المنتحر في لندن وجيه غالي... قصص ورسائل ويوميات في الطريق

أسئلة على هامش حفل استقبال الابن الغامض

وجيه غالي مع ديانا آتهيل
وجيه غالي مع ديانا آتهيل
TT

المنتحر في لندن وجيه غالي... قصص ورسائل ويوميات في الطريق

وجيه غالي مع ديانا آتهيل
وجيه غالي مع ديانا آتهيل

في ستينيات القرن العشرين، ظهرت مجموعة من الشباب في مصر يلتفون حول الأب نجيب محفوظ، متنقلين وراءه من مقهى إلى مقهى، يستظلون به ويحاولون فرض صوتهم المغاير لصوت الأب، وهم الذين سيشار إليهم فيما بعد بوصفهم جيل الستينيات.
في الوقت ذاته، كان هناك شاب اسمه وجيه غالي يعيش حياة تشرد في أوروبا، بين لندن ومدن إنجليزية وألمانية وهولندية، يجترح مغامرته الخاصة في الحياة والكتابة. يكتب نصاً في قلب الكتابة الغربية، يمكن وضعه ضمن الكتابة ما بعد الكولونيالية، وما بعد الحداثية. نص يصدر عن ذات تعي مكانها في الغرب الاستعماري، متقشف، بعيد عن الزخرفة، مرتاب من الآيديولوجيا.
زاول غالي ما وجده في طريقه من أشغال: مراسل صحافي، وأشغال يدوية باليومية، ووظائف كتابية مؤقتة؛ كل ذلك لفترات متقطعة محدودة، بينما كانت البطالة مهنته الأساسية مكفولاً من أصدقائه، وخاصة كاتبة السيرة الإنجليزية، ديانا آتهيل (Diana Athill)، وقد ربطته بها علاقة مركبة، فيها كثير من الأمومة، وقليل من الحب، وكثير من الحرج بين من يقدم الإحسان ومن يتلقاه، وفيها كذلك تعقيدات العلاقة بين المستعمِر والمُستعمَر (بكسر وفتح الميم).
لم ينشر غالي في حياته سوى رواية واحدة، هي «بيرة في نادي البلياردو»، صدرت بالتوازي عن أندريه دويتش (André Deutsch) في بريطانيا، ونوف (Knopf) في الولايات المتحدة الأميركية، عام 1964، وعدداً من القصص القصيرة في صحيفتين إنجليزيتين.
ما توقفت أمامه القاهرة الثقافية بخصوص وجيه غالي في تلك الفترة كان سياسياً، عندما زار إسرائيل بوصفه مراسلاً صحافياً. ثم وضع غالي حداً لحياته بالحبوب المهدئة في شقة صديقته الإنجليزية عام 1968، وسينام ذكره في الشرق والغرب لمدة عقدين، ليعود ذكره مجدداً في رواية دايانا آتهيل «بعد جنازة» التي نشرتها عام 1988، وبعد ذلك ستفرج الكاتبة عن مراسلاته ويومياته عقب أن حبستها طويلاً، رغم أنه كتب لها وصية قبل أن ينتحر أن تعتني بنشر يومياته، وأن تسدد من عائدها ديونه.
سمحت آتهيل للباحثة ديبورا ستار من جامعة كورنيل عام 1999 بتصوير نسخة من يوميات غالي ومراسلاته الموجودة بحوزتها، لتظهر مرقمنة على موقع مكتبة الجامعة عام 2013. وقد صدرت اليوميات عن قسم النشر بالجامعة الأميركية بالقاهرة، بتحرير مي حواس عام 2016. وكان من المفترض أن تصدر ترجمتها التي أنجزها محمد الدخاخني عن مكتبة «الكتب خان» هذه الأيام، ولكنها تأخرت بسبب كورونا، وتقترب اليوميات أكثر من عالم الكاتب وآرائه السياسية، وبينها رأيه في عبد الناصر، وموقفه من الصراع العربي - الإسرائيلي.
