بن جعفر لـ («الشرق الأوسط»): نجحت رئيسا للبرلمان.. والترويكا أوصلت تونس لبر الأمان

أكد أن الاستقطاب الثنائي والمال السياسي يشكلان خطرا على الانتخابات

مصطفى بن جعفر رئيس البرلمان التونسي
مصطفى بن جعفر رئيس البرلمان التونسي
TT

بن جعفر لـ («الشرق الأوسط»): نجحت رئيسا للبرلمان.. والترويكا أوصلت تونس لبر الأمان

مصطفى بن جعفر رئيس البرلمان التونسي
مصطفى بن جعفر رئيس البرلمان التونسي

قال مصطفى بن جعفر، رئيس البرلمان التونسي (المجلس الوطني التأسيسي) وأحد المرشحين للانتخابات الرئاسية التي تشهدها تونس الأحد المقبل، إنه نجح رئيسا للبرلمان بفضل حسن إدارته للأزمات التي شهدها المجلس في السنوات الـ3 الماضية، كما أكد لـ«الشرق الأوسط» أن حكومة الترويكا التي كان حزبه (التكتل) جزءا منها إلى جانب حركة «النهضة» وحزب «المؤتمر»، الذي كان يترأسه المنصف المرزوقي، نجحت في إيصال تونس إلى بر النجاة.
وحول الانتخابات الرئاسية الحالية انتقد بن جعفر بشدة ما وصفه بـ«خطر» المال السياسي، وشيطنة الآخر الذي اعتبر أنها قد تؤدي لعواقب أمنية خطيرة، مثل تقسيم المجتمع إلى قسمين، وقال إن على المرشحين التركيز على أولويات وحاجيات البلاد، وأهمها، حسب رأيه، المشكلات الاجتماعية والبطالة التي تعد الهم الأول للمواطن التونسي.
«الشرق الأوسط» التقت رئيس البرلمان التونسي والمرشح للرئاسة مصطفى بن جعفر في تونس، وكان لها معه هذا الحوار:
* ما الأولويات التي تحتاج إليها تونس اليوم حسب رأيكم؟
- تونس تحتاج اليوم إلى لم شملها والخروج من الانقسامات المفتعلة، لأن الدستور حل المشكلات التي كانت تبدو عويصة ووقع استغلالها إلى أبعد الحدود: مسألة الهوية، وضمان الحريات، واستقلالية المؤسسات التي ستؤسس للحرية، لكن تبقى المسألة الرئيسة هي المشكلات الاجتماعية التي أعتبرها التحدي الأكبر، لأنها تشكل تطلعات المواطنين على كل المستويات، وخاصة الطبقة الوسطى والفقيرة، ولأنها تمس شرائح من المجتمع التونسي. الناس ينتظرون حلولا لهذه المسائل، بعد أن اطمأنوا على مسألة الحريات، ويمكن ضمان التقدم في هذا الاتجاه إذا وفقنا في جمع صفوفنا، والاتفاق على استراتيجية للتقسيم لتوظيفها والاستفادة منها انتخابيا.
* طرحت في هذه الفترة، وخاصة في الحملة الرئاسية، ظاهرة الاستقطاب الثنائي، التي أثارت جدلا بين المرشحين ومختلف الأطياف السياسية في تونس، وأنتم شخصيا تحدثتم عنها في أكثر من مناسبة، ما المشكل في الاستقطاب الثنائي؟
- الاستقطاب الثنائي ظاهرة تكونت وبدت سطحية، لأن شقا من الأطراف السياسية اعتبر واقتنع وعمل على إقناع الشعب التونسي اليوم بأن هناك خطر العودة إلى العصور البدائية.. وهذا خطر افتراضي وغير حقيقي إطلاقا، والغاية منه جلب الأصوات، ورأينا نتيجة تجربة ذلك في الانتخابات النيابية، حيث فاز حزبان أحدهما يتقدم نسبيا على الثاني، وبقية الأحزاب والعائلات الفكرية والسياسية، التقدمية منها والمعتدلة أو الاجتماعية، محيت تماما من الخريطة السياسية، أو بقي بعضها لكن بتمثيل ضعيف جدا. وهذا يشكل خطرا بالنسبة للتوازنات الاجتماعية وللاستقرار في البلاد، والطبقة المعتدلة التي تؤمن بالإسلام المستنير وتريد مواطن الشغل المضمونة، هي التي تمثل فعليا الأغلبية الساحقة في المجتمع التونسي، وهي مغيبة كليا في الانتخابات، لأن الذي حكم هو التصويت على الخوف، بمعنى التخويف من الآخر، حيث استعمل هذا الأسلوب في الانتخابات التشريعية الشهر الماضي، وهو يستعمل الآن في سباق الرئاسيات، وهو أسلوب ملخصه أنه «إذا لم تصوت لي فإنك تصوت للشيطان».
