حوار مع بورخيس: كتبتُ القصة بسبب ضربة على الرأس

بورخيس
بورخيس
TT

حوار مع بورخيس: كتبتُ القصة بسبب ضربة على الرأس

بورخيس
بورخيس

(هذه ترجمة لجزء من حوار أجرته مجلة «باريس ريفيو» بالإنجليزية مع الكاتب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس في بوينس آيرس عام 1966 وأعيد نشره في كتاب صدر عام 2006)
> المحاور: أود، إن أمكن، أن أغير الموضوع إلى قصصك. أود أن أسأل عما سبق أن قلتَه من أنك كنت شديد الخوف حيال البدء بكتابة القصص.
- بورخيس: نعم، كنت شديد الخوف، لأني حين كنت صغيراً ظننت نفسي شاعراً. لذا قلت، إن كتبت قصة سيدرك الجميع أنني دخيل عليها، أنني أطأ أرضاً محرمة. عندئذٍ حصل لي حادث. يمكنك أن تلمس أثر الجرح. لو لمست رأسي هنا، سترى. هل تحس بتلك الجبال، والمطبات؟ أمضيت بعدئذٍ أسبوعين في المستشفى. رأيت كوابيس وأرقاً.
بعد ذلك أخبروني أنني كنت على حافة الموت، أنه كان رائعاً أن العملية تكللت بالنجاح. بدأت أخاف على سلامة عقلي - قلت قد لا أتمكن من الكتابة مرة أخرى. ولو حدث ذلك لانتهت حياتي، لأن الأدب مهم جداً بالنسبة لي. ليس لأنني أعتقد أن ما أكتبه ممتاز، وإنما لأنني كنت أدرك أنني لن أتمكن من الاستمرار بلا كتابة. إن لم أكتب سأشعر، كما تقول، بنوع من الذنب، أليس كذلك؟ قلت عندئذٍ سأجرب كتابة مقالة أو قصيدة. لكني قلت إنني كتبت مئات المقالات والقصائد. إن لم أتمكن من ذلك سأتأكد حالاً أنني انتهيت، أن كل شيء انتهى؛ لذا قلت سأجرب شيئاً لم أجربه من قبل؛ إن لم أنجح فيه لن يكون هناك ما يستدعي الاستغراب، وإلا لماذا أكتب قصصاً قصيرة؟ سيهئُني ذلك للضربة القاضية: معرفتي بأنني وصلت إلى نهاية الطريق. كتبت قصة أظن أنني عنونتها (الرجل الذي في الركن الوردي) استمتع الجميع بها. كان ذلك مصدر سعادة كبرى لي. فلربما لو لم تحدث تلك الضربة على الرأس لما كتبت قصصاً قصيرة.
> المحاور: ولربما ما كنت لتُترجم؟
- بورخيس: ولم يكن أحد ليخطر بباله أن يترجمني. لذا كان ذلك خير مختبئ. لقد وجدت تلك القصص طريقها على نحو ما: ترجمت إلى الفرنسية، فزت بجائزة (فورمينتور)، وبعدها ترجمت كما يبدو إلى لغات أخرى عديدة. كان مترجمي الأول (إيبارا). كان صديقاً لي، وقد ترجم القصص إلى الفرنسية. أظنه أدخل تحسينات كبيرة عليها، أليس كذلك؟
> المحاور: كان المترجم إيبارا وليس كيلواز؟
- بورخيس: إيبارا وروجيه كايوا. في مرحلة متقدمة من العمر بدأت أكتشف أن كثيراً من الناس كانوا مهتمين بعملي في مختلف أنحاء العالم. بدا ذلك غريباً. لقد ترجمت العديد من أعمالي إلى الإنجليزية والسويدية والفرنسية وإلى الإيطالية والألمانية والبرتغالية وإلى بعض اللغات السلافية وكذلك الدنماركية. وفي كل مرة أرى ذلك مدهشاً، لأنني أتذكر أنني نشرت كتاباً - كان ذلك فيما أظن عام 1932 - وفي نهاية العام اكتشفت أن ما بيع من الكتاب لم يكن أقل من 37 نسخة!
> المحاور: هل كان ذلك «التاريخ الكوني لسوء السمعة»؟
- بورخيس: لا، لا. كان «تاريخ الأبدية». في البداية أردت أن أعثر على كل فرد من الذين اشتروا لأعتذر عن الكتاب، وأيضاً لأشكرهم لما فعلوه. هناك تفسير لذلك. إذا تخيلت سبعة وثلاثين شخصاً - فإن أولئك حقيقيون، أقصد أن لكل واحد منهم وجهاً يخصه، وله أسرة، ويعيش في شارعه المحدد. ذلك أنك لو بعت ألفي نسخة سيكون كما لو أنك لم تبع شيئاً مطلقاً، لأن الألفين عدد ضخم - أقصد أضخم من أن تستوعبه المخيلة. بينما سبعة وثلاثون شخصاً - وقد يكون سبعة وثلاثون كثيرين جداً، ربما سبعة عشر أفضل، أو حتى سبعة - ومع ذلك فسبعة وثلاثون لا تزال ضمن حدود المخيلة.
