حوار مع بورخيس: كتبتُ القصة بسبب ضربة على الرأس

بورخيس
بورخيس
TT

حوار مع بورخيس: كتبتُ القصة بسبب ضربة على الرأس

بورخيس
بورخيس

(هذه ترجمة لجزء من حوار أجرته مجلة «باريس ريفيو» بالإنجليزية مع الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس في بوينس آيرس عام 1966 وأعيد نشره في كتاب صدر عام 2006)
> المحاور: أود، إن أمكن، أن أغير الموضوع إلى قصصك. أود أن أسأل عما سبق أن قلتَه من أنك كنت شديد الخوف حيال البدء بكتابة القصص.
- بورخيس: نعم، كنت شديد الخوف، لأني حين كنت صغيراً ظننت نفسي شاعراً. لذا قلت، إن كتبت قصة سيدرك الجميع أنني دخيل عليها، أنني أطأ أرضاً محرمة. عندئذٍ حصل لي حادث. يمكنك أن تلمس أثر الجرح. لو لمست رأسي هنا، سترى. هل تحس بتلك الجبال، والمطبات؟ أمضيت بعدئذٍ أسبوعين في المستشفى. رأيت كوابيس وأرقاً.
بعد ذلك أخبروني أنني كنت على حافة الموت، أنه كان رائعاً أن العملية تكللت بالنجاح. بدأت أخاف على سلامة عقلي - قلت قد لا أتمكن من الكتابة مرة أخرى. ولو حدث ذلك لانتهت حياتي، لأن الأدب مهم جداً بالنسبة لي. ليس لأنني أعتقد أن ما أكتبه ممتاز، وإنما لأنني كنت أدرك أنني لن أتمكن من الاستمرار بلا كتابة. إن لم أكتب سأشعر، كما تقول، بنوع من الذنب، أليس كذلك؟ قلت عندئذٍ سأجرب كتابة مقالة أو قصيدة. لكني قلت إنني كتبت مئات المقالات والقصائد. إن لم أتمكن من ذلك سأتأكد حالاً أنني انتهيت، أن كل شيء انتهى؛ لذا قلت سأجرب شيئاً لم أجربه من قبل؛ إن لم أنجح فيه لن يكون هناك ما يستدعي الاستغراب، وإلا لماذا أكتب قصصاً قصيرة؟ سيهئُني ذلك للضربة القاضية: معرفتي بأنني وصلت إلى نهاية الطريق. كتبت قصة أظن أنني عنونتها (الرجل الذي في الركن الوردي) استمتع الجميع بها. كان ذلك مصدر سعادة كبرى لي. فلربما لو لم تحدث تلك الضربة على الرأس لما كتبت قصصاً قصيرة.
> المحاور: ولربما ما كنت لتُترجم؟
- بورخيس: ولم يكن أحد ليخطر بباله أن يترجمني. لذا كان ذلك خير مختبئ. لقد وجدت تلك القصص طريقها على نحو ما: ترجمت إلى الفرنسية، فزت بجائزة (فورمينتور)، وبعدها ترجمت كما يبدو إلى لغات أخرى عديدة. كان مترجمي الأول (إيبارا). كان صديقاً لي، وقد ترجم القصص إلى الفرنسية. أظنه أدخل تحسينات كبيرة عليها، أليس كذلك؟
> المحاور: كان المترجم إيبارا وليس كيلواز؟
- بورخيس: إيبارا وروجيه كايوا. في مرحلة متقدمة من العمر بدأت أكتشف أن كثيراً من الناس كانوا مهتمين بعملي في مختلف أنحاء العالم. بدا ذلك غريباً. لقد ترجمت العديد من أعمالي إلى الإنجليزية والسويدية والفرنسية وإلى الإيطالية والألمانية والبرتغالية وإلى بعض اللغات السلافية وكذلك الدنماركية. وفي كل مرة أرى ذلك مدهشاً، لأنني أتذكر أنني نشرت كتاباً - كان ذلك فيما أظن عام 1932 - وفي نهاية العام اكتشفت أن ما بيع من الكتاب لم يكن أقل من 37 نسخة!
> المحاور: هل كان ذلك «التاريخ الكوني لسوء السمعة»؟
- بورخيس: لا، لا. كان «تاريخ الأبدية». في البداية أردت أن أعثر على كل فرد من الذين اشتروا لأعتذر عن الكتاب، وأيضاً لأشكرهم لما فعلوه. هناك تفسير لذلك. إذا تخيلت سبعة وثلاثين شخصاً - فإن أولئك حقيقيون، أقصد أن لكل واحد منهم وجهاً يخصه، وله أسرة، ويعيش في شارعه المحدد. ذلك أنك لو بعت ألفي نسخة سيكون كما لو أنك لم تبع شيئاً مطلقاً، لأن الألفين عدد ضخم - أقصد أضخم من أن تستوعبه المخيلة. بينما سبعة وثلاثون شخصاً - وقد يكون سبعة وثلاثون كثيرين جداً، ربما سبعة عشر أفضل، أو حتى سبعة - ومع ذلك فسبعة وثلاثون لا تزال ضمن حدود المخيلة.
