«كورونا» ينشر الرقمنة ويُنمي ميزانيات الصحة

ازدهار التعليم الإلكتروني وتوسع المعارض الافتراضية

«كورونا» ينشر الرقمنة ويُنمي ميزانيات الصحة
TT

«كورونا» ينشر الرقمنة ويُنمي ميزانيات الصحة

«كورونا» ينشر الرقمنة ويُنمي ميزانيات الصحة

خمسة أشهر مرت على بداية ظهور جائحة فيروس كورونا المستجد، ليفرض الفيروس خلال تلك الفترة واقعاً جديدا في مختلف المجالات، ويبدو أن هذا الواقع لن يتغير على المدى القريب، بعد أن اختار العالم سيناريو التعايش معه.
وتسببت الخسائر الاقتصادية الناتجة عن إجراءات التباعد الاجتماعي التي فرضها الفيروس، وعدم الوصول إلى لقاح حتى الآن، في انضمام دول عربية عدة إلى هذا التوجه العالمي، الذي سيفرض واقعا جديدا ومختلفا في شتى المجالات، وعلى رأسها مجال الصحة.

قطاع الصحة
وضخت الحكومات العربية المزيد من الأموال في هذا القطاع منذ بداية الأزمة وحتى الآن، بل وفرضت الأزمة تعديلات جوهرية على موازنات الأعوام القادمة، ليصبح شعارها «لا صوت يعلو فوق صوت الصحة».
وأعلنت أكثر من دولة عربية ضخ المزيد من الأموال في هذا القطاع، بعد أن صار التعايش مع الفيروس خيارا حتميا ستلجأ له دول العالم، بعد تقارير تتحدث عن أنه لن يكون هناك لقاح ضد كورونا قبل عام على الأقل. كان وزير الصحة السعودي، توفيق الربيعة، قال في تصريحات نقلتها وكالة الأنباء السعودية في 7 أبريل (نيسان) الماضي، بأن وزارته تلقت «دعما من الدولة منذ بداية الأزمة حتى الآن بقيمة 15 مليار ريال، تم تخصيصها لتأمين الأدوية وتشغيل الأسرة الإضافية وشراء الأجهزة الطبية والمستلزمات الصحية وتأمين الكوادر الطبية من داخل وخارج المملكة». ولفت الربيعة في التصريحات ذاتها، إلى أن وزارته رفعت طلبات إلى نهاية السنة بقيمة 32 مليار ريال فوق المبالغ المخصصة سابقا، وقال بأن الصحة السعودية تلقت الموافقة عليها.
ومنذ بداية شهر مارس (آذار) الماضي وحتى الآن، خصصت وزارة المالية المصرية 3.8 مليار جنيه (الدولار يساوي 15.6 جنيه في المتوسط) بغرض تلبية الاحتياجات الملحة والحتمية من الأدوية والمستلزمات الطبية لتمكين هذا القطاع الحيوي من اتخاذ الإجراءات الاحترازية والوقائية لفيروس «كورونا المستجد»، وصرف مكافآت تشجيعية للأطقم الطبية، كما ستشهد ميزانية القطاع الصحي للعام المالي 2020 - 2021 الذي سيبدأ في شهر يوليو (تموز) القادم، أكبر زيادة في تاريخها حيث ستصل إلى 95.7 مليار جنيه بزيادة قدرها 23.4 مليار جنيه، وفق ما أعلن وزير المالية المصري د.محمد معيط في تصريحات صحافية. في مارس الماضي.
وأعلنت وزارة المالية بالمغرب هي الأخرى إن المملكة ستنفق ملياري درهم (200 مليون دولار) مبدئيا لمساعدة النظام الصحي في مواجهة تفشي فيروس كورونا.
ويقول الدكتور محمد خالد أستاذ الميكروبيولوجي بكلية الطب جامعة أسيوط (جنوب مصر) لـ«الشرق الأوسط»، بأن زيادة موارد الصحة، تعكس إدراك الحكومات لتبعات إجراءات تخفيف القيود التي تم فرضها منذ بداية الأزمة، واتجاهها للمرحلة الثانية لمواجهة الوباء، وهي التعايش معه.
ورغم تعبير «منظمة الصحة العالمية» عن قلقها من أن يكون مثل هذا القرار متسرعاً، إلا أنها لا تنكر على كل دولة حقها في اتخاذ ما تراه مناسبا لظروفها وقدرتها على تحمل قرارات الإغلاق التام، شريطة أن يكون نظامها الصحي قادرا على استيعاب حالات الإصابة المتوقعة عند تخفيف القيود، كما يجب أن يكون هناك تحديد للمجموعات الأكثر عرضة للخطر، وتجرى فحوصات دائمة لهذه المجموعات وتكثيف التوعية بينها للالتزام بإجراءات التباعد الاجتماعي.
ويوضح خالد، أن «الإجراءات التي تم الإعلان عنها في أكثر من دولة عربية أخيراً تكشف عن إدراكها للتحديات التي تشير إليها هذه الشروط التي حددتها منظمة الصحة العالمية، والتي تظهر ملامحها واضحة في أكثر من دولة خلال الفترة الأخيرة مع تنفيذ بعض إجراءات تخفيف القيود».
وحولت مصر العديد من المدن الجامعية ونزل الشباب إلى مستشفيات عزل لاستقبال حالات الإصابة بالفيروس، كما أعدت وزارة السياحة في السعودية دور ضيافة تشرف عليها وزارة الصحة، لاستخدامها في الحجر الصحي للحالات المشتبه فيها، وفي الإمارات أعلنت شركة أبوظبي للخدمات الصحية في 22 أبريل (نيسان) الماضي عن تجهيز ثلاثة مستشفيات ميدانية في مناطق مختلفة بأبوظبي، كما قررت هيئة الصحة بدبي تحويل مركز التجارة العالمي إلى مستشفى ميداني لمصابي فيروس كورونا، بسعة 3000 سرير، 800 منها مخصصة للعناية المركزة.
لكن بعدا آخر مهما يلفت إليه د. محمد علي عز العرب، مستشار «المركز المصري للحق في الدواء»، والذي يقول لـ«الشرق الأوسط»، إنه «يخشى من أن انخراط الأنظمة الصحة في مواجهة كورونا قد ينسيها الأمراض الأخرى، كما أن الخوف من العدوى قد يتسبب في عزوف بعض المرضى عن الذهاب إلى المستشفيات».
وظهرت هذه المشكلة فب أكثر من دولة ومنها تونس، حيث قال الصحبي بن فرج، النائب السابق في البرلمان التونسي على صفحته بموقع «فيسبوك»، إن «هناك ارتفاعا غير عادي في حالات الوفاة في أوساط المتقاعدين، خلال الفترة بين 6 و21 أبريل الماضي. وعزا الارتفاع إلى حدوث تدهور في صحة المرضى العاديين من غير المصابين بكورونا بسبب صعوبة التنقل ومراجعة الأطباء وتوقف العمل في العيادات الخارجية والأقسام الطبية لأسابيع طويلة، نظرا لتجنيد المنظومة الصحية بصفة شبه حصرية لمقاومة كورونا.
وأبدت «منظمة الصحة العالمية» مخاوفها من نفس المشكلة، ولكن في قطاع التطعيمات، وحذرت مع بداية الأسبوع العالمي للتطعيمات، والذي يبدأ في الفترة من 24 وينتهى في 30 أبريل من كل عام، من أن إغلاق خدمات التحصين في ظل تفشي جائحة فيروس كورونا، حيث قد يؤدي إلى عودة ظهور الأمراض التي يمكن منعها باستخدام لقاحات آمنة وفعالة، مثل شلل الأطفال والجدري والحصبة.
وبالإضافة إلى المخاوف من عودة تلك الفاشيات، يخشى عز العرب من التأثيرات النفسية لمتابعة أعداد الإصابات بالفيروس، وقال «علينا الأخذ بنصائح وإرشادات دراسة أعدتها جامعة أكسفورد البريطانية، وأهمها أخذ استراحة من مشاهدة الأخبار أو الاستماع إليها».
وأدركت أكثر من دولة هذا الواقع النفسي الذي يفرضه الفيروس، وأعلنت أمانة الصحة النفسية وعلاج الإدمان بوزارة الصحة المصرية في نهاية الشهر الماضي عن حملة «احمي النفسية»، والتي تم خلالها تنظيم دورة تدريبية عن بعد عبر الإنترنت، لتدريب الأطباء وطواقم التمريض واختصاصيين نفسيين واجتماعيين، على تقديم الدعم النفسي للمواطنين.