> المحاور: بمناسبة الأرقام، ألاحظ أن أرقاماً محددة تتكرر في قصصك.
- بورخيس: آه، صحيح. إنني أؤمن بالخرافة بشكل مرعب. إنني خجل من ذلك. أقول لنفسي إن الخرافات في نهاية المطاف نوع من الجنون، أليس كذلك؟
> المحاور: أو من الدين؟
- بورخيس: حسناً، الدين، لكن... أظن أنه لو أن شخصاً وصل إلى سن المائة وخمسين سيصاب بالجنون، أليس كذلك؟ لأن كل تلك السمات الصغيرة ستنمو. ومع ذلك فإني أرى أمي، التي تبلغ التسعين، وتؤمن بخرافات أقل مني. الآن وأنا أقرأ، للمرة العاشرة، كما أظن، كتاب «جونسون» لبوزويل أجد أنه كان يؤمن بالكثير من الخرافات، وفي الوقت نفسه، لديه خوف عظيم من الجنون. أحد الأشياء التي طلب من الله، في الصلوات التي كتب، هي ألا يصاب بالجنون، فلا بد أنه كان قلقاً حول ذلك.
> المحاور: هل ترى احتمال أن يكون السبب نفسه - الخرافة - هي التي تجعلك تستخدم نفس الألوان - الأحمر، الأصفر، الأخضر - المرة تلو الأخرى؟
- بورخيس: لكن هل أستعمل الأخضر؟
> المحاور: ليس بقدر استعمالك للألوان الأخرى. ولكني في الواقع فعلت شيئاً أقرب إلى التفاهة، لقد قمت بعد الألوان في...
- بورخيس: لا، لا. هذا يسمى «علم الأسلوب»؛ إنه يدرس هنا. لا فإني أعتقد أنك ستجد الأصفر.
> المحاور: والأحمر كذلك، مائلاً في الغالب إلى أو متلاشياً في الوردي.
- بورخيس: صحيح؟ لم أعلم ذلك.
> المحاور: إن كما لو أن العالم اليوم جمرة من نار الأمس - تلك استعارة تستخدمها. تتحدث عن «آدم الأحمر» مثلاً.
- بورخيس: حسناً، تعني كلمة «آدم» في العبرية، فيما أظن، «الطين الأحمر». بالإضافة إلى إيقاعها الجميل، أليس كذلك؟ «روخو آدان» (آدم الأحمر).
> المحاور: نعم إنها كذلك. ولكن ذلك ليس شيئاً تقصد إلى إظهاره: تآكل العالم بالاستعمال المجازي للون.
- بورخيس: لا أقصد إلى أن أظهر شيئاً. (يضحك). ليست لدي مقاصد.
> المحاور: فقط تصف؟
- بورخيس: أصف. أكتب. وبالنسبة للون الأصفر، ثمة تفسير مادي لذلك. حين بدأت أفقد بصري، كان آخر لون أبصرته، أو آخر لون تميز عن غيره، لأنني الآن أدرك أن لون معطفك ليس بلون هذه الطاولة نفسه، أو لون الخشب الذي خلفك - كان آخر لون يتميز هو الأصفر لأنه أكثر الألوان بريقاً. إنه السبب الذي يجعل هناك «شركة لسيارات الأجرة الصفراء» في الولايات المتحدة. فكروا في البدء بجعل السيارات وردية.
عندئذٍ اكتشف أحدهم أنه في الليل أو حين يكون هناك ضباب يتميز اللون الأصفر ببريق أشد من الوردي. لذا هناك سيارات أجرة صفراء يمكن لأي شخص أن يختار أحدها. حين بدأت أفقد بصري، حين بدأ العالم يتوارى عني، جاء وقت بين أصدقائي... أخذوا يسخرون مني لأني ألبس ربطات عنق صفراء. ظنوا أنني أحب اللون الأصفر، مع أنه كان في الحقيقة شديد السطوع. قلت نعم، إنه كذلك لكم ولكن ليس لي، السبب هو أنه اللون الوحيد الذي أستطيع رؤيته عملياً! إنني أعيش في عالم رمادي، عالم يشبه عالم الشاشة الفضية. لكن الأصفر يتميز. قد يكون ذلك هو السبب. أتذكر نكتة لأوسكار وايلد: كان لأحد أصدقائه ربطة عنق بلون أصفر وأحمر، إلخ، فقال وايلد: أوه، يا عزيزي، فقط هو الرجل الأصم الذي يستطيع أن يلبس ربطة عنق كتلك!
> المحاور: كان يمكن أن يشير إلى الربطة التي تلبسها الآن.
- بورخيس: آه، حسناً. أتذكر أنني قلت تلك الحكاية لسيدة لم تلتقط النكتة. قالت: بالطبع، لا بد أن السبب هو أن كونه أصم جعل من الصعب عليه أن يسمع ما يقوله الناس عن ربطته. كان ذلك سيعجب أوسكار وايلد، أليس كذلك؟
المحاور: تمنيت لو سمعت تعليقه.



الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري
TT

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

الحارث بن همّام... البطل المنسي في مقامات الحريري

تنهض مقامات الحريري على نسقٍ سرديٍّ ثلاثيٍّ يتوزّع بين المؤلف الخارجي، والراوي الشاهد، والبطل المركزي؛ إذ يتولى القاسم بن علي الحريري (446هـ/1054م - 516هـ/1122م) بناء النص، ويؤدّي الحارث بن همّام وظيفة الراوي الشاهد، في حين يشغل أبو زيد السروجي موقع الشخصية المحورية التي تنتظم حولها المقامات.

صاغ الحريري 50 مقامة، أي 50 حكاية عن أبي زيد السروجي، ورسم لنا شخصية ساحرة ببلاغتها وتصرّفها في فنون الكلام، وساخرة من النخب والعوام، ومتهكّمة على المهن والمؤسسات، وهامزة هازئة بالتسلسل الهرمي الاجتماعي من مختلف الفئات.

شخصية متعدِّدة الأدوار والأطوار؛ متسلّقة اجتماعياً، ومخادعة مراوغة دهيّة ظريفة. تتفوّق على القاضي، وتقلّد الواعظ، وتتوسل المرأة العجوز لاستدرار شفقة الناس وعطفهم ورِفْدِهم.

لقد ركّزت الدراسات النقدية التي تناولت مقامات الحريري على المؤلف، بل ورأى بعض الدارسين أن شخصية المقامة هي شخصية المؤلف لا شخصية بطلها، في حين ركّزت دراسات أخرى على أبي زيد، فألّفت حوله الكتب والمقالات، بينما لم تحظ شخصية الحارث بن همام بعناية مماثلة، ولم يُلتفت إليها بدراسة مستقلة على الرغم من كونها تدخل في صلب الوقائع الحكائية المبثوثة في المقامات بحيث تمثّل نقطة التوازن بين السرد والتأمل، وبين الإعجاب والنقد، وبين الأخلاق والجمال.

