة الصحة النفسية بوزارة الصحة المصرية إلى عقد التدريب عن بعد، ليس اختراعا خاصاً بها، بل سيصبح سمة من سمات عصر التعايش مع كورونا، لا سيما أن كل المؤشرات تشير إلى أن هذا الفيروس سيستمر مع البشرية لفترة طويلة، وهو ما عبر عنه تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية بقوله «الجائحة أبعد ما تكون عن الانتهاء»، وذلك في مؤتمر صحافي بمقر المنظمة بجينيف يوم 27 أبريل الماضي.
وأدركت الجمعية الدولية للمعارض والفعاليات هذا الواقع الجديد، ونظم فرعها بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا مؤتمرا من خلال تقنية الاجتماعات الافتراضية في 21 أبريل الماضي بعنوان «التحديات والحلول وأثرها على صناعة المعارض ومستقبل العاملين بها»، واتفق 250 مشاركاً من مختلف دول المنطقة، على دعم الأحداث الافتراضية في الفترة الحالية، تمهيداً لاعتمادها كداعم مستقبلي للفعاليات.
ودعا الرئيس التنفيذي لمركز إكسبو الشارقة، وعضو الجمعية الدولية للمعارض والفعاليات فرع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سيف محمد المدفع، خلال مشاركته في المنتدى، إلى إعادة تعريف طريقة إقامة المعارض من خلال الاستثمار في التقنيات الحديثة، كما دعا إلى الابتكار في تنظيم المؤتمرات والمعارض عبر إيجاد منصات رقمية ذكية لتنظيم معارض افتراضية خلال المرحلة الراهنة.
وقبل نحو ستة أشهر من معرض القاهرة الدولي للابتكار، والذي يقام في أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، استجابت أكاديمية البحث العلمي المصرية، الجهة المنظمة للمؤتمر، لما دعا له الرئيس التنفيذي لمركز إكسبو الشارقة.
وقال الدكتور محمود صقر رئيس الأكاديمية في بيان صحافي في 29 أبريل (نيسان) الماضي، بأن الدورة القادمة للمعرض ستكون افتراضية، وأنهم درسوا الموضوع من كل الجوانب واستمعوا إلى خبراء في المجال من مصر ومن الهند.
ووصف هذا التحدي بأنه عملية تقنية ليست سهلة، لا سيما أنهم يريدون الحفاظ على نفس برامج المعرض عند إقامته افتراضيا، من حيث مشاركة آلاف الابتكارات والاختراعات من مصر والعالم، وتنظيم العديد من ورش العمل والبرامج التدريبية واللقاءات التسويقية وتنظيم محاضرات لكبار الخبراء في مجال إدارة الابتكار والتسويق التكنولوجي والملكية الفكرية والثقافة العلمية، بالإضافة إلى قيام لجان التقييم بالتجول في المعرض للتقييم الفني والاقتصادي للاختراعات ومناقشة المبتكرين في ابتكاراتهم المعروضة، واختيار أفضلها للفوز بجوائز المعرض.
وربما جاء هذا القرار المبكر من أكاديمية البحث العلمي بعد نجاح أول فاعلية أقامتها افتراضيا خلال شهر أبريل الماضي، وكانت «هاكاثون افتراضي لوضع حلول تكنولوجية وصناعية لبعض الأزمات التي أثارها فيروس كورونا. والهاكثون يعني تجمع متخصصي التكنولوجيا على نحو مكثف لوضع حلول لمشكلة ما، ولأن الفيروس فرض إجراءات التباعد الاجتماعي تم عقده افتراضيا، وجاءت ردود الفعل إيجابية للغاية، بل واعتبر المشاركون بأول هاكثون افتراضي أن التعود على مثل هذا النمط من إقامة الفعاليات، ربما يكون وجها إيجابيا للواقع الجديد الذي يفرضه فيروس كورونا.
ويقول أحمد رضوان، صاحب أحد الأفكار التي عرضت بـ«الهاكثون» لـ«الشرق الأوسط»: «لقد تأخرنا كثيرا في التعود على مثل هذا النمط من الفعاليات، وربما يكون فيروس كورونا دافعا لنا على ذلك».
ويلخص رضوان أبرز مزايا الهاكثون الافتراضي مضيفا: «تركيز أكبر في المهمة، مقارنة بالشكل التقليدي، حيث يضيع التركيز بسبب كثافة الحضور في مكان واحد، استثمار أعلى للوقت، حيث تتأجل بعض أحداث الفعاليات التقليدية لبعض الوقت انتظارا لحضور خبير أو مسؤول، وهذا لا يحدث في الشكل الافتراضي».