> المحاور: بمناسبة الأرقام، ألاحظ أن أرقاماً محددة تتكرر في قصصك.
- بورخيس: آه، صحيح. إنني أؤمن بالخرافة بشكل مرعب. إنني خجل من ذلك. أقول لنفسي إن الخرافات في نهاية المطاف نوع من الجنون، أليس كذلك؟
> المحاور: أو من الدين؟
- بورخيس: حسناً، الدين، لكن... أظن أنه لو أن شخصاً وصل إلى سن المائة وخمسين سيصاب بالجنون، أليس كذلك؟ لأن كل تلك السمات الصغيرة ستنمو. ومع ذلك فإني أرى أمي، التي تبلغ التسعين، وتؤمن بخرافات أقل مني. الآن وأنا أقرأ، للمرة العاشرة، كما أظن، كتاب «جونسون» لبوزويل أجد أنه كان يؤمن بالكثير من الخرافات، وفي الوقت نفسه، لديه خوف عظيم من الجنون. أحد الأشياء التي طلب من الله، في الصلوات التي كتب، هي ألا يصاب بالجنون، فلا بد أنه كان قلقاً حول ذلك.
> المحاور: هل ترى احتمال أن يكون السبب نفسه - الخرافة - هي التي تجعلك تستخدم نفس الألوان - الأحمر، الأصفر، الأخضر - المرة تلو الأخرى؟
- بورخيس: لكن هل أستعمل الأخضر؟
> المحاور: ليس بقدر استعمالك للألوان الأخرى. ولكني في الواقع فعلت شيئاً أقرب إلى التفاهة، لقد قمت بعد الألوان في...
- بورخيس: لا، لا. هذا يسمى «علم الأسلوب»؛ إنه يدرس هنا. لا فإني أعتقد أنك ستجد الأصفر.
> المحاور: والأحمر كذلك، مائلاً في الغالب إلى أو متلاشياً في الوردي.
- بورخيس: صحيح؟ لم أعلم ذلك.
> المحاور: إن كما لو أن العالم اليوم جمرة من نار الأمس - تلك استعارة تستخدمها. تتحدث عن «آدم الأحمر» مثلاً.
- بورخيس: حسناً، تعني كلمة «آدم» في العبرية، فيما أظن، «الطين الأحمر». بالإضافة إلى إيقاعها الجميل، أليس كذلك؟ «روخو آدان» (آدم الأحمر).
> المحاور: نعم إنها كذلك. ولكن ذلك ليس شيئاً تقصد إلى إظهاره: تآكل العالم بالاستعمال المجازي للون.
- بورخيس: لا أقصد إلى أن أظهر شيئاً. (يضحك). ليست لدي مقاصد.
> المحاور: فقط تصف؟
- بورخيس: أصف. أكتب. وبالنسبة للون الأصفر، ثمة تفسير مادي لذلك. حين بدأت أفقد بصري، كان آخر لون أبصرته، أو آخر لون تميز عن غيره، لأنني الآن أدرك أن لون معطفك ليس بلون هذه الطاولة نفسه، أو لون الخشب الذي خلفك - كان آخر لون يتميز هو الأصفر لأنه أكثر الألوان بريقاً. إنه السبب الذي يجعل هناك «شركة لسيارات الأجرة الصفراء» في الولايات المتحدة. فكروا في البدء بجعل السيارات وردية.
عندئذٍ اكتشف أحدهم أنه في الليل أو حين يكون هناك ضباب يتميز اللون الأصفر ببريق أشد من الوردي. لذا هناك سيارات أجرة صفراء يمكن لأي شخص أن يختار أحدها. حين بدأت أفقد بصري، حين بدأ العالم يتوارى عني، جاء وقت بين أصدقائي... أخذوا يسخرون مني لأني ألبس ربطات عنق صفراء. ظنوا أنني أحب اللون الأصفر، مع أنه كان في الحقيقة شديد السطوع. قلت نعم، إنه كذلك لكم ولكن ليس لي، السبب هو أنه اللون الوحيد الذي أستطيع رؤيته عملياً! إنني أعيش في عالم رمادي، عالم يشبه عالم الشاشة الفضية. لكن الأصفر يتميز. قد يكون ذلك هو السبب. أتذكر نكتة لأوسكار وايلد: كان لأحد أصدقائه ربطة عنق بلون أصفر وأحمر، إلخ، فقال وايلد: أوه، يا عزيزي، فقط هو الرجل الأصم الذي يستطيع أن يلبس ربطة عنق كتلك!
> المحاور: كان يمكن أن يشير إلى الربطة التي تلبسها الآن.
- بورخيس: آه، حسناً. أتذكر أنني قلت تلك الحكاية لسيدة لم تلتقط النكتة. قالت: بالطبع، لا بد أن السبب هو أن كونه أصم جعل من الصعب عليه أن يسمع ما يقوله الناس عن ربطته. كان ذلك سيعجب أوسكار وايلد، أليس كذلك؟
المحاور: تمنيت لو سمعت تعليقه.



سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
TT

سلطة المركز وأثرها على الفنون التشكيلية العالمية

من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة
من أعمال الفنان التشكيلي المصري محمد عبلة

بعد الحرب العالمية الثانية انتقل المركز العالمي للفن من باريس إلى نيويورك. لكن ذلك الانتقال وإن كان سببه حالة الانهيار الشامل التي انتهت إليه أوروبا فإن أجهزة المخابرات الأميركية قد بذلت جهداً كبيراً في أن تؤكده على المستوى العالمي بطريقة احترافية لا يمكن التشكيك بقوة دوافعها ومرجعياتها الثقافية. من ذلك أنها قامت وبطريقة متقنة بالترويج لأعمال فناني نيويورك الذين نسبوا إلى التجريدية التعبيرية؛ وليام ديكونغ، وجاسبر جونس، وأرشيل غوركي، وجاكسون بولوك، ومارك روثكو وآخرون. على الرغم من أن دي كونغ كان هولندياً، وغوركي كان أرمنياً، وروثكو كان لتوانياً غير أنهم كانوا بحكم الجنسية أميركيين.

كان مهماً في تلك اللحظة بالنسبة للولايات المتحدة أن تؤكد إطباقها على العالم من خلال الموجة الجديدة من الحداثة الفنية باعتبارها القوة الجديدة التي يحق لها أن تتمدد وتستعمل أسلحتها الناعمة في الحرب الباردة التي كهربت الكرة الأرضية بأسلاكها غير المرئية. لم تكن جعبتها خاويةً. كان لديها فنانون حقيقيون في إمكانها أن تبارز أوروبا بهم. ذلك ما يجب الاعتراف به من غير نسيان الدوافع السياسية التي كانت السبب في إنفاق ملايين الدولارات على المشروعات الثقافية، ومنها المعارض الأميركية التي صارت تغزو أرجاء العالم مصحوبة بالكتب والمجلات والندوات والمؤتمرات الفنية. نجحت نيويورك في أن تكون عاصمة الفن العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين، غير أن المفاجئ أنها لا تزال تحتفظ بتلك المكانة على الرغم من أن الحرب الباردة قد انتهت منذ أكثر من ثلاثين سنة، كما أن أجهزة المخابرات لم تعد مضطرةً إلى إنفاق دولار واحد من أجل نشر الفن الأميركي في العالم بعد أن صار جزءٌ مهمٌ من ذلك العالم أميركيّاً.

