أديب مصري يضرب «ثقافيا» ويعتزل «الكتابة» بسبب قرار سياسي

على خلفية اختيار مدير مكتبة الإسكندرية مستشارا ثقافيا للدولة

يوسف زيدان  -  د. إسماعيل سراج الدين  -  نص رسالة الاستقالة
يوسف زيدان - د. إسماعيل سراج الدين - نص رسالة الاستقالة
TT

أديب مصري يضرب «ثقافيا» ويعتزل «الكتابة» بسبب قرار سياسي

يوسف زيدان  -  د. إسماعيل سراج الدين  -  نص رسالة الاستقالة
يوسف زيدان - د. إسماعيل سراج الدين - نص رسالة الاستقالة

تساؤلات كثيرة حول المثقف والسلطة، يطرحها إعلان الكاتب يوسف زيدان اعتزاله الحقل الثقافي وتوقفه عن الكتابة في الصحف، وعقد الندوات سواء في مصر أو خارجها، ما يشبه دخوله في إضراب «ثقافي».
وضجت مواقع الشبكات الاجتماعية بالبيان «الفيسبوكي» الذي كتبه زيدان صاحب رواية «عزازيل» احتجاجا منه على قرار رئيس مجلس الوزراء المصري إبراهيم محلب، بتعيين د. إسماعيل سراج الدين، مدير مكتبة الإسكندرية، مستشارا ثقافيا له.
صب زيدان غضبه على سراج الدين، نافيا أن يكون خلافه معه شخصيا. وحسبما قال في بيانه «معروفٌ أن خلافا جرى بيني وبين د. إسماعيل سراج الدين، بسبب مكتبة الإسكندرية وليس لسبب شخصي، فكانت نتيجته أنني استقلتُ منذ عامين من عملي كمدير لمركز المخطوطات ومتحف المخطوطات بالمكتبة، بعد 17 عاما من الجهد الذي لا يعلمه إلا الله لبناء هذه المكتبة ورفع شأنها في العالم».. ولفت زيدان إلى قضايا مرفوعة ضد سراج الدين، جرى التصالح في بعضها وبعضها الآخر لا يزال في أروقة القضاء.
كما هاجم زيدان وزير الثقافة المصري، د. جابر عصفور، مشيرا إلى ما نشرته الجرائد منذ عامين عن عصفور، وكان نصّه حرفيا «إسماعيل سراج الدين كذّاب»، ومع ذلك، أصدر قرارا فور تولّيه وزارة الثقافة بضمّ هذا الذي وصفه بالكذّاب، لعضوية المجلس الأعلى للثقافة.
وخلص زيدان في بيانه إلى القول: «لأنني تأكدتُ من أنني كنت حتى اليوم أحارب طواحين الهواء؛ أُعلن الآتي: اعتبارا من هذه الليلة، سأتوقّف عن أي فعلٍ وتفاعلٍ ثقافي في مصر والبلاد العربية. وسأنقطع عن الكتابة الأسبوعية في جريدتي (الأهرام) و(الوطن) (وأي جريدة أخرى).. وسأكفّ عن كافة الاجتهادات التثقيفية والصالونات الثقافية والندوات واللقاءات الفكرية التي أُقيمها في القاهرة والإسكندرية، وغيرهما من المدن المصرية. ولن أشارك من الآن فصاعدا، في أي حدثٍ عامٍ، ثقافي أو غير ثقافي في مصر أو في غيرها (ويتضمّن ذلك اعتذاري عن عدم سفري إلى المغرب بعد غدٍ، لإقامة عدة أنشطة فكرية وثقافية في الرباط)».
وعلق زيدان تمسكه بموقفه وإضرابه الثقافي على بقاء سراج الدين في مكانه كمدير لمكتبة الإسكندرية (أو تُعلن المحكمة براءته من القضايا التي يُحاكم فيها بسبب أعماله في المكتبة).
وتفاوتت ردود الفعل حول قرار زيدان بين قرائه؛ والمثقفين، فطالبه البعض بالعدول عنه، معلقين على صفحته «الاﻋﺘﺮﺍﺽ ﻋﻠى ﻣﺎ ﻳﺠﺮﻱ شيء جيد، ﻭﻟﻜﻦ ﻻ ﺗﺤﻤﻞ ﺟﻤﻬﻮﺭﻙ ﻣﺎ ﻻ ﻃﺎﻗﺔ ﻟﻬﻢ ﺑﻪ»، بينما اعتبره بعض القراء تسرعا واستسلاما في مواجهة الفساد، فيما علق آخرون مؤيدين القرار وداعين لزيدان بالنصر، بينما طالبه البعض بإنشاء مؤسسة ثقافية خاصة.
على الجانب الآخر، اعتبر عدد من الكتاب أن «الكتابة» هي سلاح المقاومة في يد أي كاتب، وأنه يملك قلمه ليغير به ما يراه من فساد، بل ولامه البعض على عدم اتخاذه خطوات جريئة منذ أن تم اتهام سراج الدين أمام القضاء 2011 بتهم فساد مالي، من بينها قضية منظورة حاليا أمام محكمة جنح باب شرق الإسكندرية وأجلت لجلسة 31 ديسمبر (كانون الأول) المقبل، واستغرب البعض قراراته وتوقيتها، باعتباره توقيتا حرجا في ظل دعوات للتظاهر من قبل جماعة الإخوان «الإرهابية» لزعزعة البلاد.