رقمنة الحياة
ولا يقتصر التغيير الذي أحدثه فيروس كورونا على مجرد فاعلية أو مؤتمر تعقد بشكل افتراضي، بل إن هذا التوجه سيصبح نمط معيشة، فيما يمكن أن نسميه بـ«رقمنة الحياة»، فالبيع والشراء والتعليم والسياحة، بل وحتى العلاقات الاجتماعية ستصبح رقمية.
ويقول إيهاب سعيد، رئيس الشعبة العامة لمراكز الاتصالات باتحاد الغرف التجارية المصرية لـ«الشرق الأوسط»، إن الأزمة وإن كان لها تبعات اقتصادية سلبية على عده قطاعات، إلا أن الوجه الإيجابي لها، هو المساهمة في التحول الرقمي بكل مناحي الحياه في أغلب الدول العربية.
وتغيرت الثقافة العامة للمجتمعات العربية بشكل إلزامي نحو البيع والشراء من خلال الإنترنت، حيث سجلت مبيعات التجارة الإلكترونية نموا بمعدل 20 في المائة في الربع الأول من عام 2020. مقارنة بمعدل 12 في المائة من الفترة ذاتها من عام 2019. كما أعلنت الدول عن برامج تعليم عن بعد لتحفيف الأضرار على الطلاب المتضررين من الإغلاق الكلي للمدارس، والذي تقدر منظمة اليونيسكو عددهم بنحو 291 مليون طالب في العالم.
وشدد سعيد، على أن هذا التغيير الذي فرضه فيروس كورونا، ينبغي أن يسايره تطوير في الجهاز الإداري ببعض الدول التي لا تزال تحبو في مجال الرقمنة، وهو ما يقتضي ضرورة تدريب الموظفين على وسائل الاتصال الحديثة.
وتحركت وزارات التعليم في أغلب الدول العربية سريعا في هذا الملف الإداري الذي أشار إليه سعيد، حيث قامت بتدريب معلميها على تقنيات التدريس عن بعد، ونفذت وزارة التربية والتعليم في الإمارات برنامج تدريب تخصصي عن بعد لأكثر من 25 ألف معلم وإداري في المدارس الحكومية، إضافة إلى أكثر من 9200 معلم ومدير مدرسة من المدارس الخاصة، وركز التدريب على تحقيق مجتمعات تعلم افتراضية تعزز من قدرات المعلم على إدارة العملية التعليمية عن بعد، كما قال بيان صحافي للوزارة نقلته وكالة الأنباء الإمارتية يوم 22 مارس (آذار) الماضي.
كما أطلقت وزارة التربية والتعليم المصرية، موقع «بنك المعرفة» على شبكة الإنترنت، لتمكين الطلاب من متابعة المناهج الدراسية والتواصل مع معلميهم عن بعد، وأطلقت وزارة التربية والتعليم في الأردن منصة https://teachers.gov.jo/، لتدريب المعلمين على تقنيات التعلم عن بعد.
السياحة والعلاقات الاجتماعية
وامتد الواقع الافتراضي إلى قطاع السياحة، الذي وجد في التقنيات الافتراضية وسيلة ترويجية هامة تسمح لمستخدمي الإنترنت بالتجول في المناطق الأثرية افتراضيا، لعل ذلك يكون دافعا لهم لزيارة تلك الأماكن الأثرية عند فتحها للجمهور مجددا.
وأطلقت وزارة السياحة والآثار المصرية، مبادرة لزيارة المناطق الأثرية بشكل افتراضي عبر الإنترنت، حيث تقوم الوزارة بتنظيم جولات افتراضية داخل مواقع ومساجد وأديرة أثرية، بعد تأثر قطاع السياحة بسبب إجراءات مواجهة وباء كورونا، التي أدت إلى إغلاق المناطق الأثرية والفنادق.
وكانت خدمات الجولات الافتراضية للعديد من المعالم والمتاحف ومراكز التسوق في دبي متاحة قبل أزمة كورونا، ولكن الأزمة أعطت هذه الخدمات زخما كبيرا، حيث باتت وسيلة الجمهور الأساسية للاطلاع على المعالم السياحية في دبي والعالم.
ومع تخفيف إجراءات التباعد الاجتماعي، يشدد الخبراء على أن العودة بنفس السلوكيات القديمة من حيث المصافحة باليد والأحضان، قد يؤدي إلى موجات تالية من الإصابة بالفيروس.
ويتوقع الخبراء أن يفرض هذا الفيروس لحين تمكن العلماء من إنجاز لقاح للتحصين ضده، شكلا جديدا من العلاقات الاجتماعية، تصبح افتراضية مثل كثير من مجالات الحياه.
وقالت شركة الاتصالات السعودية stc في 25 مارس (آذار) الماضي، بأن تطبيقات التواصل الاجتماعي شهدت نموا بمعدل 73 في المائة، وأفادت شركة أبحاث السوق Kantar إن تطبيق التراسل الفوري واتساب شهد زيادة كبيرة في الاستخدام في ظل التدابير المتخذة في جميع أنحاء العالم للحد من تفشي فيروس كورونا المستجد، وبحسب التقرير الذي شمل أكثر من 25 ألف مستهلك في 30 سوقا خلال المدة من 14 إلى 24 مارس الماضي، فإن تطبيق واتساب شهد زيادة في الاستخدام بنسبة 40 في المائة.