المؤسسة الفنية وسياساتها

على الرغم من تعدد مراكز الفن في عالمنا المعاصر فإن ما يُخشى منه أن إدارته لا تزال محكومةً بسلطة القطب الواحد. ذلك لأن استعادة الهيمنة الأميركية على الفن قد لا تتم بطريقة مباشرة. هناك وسطاء هم المنسقون قد تربوا على ثقافة تعتبر كل منتج أميركي هو الأساس. من هذا أن فناناً أميركياً معاصراً هو مايك كيلي صار عنواناً لمعارض تستقبلها متاحف لندن واستكهولم ونيويورك طبعاً على الرغم من أن فنه ليس استثنائياً. في هذه الحالة لا يشكل حكمي النقدي أي قيمة تذكر. ذلك لأنني أتوقع أن ذلك الفنان الذي مات شاباً ستكون أعماله حاضرةً في لقاءات فنية عالمية عديدة في المستقبل، من ضمنها تلك اللقاءات التي تُقام في العالم العربي.

ما من شيء بريء في عالم الفن. ليس لدي دليلٌ على براءة الفن سوى إيماني به. غير أن الفن هنا هو مؤسسته. وهي مؤسسة لها سياساتها الخاصة التي لا تحتكم دائماً إلى القيم الفنية وحدها. وإذا كان الفن الحقيقي لا يكذب ولا يخون ولا يحتال فإن السياسات التي توجه عروضه هي التي تقوم بذلك. لطالما عمل المنسقون على إقامة معارض استعادية، كان الغرض الوحيد منها تجارياً. على سبيل المثال أذكر هنا ما فعلته مؤسسة عريقة مثل «مركز باربيكان للفنون» بلندن حين أقامت سلسلة من المعارض عقدت من خلالها صلات بين فن السويسري جياكومتي الذي صار ركناً أساسياً في تاريخ النحت الحديث في العالم وأعمال عدد من الفنانات المعاصرات، ومنهم فنانة عربية. من وجهة نظري كان هناك الكثير من اللعب المكشوف غير السار يقف وراء تلك المحاولات التي لا تستند إلى رصيد نقدي جاد.

حين يكون الفن معلباً

في الصين، في كوريا الجنوبية، في هونغ كونغ، في الهند، في اليابان، في الشارقة، في القاهرة، في الرياض، وأيضاً في البرازيل والمكسيك تُقام سنوياً أو كل سنتين لقاءات فنية عالمية تنافس بسعتها وشموليتها ودقة تنظيمها اللقاءات التي تُقام في الغرب، منها بينالي فينيسيا في إيطاليا وديكيومنتا في سويسرا و«آرت بازل» في ألمانيا. غير أن تلك اللقاءات لا تزال محكومة بالمركزية الغربية (الأميركية بشكل خاص).

السر في ذلك يكمن في أن الفنون المعاصرة التي لا تزال وصفةً غربيةً خالصةً هي القاسم المشترك بين كل تلك اللقاءات، وهي تمثل المحاولة الأكثر نجاحاً للانفتاح على العالم. تلك هي العولمة في إطارها الفني. لدي مثلان على ذلك؛ الأول هو الصيني أي ويوي، والثاني هو الهندي أنيش كابور. لو لم تتبن المؤسسة الفنية الغربية أعمال الفنانين المذكورين لما وصلا إلى ما هما عليه اليوم من مكانة في العروض العالمية.