معارض افتراضية
لجوء أمانة الصحة النفسية بوزارة الصحة المصرية إلى عقد التدريب عن بعد، ليس اختراعا خاصاً بها، بل سيصبح سمة من سمات عصر التعايش مع كورونا، لا سيما أن كل المؤشرات تشير إلى أن هذا الفيروس سيستمر مع البشرية لفترة طويلة، وهو ما عبر عنه تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية بقوله «الجائحة أبعد ما تكون عن الانتهاء»، وذلك في مؤتمر صحافي بمقر المنظمة بجينيف يوم 27 أبريل الماضي.
وأدركت الجمعية الدولية للمعارض والفعاليات هذا الواقع الجديد، ونظم فرعها بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا مؤتمرا من خلال تقنية الاجتماعات الافتراضية في 21 أبريل الماضي بعنوان «التحديات والحلول وأثرها على صناعة المعارض ومستقبل العاملين بها»، واتفق 250 مشاركاً من مختلف دول المنطقة، على دعم الأحداث الافتراضية في الفترة الحالية، تمهيداً لاعتمادها كداعم مستقبلي للفعاليات.
ودعا الرئيس التنفيذي لمركز إكسبو الشارقة، وعضو الجمعية الدولية للمعارض والفعاليات فرع الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، سيف محمد المدفع، خلال مشاركته في المنتدى، إلى إعادة تعريف طريقة إقامة المعارض من خلال الاستثمار في التقنيات الحديثة، كما دعا إلى الابتكار في تنظيم المؤتمرات والمعارض عبر إيجاد منصات رقمية ذكية لتنظيم معارض افتراضية خلال المرحلة الراهنة.
وقبل نحو ستة أشهر من معرض القاهرة الدولي للابتكار، والذي يقام في أكتوبر (تشرين الأول) من كل عام، استجابت أكاديمية البحث العلمي المصرية، الجهة المنظمة للمؤتمر، لما دعا له الرئيس التنفيذي لمركز إكسبو الشارقة.
وقال الدكتور محمود صقر رئيس الأكاديمية في بيان صحافي في 29 أبريل (نيسان) الماضي، بأن الدورة القادمة للمعرض ستكون افتراضية، وأنهم درسوا الموضوع من كل الجوانب واستمعوا إلى خبراء في المجال من مصر ومن الهند.
ووصف هذا التحدي بأنه عملية تقنية ليست سهلة، لا سيما أنهم يريدون الحفاظ على نفس برامج المعرض عند إقامته افتراضيا، من حيث مشاركة آلاف الابتكارات والاختراعات من مصر والعالم، وتنظيم العديد من ورش العمل والبرامج التدريبية واللقاءات التسويقية وتنظيم محاضرات لكبار الخبراء في مجال إدارة الابتكار والتسويق التكنولوجي والملكية الفكرية والثقافة العلمية، بالإضافة إلى قيام لجان التقييم بالتجول في المعرض للتقييم الفني والاقتصادي للاختراعات ومناقشة المبتكرين في ابتكاراتهم المعروضة، واختيار أفضلها للفوز بجوائز المعرض.
وربما جاء هذا القرار المبكر من أكاديمية البحث العلمي بعد نجاح أول فاعلية أقامتها افتراضيا خلال شهر أبريل الماضي، وكانت «هاكاثون افتراضي لوضع حلول تكنولوجية وصناعية لبعض الأزمات التي أثارها فيروس كورونا. والهاكثون يعني تجمع متخصصي التكنولوجيا على نحو مكثف لوضع حلول لمشكلة ما، ولأن الفيروس فرض إجراءات التباعد الاجتماعي تم عقده افتراضيا، وجاءت ردود الفعل إيجابية للغاية، بل واعتبر المشاركون بأول هاكثون افتراضي أن التعود على مثل هذا النمط من إقامة الفعاليات، ربما يكون وجها إيجابيا للواقع الجديد الذي يفرضه فيروس كورونا.
ويقول أحمد رضوان، صاحب أحد الأفكار التي عرضت بـ«الهاكثون» لـ«الشرق الأوسط»: «لقد تأخرنا كثيرا في التعود على مثل هذا النمط من الفعاليات، وربما يكون فيروس كورونا دافعا لنا على ذلك».
ويلخص رضوان أبرز مزايا الهاكثون الافتراضي مضيفا: «تركيز أكبر في المهمة، مقارنة بالشكل التقليدي، حيث يضيع التركيز بسبب كثافة الحضور في مكان واحد، استثمار أعلى للوقت، حيث تتأجل بعض أحداث الفعاليات التقليدية لبعض الوقت انتظارا لحضور خبير أو مسؤول، وهذا لا يحدث في الشكل الافتراضي».