* تتردد في تونس اليوم عبارة «التصويت المفيد»، وهذا شيء جديد لم يشهده العالم العربي من قبل، ولا تشهده الدول الغربية الحديثة أيضا.. لماذا التوجه إلى هذا الخيار؟ أو لماذا يتم توجيه الشعب في هذا الاتجاه؟
- لأن الديمقراطية في تونس في بدايتها، وبدا أنه من مصلحة البعض التوجه في هذا الاتجاه، وخطر استعمال التصويت المفيد أضر ببعض الأحزاب التي كانت في حكومة الترويكا مثلا، مثل حزب التكتل (الحزب الذي تزعمه بن جعفر قبل الوصول لرئاسة البرلمان ووصل للمشاركة في الحكم بفوز حزبه في انتخابات تونس 2011)، والتي تراجعت بشكل كبير في انتخابات الشهر الماضي.
* ألا ترى أن استعمال طريقة «التصويت المفيد» ستؤدي بالتأكيد إلى تقسيم الخريطة السياسية إلى قوتين كبيرتين، وبالتالي سينعكس هذا على المجتمع التونسي الذي سينقسم إلى قوتين: واحدة ليبرالية أو علمانية وأخرى إسلامية؟
- هذا الانقسام موجود في البلدان الديمقراطية العريقة، لكن على أساس برامج ومشاريع، لكن في تونس ليس موجودا على أساس برامج ومشاريع، بل على أساس التخويف من الآخر، بمعنى كأنه تهديد أو تحذير شديد اللهجة مفاده: إذا لم تصوت لي فإنك ستأخذ البلاد نحو الكارثة، وهذا خطر.
الآن إذا وجدت نقاشا مثلا بين حزب المحافظين في بريطانيا وحزب العمال فإنه يكون حول البرامج، والبرامج البديلة، وإمكانيات تفعيلها، لكن ليس هناك خطاب تخويف من الآخر لدرجة أن تتحول الأمور إلى حرب أهلية.
* ذكرتم في المؤتمر الصحافي الذي عقد أول من أمس في تونس أنكم لن تغضبوا حركة «النهضة»، ولا حزب «نداء تونس»، وكأن في خطابكم هذا طلب ودهم والبحث عن رضاهم؟
- لا، أنا لم أقصد هذا بشكل مباشر، لكن ما أردت قوله هو أني سأجمع بين الحزبين إذا وصلت للرئاسة، وأنا لم أقصد أني أتوجه للأحزاب، لكن أردت القول إني منفتح لمؤيدي الحزبين، ولا أريد التصادم مع أي طرف كان، وقد سبق أن أثبت هذا في تجربة التصويت على الدستور، ولكم أن تتساءلوا كيف نجحت بوصفي رئيس برلمان في جمع توافق 200 صوت صوتوا لصالح الدستور التونسي. فكيف فعلت ذلك؟ هل سحرتهم؟ بالتأكيد لا، أنا نجحت في جمعهم بإدارة نقاشات بيننا، ولجنة التوافقات عقدت 50 جلسة للتوصل لتوافقات، وفي آخر الأمر صادقنا على الدستور بهذه النسبة التي تكاد تكون إجماعا.
الأسلوب نفسها والطريقة نفسها، وإقامة جلسات عمل ونقاش، هذا ما أطمح إليه في منصبي إذا توصلت للرئاسة، أنا أرى أنه ليس من المصلحة تقسيم التونسيين، بل أرى في هذا خطرا يهدد مصلحتهم، ويهدد حتى الاستقرار الاجتماعي ككل.
* بدأ في تونس جدل كبير خلال الانتخابات التشريعية التي جرت الشهر الماضي حول ظاهرة المال السياسي، وأصبحت الظاهرة أكثر انتشارا في الحملة الانتخابية الرئاسية. هل هذا يعني أنه من السهل شراء التونسي؟