تأثيرات وتداعيات
وإذا كان قطاع الاتصالات قد شهد نموا بسبب التباعد الاجتماعي الذي فرضه فيروس كورونا، فإن قطاع الصناعة على النقيض تماما قد تعرض لتأثيرات سلبية قاتلة بسبب توقف حركة الطيران وتأثيرات ذلك على استيراد مكونات الصناعة، وتصدير المنتج النهائي.
وقدر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) حدوث انخفاض قدره 50 مليار دولار في صادرات الصناعات التحويلية في جميع أنحاء العالم، خلال شهر فبراير (شباط) وحده، بسبب فيروس كورونا، وذلك وفق تقرير نشره موقع «أخبار الأمم المتحدة» في 4 مارس الماضي، وتشمل الصناعات الأكثر تضرراً من هذا الانخفاض «صناعة الأدوات الدقيقة وصناعة الآلات ومعدات السيارات وصناعة أجهزة الاتصالات».
ويعد قطاع السيارات من أبرز القطاعات المتضررة على مستوى العالم، وتوقع مسح حديث أعدته مؤسسة «Market» للأبحاث السوقية تراجع مبيعات السيارات في العالم بنحو 12 في المائة خلال العام الجاري، وكشف المسح أن مبيعات السيارات حول العالم قد تسجل نحو 8.78 مليون وحدة خلال 2020 بانخفاض نسبته 12 في المائة على أساس سنوي، مقارنة مع هبوط بنسبة 8 في المائة خلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008.
ورغم هذه السلبيات القاتلة، يرى الخبير الاقتصادي د. خالد محمدي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن أزمة فيروس كورونا يمكن أن تخلق واقعا اقتصاديا جديدا، عن طريق الاستفادة من هذه المحنة في تحقيق خطوات ملموسة نحو تعميق المنتج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، كما يمكن أن تساعد في اقتحام أسواق جديدة بديلة للدول التي تعاني من موقف وبائي أشد خطورة.
ويبدو حال قطاع الزراعة والغذاء أخف وطأة من الصناعة، فحتى الآن لا تزال التأثيرات في حدها الأدنى، بسبب كفاية الإمدادات الغذائية ووجود مخزون من القمح والمحاصيل الرئيسية الأخرى، ولكن إذا استمرت إجراءات إغلاق الطرق بسبب القيود التي فرضها فيروس كورونا خلال شهر مايو (أيار) الجاري، فقد تحدث اضطرابات في سلاسل إمداد الغذاء، كما يقول نصر الدين حاج الأمين، ممثل منظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة (الفاو) في مصر في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط». ويضيف إن إغلاقات طرق النقل قد تتسبب في زيادة مستويات فقد وهدر الغذاء، لا سيما في السلع سريعة التلف مثل الخضراوات والفواكه.



هل السبب دواء «أوزمبيك» لكبح الشهية... أم «فقدان الشهية العصبي»؟

هل السبب دواء «أوزمبيك» لكبح الشهية... أم «فقدان الشهية العصبي»؟
TT

هل السبب دواء «أوزمبيك» لكبح الشهية... أم «فقدان الشهية العصبي»؟

هل السبب دواء «أوزمبيك» لكبح الشهية... أم «فقدان الشهية العصبي»؟

يتزايد قلق الأطباء من أن أدوية إنقاص الوزن تُسهم في ظهور حالات جديدة من فقدان الشهية العصبي anorexia، وأنّ هناك نقصاً في الضمانات لحماية المرضى الذين يعانون من اضطرابات الأكل.

أعراض متشابهة للدواء... وللاضطراب

يتناول عشرات الملايين من المرضى هذه الأدوية حالياً، والتي قد تُسبب أحياناً أعراضاً تُشابه أعراض فقدان الشهية العصبي: تساقط الشعر، والدوخة، ومشاكل في الجهاز الهضمي، ونقص حاد في السعرات الحرارية. وتقول الدكتورة كاثرين كيلي، طبيبة طب الأسرة والطب الرياضي في لونغ بيتش، كاليفورنيا: «إننا نتساءل في هذه الحالة: هل هذا فقدان شهية عصبي؟ هل هو اضطراب في الأكل؟ أم أنه مجرد أثر جانبي للدواء؟».

توصيات لرصد علامات اضطرابات الأكل قبل البدء بتناول أدوية كبح الشهية

وبناءً على «الحاجة المُلحة» إلى إرشادات، أصدر تحالف دولي من اختصاصيي طب السمنة وأطباء اضطرابات الأكل، وغيرهم من الخبراء، أخيراً توصيات جديدة بشأن وصف مُحفزات مستقبلات الببتيد الشبيه بالغلوكاجون-1 (GLP-1) ووصف اضطرابات الأكل. ومن بين اقتراحاتهم الموجهة للأطباء: فحص جميع المرضى بحثاً عن علامات اضطرابات الأكل قبل البدء بتناول مُحفزات مستقبلات الببتيد الشبيه بالغلوكاجون، ومراقبة أي شخص يتناول هذه الأدوية بشكل دوري.