رقمنة الحياة
ولا يقتصر التغيير الذي أحدثه فيروس كورونا على مجرد فاعلية أو مؤتمر تعقد بشكل افتراضي، بل إن هذا التوجه سيصبح نمط معيشة، فيما يمكن أن نسميه بـ«رقمنة الحياة»، فالبيع والشراء والتعليم والسياحة، بل وحتى العلاقات الاجتماعية ستصبح رقمية.
ويقول إيهاب سعيد، رئيس الشعبة العامة لمراكز الاتصالات باتحاد الغرف التجارية المصرية لـ«الشرق الأوسط»، إن الأزمة وإن كان لها تبعات اقتصادية سلبية على عده قطاعات، إلا أن الوجه الإيجابي لها، هو المساهمة في التحول الرقمي بكل مناحي الحياه في أغلب الدول العربية.
وتغيرت الثقافة العامة للمجتمعات العربية بشكل إلزامي نحو البيع والشراء من خلال الإنترنت، حيث سجلت مبيعات التجارة الإلكترونية نموا بمعدل 20 في المائة في الربع الأول من عام 2020. مقارنة بمعدل 12 في المائة من الفترة ذاتها من عام 2019. كما أعلنت الدول عن برامج تعليم عن بعد لتحفيف الأضرار على الطلاب المتضررين من الإغلاق الكلي للمدارس، والذي تقدر منظمة اليونيسكو عددهم بنحو 291 مليون طالب في العالم.
وشدد سعيد، على أن هذا التغيير الذي فرضه فيروس كورونا، ينبغي أن يسايره تطوير في الجهاز الإداري ببعض الدول التي لا تزال تحبو في مجال الرقمنة، وهو ما يقتضي ضرورة تدريب الموظفين على وسائل الاتصال الحديثة.
وتحركت وزارات التعليم في أغلب الدول العربية سريعا في هذا الملف الإداري الذي أشار إليه سعيد، حيث قامت بتدريب معلميها على تقنيات التدريس عن بعد، ونفذت وزارة التربية والتعليم في الإمارات برنامج تدريب تخصصي عن بعد لأكثر من 25 ألف معلم وإداري في المدارس الحكومية، إضافة إلى أكثر من 9200 معلم ومدير مدرسة من المدارس الخاصة، وركز التدريب على تحقيق مجتمعات تعلم افتراضية تعزز من قدرات المعلم على إدارة العملية التعليمية عن بعد، كما قال بيان صحافي للوزارة نقلته وكالة الأنباء الإمارتية يوم 22 مارس (آذار) الماضي.
كما أطلقت وزارة التربية والتعليم المصرية، موقع «بنك المعرفة» على شبكة الإنترنت، لتمكين الطلاب من متابعة المناهج الدراسية والتواصل مع معلميهم عن بعد، وأطلقت وزارة التربية والتعليم في الأردن منصة https://teachers.gov.jo/، لتدريب المعلمين على تقنيات التعلم عن بعد.
السياحة والعلاقات الاجتماعية
وامتد الواقع الافتراضي إلى قطاع السياحة، الذي وجد في التقنيات الافتراضية وسيلة ترويجية هامة تسمح لمستخدمي الإنترنت بالتجول في المناطق الأثرية افتراضيا، لعل ذلك يكون دافعا لهم لزيارة تلك الأماكن الأثرية عند فتحها للجمهور مجددا.
وأطلقت وزارة السياحة والآثار المصرية، مبادرة لزيارة المناطق الأثرية بشكل افتراضي عبر الإنترنت، حيث تقوم الوزارة بتنظيم جولات افتراضية داخل مواقع ومساجد وأديرة أثرية، بعد تأثر قطاع السياحة بسبب إجراءات مواجهة وباء كورونا، التي أدت إلى إغلاق المناطق الأثرية والفنادق.
وكانت خدمات الجولات الافتراضية للعديد من المعالم والمتاحف ومراكز التسوق في دبي متاحة قبل أزمة كورونا، ولكن الأزمة أعطت هذه الخدمات زخما كبيرا، حيث باتت وسيلة الجمهور الأساسية للاطلاع على المعالم السياحية في دبي والعالم.
ومع تخفيف إجراءات التباعد الاجتماعي، يشدد الخبراء على أن العودة بنفس السلوكيات القديمة من حيث المصافحة باليد والأحضان، قد يؤدي إلى موجات تالية من الإصابة بالفيروس.
ويتوقع الخبراء أن يفرض هذا الفيروس لحين تمكن العلماء من إنجاز لقاح للتحصين ضده، شكلا جديدا من العلاقات الاجتماعية، تصبح افتراضية مثل كثير من مجالات الحياه.
وقالت شركة الاتصالات السعودية stc في 25 مارس (آذار) الماضي، بأن تطبيقات التواصل الاجتماعي شهدت نموا بمعدل 73 في المائة، وأفادت شركة أبحاث السوق Kantar إن تطبيق التراسل الفوري واتساب شهد زيادة كبيرة في الاستخدام في ظل التدابير المتخذة في جميع أنحاء العالم للحد من تفشي فيروس كورونا المستجد، وبحسب التقرير الذي شمل أكثر من 25 ألف مستهلك في 30 سوقا خلال المدة من 14 إلى 24 مارس الماضي، فإن تطبيق واتساب شهد زيادة في الاستخدام بنسبة 40 في المائة.