- لا.. مرة أخرى أؤكد أننا ما زلنا في الخطوات الأولى للديمقراطية، التي ما زالت بعيدة عن ثقافة التونسيين، ونحن ما زلنا في بداية الممارسات، صحيح أننا عشنا التجربة في انتخابات 2011 في السياسة، لكن كانت تجربة مختلفة لأن الاستقطاب السياسي وفكرة الانقسام لم تتبلور بالقوة التي ظهرت في السنوات الأخيرة، كما أن الجماهير لم تكن تتمتع بالتكوين السياسي من قبل، وكذلك الشرائح الكبيرة الفقيرة، وكان هناك نحو 700 ألف من الشبان نصفهم من حاملي الشهادات في حالة بطالة، وهذا الوضع الهش فتح المجال لمثل هذه الممارسات الغريبة. لكن اللوم ليس على الشعب الذي يبيع صوته.. اللوم الحقيقي يقع على من يعرض أموالا لشراء الأصوات، وعلى الذين يمتلكون أيضا آليات الترغيب والترهيب، وهنا يأتي دور المؤسسات المشرفة على سير الانتخابات، مثل الهيئة العليا للانتخابات للقيام بدورها، والتشهير بهؤلاء، وكذلك الاستفادة من هذه التجربة لتدارك الثغرات القانونية التي فتحت المجال لمثل هذه الممارسات، ولا أرى حلولا أو خيارات أخرى.
لقد قبلنا بأن البناء الديمقراطي يتطلب قاعدة متينة، لكن ذلك يتم بتدرج، وهذه من أهم الدوافع التي دفعتني للترشح للرئاسة، لأني مقتنع بأن من يكون على رأس الدولة يجب أن يتمتع بروح الديمقراطية وفهم متطلبات المسار، وليست الأمور مجرد شكليات، بل هي أخلاق وثقافة وممارسة.
* من خلال تجربتكم في البرلمان التونسي وكجزء رئيس في حكومة الترويكا، ما أهم الصعوبات التي واجهت عملكم بوصفكم حكومة تشاركية؟
- المناخ العام الذي خلق لم يكن جيدا، وليس ذلك بسبب وجود المعارضة أو عملها، فعلى العكس من ذلك هذا صحي ومطلوب، لكني أتحدث عمن حاولوا شيطنة الآخر، فالترويكا تعرضت لعملية شيطنة، وهذا ما أربك عملها، والنتيجة كانت حدوث التوترات التي بلغت أشدها في صيف 2013 مباشرة بعد اغتيال الحاج محمد البراهمي، وهو زميل ونائب في البرلمان من نواب الشعب، وهذه المشكلة الأساسية التي جعلتنا نعمل بشكل متقطع ومن دون استرسال. لقد مررنا بفترات كانت تهدد حتى استقرار المؤسسة (البرلمان)، حيث طالب عدد من النواب بحل المجلس الوطني التأسيسي، وصمدنا ثم انتبهنا إلى أن التوتر سيؤدي إلى التصادم، وقد علقت أعمال المجلس لنحو شهر، ثم رجعنا بشكل تدريجي للعمل، وخلال ذلك الشهر حاولنا فتح قنوات حوار بين الأطراف المتنازعة، وأنقذنا تونس من السيناريو المصري، ومن أزمة كبيرة كان من الممكن أن تقضي على المسار الديمقراطي برمته.
* يبدو من كلامكم أن المشكل لم يكن داخل أطراف الترويكا وفيما بينكم، لكن كان من أطراف خارجية.
- بالطبع، المشكل الأساسي من الخارج، وكل شيء نسبي، والمحاسبة في السياسة تكون بالنتائج، واليوم يمكن القول إن تونس نجحت في المرور من هذه المرحلة الانتقالية الدقيقة جدا في تاريخ الشعوب بأقل التكاليف، وهذا توصلنا إليه لأننا حققنا نسبة من الانسجام في الفريق الحكومي، ثم لأن «النهضة» وهو الحزب الأقوى في الفريق الحكومي قام في وقت من الأوقات بتقييم الوضع بحكمة، مما دفعه للتخلي عن الحكومة لصالح التكنوقراط، وهذا شيء غير عادي، رغم أن له أغلبية في مجلس الشعب كان يمكن أن تسنح له بالمواصلة إلى آخر المطاف، لكنه أخذ بعين الاعتبار الوضع الإقليمي والوضع الدولي. والنجاح يعود للتشكيل الحكومي، وكما هو معروف فإن تشكيل حكومة ائتلافية يعد من أصعب الأمور حتى في الدول الأكثر ديمقراطية؛ فالتسيير ليس سهلا، لكن كنا متوافقين بيننا على أن من مصلحة تونس السير إلى الأمام حتى نصل بالمركب إلى ساحل النجاة، وقد وصلنا والحمد لله لبناء مؤسسات نتمنى ألا يقع التشكيك فيها. وأرى أني نجحت في أداء دور الحكم وساعدت في الخروج من الأزمات.



ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
TT

ضبط خلية اغتالت أكاديمياً يمنياً وتخطط لاستهداف شخصيات أخرى

رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)
رجل أمن يقف بجوار عدد من أفراد الخلية التي تتهمها أجهزة الأمن اليمنية بالتخطيط لاغتيالات (الحكومة اليمنية)

أعلنت السلطات الأمنية في عدن تفكيك خلية وصفتها بـ«الإجرامية»، واعتقال أربعة مشتبه بهم في قضية اغتيال شخصية أكاديمية، في عملية قالت إنها جاءت بعد تنسيق أمني واستخباراتي امتد إلى محافظتي أبين ولحج، بالتوازي مع مقتل وإصابة جنديين بهجوم مسلح يحتمل وقوف «تنظيم القاعدة» خلفه.

وذكر بيان رسمي لإدارة أمن العاصمة اليمنية المؤقتة عدن أن إجراءات أمنية مشددة شملت تحديد المركبة المستخدمة في تنفيذ اغتيال السياسي والأكاديمي ومدير مدارس النورس الأهلية، عبد الرحمن الشاعر والتحفظ عليها، وضبط سلاح يُعتقد أنه استُخدم في العملية، بعد عمليات ميدانية متفرقة، توزعت بين محافظات عدن وأبين ولحج، بالتعاون مع وحدات أمنية وعسكرية مختلفة.

وتفيد النتائج الأولية للتحقيقات، حسب البيان الذي نشر الأربعاء، بأن الجريمة جاءت بعد عمليات رصد ومراقبة مسبقة، وأن الخلية كانت تخطط لاستهداف شخصيات أخرى، وأكدت السلطات أن التحقيقات قادت إلى الكشف عن شبكة إضافية مرتبطة بالقضية، جرى توقيف عدد من عناصرها، مع استمرار ملاحقة الباقين.

ودعت إدارة الأمن وسائل الإعلام إلى توخي الدقة في نشر المعلومات، محذّرة من أن التسريبات غير المؤكدة قد تؤثر على سير التحقيقات أو تساعد مشتبهين فارين.

وكان مسلحون اعترضوا الشاعر، وهو قيادي في حزب «الإصلاح»، الأحد الماضي، في مديرية المنصورة وسط عدن، بالقرب من مقر عمله، وأطلقوا عليه وابلاً من النيران ما أدى إلى وفاته على الفور، ولاذوا بالفرار.

وواجهت العملية استنكاراً وتنديداً محلياً وخارجياً واسعين، ودعوات لضبط منفذيها والكشف عمن يقف وراءها، والتحذير من عودة موجة الاغتيالات وغيرها من الأعمال التي تهدد استقرار عدن ومناطق سيطرة الحكومة الشرعية.

وفي سياق متصل، قُتل جندي وأصيب آخر في هجوم مسلح استهدف طاقماً عسكرياً تابعاً للواء الثالث (دعم وإسناد) في محافظة أبين، شرق عدن، في حادثة لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها حتى الآن.

ظرف رصاصة فارغ داخل السيارة التي جرى ضبطها بحوزة المضبوطين المتهمين بواقعة اغتيال في عدن (الحكومة اليمنية)

ووقع الهجوم، وفق مصادر أمنية، في وقت متأخر من ليل الثلاثاء، عندما أطلق مسلح النار على الآلية العسكرية في منطقة مفرق أورمة بمديرية مودية، قبل أن يفرّ من المكان.

وتأتي هذه الحوادث في ظل وضع أمني معقّد في جنوب البلاد، حيث تتداخل أنشطة الجماعات المسلحة مع جهود محلية مدعومة إقليمياً لمكافحة الإرهاب.

وتشهد محافظة أبين بشكل خاص أعمال عنف متقطعة مرتبطة بالتوترات الأمنية والتنظيمات الإرهابية.

ويُعتقد أن «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» لا يزال يحتفظ بقدرة على تنفيذ هجمات محدودة في مناطق جنوب ووسط اليمن، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة لبعض المحافظات مثل أبين وشبوة والبيضاء، إضافة إلى تعقيدات المشهد الأمني هناك.