ولا يُعد أي من هذين الإجراءين ممارسةً مُعتمدةً حالياً. كما أن معظم الأطباء غير مُدرَّبين على التعرّف على علامات اضطرابات الأكل، ما قد يُحدّ من نطاق التوصيات الجديدة.

أدوية يسهل الحصول عليها من دون طبيب

وما يزيد الأمر تعقيداً أن العديد من الأشخاص يحصلون على هذه الأدوية عبر خدمات التطبيب عن بُعد، مع إشراف طبي محدود أو معدوم. وفي دراسة حديثة، وجد باحثون حاولوا شراء أدوية إنقاص الوزن من 49 موقعاً إلكترونياً أن ثلث هذه المواقع فقط اشترط التواصل المباشر مع طبيب قبل وصف الأدوية، وأن نصفها فقط سأل عن اضطرابات الأكل.

وقالت فانيسا لونغلي، الرئيسة التنفيذية لمنظمة «بيت» Beat البريطانية غير الربحية التي تُدير خطاً ساخناً لمساعدة الأشخاص الذين يُعانون من اضطرابات الأكل: «لقد بدأنا بوصف دواء خطير للغاية، في حين أننا لا نعرف تماماً جميع آثاره الجانبية».

حقن كبح الشهية تُسوَّق أحياناً من دون وصفة طبية

معدل اضطرابات الأكل بين متناولي أدوية كبح الشهية أكثر بـ6 مرات

لا تتوفر بيانات كافية حول مدى شيوع فقدان الشهية العصبي بين الأشخاص الذين يتناولون أدوية إنقاص الوزن. لكن دراسة حديثة تناولت استخدام هرمون GLP-1 بين أشخاص لا يعانون من أي حالة طبية ظاهرة، وجدت أن معدل اضطرابات الأكل في هذه المجموعة يزيد ستة أضعاف عن المعدل في عموم السكان. وتشير الأبحاث إلى أن الكثيرين يلجأون إلى هذه الأدوية لتحقيق مستويات خطيرة من فقدان الوزن. وإذا تُركت حالة فقدان الشهية العصبي من دون علاج، فقد تؤدي إلى هشاشة العظام، وكسور العظام، ومشاكل في القلب والأوعية الدموية، واضطرابات إدراكية. وقد تكون قاتلة أيضاً.

وحتى لو أفصح المريض عن تاريخه مع فقدان الشهية العصبي، فإن الأطباء لا يملكون إرشادات كافية حول الخطوة التالية. هل يصفون الدواء على أي حال؟ أم يمتنعون عن وصفه بسبب هذا الخطر، متخلين عن فوائده؟

«أوزمبيك» أم فقدان الشهية العصبي؟

تشير مجموعة متزايدة من الأبحاث إلى أنه بالنسبة لبعض الأشخاص الذين لديهم استعداد وراثي لفقدان الشهية العصبي، فإن حالة نقص السعرات الحرارية - مثل اتباع حمية غذائية لأول مرة - قد تكون المحفز لاضطراب الأكل، إذ إن أدمغتهم مهيأة لاعتبار هذا النقص في السعرات الحرارية مُرضياً بشكل خاص، مما يخلق حلقة مفرغة تدفعهم إلى مزيد من تقييد تناول الطعام. كما لاحظ الباحثون أن جراحة السمنة قد تُسبب فقدان الشهية بهذه الطريقة.

وهناك ما يدعو للاعتقاد بأن شيئاً مشابهاً قد يحدث لبعض المرضى الذين يتناولون أدوية GLP-1. وقالت سينثيا بوليك، المديرة المؤسسة لمركز التميز لاضطرابات الأكل بجامعة نورث كارولينا، والعضو في لجنة الخبراء التي أصدرت الإرشادات الجديدة: «إنها نقطة تحول حاسمة. فهي تُحفز لديهم الاستعداد الوراثي الكامن».

«أدوات دوائية قوية» لكبح الشهية

ووصفت الدكتورة أماندا بانكس، الطبيبة في فيلادلفيا ومؤلفة كتاب عن العلاقة بين فقدان الشهية العصبي وأدوية إنقاص الوزن، هذه الأدوية بأنها «أدوات دوائية قوية» لكبح الشهية. وهذا ما يجعلها علاجاً فعالاً للأشخاص الذين يعانون من السمنة. كما أنه أحد أسباب ظهور نتائج واعدة لهذه الأدوية لدى مرضى «اضطراب نهم الطعام binge eating disorder».

اضطراب فقدان الشهية العصبي يتسبب في أعراض ضارة بالجسم

تشخيص فقدان الشهية العصبي

يشخص الأطباء أحياناً فقدان الشهية العصبي من خلال أعراضه الجسدية: فقدان الوزن السريع والشديد، والجفاف، والدوار، وتساقط الشعر الناتج عن سوء التغذية. لكن هذه الأعراض قد تكون أيضاً من آثار هرمونات أدوية GLP-1، ما يجعل تشخيص اضطراب الأكل صعباً.