وأول مظاهر الفروق في الاهتمام المنصبّ على أبي زيد دون الحارث بن همام، البحث في حقيقة أبي زيد هل هو شخصية حقيقية أم شخصية خيالية، حيث مالت نصوص النقد الأدبي القديم إلى الحديث عن الأصل الحقيقي لهذه الشخصية في حين أن النقد الأدبي المعاصر أنكر ذلك. أما الحارث بن همام فلم يبحث أحد عن حقيقته، بل تسالم الجميع على كونه ناطقاً باسم الحريري، مع العلم أنّ أبا زيد لا يعدو هذه المرتبة أيضاً.

لقد انصبّ الاهتمام فقط على سبب اختيار اسم الحارث، وفسّره ياقوت الحموي بأنّ الحريري عنى نفسه بهذا الاسم أخذاً من قوله صلى الله عليه وسلم: «كلكم حارث وكلكم همّام»، فالحارث الكاسب، والهمّام كثير الاهتمام بأموره، وكان بإمكان النقد الأدبي أن يستغل هذه الإشارة ليوضّح لنا كيف غدا الراوي حارثاً وهمّاماً في هذه المقامات؟ غير أنّه غفل عن طبيعة تكوين الحارث الذي لا يقلّ ثراءً وتعقيداً وبلاغةً عن أبي زيد، إذ لم يلحظ النّقاد أنّه ليس مجرد ناقل للأحداث، بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي والأخلاقي في آن واحد.

إنّه جوّاب آفاق، وهي صفة يشترك فيها مع أبي زيد، غير أنه يختلف معه في أسبابها، فأبو زيد له سبب واحد هو الكدية والحصول على المال، أما الحارث فهو يرحل سعياً للرزق مرة، وابتغاءً للمتعة واللهو مرة أخرى، وطلباً للعلم والمعرفة مرة ثالثة، وهو في كلّ رحلة من هذه الرحلات التي يطوّف فيها من بلد لآخر يلتقي بأبي زيد في مظهر مختلف، ويكتشف حيلة جديدة، فيسردها علينا ويقدمها لنا، وتتجاوز مهمته مجرد السرد، فيمهّد للمشهد، ويخلق الإطار الحكائي، لبطل يبدّل صوره وشخصياته، كما يبدّل المحموم وسائده.