منذ أعوام طويلة تشهد محافظة أبين مواجهات متقطعة بين الجيش والأمن اليمنيين وعناصر «القاعدة» (أرشيفية - رويترز)

وتُقدّر تقارير أممية أن الجماعات المتطرفة في اليمن، رغم تراجع سيطرتها المكانية خلال السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تمثل تهديداً أمنياً قائماً عبر عمليات متفرقة وهجمات غير تقليدية، فيما يدعو خبراء أمنيون وعسكريون إلى الإسراع بجهود تعزيز بنية الأمن ودمج مختلف التشكيلات العسكرية والأمنية في المناطق المحررة، وإنهاء تداخل الصلاحيات، بوصفها خطوات مهمة لتثبيت الاستقرار.

وفي حين تؤكد السلطات في عدن إحراز تقدم في ملاحقة الشبكات الإجرامية، يرى مراقبون أن فاعلية هذه الجهود ستظل مرتبطة بقدرتها على تفكيك البُنى الأوسع التي تقف خلف مثل هذه العمليات، وليس فقط التعامل مع منفذيها المباشرين.


أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
TT

أمطار تعز الموسمية تحصد الأرواح وسط غضب شعبي

سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)
سيول موسمية جارفة تضرب تعز بشكل موسمي وتتسبب بخسائر مادية وبشرية (إعلام محلي)

في محافظة تعز (جنوب غربي اليمن)، لا تُقاس قسوة الأمطار الموسمية بكمية ما تهطله من مياه، بقدر ما تُقاس بقدرة السيول المتدفقة على انتزاع الأطفال من أحضان أسرهم. إلى حدّ أن والد أحد الضحايا اختار مواجهة فاجعته بإطلاق مبادرة لإغلاق فتحات مجاري السيول في مركز المحافظة الخاضع للحكومة الشرعية، وسط اتهامات متصاعدة بإهمال طال البنية التحتية وفاقم المخاطر المحدقة بالسكان.

ولن ينسى أهالي تعز الساعات الـ17 التي أمضوها في البحث عن الطفل أيلول السامعي (11 عاماً)، قبل أن يُعثر على جثمانه خارج المدينة. وبينما كانت أسرته تستعد لوداعه الأخير، جرفت السيول طفلاً آخر ووالدته التي اندفعت خلفه محاولة إنقاذه، في واحدة من أكثر الحوادث مأساوية التي شهدتها المحافظة خلال الأسابيع الأخيرة.

وعلى الرغم من أن الطفل الثاني، مجاهد الحولي (12 عاماً)، ووالدته، أُنقذا سريعاً على يد بعض المارة، فإن والدته ستظل أسيرة ذكرى اللحظات الأخيرة التي حاولت فيها افتداء حياته بنفسها ولم تفلح. وفي حادثة أخرى، لم يجد الطفل الثالث، عمر الزبيدي (10 أعوام)، من ينتشله من الحفرة التي قذفته إليها السيول، ليلقى مصيره غرقاً.

وبالتزامن مع تلك الوقائع، تمكن عدد من الأهالي من إنقاذ طفلة في حي الروضة شمالي المدينة، بعد لحظات من جرفها بمياه الأمطار، قبل أن تبلغ مجرى أكثر خطورة. ومع ذلك، لا تزال الأرقام الحقيقية لضحايا السيول من الأطفال مجهولة، في ظل شح كبير في البيانات والمعلومات التي ترصد حجم هذه المآسي المتكررة.

وتتكرر المأساة في كل موسم بتحول الشوارع مجاري سيول مفتوحة مع رداءة التصريف وغياب أو تأخر التحذيرات، في وضع يرفض الأهالي توصيفه بكارثة طبيعية فقط، وسط غضبهم من عدم كفاءة منشآت التصريف، وتساؤلهم عن كيفية إنفاق المخصصات المالية للبنية التحتية، وأسباب تكرار الحوادث التي تبقى حتى الآن من دون إحصائيات توضح حجم الكارثة.

وتتميز مدينة تعز، ثالث أكبر المدن اليمنية، بطبيعة طبوغرافية جبلية معقدة، حيث تقع على السفح الشمالي لجبل صَبِر، ثاني أعلى قمة في اليمن بارتفاع يصل إلى نحو 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، وتتسم بتضاريس منحدرة تتدرج عليها المباني وتتخللها الكثير من الأودية.

حماية منقوصة

يتهم السكان السلطة المحلية في تعز بالمسؤولية عن هذه الحوادث، وحسب حديث المحامي والناشط صلاح غالب لـ«الشرق الأوسط»، فإن مكتب الأشغال العامة والمكاتب في مديريات تعز أهملت التعامل مع فتحات تصريف المياه، وتركتها مفتوحة دون حماية للسكان، خصوصاً الأطفال، من الوقوع فيها.

