أديب مصري يضرب «ثقافيا» ويعتزل «الكتابة» بسبب قرار سياسي

على خلفية اختيار مدير مكتبة الإسكندرية مستشارا ثقافيا للدولة

يوسف زيدان  -  د. إسماعيل سراج الدين  -  نص رسالة الاستقالة
يوسف زيدان - د. إسماعيل سراج الدين - نص رسالة الاستقالة
TT

أديب مصري يضرب «ثقافيا» ويعتزل «الكتابة» بسبب قرار سياسي

يوسف زيدان  -  د. إسماعيل سراج الدين  -  نص رسالة الاستقالة
يوسف زيدان - د. إسماعيل سراج الدين - نص رسالة الاستقالة

تساؤلات كثيرة حول المثقف والسلطة، يطرحها إعلان الكاتب يوسف زيدان اعتزاله الحقل الثقافي وتوقفه عن الكتابة في الصحف، وعقد الندوات سواء في مصر أو خارجها، ما يشبه دخوله في إضراب «ثقافي».
وضجت مواقع الشبكات الاجتماعية بالبيان «الفيسبوكي» الذي كتبه زيدان صاحب رواية «عزازيل» احتجاجا منه على قرار رئيس مجلس الوزراء المصري إبراهيم محلب، بتعيين د. إسماعيل سراج الدين، مدير مكتبة الإسكندرية، مستشارا ثقافيا له.
صب زيدان غضبه على سراج الدين، نافيا أن يكون خلافه معه شخصيا. وحسبما قال في بيانه «معروفٌ أن خلافا جرى بيني وبين د. إسماعيل سراج الدين، بسبب مكتبة الإسكندرية وليس لسبب شخصي، فكانت نتيجته أنني استقلتُ منذ عامين من عملي كمدير لمركز المخطوطات ومتحف المخطوطات بالمكتبة، بعد 17 عاما من الجهد الذي لا يعلمه إلا الله لبناء هذه المكتبة ورفع شأنها في العالم».. ولفت زيدان إلى قضايا مرفوعة ضد سراج الدين، جرى التصالح في بعضها وبعضها الآخر لا يزال في أروقة القضاء.
كما هاجم زيدان وزير الثقافة المصري، د. جابر عصفور، مشيرا إلى ما نشرته الجرائد منذ عامين عن عصفور، وكان نصّه حرفيا «إسماعيل سراج الدين كذّاب»، ومع ذلك، أصدر قرارا فور تولّيه وزارة الثقافة بضمّ هذا الذي وصفه بالكذّاب، لعضوية المجلس الأعلى للثقافة.
وخلص زيدان في بيانه إلى القول: «لأنني تأكدتُ من أنني كنت حتى اليوم أحارب طواحين الهواء؛ أُعلن الآتي: اعتبارا من هذه الليلة، سأتوقّف عن أي فعلٍ وتفاعلٍ ثقافي في مصر والبلاد العربية. وسأنقطع عن الكتابة الأسبوعية في جريدتي (الأهرام) و(الوطن) (وأي جريدة أخرى).. وسأكفّ عن كافة الاجتهادات التثقيفية والصالونات الثقافية والندوات واللقاءات الفكرية التي أُقيمها في القاهرة والإسكندرية، وغيرهما من المدن المصرية. ولن أشارك من الآن فصاعدا، في أي حدثٍ عامٍ، ثقافي أو غير ثقافي في مصر أو في غيرها (ويتضمّن ذلك اعتذاري عن عدم سفري إلى المغرب بعد غدٍ، لإقامة عدة أنشطة فكرية وثقافية في الرباط)».
وعلق زيدان تمسكه بموقفه وإضرابه الثقافي على بقاء سراج الدين في مكانه كمدير لمكتبة الإسكندرية (أو تُعلن المحكمة براءته من القضايا التي يُحاكم فيها بسبب أعماله في المكتبة).
وتفاوتت ردود الفعل حول قرار زيدان بين قرائه؛ والمثقفين، فطالبه البعض بالعدول عنه، معلقين على صفحته «الاﻋﺘﺮﺍﺽ ﻋﻠى ﻣﺎ ﻳﺠﺮﻱ شيء جيد، ﻭﻟﻜﻦ ﻻ ﺗﺤﻤﻞ ﺟﻤﻬﻮﺭﻙ ﻣﺎ ﻻ ﻃﺎﻗﺔ ﻟﻬﻢ ﺑﻪ»، بينما اعتبره بعض القراء تسرعا واستسلاما في مواجهة الفساد، فيما علق آخرون مؤيدين القرار وداعين لزيدان بالنصر، بينما طالبه البعض بإنشاء مؤسسة ثقافية خاصة.
على الجانب الآخر، اعتبر عدد من الكتاب أن «الكتابة» هي سلاح المقاومة في يد أي كاتب، وأنه يملك قلمه ليغير به ما يراه من فساد، بل ولامه البعض على عدم اتخاذه خطوات جريئة منذ أن تم اتهام سراج الدين أمام القضاء 2011 بتهم فساد مالي، من بينها قضية منظورة حاليا أمام محكمة جنح باب شرق الإسكندرية وأجلت لجلسة 31 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، واستغرب البعض قراراته وتوقيتها، باعتباره توقيتا حرجا في ظل دعوات للتظاهر من قبل جماعة الإخوان «الإرهابية» لزعزعة البلاد.