تبدأ علاقة الحارث بأبي زيد في أول مقامة من لقاءٍ عابرٍ في صنعاء حين يرى واعظاً «يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه»، فيتتبّعه بعد انفضاض المجلس، ويراه يأوي إلى مغارة يأكل مع تلميذٍ فيها الحنيذ، ويشرب النبيذ، فيكتشف زيف هذا الواعظ، ويسأل التلميذ عن اسم شيخه فيجيبه: «هذا أبو زيد السروجي: سراج الغرباء وتاج الأدباء». من هنا تبدأ هذه العلاقة، ثم تتطور وتمرّ في عدة مراحل متداخلة: مرحلة الدهشة والانخداع في البدايات، إذ ينجذب الحارث إلى بلاغة أبي زيد بسهولة، ويقع في خداعه دون مقاومة، وتبدأ مرحلة الاكتشاف عندما يدرك نمط أبي زيد المتكرّر، ومرحلة التواطؤ، فقد بات يعرف حقيقته، لكنّه يستمر في المتابعة بدافع الإعجاب بل الافتتان، ومرحلة التوتّر الأخلاقي عندما يحاول التوفيق بين رفضه الأخلاقي ومتعة السرد، وأخيراً مرحلة النضج، إذ يصبح واعياً ببنية المقامة نفسها، ويدرك أنّه داخل لعبة أدبية، غير أنّ هذه المراحل لا تسير في خطٍّ تصاعدي واضح، فالمقامات في بنيتها تقوم على إعادة إنتاج موقف الخداع البلاغي في صور متعدِّدة، فتتكرّر الحيلة وتتنوّع الصيغ، دون أن يُبنى ذلك وفق نموٍّ تدريجيٍّ ثابت، فأبو زيد لا يظهر إلا في صورة جديدة، ولا يتكلم إلا بلسان مختلف، ولا يتحرك إلا داخل لعبة تمويهٍ واسعة. هنا يتحول الحارث من ضحيةٍ إلى شاهدٍ واعٍ، وإن ظلّ متورطاً عاطفياً وجمالياً، وبذلك يتّضح أنَّ وظيفة الحارث ليست محايدة. فهو يشارك في تشكيل المعنى ويعيش حالةً دائمةً من التذبذب بين الإعجاب والرفض. حين يسمع خطب أبي زيد المؤثرة، ينجذب إليه جماليّاً، لكنّه حين يكتشف الخديعة ينفر منه أخلاقيّاً. هذا التناقض هو جوهر شخصيته: مبدأ يرفض الكذب، وذائقة جمالية تنجذب إلى براعة الكذب، لذلك نراه أحياناً يوبّخ ضمنياً، وأحياناً يسوّغ، وأحياناً يكتفي بالمشاهدة. وإذا كان أبو زيد متلوّناً، متحوّلاً، مراوغاً، فإن الحارث ثابت نسبياً، ويمثّل نوعاً من «المرجع الأخلاقي»، وهذا التضاد مقصود فنياً: فأبو زيد يعبّر عن الحركة والخداع والتحوّل، والحارث يرمز إلى الثبات والملاحظة والتأمّل.

تتعمّق هذه العلاقة فتغدو نوعاً من الصحبة الفكرية. ينتقل الحارث من موقع المشاهدة إلى تتبّع أبي زيد عبر المدن، ويتحوّل هذا الترحال تدريجياً إلى مدخل لفهم الخداع نفسه: كيف يُبنى؟ كيف يُصدَّق؟ ولماذا ينجذب الناس إليه رغم إدراكهم أنه زيف؟

في بعض المقامات، يتحوّل الحارث من مجرد شاهد على ما يجري إلى دائرة الفعل، فيطلب أحياناً من أبي زيد أداءً بلاغيّاً معيّناً، أو يختبر قدرته على الإقناع، أو يغضّ الطرف عن بعض خداعه. ومع ذلك، لا يمكن وصفه بالمشارك الكامل، إذ يبدو كأنّه يقف في منطقة رمادية بين الحياد والتورّط، يستمتع بالمشهد على الرغم من إدراكه أنّه قائم على الخداع.

ومع تتابع التجربة، يبدأ الحارث في اكتساب وعي أعمق بطبيعة ما يراه؛ ويتحول من ضحيَّةٍ إلى مشارك ضمنيٍّ في إنتاج المتعة السردية. يتعلم كيف يتأرجح بين التصديق والتأويل، وبين الانخداع باللغة والوعي بآلياتها. وهكذا لا يصل إلى يقين نهائيّ، بل إلى وعيٍّ متوتّر يزداد تعقيداً مع كل مقامة، حتى يصبح جزءاً من إنتاج المتعة السردية نفسها، لا مجرد شاهد عليها.

في المقامة الأخيرة، يحدث التحول الأهم: يقرّر أبو زيد التوبة وترك الحيل، ويتجه إلى العبادة والوعظ. هنا ينقلب موقف الحارث بشكل مفاجئ. بدلاً من الفرح، يشعر بخيبة أمل. فالتوبة، رغم قيمتها الأخلاقية، تعني نهاية اللعبة التي كانت تغذي فضوله ومتعة المراقبة لديه، ويبدو أنّ الحارث كان يظن أنه يبحث عن الحقيقة الأخلاقية، لكنّه يكتشف أنّه كان يستمتع بالبنية الجمالية للخداع أكثر من اهتمامه بالحقيقة نفسها.