مصر هي الأمل

يوماً ما كان الفنان العربي الذي يقيم معرضاً لأعماله في بيروت يكتسب نوعاً من الأبهة. على الأقل أنه قد يحظى بمقال من نزيه الخاطر أو فيصل سلطان أو لور غريب. في تلك المرحلة كان الفنانون العرب يتسابقون على عرض أعمالهم في بغداد والقاهرة ودمشق، وهي المدن التي تخرج من كلياتها ومعاهدها الفنية معظم الفنانين العرب (الكلام كله يقتصر على فناني المشرق العربي). كان مركز الثقافة العربية في القاهرة يخفق جناحاه بأريحية في المدن التاريخية، بغداد ودمشق وبيروت. وكان هناك تنافس إيجابي خلاق بين فناني المدن الأربع. غير أن الواقع السياسي كان قد ألقى بظلاله الكئيبة على تلك المعادلات، وهو ما مهد لظهور مراكز فنية جديدة. فهل يعني ذلك أننا قد انتقلنا إلى مركزية جديدة للفن في العالم العربي؟ تأصيل الظاهرة الفنية سيكون في حاجة إلى زمن لم يعد متاحاً في ظل الاستعانة بالخبرة الأجنبية. لن يهبنا الخبراء الأوروبيون الإرادة التي تمكننا من النظر بطريقة إيجابية إلى فنوننا.

عام 2024 حضرت فعاليات «آرت إيجيبت» في القاهرة. يومها أدركت أنه لا يزال في إمكان المصريين أن يهيمنوا بمزاجهم الجمالي المتحضر لا لأنهم يملكون قدرة هائلة على التنظيم الذاتي حسب بل وأيضاً يملكون خبرة في صياغة معادلات جديدة، من خلالها استوعبوا الفنون المعاصرة من غير أن يتخلوا عن فنون الحداثة الفنية. لقد وهبني المصريون من خلال تلك التجربة أملاً في أن يكون هناك مركز عربي ثقيل للفن في مواجهة المركزية الغربية.

* ناقد تشكيلي عراقي


سردية المكان وما ترويه المخطوطة

سردية المكان وما ترويه المخطوطة
TT

سردية المكان وما ترويه المخطوطة

سردية المكان وما ترويه المخطوطة

في لعبة السرد يمكن للأشياء أن تتحول، وأن تكشف عن طاقتها في الحكي عبر بلاغة المتخيل، إذ يعمد هذا المتخيل الماكر، إلى مخاتلة الواقع عبر الحكي، وإلى مغالبة التاريخ عبر احتيال الحكواتي، وعلى نحوٍ يجعل الروائي أكثر إغواءً باستعارة أدوات هذا الحكواتي، ليمنح اللغة بهاءها، ولينزع عن التاريخ سلطته، وباتجاهٍ يتحول فيه «الحكي» ذاته إلى خطاب تمثيلي، وإلى موقف من العالم ومن السلطة.

في رواية «ماء العروس» للروائي السوري خليل صويلح، الصادرة عن منشورات شركة المطبوعات للتوزيع والنشر (بيروت، 2025) ينسحب الحدث من التاريخ إلى الواقع، وإلى المكان الموازي، المكان الذي يقترحه المؤلف، حيث التوازي بين المكان البعيد/ الصحراء والمكان الدوستوبي، الذي يستغرقه العنف والقمع والقتل، حيث يشاهد الابن/ البطل الأضحوي إسماعيل هزيمة الأب وقمعه أمامه.

في عالم البدو لا شيء سوى العزلة، لكن الروائي جعل من هذا العالم مجالاً سردياً ضاجَّاً بحيوات تتبدى صراعاتها من خلال حكاياتها، فعمد إلى كسر الرتابة، عبر تمثيل سردي يربط الصراع بثيمة حدثٍ إطاري صادم، حيث يقوم «الدركي» في شرطة الحدود بسحل الأب بطريقة مُهينة، بواسطة حبل طويل يجرّه حصان بتهمة «حيازة سلاح غير مُرخّص» في بيئة لا يمكن العيش فيها من دون أسلحة، وكأن الروائي أراد توظيف هذه الثيمة لإدانة الواقع السياسي عبر إدانة السلطة، فالصحراء قد تكون مكاناً رمزياً للمكان السياسي، والدركي قد يكون هو أنموذج السلطة، والسلاح قد يكون كناية عن الخطاب والموقف المعارض.