وأعلن سمير غريب رئيس جهاز التنسيق الحضاري الأسبق، أنه على رأس قائمة الرافضين لقرار تعيين د. إسماعيل سراج الدين مستشارا ثقافيا للحكومة، واصفا إياه بأنه رجل الحكام على مر العصور.
ومن جهته، كتب سراج الدين، المحسوب على نظام مبارك، معلقا على قرار تعيينه مستشارا ثقافيا لرئيس الوزراء قائلا: «أريد أن أخدم بلدي مصر من موقعي بمكتبة الإسكندرية». والمعروف أنه رفض حقائب وزارية عدة طرحت عليه إبان حكم مبارك، متمسكا بمنصبه مديرا لمكتبة الإسكندرية، وهو الأمر الذي يضع أيضا علامات استفهام كثيرة حول قبوله ذلك الآن! حيث فسره البعض برغبته في عدم الاشتباك مع المثقفين المصريين والاحتماء في الهالة الدولية التي تصبغ عمل مدير المكتبة، إذ أن سياساته المتبعة في المكتبة محل استهجان من كثير من المثقفين المصريين حيث يعتبرون أنشطتها نخبوية وأنها معزولة عن الشارع المصري.
وتصعيدا لموقفه، وضع زيدان صورة مرقمنة من استقالته من اتحاد كتاب مصر، فجاء رد محمد سلماوي، رئيس اتحاد كتاب مصر، عليها، مبددا بشكل عملي، اتهاماته التي وجهها زيدان للاتحاد، وأوضح أن الاتحاد مؤسسة ثقافية أهلية، لا دخل له بالتعيينات الحكومية في المجال الثقافي أو غيره، ولا يمكن تحميله بالأخطاء التي قد ترتكبها الحكومات المتعاقبة لأنها لا تأخذ رأيه في من يتولى تلك المناصب. وطالب البيان زيدان بالعدول عن موقفه الانفعالي من أجل النهضة الثقافية. وناشد سلماوي زيدان دفع الاشتراكات التي لم يسددها للاتحاد منذ عام 2007 مشيرا إلى أن قانون الاتحاد ينص على إسقاط عضوية من لم يسدد الاشتراك.
وعرف زيدان بأنه مثير للجدل، حتى قبل دخوله معترك المشهد الثقافي، فقد رافقت مسيرته الأكاديمية والأدبية سجالات وصراعات ثقافية وقضائية كثيرة، بدأت بفصله من عمله كأستاذ بجامعة الإسكندرية عام 1997، لكنه استكمل دراسته وحصل على الأستاذية في الفلسفة وتاريخ العلوم، وتفرغ لإدارة مركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية، حتى عام 2012.
وفي 2003. أثار عرض كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون» في المكتبة إلى جانب نسخة من التوراة ضجة كبرى، ودخل زيدان في سجالات مع اليهود حول الكتاب ورفضهم عرضه مع التوراة. وفي عام 2006 كان زيدان حديث الأوساط الثقافية والعلمية في مصر والدول العربية، إثر تقرير عن كتاب زيدان مقالة «النقرس» لأبي بكر الرازي عن لجنة من جامعة القاهرة يدين الكتاب، ويصفه بأنه اعتداء على التراث الإسلامي المخطوط. وأورد التقرير في نصه 50 ملاحظة سلبية، وخلص إلى أن «أبرز صور الاعتداء تتمثل في تشويه الموقف العقلي للرازي وفي اتهامه في عقيدته وفي أخلاقه دون دليل كاف».
وبعد فترة هدوء، عاد زيدان إلى الصخب عبر روايته الثانية «عزازيل» عام 2008، الفائزة بجائزة البوكر العربية 2010. حين طالب مسيحيون مصريون باتخاذ إجراء رسمي ضد زيدان باعتبارها تهين المسيحية، وتسيء للرهبان وباباوات الكنيسة. والرواية نفسها التي فازت في عام 2012 بجائزة «آنوبي» لأفضل كتاب مُترجم في بريطانيا خلال معرض «أدنبرة» الدولي للكتاب. وأثيرت ضجة حول ترجمتها للعبرية لاحتواء الترجمة على مغالطات.
بيد أن التهمة الأخطر في مسيرة زيدان الجدلية، كانت اتهامه بـ«ازدراء الأديان» عقب صدور كتابه «اللاهوت العربي وأصول العنف الديني»، إبان حكم الإخوان وكان مهددا بالسجن.. ثم ظهر زيدان بين نخبة من كتاب مصر اجتمع بهم الرئيس السيسي عقب توليه الرئاسة، وطرح اسمه لتولي حقيبة الثقافة في الحكومة الحالية، وهو ما يجعل الكثير من المثقفين يتحفظون على قراراه اعتزال الكتابة ويصفونه بأنه يندرج تحت قناع «الشخصنة».



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».