تأثيرات وتداعيات
وإذا كان قطاع الاتصالات قد شهد نموا بسبب التباعد الاجتماعي الذي فرضه فيروس كورونا، فإن قطاع الصناعة على النقيض تماما قد تعرض لتأثيرات سلبية قاتلة بسبب توقف حركة الطيران وتأثيرات ذلك على استيراد مكونات الصناعة، وتصدير المنتج النهائي.
وقدر مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) حدوث انخفاض قدره 50 مليار دولار في صادرات الصناعات التحويلية في جميع أنحاء العالم، خلال شهر فبراير (شباط) وحده، بسبب فيروس كورونا، وذلك وفق تقرير نشره موقع «أخبار الأمم المتحدة» في 4 مارس الماضي، وتشمل الصناعات الأكثر تضرراً من هذا الانخفاض «صناعة الأدوات الدقيقة وصناعة الآلات ومعدات السيارات وصناعة أجهزة الاتصالات».
ويعد قطاع السيارات من أبرز القطاعات المتضررة على مستوى العالم، وتوقع مسح حديث أعدته مؤسسة «Market» للأبحاث السوقية تراجع مبيعات السيارات في العالم بنحو 12 في المائة خلال العام الجاري، وكشف المسح أن مبيعات السيارات حول العالم قد تسجل نحو 8.78 مليون وحدة خلال 2020 بانخفاض نسبته 12 في المائة على أساس سنوي، مقارنة مع هبوط بنسبة 8 في المائة خلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008.
ورغم هذه السلبيات القاتلة، يرى الخبير الاقتصادي د. خالد محمدي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن أزمة فيروس كورونا يمكن أن تخلق واقعا اقتصاديا جديدا، عن طريق الاستفادة من هذه المحنة في تحقيق خطوات ملموسة نحو تعميق المنتج المحلي، وتقليل الاعتماد على الاستيراد، كما يمكن أن تساعد في اقتحام أسواق جديدة بديلة للدول التي تعاني من موقف وبائي أشد خطورة.
ويبدو حال قطاع الزراعة والغذاء أخف وطأة من الصناعة، فحتى الآن لا تزال التأثيرات في حدها الأدنى، بسبب كفاية الإمدادات الغذائية ووجود مخزون من القمح والمحاصيل الرئيسية الأخرى، ولكن إذا استمرت إجراءات إغلاق الطرق بسبب القيود التي فرضها فيروس كورونا خلال شهر مايو (أيار) الجاري، فقد تحدث اضطرابات في سلاسل إمداد الغذاء، كما يقول نصر الدين حاج الأمين، ممثل منظمة الأغذية والزراعة بالأمم المتحدة (الفاو) في مصر في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط». ويضيف إن إغلاقات طرق النقل قد تتسبب في زيادة مستويات فقد وهدر الغذاء، لا سيما في السلع سريعة التلف مثل الخضراوات والفواكه.



في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الأدوات الذكية تدخل المدارس
الأدوات الذكية تدخل المدارس
TT

في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الأدوات الذكية تدخل المدارس
الأدوات الذكية تدخل المدارس

يقول المدرسون إنهم يرغبون في تمكين طلاب المرحلة الثانوية من قيادة الذكاء الاصطناعي، بدلاً من أن يكونوا مجرد مُتلقّين تُسيّرهم برامج الدردشة الآلية.

وفي الجلسة الأولى من دورة جديدة في الذكاء الاصطناعي أقيمت هذا الشهر لطلاب الصف الثاني عشر في «مدرسة واشنطن بارك الثانوية» في نيوآرك، لم يطرح أي شيء عن الذكاء الاصطناعي بل إنها خُصصت للذكاء البشري... بشكلٍ كامل.

كان واجب الطلاب: مُقارنة أوقات تصفّحهم السلبي لمنشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي يُديرها الذكاء الاصطناعي، مع أوقات اختيارهم المُباشر للفيديوهات أو نتائج بحث «غوغل» التي يرغبون هم في مُشاهدتها.

«هل تُسيّر التكنولوجيا أم أنها هي التي تُسيّرك؟»

«هل تُسيّر أنت التكنولوجيا أم أنها هي التي تُسيّرك؟» هكذا طُرح السؤال من خلال شريحة عرض (سلايد) على السبورة البيضاء في مدرسة واشنطن بارك الثانوية.