وأول نشر لغالي في اللغة العربية كان فصولاً من روايته في جريدة «أخبار الأدب» عام 2006، في ترجمة لإيمان مرسال وريم الريس. وفي العام ذاته، صدرت الرواية عن دار نشر «العالم الثالث»، بترجمة هناء نصير، وتقديم أستاذ الأدب الإنجليزي ماهر شفيق فريد. وفي 2012، أصدرت «دار الشروق» ترجمة مرسال - الريس للرواية، بينما أعادت دار «بتانة» الترجمة الأولى عام 2016.
ومنذ أشهر قليلة، صدرت ترجمتان لغالي عن «دار المحروسة»؛ الأولى مجموعة قصصية بعنوان «الورود حقيقية وقصص أخرى»، وتضم سبع قصص في كتيب من 65 صفحة؛ والثانية «رسائل السنوات الأخيرة» في 304 صفحات، والكتابان من تحرير وترجمة وائل عشري.
جمع عشري القصص من أرشيف جريدتي «الغارديان» و«مانشستر غارديان»، حيث نشرتها الجريدتان بين عامي 1957 و1965، بينما اعتمد في ترجمة الرسائل على أوراق جامعة كورنيل. ويُقدِّم الكتاب بدراسة ضافية، تتعدى وظيفة التعريف العادي بالرسائل وملاحظات المترجم، إلى تحليل خطابها لكشف الوعي الذي تنطوي عليه: وعي وجيه غالي بنفسه، بصفته شخصاً ملوناً في بلد استعماري، في مقابل حس الهيمنة والتفوق لدى آتهيل، كاشفاً عما بينهما من مشاعر مركبة: غالي لا يكن أي تقدير لكتابتها، وعليه أن يعبر عن امتنانه لكفالتها إياه، وهي في المقابل تتمسك بدور الراعي، دون أن تمنع نفسها من التذمر من عبئه.
وبالترجمة المنتظرة لليوميات، تكتمل نصوص غالي المعروفة حتى الآن في العربية، لكن ما انكشف عن شخصه وكتابته يتعلق بسنوات الهجرة، وهي عشر سنوات، حسب تاريخ نشر القصة الأولى والوفاة.
ويتضمن كتاب الرسائل خمسين رسالة، أربع وأربعون منها للكاتب نفسه، وواحدة من الكاتب الأميركي فيليب روث إلى آتهيل، يطلب منها حث غالي على السفر من ألمانيا إلى الولايات المتحدة من أجل منحة أيوا، وخمس من ديانا آتهيل إلى وجيه، وتغطي الفترة من 1963 إلى يوم الرحيل في نوفمبر (تشرين الثاني) 1968.
ويبقى وجود غالي في مصر ضبابياً؛ لا معلومات مؤكدة عنه. تاريخ الميلاد إما أن يكون 1929 أو 1930. وتاريخ مغادرته مصر غير محدد، ربما خرج عقب حرب 1956، حيث لا تُعرف له عائلة، ويعتقد بعضهم أن اسمه ربما يكون مستعاراً، لكن مصدراً وحيداً، هو موقع إلكتروني للثقافة القبطية بالإنجليزية، ينسب وجيه غالي إلى عائلة غالي السياسية العريقة التي تبوأ رجالها مناصب سياسية رفيعة على مدى مائتي عام، دون تأكيد لهذه المعلومة.
وكان وجيه غالي يتحرك بجواز سفر «لاجئ في ألمانيا». وفي ظل غياب المعلومات، فهناك ميل إلى استقائها من روايته، على فرضية أنها سيرة ذاتية.
«رام» بطل الرواية شاب عاطل يتحرك بين مقهى جروبي في وسط القاهرة وبارات الأجانب ونوادي القمار، ابن لعائلة برجوازية مفلسة، باستثناء خالته، الأكثر ثروة وسلطة في تلك العائلة، حيث تبدأ الرواية بمشهد رام منتظراً عمته ليطلب منها مساعدة مالية، بينما جلست توقع تنازلات للفلاحين عن ملكيتها الزراعية التي تبلغ عشرة آلاف فدان، بعد أن حددت ثورة يوليو (تموز) 1952 ملكيتها بمائتي فدان. أجواء الرواية تدور في أوساط أجنبية، وجود المصريين فيها شبحي، كما في رباعية الإسكندرية للورنس داريل.