التصعيد الدرامي الذي أحاط بمشهد «السحل» بدا الأقرب إلى بناء مشهد ملحمي، يقوم على تمثيل رمزي للصراع الداخلي عبر الطفل إسماعيل، وللصراع الخارجي، حيث تمثلات العنف السلطوي، و«الاستغاثات» العائلية ونحيب الطفل، وإحالاتها الرمزية للضحايا، وللشخصيات التي اختارها الروائي من المكان المعزول والهامشي، والتي توحي بالعجز، وبالهامشية والدونية.

تتحول حركة «الدركي» إلى حركة متصاعدة، تسحب معها أحداث الرواية، وما يختزنه الابن إسماعيل من مشاعر الغضب والكراهية والسخط، وهو ما يتبدى من خلال لعبته في تمثيل سردية الاستعادة، حيث علاقاته الغريبة، وحيث تدوين «مسوداته» التي يربطها بمصائر شخصياته، وعلى نحوٍ يُمكِّنَه من التصرف بمسار الحكاية، لتناسب مآلاتها، وتحويل شخصية الأب المهاب والمسحول إلى شخصية الغائب، ذات الحمولة المثيولوجية، لكي يكتسب غيابه بعداً نفسياً، يسوِّغ غوص الابن في عوالمه، تعبيراً عن كراهية السلطة، وعن مواجهة الجرح النرجسي، وعلى نحوٍ يسمح للعبة السرد أن تُشكل لها مسارات متوازية، تنمو فيها حركة الزمن، مثلما تتغير معها مصائر شخصياته، وصولاً إلى التحكم بنهاية حكايته، لكي يجعل منها «مسودة» سردية أو مجموعة من التخطيطات السردية/ الاسكتشات التي تتناسب وصراعه الداخلي، وحيث انفتاحها على التغير والإضافة والحذف.

ما لا يشبه الواقع

خروج الطفل إسماعيل من «المخيم» إلى العالم، لا يعني سوى أن الروائي اصطنع له واقعاً موازياً أو مضاداً، لكي يتمكن من تتبع تحولات المجرى السردي، عبر وظيفة تقانة الاستعادة، وعبر الكشف عن ترجعيات نفسية ارتبطت بذاكرة حدث مشهد الأب المسحول، والمشاعر المضطربة التي ظلت تستثيره دائماً، وترافقه كنوع من اللاوعي المكبوت والغاضب، مع سنواته، ومع تحولاته، ومع استغراقات سردية لم يشأ أن يجعلها بعيدة عن تنامي الأحداث، وعن مخطوطة «مستودعه السردي» الذي جعله أكثر تمثيلاً لصوته الداخلي الذي لم يتركه، فهو صوت ذاته المستلبة، الذي يندمج عبر التصعيد الروائي مع أصوات الشخصيات الأخرى، ليصنع «ملفاً سردياً» تستغرقه كثير من الحكايات الغامضة والسحرية، والمفتوحة على اللانهائي.

فصول الرواية الثلاثون تقوم على أساس شروط لعبة الحكي، حيث تنامي الحدث، وحركة الشخصيات، وتعالق الزمن الداخلي بكوابيس الذاكرة، والصعود بفعل الكتابة/ المخطوطة السردية لتكون مدونته النرجسية، حيث الإشباع الرمزي، ومواجهة مأزقه الوجودي، إذ لا يمكنه التحرر منها إلا عبر الاعتراف، باعتباره تطهيراً موازياً، فتقوده الشفرة السحرية لـ«نهر الخابور» إلى ما يشبه فكرة الارتواء «الجنسي» والتعويضي من «ماء العروس»، وعلى نحوٍ تتحول فيه الكتابة إلى طقس إشباعي لمواجهة الزمن، حيث يعمد الروائي إلى تفكيك المتواري والمخفي، وإلى تحويل الرواية التي تخلو من العناوين إلى بنية إطارية مفتوحة، تتوالى حكايتها، عبر سردية التناظر بين الذاكرة والواقع، وبين المكان الواقعي والمكان الميثولوجي.