في المشهد الأخير يحدثنا الحارث عن آخر ما دار بينهما من حوار، إذ يدنو منه «كما يدنو المصافح، وقلت: أوصني أيها الناصح. فقال: اجعل الموت نصب عينك، وهذا فراق بيني وبينك، فودّعته وعبراتي يتحدّرن من المآقي، وزفراتي يتصعّدن من التراقي، وكانت هذه خاتمة التلاقي». لم يلحظ النقاد أنّ الحارث ليس مجرد ناقل للأحداث بل عين القارئ وضميره ووسيطه الجمالي

والأخلاقي في آن واحد


«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية
TT

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

«مخبز السعادة»... الحب على الطريقة السويدية

لم يكن غريباً أن تفوز رواية «مخبز السعادة» للكاتبة هيلين هولمستروم بجائزة «أفضل كتاب رومانسي» في السويد، حيث تقوم حبكتها الرئيسية على قصة حب غير متوقعة بين طرفين، بدأ كل شيء بينهما بالنفور قبل أن يتحول إلى مشاعر مشتعلة في سردية تميزت باستبطان الانفعالات الداخلية للمرأة على نحو لافت.

صدرت الرواية أخيراً عن دار «العربي» بالقاهرة، ترجمة نهى مصطفى، وفيها تجد الشخصية الرئيسية «نورا يانسون» نفسها مضطرة لاتخاذ خطوة يائسة لإنقاذ مخبز والديها من الإفلاس فتضطر لقبول المشاركة في برنامج تلفزيوني واقعي، الذي من خلاله يدخل إلى حياتها الشيف الشهير «هنريك إكلوند» ببروده المهني وانتقاداته القاسية.

وبين رائحة الخبز الدافئ وأمسيات الشتاء الطويلة تبدأ المسافة بينهما في التلاشي ويتحول الصدام إلى انجذاب غير متوقع، لكن مع تزايد الضغوط بين ما تفرضه الكاميرا وما يمليه القلب تدرك «نورا» أن المعركة الحقيقية ليست من أجل إنقاذ المخبز فقط، بل من أجل استعادة ثقتها بنفسها وفتح قلبها من جديد، عبر نص ينبض بالدفء، ويحتفي بحرارة البدايات ويبرز قوة الشغف الذي قد يولد في أكثر اللحظات غير المتوقعة.

وُلدت هيلين هولمستروم عام 1984 في السويد وتخرجت في كلية الحقوق وعملت محامية لبعض الوقت لكن شغفها بالكتابة دفعها لترك مهنة المحاماة والتفرغ لكتابة الروايات، حيث صدر أول أعمالها عام 2018 تحت عنوان «العمل بعد الساعات الرسمية»، كما اشتُهرت بكتابة نصوص عاطفية ذات حبكات مشوقة وشخصيات نسائية مثيرة للاهتمام.

ومن أجواء الرواية نقرأ: «وصل هنريك بالقطار في المساء نفسه، كان الثلج يتساقط وبدا المكان أشبه بعالم من الخيال، حاول الاتصال بـ(نورا) ليخبرها أنه في طريقه إليها، لكنها لم تجب بالتأكيد. توجه مباشرة من المحطة إلى شقتها، حيث كان مخبز الحلويات قد أغلق أبوابه في وقت مبكر جداً والباب المؤدي إلى شقتها مغلقاً. حاول الاتصال برقمها مرة أخرى لكنه تحول مباشرة إلى البريد الصوتي.