وفي نقاشٍ صفّيٍّ تلا ذلك، قال طالبٌ يُدعى أدريان فاريل، 18 عاماً، إنه سيطر على الذكاء الاصطناعي من خلال طلبه من برنامج دردشة آلي مُراجعة واجباته المنزلية في الرياضيات للتأكّد من دقّتها. بينما قالت الطالبة بريانا بيريز، البالغة من العمر 18 عاماً، إنها دخلت في «وضع الراكب» عند استخدام ميزة «دي جي الذكاء الاصطناعي» في موقع «سبوتيفاي». وأضافت: «إنها تشغل موسيقاي المفضلة، فلا داعي لتغييرها».

«مدرسة واشنطن بارك الثانوية» في نيوآرك

«محو أمية الذكاء الاصطناعي» - مادة تعليمية

تسعى المدارس في جميع أنحاء الولايات المتحدة جاهدةً لإدخال مادة جديدة: معرفة (محو أمية) الذكاء الاصطناعي A.I. literacy. وفيما يسميها بعض التربويين «رخصة قيادة» للذكاء الاصطناعي، تهدف الدروس الجديدة إلى تعليم الطلاب كيفية فحص أحدث الأدوات التقنية واستخدامها بمسؤولية. ويقول المعلمون إنهم يريدون إعداد الشباب للتعامل مع عالم يتشكل بشكل متزايد بفعل الذكاء الاصطناعي، حيث تقوم برامج الدردشة الآلية بتأليف نصوص تبدو كأنها من صنع البشر، فيما يستخدم أصحاب العمل الخوارزميات للمساعدة في تقييم المرشحين للوظائف.

برامج ذكية في المناهج الدراسية

ويركز بعض المدارس على برامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، حيث تعلم الطلاب كيفية استخدام مساعد غوغل «جيميناي» أو مساعد مايكروسوفت «كوبايلوت». بينما تقوم مدارس أخرى بإدخال الذكاء الاصطناعي في المناهج الدراسية. وبوصفه موضوعاً جديداً في المناهج الدراسية، تتناول الدروس التداعيات المجتمعية مثل انتشار الصور العارية المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، وهي الظاهرة المعروفة باسم «التزييف العميق».

تحسين التعليم أم تدميره؟

تزداد دروس الذكاء الاصطناعي شيوعاً في المدارس مع احتدام الجدل حول ما إذا كانت برامج الدردشة الآلية ستُحسّن التعليم أم ستُدمّره. يقول المؤيدون إن على المدارس أن تُعلّم الشباب سريعاً استخدام الذكاء الاصطناعي وأنه ضروري لدعم تعلّمهم، وإعدادهم للوظائف، ومساعدة الولايات المتحدة على منافسة الصين. وفي العام الماضي، أصدر الرئيس ترمب أمراً تنفيذياً يحثّ المدارس على تدريس «أساسيات الذكاء الاصطناعي» بدءاً من رياض الأطفال.

في مقابل ذلك يُحذر باحثون في مجال التعليم من أن برامج الدردشة الآلية قد تُلفّق المعلومات، وتُسهّل الغش، وتُضعف التفكير النقدي. ووجدت دراسة حديثة أجرتها مطبعة جامعة كمبردج و«مايكروسوفت للأبحاث» أن الطلاب الذين دوّنوا ملاحظات على النصوص كانوا أكثر فهماً للقراءة من الطلاب الذين تلقوا مساعدة من برامج الدردشة الآلية.

مؤسسة «برومينغز» أصدرت تقريراً الشهر الماضي حول أخطار الذكاء الاصطناعي

مخاطر الذكاء الاصطناعي أكبر من فوائده

في الوقت الراهن، «تفوق مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم فوائده»، هذا ما خلصت إليه مؤسسة بروكينغز Brookings Institution الشهر الماضي في تقرير حول استخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس.

موقف وسط

في خضمّ هذا الجدل، تتخذ مدارس مثل مدرسة واشنطن بارك الثانوية موقفاً وسطاً، إذ تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كما لو كان سيارة، وتساعد الطلاب على وضع قواعد لاستخدامه.

وشبّه مايك تاوبمان، 45 عاماً، وهو مُدرّس استكشاف المسارات المهنية، الذي شارك في تطوير منهج محو الأمية الجديد في المدرسة، هذه الحصة الدراسية بتحضير المراهقين لاختبار رخصة القيادة.

وتساءل تاوبمان: «إلى أين تريدون الوصول؟ وهل يُمكن للذكاء الاصطناعي مساعدتكم على ذلك؟». وأضاف أن الطلاب بحاجة إلى تعلّم كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل وظائفها، ووضع إرشادات للاستخدام الشخصي، وتصميم سياسات سلامة مثالية.

وتابع: «ما القوانين والقواعد والمعايير التي يجب أن تُطبّق على الذكاء الاصطناعي في مدينتي وبلدي؟».

المدرسان مايك تاوبمان وسكوت كيرن

تجربة مدرسية

يخدم مبنى واشنطن بارك، وهو مبنى من أربعة طوابق بواجهة من الطوب الأحمر في وسط نيوآرك، نحو 900 طالب في المرحلة الثانوية. وهو جزء من شبكة مدارس أنكومون، وهي شبكة مدارس مستقلة في شمال شرقي الولايات المتحدة الأميركية تركز على إعداد الطلاب للجامعة والمسارات المهنية.

وقد ابتكر تاوبمان مع سكوت كيرن، مدرس التاريخ الأميركي، فكرة المقرر الدراسي الاختياري الجديد حول الذكاء الاصطناعي. وكان كلاهما قد أدخل أدوات ومواضيع الذكاء الاصطناعي في مقرراتهما الدراسية.

وشارك كيرن، البالغ من العمر 45 عاماً، أخيراً في برنامج «بلاي لاب Playlab»، وهي منظمة غير ربحية تساعد المعلمين على إنشاء تطبيقات ذكاء اصطناعي مخصصة لمقرراتهم الدراسية. ولمساعدة طلابه على صقل مهاراتهم في الكتابة الجدلية، طوَّر كيرن روبوتات محادثة لصفوف التاريخ الأميركي بناءً على مواد المقرر الدراسي وتقييمات الطلاب. كما وضع إرشادات واضحة للطلاب حول متى يجب استخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي ومتى يجب تجنب استخدامها.