ما يُثيره خليل صويلح في لعبته السردية ليس بعيداً عن «المكبوت السياسي» ولا عن أزمة الإنسان الباحث عن ذاته، وسط عالم مُشبَع بذاكرة فاجعة، وبسيرة يستغرقها الفقد والقلق، حد أن زمن الرواية الموزع بين الحكايات، يدفع الروائي إلى تمثيل زمنه السردي، بوصفه زمناً ضدياً، يقوم على فعل المواجهة، عبر الذهاب إلى الميثولوجيا، أو عبر استعادة ما يشبه «الحكي الشهرزادي» حيث التطهير والخلاص، وحيث الإشباع والارتواء، وحيث تدوين العالم عبر مخطوطة تتضاد مع التاريخ، لتبدو وكأنها رواية سيرة الولد الذي يكره ذلك العالم عبر السلطة، ويبحث عن خلاصه عبر الكتابة.

التحول في تمثيل شخصية «الابن إسماعيل» يعكس علاقة هذا التمثيل عبر الكتابة، بوصفها صناعة أخرى للشخصية التي تصنعها اللغة، حيث تتحول الكتابة إلى وعي عميق بمواجهة الخوف، وذاكرة المكان الديستيوبي، من خلال الإشهار الرمزي لرواية «فساد الأمكنة» للكاتب المصري موسى صبري التي يحملها، فيجعلها شفرة دالة على رفض ذاكرة المكان/ خيمة سحل الأب، مقابل الإيحاء بالرفض الداخلي لقانون الطوارئ وبيئة الفساد السياسي والإنساني.

تحول خوف الابن إسماعيل إلى كنايةٍ عن خوف جيل جعلته من السلطة محكوماً باللاوعي المُجهَض، مقابل حضور صديقه «جاسم عطية» الذي بدا وكأنه الضد النوعي الرافض للخوف، والذي حمل معه أسئلة ضدية، حررته من ذلك الخوف، ودفعته إلى التعرّف على أسرار القوة الغاشمة التي تملكها السلطة، والقائمة على أساس صناعة الخوف، أو القبول بالوظيفة «القربانية» التي تتحول إلى موقف سلبي، وإلى ممارسة نكوصية تجعل من النزع الأضحوي وكأنه دافع نفسي تطهيري للخلاص من الشر، أو الذهاب إلى السخرية، بوصفها سردية مضادة، ينزع فيها الروائي إلى الاستخدام الساخر لمفردات من التاريخ والحكاية والمثل الشعبي، وإلى ما تحمله من إحالات نفسية ورمزية، لتضعنا إزاء ما يمكن تسميته بـ«الواقعية الفجة» واقعية الفضح والإخفاء والزيف والإحساس بالإثم، حيث يقول بسخرية تُخفي مرارته العميقة بأنه يشبه «شاياً بنكهة الزنجبيل والقرفة والتاريخ، كما قد يصفه روائي متحذلق».

التاريخ وسرديات الانقطاع

تقانة البناء الروائي عند صويلح لا تميل إلى الحكي التقليدي، ولا إلى صناعة الشخصية التقليدية، فبقدر ما يبدو الواقع حاضراً فيها بوصفه مجالاً سردياً، فإن الانقطاع التاريخي يتبدى وكأنه مفارقة مع هذا الواقع، حيث السخرية منه، أو التمرد عليه، وعلى أن يجعل من «الشخصية الخائفة» و«الشخصية الضد» أكثر تعبيراً عن دراما الصراع الذي يتنامى، وعن الزمن الذي تبدو قطائعه وكأنها تبحث عن اكتمالها، عبر توظيف سردية البناء الموازية، الذي يجعل منها الروائي تمثيلاً سيميائياً لتقابل الصراع الوجودي والصراع السياسي، مع الصراع النفسي الذي تعيشه شخصياته المأزومة.