تنهد وقرر أن يتنزه قليلاً ثم يحاول مرة أخرى، عندما عاد رأي أن نوافذ الشقة مظلمة، نظر حوله وقرر أنه لا خيار أمامه. انحنى وجمع بعض الثلج وشكّل كرة ثلج كبيرة... تراجع بضع خطوات إلى الوراء وصوّب نحو النافذة، أصاب الهدف بلا رد فعل. رمى كرة ثلج أخرى ثم أخرى ثم اثنتين أخريين. فجأة أضيئت الأنوار اقتربت نورا من النافذة ونظرت إليه هزت رأسها واختفت. رن تليفونه برسالة نصية: أنا نائمة لا أريد التحدث الآن ربما غداً. هاتان الكلمتان الأخيرتان جعلتا قلبه ينبض بقوة (ربما غداً)، كانتا الموعد. استيقظت نورا على صوت المنبه. لم تنم نوماً هانئاً بسبب مكالمات هنريك المتكررة ثم ارتطام كرات الثلج بنافذتها، الآن باتت مدينة له بقلب مكسور وإهانة علنية وليلة نوم مضطربة، لكن هناك شيئاً ما في تلك الكرات الثلجية كما لو أنهما بطلا فيلم رومانسي والأفلام الرومانسية لها دائماً نهاية سعيدة.

فكرت أنه ما كان ينبغي أن يكون الأمر هكذا، لم يكن عليها أن تشعر بالغضب أو الألم أو الخذلان، ربما يستحق هنريك فرصة لتبرير موقفه. نهضت من سريرها، شغلت آلة القهوة. كان الأمر معقداً لكليهما والآن ها هو قد جاء إلى هنا يرمى كرات الثلج على نافذتها ومن الواضح أنه مستعد للقتال من أجلها».


احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
TT

احتفاء سوري بالبحتري في مدينته منبج

ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)
ملصق «مهرجان البحتري» في مدينة منبج شمال سوريا 21 - 22 مايو الحالي (وزارة الثقافة)

أعلنت وزارة الثقافة أن المركز الثقافي في مدينة منبج بريف حلب سيشهد انطلاق فعاليات «مهرجان البحتري 2026» في 20 و21 مايو (أيار) الحالي، بمشاركة نخبة من الشعراء والباحثين والمثقفين السوريين.

ويتضمن المهرجان برنامجاً ثقافياً متنوعاً يضم أمسيات شعرية ومحاضرات فكرية وفقرات إنشادية، في إطار احتفاء يجمع بين الأصالة الأدبية والحضور الثقافي المعاصر، حسب ما أوردته وزارة الثقافة عبر معرفاتها.

وتسعى الفعاليات إلى إحياء الموروث الشعري وتعزيز الحراك الثقافي، عبر تقديم أعمال أدبية وفكرية تبرز مكانة الشعر العربي ودوره في بناء الوعي الثقافي والجمالي.

ويشهد المهرجان مشاركة عدد من الشعراء والباحثين الذين يقدمون قراءات نقدية وأدبية، إلى جانب فقرات إنشادية تستحضر جماليات اللغة وروح التراث العربي.

ويأتي تنظيم «مهرجان البحتري» ضمن سلسلة الفعاليات الثقافية التي تعمل وزارة الثقافة على إطلاقها؛ بهدف تنشيط المشهد الأدبي والفني في مختلف المحافظات.

وكانت الوزارة قد أطلقت أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي مهرجان «أيام البُردة الدولي» في دار الأوبرا بدمشق، بمشاركة واسعة من شعراء ومثقفين عرب وسوريين.

وهدف مهرجان «أيام البُردة الدولي» إلى تعزيز التواصل الثقافي والاحتفاء بالتراث الأدبي، عبر برنامج جمع الشعر والفكر والفن في فضاء ثقافي متنوع.

وشارك في المهرجان شعراء من فلسطين، والعراق، والأردن، والبحرين، والسعودية، والكويت، وتونس، وليبيا وسلطنة عمان، إلى جانب نخبة من الشعراء السوريين.

وتوزعت فعاليات «أيام البُردة الدولي» بين دمشق، وحمص، واللاذقية وحلب، في ظاهرة ثقافية احتفت بالشعر العربي ومديح الرسول الكريم ضمن أجواء فكرية وفنية متنوعة.