مناقشة تاريخية اصطناعية-بشرية

وفي تجربة صفّية درّس السيد كيرن جانباً دراسياً متقدماً في تاريخ الولايات المتحدة حول أحداث شغب شيكاغو العرقية، وهي احتجاجات عنيفة اندلعت إثر مقتل مراهق أسود عام 1919. في البداية، طلب من الطلاب قراءة قصاصات صحافية قديمة ووثائق تاريخية أخرى. ثم أدار نقاشاً صفّياً حول الاتجاهات الأوسع التي أسهمت في تأجيج التوترات.

بعد ذلك، طلب السيد كيرن من الطلاب تخصيص بضع دقائق لوصف السبب الرئيسي للشغب لبرنامج دردشة آلي كان قد أنشأه خصيصاً لهذا الفصل.

وبعد بضع دقائق أخرى، أخبر كيرن الطلاب أن وقتهم مع الروبوت قد انتهى، واستأنف نقاش الصف. وأكد أن التعلم الأساسي للطلاب يجب أن يبقى نشاطاً خالياً من الذكاء الاصطناعي. وقال كيرن: «في أي وقت نرغب فيه أن يتفاعل الطلاب بعضهم مع بعض أو أن يمارسوا التفكير النقدي الأولي، لا أريد أبداً أن يتدخل الذكاء الاصطناعي أو أي نوع من التكنولوجيا المشابهة في ذلك».

وفي قسم آخر من المدرسة، كان تاوبمان يُدرّس دورة استكشاف المسارات المهنية. وقد طوّر مجموعة متنوعة من برامج الدردشة الآلية لمحاكاة المسارات المهنية لطلابه.

«رخصة قيادة» الذكاء الاصطناعي

وأقرّ كيرن وتاوبمان بأن تعبير «رخصة القيادة: الذي استخدموه له حدود. إذ سيعاني الطلاب من صعوبات اتخاذ قرارات مدروسة بشأن مخاطر أنظمة الذكاء الاصطناعي القوية... حتى الحين الذي سيتم فيه تزويد ​​برامج الدردشة الآلية بآليات حماية مُدمجة تُشبه أحزمة الأمان والوسائد الهوائية.

وقال كيرن إنه يأمل أن يتمكن الطلاب يوماً ما من «التأثير في بناء هذه الأدوات بطريقة أفضل وأكثر عدلاً وأكثر مراعاةً للبيئة مما هو موجود الآن».

* خدمة «نيويورك تايمز».


استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»
TT

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

أظهرت دراسة جديدة أجراها «مركز بيو للأبحاث» أن أكثر من نصف المراهقين في الولايات المتحدة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في واجباتهم المدرسية.

تضاعف استخدام الذكاء الاصطناعي

وأفاد استطلاع «بيو» في تقرير نُشر أمس الثلاثاء أن 54 في المائة من الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً قالوا إنهم استخدموا برنامج دردشة آلية مثل «تشات جي بي تي» أو«كوبايلوت» لمهام مثل البحث عن الواجبات المدرسية أو حل مسائل الرياضيات.

وكان 26 في المائة من المراهقين الأميركيين أفادو عام 2024 أنهم استخدموا «تشات جي بي تي» في واجباتهم المدرسية، وذلك وفقاً لدراسة سابقة أجراها «مركز بيو» سألت تحديداً عن استخدامهم لهذا البرنامج. وقد مثل هذا زيادة مضاعفة مقارنةً بعام 2023، حيث أفاد 13 في المائة فقط من الطلاب باستخدامهم برنامج «جي بي تي» للمساعدة في دراستهم، وفقاً لنفس المركز.

تنفيذ الواجبات المدرسية

وخلص التقرير الحديث واستناداً إلى استطلاع شمل 1458 مراهقاً وأولياء أمورهم في خريف العام الماضي، إلى وجود تباين في استخدام الذكاء الاصطناعي بين المراهقين بشكل كبير. فبينما قال 44 في المائة من المراهقين إنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي في «بعض» أو «قليل» من واجباتهم المدرسية، قال 10 في المائة إنهم لجأوا إلى برامج الدردشة الآلية للحصول على المساعدة في جميع أو معظم واجباتهم المدرسية.

وقالت كولين ماكلين، الباحثة الرئيسية في مركز بيو والمشاركة في إعداد الدراسة: «نلاحظ بوضوح أن استخدام برامج الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في الواجبات المدرسية أصبح ممارسة شائعة بين المراهقين».

جدل محتدم

وتأتي هذه النتائج وسط جدل وطني محتدم حول انتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية، القادرة على إنتاج نصوص تبدو وكأنها من صنع الإنسان، وإنشاء صور واقعية، وتطوير تطبيقات.

يقول المؤيدون إن على المدارس تعليم الطلاب استخدام وتقييم روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لإعداد الشباب لمتطلبات سوق العمل المتغيرة. بينما يحذر المنتقدون من أن هذه الروبوتات قد تنشر معلومات مضللة، وتضلل الطلاب، وتقوض التفكير النقدي، وتؤدي إلى إيذاء النفس، وتسهل الغش.

تعويق التفكير النقدي للطلاب

تشير العديد من الدراسات الحديثة إلى أن روبوتات الدردشة قد تعيق التفكير النقدي وتؤثر سلباً على التعلم. ففي إحدى الدراسات التي أجرتها دار نشر جامعة كامبريدج والتقييم بالتعاون مع «مايكروسوفت للأبحاث» حول فهم النص المقروء، أظهر الطلاب الذين طُلب منهم تدوين الملاحظات دون استخدام روبوتات الدردشة فهماً أفضل للنص المقروء مقارنةً بالطلاب الذين طُلب منهم استخدامها لفهم النصوص.