يمنيان من الدفاع المدني داخل قناة تصريف المياه يبحثان عن طفل جرفته السيول في تعز (إعلام محلي)

واستغرب صلاح من عدم محاسبة المسؤولين سابقاً؛ ما أدى إلى تكرار المأساة بحادثتي الطفلين أيلول ومجاهد، مطالباً الجهات المسؤولة بالقيام بدورها وإقالة ومحاسبة المسؤولين المعنيين والفاشلين والمقصرين.

وحسب إحصائيات رسمية، فإن الفيضانات التي شهدتها محافظة تعز منذ أواخر مارس (آذار) الماضي، أودت بحياة 24 شخصاً وتأثرت بها أكثر من 31 ألف عائلة، مع خسائر تجاوزت 15 مليون دولار.

ويكشف بشير العليمي، مدير مكتب الأشغال والطرق في تعز، لـ«الشرق الأوسط» عن عدد من أسباب تكرار الكوارث كل عام، مثل توقف المرحلة الثالثة من مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، وتهالك السواتر والعبَّارات وعدم صيانتها منذ إنشائها، مع غياب الإمكانات الكافية من معدات وآليات، لدى المكتب، والتي تمّ الاستيلاء عليها من قبل الجماعة الحوثية بداية الحرب.

ويشير إلى غياب الإمكانات المادية لدى مصلحة الدفاع المدني في المحافظة، وعدم كفاية المعدات لدى صندوق النظافة والتحسين ليتمكن من إزالة كل مخلفات البناء والقمامة التي يؤدي تراكمها إلى إغلاق فتحات وقنوات تصريف السيول.

المناخ المتطرف باليمن يتسبب موسمياً في سيول جارفة وأضرار واسعة (إ.ب.أ)

وأكّد المسؤول المحلي أن فترة الحرب والحصار الذي فرضته الجماعة الحوثية على المدينة شهدت توسعاً كبيراً في البناء العشوائي في الأودية ومجاري السيول ومقابل فتحات وقنوات التصريف؛ ما أدى إلى تغيير مجرى المياه ومفاقمة الكوارث الناجمة عنها.

ويتزامن كل ذلك مع عدم التزام الجهات الرسمية بإجراء الدراسات البيئية عند تنفيذ مشاريع الأحياء السكنية والطرق.

ويعدّ حيّ الكوثر، الذي شهد جرف الطفل أيلول، وحيّ وادي الدحي الذي سقط فيه الطفل مجاهد ووالدته، من أكثر أحياء المدينة عرضة لحوادث الغرق والجرف.

عبث بلا مساءلة

تصنف أحياء البعرارة ووادي القاضي وصينة، وهي ذات كثافة سكانية في تعز، بأنها مناطق خطرة في مواسم الأمطار بسبب مجاري السيول المفتوحة والتي تسببت في المواسم الماضية، بهدم الكثير من المنازل، في حين يعاني سكان حارات في حي صالة من تدفق السيول التي تباغت السكان داخل منازلهم.

أطنان من مخلفات البناء والقمامة تسحبها السيول في قناة تصريف المياه (فيسبوك)

وينبه الناشط السياسي رامز الشارحي إلى مساهمة التوسع العمراني العشوائي وغير المخطط من قِبل النافذين في مفاقمة تأثير السيول التي تتضاعف قوتها نتيجة التغيرات المناخية، خصوصاً في مديرية مشرعة وحدنان التي تقع في جبل صَبِر المطل على المدينة، وما يتبع ذلك من تغيير لمسارات المياه.

ويتفاقم الوضع، وفقاً لما قاله الشارحي لـ«الشرق الأوسط»، بسبب بقاء مخلفات البناء المتراكمة دون إزالة؛ ما يجعل السيل يكتسب طاقة تدميرية مضاعفة وهو يتجه نحو المدينة، إلى جانب أنه يسحب أطناناً من تلك المخلفات تؤدي إلى توسع انتشار المياه داخل المدينة التي تتحول بسببها بركة كبيرة.

وخلال العقود الماضية أُنْفِق ما يقارب 76 مليون دولار، لإنشاء قنوات وشبكات صرف صحي، وأحواض ترسيب، وممرات مشاة على مرحلتين ضمن مشروع حماية المدينة من كوارث السيول، إلا أن المرحلة الثالثة لم تستكمل.