كما يصعب على الأطباء التمييز بين ما إذا كان المريض يحاول عمداً تقليل كمية الطعام التي يتناولها، أو ما إذا كان الدواء هو ما يدفعه إلى ذلك. ولا توجد إجابة قاطعة حول مقدار فقدان الوزن الذي يُعد مفرطاً عند تناول أدوية مصممة لمساعدة الناس على إنقاص الوزن.

وقال الدكتور آرون كيشين، اختصاصي اضطرابات الأكل في نوفا سكوتيا والمشارك في وضع الإرشادات الجديدة: «نشهد حالات لمرضى يعانون مما نسميه فقدان الوزن المرضي»، الذي قد يعني فقدان كمية غير صحية من الوزن. وأضاف: «وهم يتناولون هرمونات GLP-1».

لقد أصبح التمييز بين استخدام هرمونات GLP-1 واضطرابات الأكل غير واضح لدرجة أن بعض الباحثين يتساءلون عما إذا كان التعريف السريري لفقدان الشهية العصبي بحاجة إلى تغيير ليعكس أعراض هذا الاضطراب لدى من يتناولون هذه الأدوية.

الحاجة إلى ضوابط

وبينما تعد الإرشادات الجديدة محاولةً للحماية من مخاطر عقاقير GLP-1 التي قد تُلحق الضرر بالمرضى الذين يعانون من اضطرابات الأكل، فإن تطبيق هذه التوصيات عملياً قد يُمثّل تحدياً، لا سيما مع ازدياد وصفات الأدوية عبر الإنترنت. وتقول بانكس: «إذا استطاع أيّ منا أن يقول: 'وزني 165 رطلاً (الرطل 453 غراماً)، وأعاني من داء السكري وارتفاع ضغط الدم'، ولم يكن أيٌّ من هذه الأمور صحيحاً، ولم يتحقق أحد من ذلك، ثمّ استطاع الحصول على الدواء عند باب منزله صباحاً، فهذه مشكلة».

وحتى الأطباء الذين يُقدّمون رعايةً مباشرةً للمرضى الذين يتناولون هذه الأدوية ليسوا في وضعٍ يسمح لهم بالتعامل مع مخاطر اضطرابات الأكل. فأطباء الرعاية الأولية، الذين يصفون هذه الأدوية بشكلٍ متكرر، غالباً ما يكون وقتهم ضيقاً، ويتعيّن عليهم معالجة مجموعةٍ متنوّعةٍ من المشاكل الصحية.

الأطباء يفتقدون إلى الإرشادات

وتقول الدكتورة ميلاني جاي، مديرة برنامج NYU Langone الشامل للسمنة، إنّ أطباء السمنة واختصاصيي اضطرابات الأكل الذين يُمكنهم المساعدة في معالجة هذه المشاكل مع المرضى نادراً ما تتاح لهم فرص التفاعل فيما بينهم. ويفتقر أطباء السمنة إلى إرشادات كافية حول كيفية التعامل مع فقدان الشهية العصبي، أو حتى كيفية اكتشاف علاماته في المقام الأول.

وقالت لونغلي، رئيسة المنظمة البريطانية غير الربحية المعنية باضطرابات الأكل: «إن الخطر الأكبر لا يكمن في الدواء، بل في عدم تشخيص اضطراب الأكل الكامن أمامك».

* خدمة «نيويورك تايمز».


أجهزة تراقب السكر... هل تقود إلى الوقاية أم إلى مطاردة الأرقام؟

مستشعرات رصد مستويات الغلوكوز تزداد انتشاراً
مستشعرات رصد مستويات الغلوكوز تزداد انتشاراً
TT

أجهزة تراقب السكر... هل تقود إلى الوقاية أم إلى مطاردة الأرقام؟

مستشعرات رصد مستويات الغلوكوز تزداد انتشاراً
مستشعرات رصد مستويات الغلوكوز تزداد انتشاراً

​قد تكشف قراءة واحدة تغيراً عابراً، ولكن ماذا تخبرنا مئات القراءات؟ بين الوعد بالوقاية والقلق من كل ارتفاع، يطرح انتشار الأجهزة القابلة للارتداء سؤالاً يتجاوز دقة المستشعر: هل تمنحنا مراقبة أجسامنا لحظة بلحظة قدرة أكبر على تجنب المرض؟ أم تدفعنا إلى مطاردة أرقام لا نعرف دائماً كيف نفسرها؟

برز هذا السؤال في جلسة «الأجهزة القابلة للارتداء ومراقبة الغلوكوز واقتصاد الوقاية» ضمن المنتدى الرقمي لملتقى الصحة العالمي؛ إذ بعد إعادة جدولة المعرض الحضوري إلى 25–28 أكتوبر (تشرين الأول) 2027، أطلق المنظمون منتدى رقمياً يمتد من 26 أكتوبر 2026 إلى 20 ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه.