التعلم والترفيه

طرح باحثو مركز بيو للأبحاث أسئلة متنوعة على المراهقين حول آرائهم واستخدامهم للذكاء الاصطناعي. وتُظهر النتائج أن العديد من الشباب يستخدمون روبوتات الدردشة كمنصات متعددة الأغراض للتعلم والترفيه والحصول على النصائح والتواصل الاجتماعي.

وقال 47 في المائة من المراهقين إنهم استخدموا روبوتات الدردشة للتسلية، بينما قال 42 في المائة إنهم استخدموها لتلخيص المحتوى. وقالت نسبة أقل، 12 في المائة، إنهم استخدموها للحصول على النصائح أو الدعم النفسي.

كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي

وسلّط ​​التقرير الضوء أيضاً على كيفية استخدام المراهقين لأدوات الذكاء الاصطناعي في دراستهم.

وقال ما يقرب من نصف المراهقين إنهم استخدموا برامج الدردشة الآلية لأغراض البحث، بينما استخدم أكثر من 40 في المائة منهم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في حل مسائل الرياضيات. وأفاد أكثر من ثلثهم بأنهم استخدموا هذه البرامج لتحرير كتاباتهم.

الغشّ «بشكل متكرر»

ولم يتطرق الاستطلاع إلى سؤال الطلاب عما إذا كانوا قد استخدموا برامج الدردشة الآلية لكتابة المقالات أو إنشاء واجبات أخرى، وهي أنواع الغش التي حذَّر منها المعلمون في جميع أنحاء الولايات المتحدة. لكن ما يقرب من 60 في المائة من المراهقين أخبروا مركز بيو للأبحاث أن طلاباً في مدارسهم يستخدمون برامج الدردشة الآلية للغش «بشكل متكرر» أو «بشكل متكرر إلى حد ما».

وذكر التقرير أن النتائج تشير إلى أن المراهقين يعتقدون أن «الغش باستخدام الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها
TT

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

يجلس الرئيس التنفيذي في غرفة اجتماعات، محدقاً في عروض استراتيجية أُعدّت بين عشية وضحاها بواسطة الذكاء الاصطناعي: إنها تقدم التحليل الدقيق، والتوصيات الواثقة، والأرقام المتناسقة... ومع ذلك، ثمة شعورٌ بعدم الارتياح؛ إذ يبدو الأمر مثالياً أكثر من اللازم، كما كتب جيف بيرنغهام (*).

الذكاء الاصطناعي أضحى أقوى أدوات الإدارة

أصبحت هذه اللحظة شائعة بشكل متزايد بين القادة. فالذكاء الاصطناعي اليوم يُعدّ من أقوى أدوات الإدارة على الإطلاق. بإمكانه تحليل الأسواق في ثوانٍ، واكتشاف أنماطٍ يعجز أي فريق بشري عن رصدها، ووضع خططٍ عند الطلب.

وبالنسبة للكثير من المديرين التنفيذيين، بات الذكاء الاصطناعي ضرورياً لا غنى عنه. ولكن مع تزايد انتشاره بوتيرة غير مسبوقة، يبرز سؤالٌ خفيّ داخل المؤسسات: كيف نضمن تركيز الذكاء الاصطناعي على ازدهار الإنسان؟

«الذكاء يتوسع»... والحكمة لا تتوسع

يتفوق الذكاء الاصطناعي في الذكاء. فهو يكتشف الأنماط، ويتنبأ بالنتائج، ويُحسّن الكفاءة. أما ما يفتقر إليه الذكاء الاصطناعي، فهو الحكمة السياقية: القدرة على فهم أهمية القرار (في سياق الأمور)، وكيف سيؤثر عاطفياً وثقافياً، وما الذي يعززه بمرور الوقت.

لم تكن القيادة يوماً تعني امتلاك أكبر قدر من المعلومات، بل لطالما كانت تعني تحديد الأولويات عند تضارب المعلومات.

في بيئة غنية بالذكاء الاصطناعي، حيث يُتداول الذكاء بصفته منتجاً، يواجه القادة إغراءً خفياً لتفويض الحكم إلى جهات خارجية. فعندما تبدو لوحات المعلومات دقيقة والتوصيات موضوعية، قد يجري الخلط بسهولة بين التحسين وبين الحكمة.

لكن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع الإجابة عن الأسئلة التي تزداد مسؤولية القادة عنها:

- كيف يؤثر هذا على الأشخاص الأعزاء الذين أعتني بهم؟

- ما القيم التي تحرك هذا القرار؟

- هل يعكس هذا القرار نوع العالم الذي نسعى لبنائه معاً؟

هذه ليست أسئلة حسابية، بل هي أسئلة إنسانية.

الخطر الحقيقي: القيادة المتخلية

يركز جزء كبير من النقاش العام حول مخاطر الذكاء الاصطناعي على التحيز أو سوء الاستخدام. وهذه المخاوف حقيقية. لكن داخل المؤسسات، يبرز خطرٌ خفيّ: إسناد التفكير الذي يؤثر على البشر إلى «الآلة».

عندما يُفرط القادة في الاعتماد على توصيات الذكاء الاصطناعي، فإنهم يفقدون تدريجياً ثقتهم في حكمهم. ويتحول دور القيادة من فهم الأمور إلى مراقبة النظام. ثم تتوقف فِرق العمل عن النقاش، ويتوقف القادة عن تفسير الواقع ويبدأون في التحقق من صحة النتائج.