وأعلن سمير غريب رئيس جهاز التنسيق الحضاري الأسبق، أنه على رأس قائمة الرافضين لقرار تعيين د. إسماعيل سراج الدين مستشارا ثقافيا للحكومة، واصفا إياه بأنه رجل الحكام على مر العصور.
ومن جهته، كتب سراج الدين، المحسوب على نظام مبارك، معلقا على قرار تعيينه مستشارا ثقافيا لرئيس الوزراء قائلا: «أريد أن أخدم بلدي مصر من موقعي بمكتبة الإسكندرية». والمعروف أنه رفض حقائب وزارية عدة طرحت عليه إبان حكم مبارك، متمسكا بمنصبه مديرا لمكتبة الإسكندرية، وهو الأمر الذي يضع أيضا علامات استفهام كثيرة حول قبوله ذلك الآن! حيث فسره البعض برغبته في عدم الاشتباك مع المثقفين المصريين والاحتماء في الهالة الدولية التي تصبغ عمل مدير المكتبة، إذ أن سياساته المتبعة في المكتبة محل استهجان من كثير من المثقفين المصريين حيث يعتبرون أنشطتها نخبوية وأنها معزولة عن الشارع المصري.
وتصعيدا لموقفه، وضع زيدان صورة مرقمنة من استقالته من اتحاد كتاب مصر، فجاء رد محمد سلماوي، رئيس اتحاد كتاب مصر، عليها، مبددا بشكل عملي، اتهاماته التي وجهها زيدان للاتحاد، وأوضح أن الاتحاد مؤسسة ثقافية أهلية، لا دخل له بالتعيينات الحكومية في المجال الثقافي أو غيره، ولا يمكن تحميله بالأخطاء التي قد ترتكبها الحكومات المتعاقبة لأنها لا تأخذ رأيه في من يتولى تلك المناصب. وطالب البيان زيدان بالعدول عن موقفه الانفعالي من أجل النهضة الثقافية. وناشد سلماوي زيدان دفع الاشتراكات التي لم يسددها للاتحاد منذ عام 2007 مشيرا إلى أن قانون الاتحاد ينص على إسقاط عضوية من لم يسدد الاشتراك.
وعرف زيدان بأنه مثير للجدل، حتى قبل دخوله معترك المشهد الثقافي، فقد رافقت مسيرته الأكاديمية والأدبية سجالات وصراعات ثقافية وقضائية كثيرة، بدأت بفصله من عمله كأستاذ بجامعة الإسكندرية عام 1997، لكنه استكمل دراسته وحصل على الأستاذية في الفلسفة وتاريخ العلوم، وتفرغ لإدارة مركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية، حتى عام 2012.
وفي 2003. أثار عرض كتاب «بروتوكولات حكماء صهيون» في المكتبة إلى جانب نسخة من التوراة ضجة كبرى، ودخل زيدان في سجالات مع اليهود حول الكتاب ورفضهم عرضه مع التوراة. وفي عام 2006 كان زيدان حديث الأوساط الثقافية والعلمية في مصر والدول العربية، إثر تقرير عن كتاب زيدان مقالة «النقرس» لأبي بكر الرازي عن لجنة من جامعة القاهرة يدين الكتاب، ويصفه بأنه اعتداء على التراث الإسلامي المخطوط. وأورد التقرير في نصه 50 ملاحظة سلبية، وخلص إلى أن «أبرز صور الاعتداء تتمثل في تشويه الموقف العقلي للرازي وفي اتهامه في عقيدته وفي أخلاقه دون دليل كاف».
وبعد فترة هدوء، عاد زيدان إلى الصخب عبر روايته الثانية «عزازيل» عام 2008، الفائزة بجائزة البوكر العربية 2010. حين طالب مسيحيون مصريون باتخاذ إجراء رسمي ضد زيدان باعتبارها تهين المسيحية، وتسيء للرهبان وباباوات الكنيسة. والرواية نفسها التي فازت في عام 2012 بجائزة «آنوبي» لأفضل كتاب مُترجم في بريطانيا خلال معرض «أدنبرة» الدولي للكتاب. وأثيرت ضجة حول ترجمتها للعبرية لاحتواء الترجمة على مغالطات.
بيد أن التهمة الأخطر في مسيرة زيدان الجدلية، كانت اتهامه بـ«ازدراء الأديان» عقب صدور كتابه «اللاهوت العربي وأصول العنف الديني»، إبان حكم الإخوان وكان مهددا بالسجن.. ثم ظهر زيدان بين نخبة من كتاب مصر اجتمع بهم الرئيس السيسي عقب توليه الرئاسة، وطرح اسمه لتولي حقيبة الثقافة في الحكومة الحالية، وهو ما يجعل الكثير من المثقفين يتحفظون على قراراه اعتزال الكتابة ويصفونه بأنه يندرج تحت قناع «الشخصنة».



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.