جناح وزارة الصحة خلال ملتقى الصحة العالمي 2025 في الرياض (الشرق الأوسط)

ملتقى رقمي وحضور صحي عالمي

لا يقتصر المنتدى الرقمي على نقل جلسات المعرض إلى الإنترنت؛ إذ يضم برنامجه 30 ندوة مهنية و15 حواراً مع قيادات صحية، إلى جانب تقرير عن سوق الرعاية الصحية. وتكمن أهميته في إبقاء النقاش قائماً بين المختصين والمستثمرين وصنَّاع القرار، وإتاحة الوصول إلى موضوعات الصحة الرقمية والابتكار الطبي خارج حدود المكان وأيام المعرض. كما يعزز حضور المملكة العربية السعودية على الساحة الصحية العالمية، ويبرز طموحها إلى ترسيخ ريادتها في توظيف الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية في الرعاية الصحية. ولكنه يظل مكمِّلاً للقاءات المباشرة، بما تتيحه من عرض للتقنيات وبناء للشراكات وجهاً لوجه.

وتأتي هذه النقاشات في سياق توسع ملتقى الصحة العالمي نفسه. ففي دورة 2025، استقطب أكثر من 130 ألف زائر، وعرضت فيه أكثر من 2200 علامة تجارية، وشارك 607 متحدثين، بينما أعلن المنظمون اتفاقات وصفقات تجاوزت قيمتها 35.5 مليار دولار. وتعكس هذه الأرقام اتساع الملتقى من معرض للأجهزة والخدمات إلى منصة تتقاطع فيها أسئلة الاستثمار والابتكار ومستقبل الرعاية الصحية.

من وخزة الإصبع إلى القراءة المستمرة

أصبحت أجهزة المراقبة المستمرة للغلوكوز أداة مهمة لكثير من المصابين بالسكري. يُثبَّت مستشعر صغير تحت الجلد؛ حيث يقيس الغلوكوز في السائل الخلالي، ثم يرسل قراءاته إلى الهاتف أو جهاز الاستقبال. وعلى خلاف وخزة الإصبع التي تعطي قراءة في لحظة واحدة، ترصد هذه الأجهزة تغير مستويات الغلوكوز بمرور الوقت، فتساعد المريض على متابعة اتجاهها والتنبه إلى ارتفاعها أو انخفاضها، ومناقشة أثر الطعام والنشاط والعلاج مع الطبيب.

لكن استخدام التقنية اتسع ليتجاوز متابعة المصابين بالسكري، فأقبل عليها بعض الأصحاء سعياً إلى «تحسين الأداء» أو بلوغ صحة مثالية. وهنا يختلف السؤال: ماذا تعني هذه القراءات لمن لا يعاني السكري؟ وهل تكفي مراقبة تغيرات الغلوكوز لتغيير العادات بما يحسِّن الصحة فعلاً؟

ماذا تقول الأدلة لدى الأصحاء؟

في 26 يناير (كانون الثاني) 2026، نشرت مجلة «European Journal of Medical Research» مراجعة علمية تناولت 23 دراسة شملت 1074 شخصاً من غير المصابين بالسكري، وجمعت إحصائياً نتائج الدراسات التي استطاعت مقارنتها. وأظهر التحليل انخفاضاً في متوسط الغلوكوز لدى مستخدمي الأجهزة مقارنة بالمشاركين الذين لم يستخدموها، بينما ارتبط استخدامها بتغييرات غذائية وبالتزام أكبر بالتدخلات الصحية.

لكن النتائج اختلفت باختلاف المشاركين؛ فلم يظهر فرق ذو دلالة في مؤشر كتلة الجسم، ولم يُرصد تحسن واضح في ضبط الغلوكوز لدى الأصحاء ذوي المستويات الطبيعية، بينما بدت النتائج أكثر وعداً لدى المصابين بمقدمات السكري. وتشير المراجعة إلى أن الأجهزة قد تساعد ضمن برنامج منظم لتغيير نمط الحياة، لا بوصفها علاجاً مستقلاً. كما أن قصر مدة كثير من الدراسات، ودمج بعضها بين الجهاز والتثقيف الصحي، يصعِّبان تحديد أثر المستشعر وحده.

«إنفوغراف» يوضح آلية عمل أجهزة المراقبة المستمرة للغلوكوز وملخص نتائج الدراسات لدى المصابين بالسكري وغير المصابين به

فائدة للمرضى لا تثبت الوقاية للجميع

وتوضح تجربة عشوائية نشرتها مجلة «New England Journal of Medicine» عام 2026، الفرق بين استخدام التقنية لمتابعة مرض قائم وبين تعميمها على الأصحاء. وشملت التجربة 283 بالغاً مصاباً بالسكري من النوع الثاني، لا يستخدمون الإنسولين. وبعد 26 أسبوعاً انخفض السكر التراكمي لدى مستخدمي أجهزة المراقبة المستمرة بمقدار إضافي بلغ 0.9 نقطة مئوية، مقارنة بمن تلقوا الرعاية المعتادة، كما أمضوا وقتاً أطول ضمن النطاق المستهدف.