وإذا كان رام هو وجيه غالي الكاثوليكي حقاً، فقطعاً هو ليس ابن العائلة القبطية المعروفة التي لم يبلغ بها التدهور إلى هذا الحد في يوم من الأيام.
أياً من يكون الكاتب الذي يحمل اسم وجيه غالي، فهل ما ظهر فعلاً هو كل ما كتب؟ وكيف أنجز نصوصاً على هذا المستوى السامي فنياً بمجرد وصوله إلى المهجر؟ وهل من كتابة سابقة في مصر لم نعرف طريقها؟
والملاحظة الثانية تنبع من لغة كتابته «الإنجليزية»، والانتماء الفني للغرب، وعالم روايته المنفصل عن واقع عموم المصريين، تطرح علامات استفهام حول تاريخ الثقافة المصرية في الحقبة الكولونيالية، وربما يكون على مؤرخي الأدب أن يبحثوا عن إجاباتها، فيما يتعلق بالإنكار المتبادل بين المتن الثقافي المصري والحركات الثقافية في أوساط البرجوازية المصرية المتفرنجة والأجانب الذين كانوا جزءًا من حركات ثقافية أوروبية كبرى، كالمستقبلية والسوريالية.
استطاع السورياليون المصريون، بقيادة جورج حنين، أن يفتحوا ثغرة -ولو صغيرة- بفضل صخبهم واستماتتهم في الدفاع عن الحركة ومنطلقاتها، لكن مصر كانت عامرة بأسماء وحركات ثقافية أخرى ظلت مجهولة للواقع الثقافي المصري، أو إنه كان يتجاهلها.
من مواليد الإسكندرية، على سبيل المثال، واحد من كبار الشعراء الإيطاليين، وهو جوزيبي أونغاريتي (1888-1970)، عاش بها حتى الرابعة والعشرين، ومن مواليدها كذلك فليبي توماسو إميليو مارينيتي، الشخصية الأكثر نفوذاً في جماعة المستقبلية الأوروبية (Futurism) وكاتب بيانها التأسيسي عام 1909. وإن كان أونغاريتي ومارينيتي قد غادرا الإسكندرية في مرحلة الشباب، فإن انتسابهما لمصر بالمولد لم يثر فضول المثقفين المصريين بشأنهما، فضلاً بالطبع عن اليوناني السكندري كفافيس، وسيرته أكثر من معروفة، ومتحفه بالمدينة اليوم يحكي قصته.
وفي الإسكندرية، أقام لورانس داريل نحو ثلاث سنوات (1943-1945). وكتب رباعيته عن المدينة التي تنتمي في تقنياتها لتقاليد الحداثة، وتتطابق فترة إقامته مع الحياة القصيرة لمجلة «الكاتب المصري» التي أصدرها طه حسين، صاحب العلاقات مع أدباء الغرب، وهناك من كتب للمجلة خصيصاً من باريس وروما، لكن صدى المجلة لم يصل داريل، ولا صدى داريل وصلها.
الانفصال نفسه عن عالم الأجانب والحركات الحديثة الوافدة معهم مارسته باقي مجلات وصحف القاهرة والإسكندرية طوال النصف الأول من القرن العشرين، رغم أن معظم الفاعلين الثقافيين درسوا في الغرب، من سلامة موسى إلى محمد حسين هيكل وطه حسين ويحيى حقي، لكنهم انحازوا للاتجاهات الكلاسيكية في الفكر والإبداع الغربيين، ولم يتبنوا القفزات الجديدة، حتى عندما كانت بين ظهرانيهم على الأرض المصرية!
ويمكننا اعتبار الاختلاف بين عوالم وانشغالات وحساسية وجيه غالي وعوالم وانشغالات وحساسية مجايليه المصريين آخر تجلٍ للانفصال بين عالمين ثقافيين عاشا على أرض واحدة متوازيين لا يلتقيان.



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.