الأمطار الموسمية تتسبب بأضرار كبيرة في غالبية مناطق محافظة تعز (غيتي)

وعقب غرق ابنه بأيام، أطلق الناشط السياسي عيبان محمد، مبادرة حملت اسم الطفل «أيلول»، لإغلاق فتحات السيول وإنقاذ الغرقى في المدينة، داعياً السلطة المحلية، والبيوت التجارية، والمنظمات إلى وضع معالجات جذرية، وحلول جادة لتفادي الأضرار.

وتضمنت «مبادرة أيلول» التي تبنتها إحدى المنظمات المحلية ومؤسسة «برجهوف» الألمانية المستقلة، المطالبة بتشكيل فرق طوارئ وإنقاذ مجهزة بجميع معدات الإنقاذ، ونشرها أثناء هطول الأمطار في مناطق مجاري السيول لتولى مهام الإنقاذ، وإصلاح العبَّارات، والحفاظ على ما تم إنجازه سابقاً من مشروع حماية المدينة.


مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
TT

مناورة عسكرية مصرية تثير «غضباً وقلقاً» في إسرائيل

وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)
وزير الدفاع المصري خلال فعاليات التدريب العسكري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

نفَّذ الجيش الثالث الميداني المصري، الذي يقع نطاق وجوده من السويس حتى سيناء المتاخمة للحدود مع قطاع غزة، مناورة بالذخيرة الحية، استبقها تعبير دوائر رسمية في إسرائيل عن «قلق وغضب» من قربها من الحدود.

وأعلن الجيش المصري، في بيان، الأربعاء، أن وزير الدفاع والإنتاج الحربى الفريق أشرف سالم زاهر شهد المرحلة الرئيسية للمشروع التكتيكي بجنود (بدر 2026) الذي تنفذه إحدى وحدات الجيش الثالث الميداني باستخدام الذخيرة الحية.

وحضر المناورة كل من رئيس أركان حرب القوات المسلحة الفريق أحمد خليفة، وقادة الأفرع الرئيسية، وعدد من المحافظين وأعضاء مجلسي النواب والشيوخ، إلى جانب عدد من قادة القوات المسلحة.

تلك المناورة، التي لم يحدد الجيش المصري موقعها كما هو معتاد في البيانات العسكرية، «ليست قريبة من الحدود»، وفق تصريحات الخبير العسكري المصري اللواء سمير فرج، الذي أشار إلى أن مصر تجري مثل هذه المناورات سنوياً، لكن هناك «مبالغة» و«تضخيماً» من الإعلام في إسرائيل مع اقتراب الانتخابات هناك.

جانب من فعاليات التدريب العسكري المصري بالذخيرة الحية (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وخلال المناورة، قال قائد الجيش الثالث الميداني، اللواء أحمد مهدي سرحان، إن رجال الجيش الثالث الميداني «يبذلون أقصى جهد للحفاظ على أعلى معدلات الكفاءة والاستعداد القتالي، بما يمكّنهم من تنفيذ كافة المهام التي توكل إليهم للدفاع عن أمن وسلامة الوطن مهما كلفهم ذلك من تضحيات».

المشروع التكتيكي «بدر 2026»

تضمنت المرحلة الرئيسية للمشروع مهام عدة، منها إدارة أعمال القتال لتطوير الهجوم بمعاونة عناصر من القوات الجوية التي نفذت طلعات للاستطلاع والتأمين والمعاونة لدعم أعمال قتال القوات تحت ستر الوقاية المحققة لوسائل وأسلحة الدفاع الجوي ونيران المدفعية لإسكات وتدمير دفاعات العدو ووسائل نيرانه وعرقلة تقدم الاحتياطات، وفق البيان.

وأشاد وزير الدفاع المصري في كلمته بالجاهزية والاستعداد القتالي العالي للعناصر المشاركة بالمشروع وتنفيذ المهام القتالية والنيرانية بدقة وكفاءة عاليتَين، مؤكداً أن ما تم تنفيذه من أنشطة ومهام تدريبية خلال المشروع «يبعث برسالة طمأنة للشعب المصري» على قواته المسلحة واستعدادها القتالي لحماية الأمن القومي على جميع الاتجاهات الاستراتيجية.

وقال اللواء فرج في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» إن المناورة جرت في غرب القناة بالقرب من مدينة السويس، وتمت بناء على خطة تدريبية سنوية موضوعة منذ بداية العام، «وهي حق لمصر، وفي أرضها، وكل الجيوش في العالم تجري تدريبات متواصلة معتادة».