ورغم أن هذه نتيجة مهمة لهؤلاء المرضى؛ لكنها لا تثبت أن الجهاز يمنع السكري لدى الأصحاء؛ فالفئة والسؤال البحثي مختلفان. والجهاز يقيس الغلوكوز؛ لكنه لا يشخِّص المرض بمفرده، فالارتفاع المؤقت بعد وجبة لا يكفي لتشخيص اضطراب، كما أن التذبذب الطبيعي لا يعني أن الجسم فقد قدرته على تنظيم السكر.

وفي 3 أغسطس (آب) 2026، أشارت صفحة تثقيفية في مجلة «JAMA Internal Medicine» إلى عدم وجود أدلة جيدة تثبت أن أجهزة المراقبة تحسن الصحة أو تمنع السكري لدى الأصحاء. وحذَّرت من أن محاولة تجنب «القمم» (في القراءات) قد تدفع بعض المستخدمين إلى تقييد أطعمة مفيدة مثل الفاكهة، أو تجعل متابعة الأرقام مصدراً للقلق والتوتر.

الوقاية قرار صحي... ليست مستشعراً

لا يعني ذلك أن هذه الأجهزة بلا فائدة خارج عيادات السكري. فقد تساعد بعض الأشخاص على فهم أثر عاداتهم اليومية، إذا فُسرت بياناتهم بإشراف مختص ورُبطت بخطة واقعية. فقيمة التقنية لا تُقاس بكمية البيانات التي تجمعها؛ بل بما تضيفه إلى القرار الصحي.

وهنا يعود سؤال «اقتصاد الوقاية»: من يستفيد من البيانات؟ وكيف تُفسَّر؟ وهل تقود إلى تحسن ملموس؟ فالوقاية لا تتحقق بشراء مستشعر أو جمع قراءات أكثر؛ بل بعادات مستدامة في الغذاء والنشاط والنوم، وبالفحوص المناسبة لمن لديهم عوامل خطر. والطب الجيد لا يقيس كل ما يمكن قياسه؛ بل يختار ما يساعد المريض والطبيب على اتخاذ قرار أفضل.


طفرة جينية نادرة قد تكون سبباً لاضطراب نمائي عصبي غامض

طفرة جينية نادرة قد تكون سبباً لاضطراب نمائي عصبي غامض
TT

طفرة جينية نادرة قد تكون سبباً لاضطراب نمائي عصبي غامض

طفرة جينية نادرة قد تكون سبباً لاضطراب نمائي عصبي غامض

اكتشف علماء تغيراً جينياً نادراً قد يكون وراء اضطراب نمائي عصبي لم يكن معروفاً من قبل، في خطوة قد تساعد على تفسير حالات بعض الأطفال الذين يعانون صعوبات في النمو دون سبب واضح، وتفتح المجال أمام بحوث جديدة لفهم هذه الاضطرابات.

وتوصل باحثون من كلية بايلور للطب، ومستشفى تكساس للأطفال في الولايات المتحدة، إلى أن هذا التغير يصيب جيناً يُعرف باسم «بي إم بي آر 2» (BMPR2) ويسهم في تنظيم الإشارات التي تحتاج إليها الخلايا للنمو والتطور بصورة طبيعية.

تغير جيني رُصد لدى 6 أطفال لا تربطهم صلة قرابة

ورصدت الدراسة المنشورة في مجلة «The American Journal of Human Genetics» في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) 2026 التغير الجيني نفسه لدى 6 أطفال لا تربطهم صلة قرابة. وعانى 5 منهم تأخراً في النمو شمل الحركة والكلام واللغة، بينما شُخِّص 4 باضطراب طيف التوحد. كما ظهرت لدى بعضهم مشكلات أخرى، مثل نوبات الصرع والقلق وفرط النشاط.

وتشير النتائج إلى أن هذا التغير قد يعطل عملية بيولوجية مهمة لنمو الدماغ، وهو ما قد يفسر جانباً من الصعوبات التي ظهرت لدى الأطفال.

وقال الباحث الرئيسي الدكتور شينيا ياماموتو، الأستاذ المشارك في كلية بايلور للطب، إن العثور على التغير الجيني نفسه لدى أطفال غير مرتبطين عائلياً كان دليلاً مهماً؛ لكن التأكد من تأثيره في نمو الدماغ تطلَّب إجراء تجارب إضافية.

إشارات نمو مفرطة النشاط

يساعد جين «بي إم بي آر2» الخلايا على إنتاج بروتين يعمل كمستقبل للإشارات الموجودة على سطحها، وينقل إليها التعليمات اللازمة لتنظيم النمو والتطور. وتُعد هذه العملية جزءاً من نظام إشارات حيوي يُعرف باسم مسار بروتينات مورفوجين العظم bone morphogenetic protein» (BMP) pathway» وله دور مهم في تطور أعضاء الجسم بما فيها الجهاز العصبي.

وكانت دراسات سابقة قد ربطت التغيرات التي تقلل نشاط هذا الجين بمرض ارتفاع ضغط الدم الشرياني الرئوي، الذي يؤثر في الأوعية الدموية داخل الرئتين.