النتيجة ليست قيادة أفضل، بل قيادة أضعف... إذ ومع مرور الوقت، يظهر هذا في صورة انحراف ثقافي، ونقاط ضعف أخلاقية، وانفصال الموظفين، وفقدان الثقة، خاصةً في أوقات مثل تسريح العمال، أو إعادة الهيكلة، أو التحولات الاستراتيجية الكبرى. عندما يعجز القادة عن شرح أسباب اتخاذ قرار ما بوضوح، يشعر الموظفون بأنهم مُوجَّهون بدلاً من أن يكونوا مُقادين.

القادة الأقوياء

القادة الأقوياء لا يكتفون باتخاذ القرارات، بل يشرحون أهميتها. إنهم يربطون القرارات بمعناها وبالقيم المشتركة. إنهم يساعدون فرق العمل على فهم كيف تتناسب خيارات اليوم مع مسار التحول والتطور البشري الأوسع.

يمكن للذكاء الاصطناعي اقتراح حلول، لكن البشر وحدهم من يستطيعون صياغة المعنى.

لماذا أصبح الوضوح مهارة قيادية أساسية؟

في عالمٍ مُتشبّع بالذكاء الاصطناعي، يُضاعف الوضوح من قوة التأثير... وضوح بشأن الغاية...وضوح بشأن القيم... وضوح بشأن ما لا يجب تحسينه.

أي ببساطة: الوضوح هو تحديد ما ترفض السماح للذكاء الاصطناعي بتحسينه.

سيسعى الذكاء الاصطناعي بكل سرور إلى التحسين من أجل السرعة والكفاءة والتفاعل أو خفض التكاليف. ولن يسأل عما إذا كانت هذه التحسينات تُضعف الثقة أو الإبداع أو المرونة أو التماسك على المدى الطويل. يجب على القادة أن يفعلوا ذلك. لهذا السبب؛ أصبح الوضوح، وليس الكاريزما أو الخبرة التقنية، إحدى أهم القدرات القيادية في العقد المقبل.

رؤية واستبصار

يُتيح الوضوح للقادة:

- وضع حدود لكيفية ومكان استخدام الذكاء الاصطناعي.

- وضع إطار لرؤى الذكاء الاصطناعي ضمن السياق الإنساني.

- تحديد متى يجب أن تُضحّي الكفاءة المطلوبة بالأخلاق.

- حماية الإبداع حيث يُمكن للتحسين أن يُطغى عليه.

ومن دون الوضوح، يُخاطر القادة بأن يصبحوا مُتفاعلين مع الذكاء الاصطناعي بدلاً من أن يكونوا مسؤولين عن النتائج الإنسانية.

كيف يستخدم القادة الفعالون الذكاء الاصطناعي دون الاعتماد عليه؟

الهدف ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل توظيفه بالشكل الأمثل في ممارسات القيادة.

وهناك ثلاثة مبادئ تساعد القادة على تحقيق ذلك:

- التعامل مع الذكاء الاصطناعي بصفته مستشاراً، لا سلطة مطلقة.

- استخدام الذكاء الاصطناعي لاستكشاف الخيارات، واختبار الافتراضات، ودراسة السيناريوهات، مع التأكيد على أن القرار النهائي يبقى بيد الإنسان. عملياً، يعني هذا أن يتخذ القادة قراراتهم بكلماتهم الخاصة، لا بالاعتماد على خوارزمية.

- التأني في اللحظات الحاسمة.

عندما تؤثر القرارات على الأفراد، أو الثقافة، أو الهوية (التوظيف، التسريح، تغيير الاستراتيجية، القيم)، توقف. لا تسأل فقط «ماذا تشير إليه البيانات؟»، بل «ماذا يعكس هذا القرار عن هويتنا؟».

الاستثمار في الحكمة... لا مجرد الإلمام بالذكاء الاصطناعي

مهارات الذكاء الاصطناعي مهمة، لكن مهارات الحكمة أهم. فالمنظمات الناجحة يقودها أشخاص مدربون على التفكير الأخلاقي، والمنهجي، والتعبير عن القيم تحت الضغط، لا مجرد تشغيل الأدوات بكفاءة.

المعنى هو ميزة القيادة التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي منافستها.

وفي لحظات عدم اليقين، لا يتطلع الناس إلى القادة للحصول على تنبؤات مثالية، بل يبحثون عن التوجيه.

إنهم يريدون معرفة: ما هو المهم الآن؟ على ماذا يجب أن أركز؟ كيف يرتبط عملي بشيء ذي معنى؟

لا يستطيع الذكاء الاصطناعي توفير هذا التوجيه، بينما تستطيع القيادة ذلك. مع تسارع وتيرة الذكاء الاصطناعي، يصبح المعنى أكثر ندرة وقيمة. القادة الذين يوفرون الوضوح وسط التعقيد، والغاية وسط التسارع لا يبنون ثقافات أفضل فحسب، بل يقودون ابتكاراً أقوى، ومرونة تنظيمية أكبر، وخلق قيمة طويلة الأجل.

كل تحول تكنولوجي يعيد تشكيل القيادة

كل تحول تكنولوجي يُعيد تشكيل القيادة، وهذا التحول الجديد ليس استثناءً.

لكن الحقيقة الأساسية تبقى ثابتة: القيادة لا تتعلق بمعرفة المزيد، بل برؤية أوضح وممارسة الحكمة تحت الضغط.

سيستمر الذكاء الاصطناعي في التطور، وستتوسع قدراته، وستتحسن أدواته. ما يجب أن يتعمق بالتوازي مع ذلك هو قدرة القيادة البشرية على الوضوح، والحكمة، وصنع المعنى؛ لأنّ القادة الأكثر تأثيراً في عالم الذكاء الاصطناعي لن يكونوا أولئك الذين يعتمدون على أذكى الآلات، بل سيكونون أولئك الذين يتذكرون بحكمةٍ معنى الإنسانية أثناء استخدامهم لها.

* مجلة «فاست كومباني»