هذا التقابل ينفتح على سلسلة من التشكّلات التي تستدعي الحكاية والأسطورة الشامية عبر الشخصية الهامشية، وعبر ما تسوغه من تمثيل لفكرة الصراع الإطاري، وللشخصية التي تستدعي الزمن السردي، لمواجهة الزمن الواقعي، ولضبط إيقاع تنامي وظائفها في سياق تنامي وحدات السرد، وفي الكشف عن أزمة البطل الوجودي، أو الشخصية التي تعيش تشوهاتها البنيوية مع التاريخ والمكان، ومع نفسها، وعبر الإحساس بتشظيها الداخلي، فروايته المفترضة «مستودع الأنقاض» تتحول إلى رواية شخصية، أو «ميتاسرد» يكشف عن قصدية المؤلف في تمثيل أزمته، وفي ما تحمله من هواجس، وفي تمثيل قسوة «المكان السوري» وقلق الشخصية التي عاشت محنة الفقد، ومحنة العجز الثوري، والخوف السيميائي، فلا تجد تفريغاً له، سوى التطهير عبر استدعاء الأسطورة الشعبية، وعبر الغوص في الكتابة بوصفها تفريغاً للمكبوت، وإشهاراً للصوت الداخلي الذي يشاطره الإنصات إلى المخفي خلف «ثقب» السرد بالتوصيف الباربوسي، توهماً بالامتلاء، وإحساساً بأن ما يستعيده، هو ما يكتبه، وما يجعله أكثر شغفاً بسردية الخلاص، وتطهير الجسد عبر تفريغ عذاباته النرجسية، وكابوس الموت الذي ظل يساكنه.


جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
TT

جوائز «غرامي»: أوليفيا دين أفضل فنانة جديدة... و«أغنية العام» لبيلي إيليش

أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)
أوليفيا دين وجائزة أفضل فنانة جديدة (رويترز)

فازت بيلي إيليش بجائزة أغنية العام عن أغنيتها وايلد فلاور في حفل جوائز «غرامي»، بينما فاز الدالاي لاما، بأول جائزة له عن فئة الكتاب الصوتي والسرد وتسجيل القصص، متفوقا على قاضية المحكمة العليا كيتانجي براون جاكسون.

وفازت أوليفيا ​دين بجائزة أفضل فنانة جديدة، ‌في ‌تتويج ‌لمسيرتها ⁠الفنية السريعة ​التطور ‌من عازفة في شوارع لندن إلى نجمة عالمية لامعة، وتفوقت ⁠المغنية وكاتبة ‌الأغاني ‍البريطانية ‍على منافسين ‍من بينهم لولا يونج صاحبة الشهرة الواسعة على ​الإنترنت، لتصبح أحدث المنضمات إلى ⁠سلسلة المواهب الصاعدة من أديل إلى دوا ليبا التي بشرت بداياتها الموفقة بتأثير طويل الأمد.

أوليفيا دين وجائزة غرامي لأفضل فنانة جديدة (رويترز)

وتقام الدورة الثامنة والستون لحفل توزيع جوائز غرامي السنوية، أرفع الجوائز في مجال الموسيقى، مساء الأحد.

الموسيقي الأميركي الكندي روفوس وينرايت مستلماً جائزته (ا.ف.ب)

وقال الموسيقي الأميركي الكندي روفوس وينرايت مازحا في خطاب قبول الجائزة: «أنا لست الدالاي لاما. لقد كان من قبيل الامتياز المشاركة في هذا المشروع».

وفازت أغنية «غولدن» من «كي- بوب ديمون هانترز» بجائزة أفضل أغنية مكتوبة لوسائل الإعلام المرئية في حفل الافتتاح، وهي المرة الأولى التي تفوز فيها موسيقى «الكي- بوب» بجائزة غرامي.

الملحن السويدي لودفيج غورانسون يحمل جائزتي غرامي لأفضل موسيقى تصويرية (إ.ب.أ)

وألقى كتاب الأغاني خطاب قبولهم باللغتين الإنجليزية والكورية، مما يسلط الضوء على الجاذبية الثنائية اللغة للأغنية.

وذهبت جائزة أفضل فيلم موسيقي إلى «ميوزيك فور جون ويليامز»، مما يعني أن المخرج ستيفن سبيلبرج قد فاز رسمياً بأول جائزة غرامي له. وهذا يجعله فائزا بلقب «إيجوت» وهو الفنان الذي فاز بجوائز إيمي، وغرامي، وتوني، وأوسكار.