لكن التغير المكتشف حديثاً يعمل بصورة معاكسة، فهو لا يقلل نشاط البروتين بل يجعله نشطاً بدرجة أكبر من الطبيعي، حتى من دون وصول الإشارة التي يفترض أن تشغِّله. ويُطلق العلماء على هذا النوع من التغيرات اسم «طفرة اكتساب الوظيفة» أي إنها تزيد نشاط البروتين بدلاً من إضعافه.

تجارب علمية

ولمعرفة كيف يؤثر هذا الخلل في الجهاز العصبي، استخدم الباحثون ذباب الفاكهة، وهو كائن يُستعمل كثيراً في الدراسات العلمية لفهم العمليات البيولوجية المرتبطة بالأمراض البشرية.

وأظهرت التجارب أن الطفرة تؤدي إلى زيادة غير طبيعية في نشاط مسار الإشارات المسؤول عن النمو، وتؤثر في تطور الجهاز العصبي. كما تسببت في زيادة عدد المشابك العصبية، وهي نقاط الاتصال التي تتبادل عبرها الخلايا العصبية الإشارات والمعلومات.

ولاحظ الباحثون أيضاً أن التأثير لم يقتصر على الخلايا العصبية؛ بل امتد إلى الخلايا الدبقية، وهي خلايا تساعد على دعم الخلايا العصبية والحفاظ على وظائف الجهاز العصبي. وعندما فُعِّلت الطفرة في هذه الخلايا ظهرت زيادة أكبر في نشاط مسار الإشارات مصحوبة بتأثيرات شديدة في النمو.

وتشير هذه النتائج إلى أن المشكلة قد لا ترتبط بالخلايا العصبية وحدها؛ بل تشمل أنواعاً مختلفة من الخلايا التي تعمل معاً لضمان تطور الدماغ بصورة سليمة. كما وجد الباحثون أن الطفرة ظهرت تلقائياً لدى 5 أطفال على الأقل ولم تكن موروثة من أحد الوالدين، ما يدعم احتمال ارتباطها بالحالة.

بداية الطريق نحو علاجات محتملة

ولبحث إمكانية الحد من النشاط المفرط لهذا المسار، اختبر العلماء مُركَّبين تجريبيين طُوّرا في مركز اكتشاف الأدوية بكلية بايلور للطب. وأظهرت التجارب أن المُركَّبين استطاعا خفض نشاط الإشارات غير الطبيعية في أنسجة ذباب الفاكهة، ما يقدم دليلاً أولياً على إمكانية التحكم في هذه العملية البيولوجية.

وقال جونغ وان موك، الباحث الرئيسي الأول في الدراسة بقسم الوراثة الجزيئية والبشرية، إن هذه النتائج تمثل نقطة بداية لدراسة إمكانية استهداف هذا المسار مستقبلاً، مع ضرورة التأكد من أن التدخل فيه يمكن أن يتم بصورة آمنة.

لكن الباحثين يؤكدون أن المُركَّبين لا يزالان في مرحلة التجارب البحثية، ولا يمثلان علاجاً متاحاً للأطفال. كما أن إثبات فائدتهما يتطلب دراسات إضافية لمعرفة مدى أمانهما وفاعليتهما لدى البشر.

جين واحد وطفرات بأمراض مختلفة

يسلط هذا الاكتشاف الضوء على أن التغيرات التي تصيب الجين نفسه قد تؤدي إلى أمراض مختلفة حسب تأثيرها في نشاط البروتين الذي ينتجه، فقد يؤدي انخفاض نشاط الجين إلى حالة مرضية، بينما تؤدي زيادة نشاطه إلى اضطراب مختلف تماماً.

وقد يساعد هذا الفهم على تحسين التشخيص الجيني للأطفال الذين يعانون تأخراً في النمو أو صعوبات عصبية لا يُعرف سببها، كما قد يوجه العلماء إلى مسارات بيولوجية يمكن دراستها لتطوير علاجات مستقبلية. ومع ذلك تظل النتائج أولية؛ إذ شملت الدراسة 6 أطفال فقط، واعتمدت التجارب التي فسرت تأثير الطفرة على ذباب الفاكهة، وليس على نموذج متكامل للدماغ البشري.

ويحتاج الباحثون إلى إجراء دراسات إضافية على خلايا بشرية ونماذج حيوية أخرى، للتأكد من كيفية تأثير الطفرة في نمو الدماغ، وتحديد الخلايا الأكثر تأثراً بها، ومعرفة ما إذا كان بالإمكان تطوير تدخلات علاجية آمنة.

وبالنسبة إلى العائلات التي تبحث عن تفسير لصعوبات النمو لدى أطفالها، قد يشكل هذا الاكتشاف خطوة مهمة نحو تشخيص حالات جينية لم تكن معروفة سابقاً، بينما يمنح العلماء فرصة جديدة لفهم بعض أسباب الاضطرابات النمائية العصبية.