مزاعم الإعلام الإسرائيلي

استبقت المناورة العسكرية تقارير إعلامية إسرائيلية تحدثت عن غضب وقلق إزاءها، وأنها تقترب من الحدود، كان أبرزها حديث عضو الكنيست عميت هاليفي، من حزب «الليكود» الذي يقوده نتنياهو، الذي قال إن «الجيش المصري يجري تدريبات عسكرية في محافظة سيناء بين 26 و30 أبريل (نيسان) الحالي».

وقال هاليفي، في بيان متلفز، الاثنين: «التدريبات ومناورات الرماية التي أعلن الجيش المصري أنه سيجريها على حدودنا، على بعد 100 متر من البلدات المتاخمة للحدود، ليست إلا عرضاً لصورة أوسع، وأكثر إثارة للقلق»، زاعماً أن مصر تنتهك اتفاقية السلام الموقّعة مع إسرائيل «بشكل ممنهج»، وأنها «تُنشئ بنية تحتية قتالية في سيناء وتشيد جيشاً حديثاً ضخماً».

وأضاف: «الورقة التي وُقّعت عليها الاتفاقية لن تحمي (إسرائيل) من الخطر ولن تحمي السكان».

أعمال قتالية بالذخيرة الحية شهدها التدريب العسكري المصري «بدر 2026» (صفحة المتحدث العسكري على فيسبوك)

وبرأي فرج، فإن المزاعم الإسرائيلية «محاولة لتجييش الداخل الإسرائيلي قبل الانتخابات المرتقبة، ودعاية انتخابية، واستخدام فزَّاعة للداخل لتحقيق الحكومة الحالية مكاسب سياسية ومحاولة استمالة الناخبين».

وشدد على أن «مصر تتمسك بالسلام خياراً استراتيجياً، ولم تخترق معاهدة السلام مع إسرائيل على مدار خمسة عقود»، لافتاً إلى أن «إسرائيل تحاول بهذا الجدل إثارة التوترات بهدف تحقيق مكاسب داخلية».

وكان موقع «والا» الإخباري الإسرائيلي قد زعم أن الجيش المصري «سيُجري تدريبات ورماية بالذخيرة الحية من يوم 26 إلى 30 أبريل على مسافة لا تتجاوز 100 متر فقط من خط الحدود»، لافتاً إلى أن لواء «فاران» التابع للجيش الإسرائيلي أبلغ منسقي الأمن في المستوطنات القريبة من الحدود بتلقي تحذير استثنائي بذلك. فيما نقلت القناة السابعة الإسرائيلية بياناً عن منتدى «غلاف إسرائيل»، وهو هيئة غير سياسية، يعرب عن غضبه من إقامة تلك التدريبات بالقرب من الحدود.

«عقيدة الردع»

وقال الخبير العسكري والاستراتيجي المصري اللواء عادل العمدة إن مناورات «بدر 2026» هي بالأساس «تأكيد للجاهزية، وتدريب دوري طبيعي، وجزء من عقيدة الردع الدفاعي، وليست إعلان نوايا هجومية، خصوصاً في ظل وجود اتفاقات سلام مستقرة بين البلدين منذ كامب ديفيد».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن وسائل الإعلام الإسرائيلية «تميل غالباً إلى تضخيم أي تحرك عسكري في المنطقة، خصوصاً إذا كان متعلقاً بدولة بحجم وثقل مصر. وهذا مرتبط بثقافة (الإنذار المبكر) داخل المجتمع الإسرائيلي، التي تتعامل بحساسية عالية مع أي نشاط عسكري قريب من الحدود».

واستطرد قائلاً إنه في بعض الأحيان «تُستخدم التغطية المبالغ فيها داخلياً في إسرائيل لتبرير موازنات الدفاع، أو لتأكيد سردية التهديدات المحيطة»، مؤكداً أن مصر «تتحرك في إطار بناء قوة ردع جاهزة، وهو سلوك طبيعي لأي دولة في بيئة إقليمية غير مستقرة».

ومنذ حرب غزة في 2023، تتعدد ملفات الخلاف بين مصر وإسرائيل، ومنها ما يتعلق بالأوضاع في قطاع غزة، وتحميل إسرائيل مسؤولية عدم البدء في تنفيذ المرحلة الثانية من «اتفاق وقف إطلاق النار»، وكذلك عدم الفتح الكامل لمعبر رفح من الجانب الفلسطيني مع وجود رغبة إسرائيلية في السيطرة عليه، وملف تهجير الفلسطينيين، والوجود الإسرائيلي في «محور فيلادلفيا»، والتأكيد المصري على ضرورة إيجاد مسار سياسي لدولة فلسطينية.