كمامة تقطع «‏هواء الحرية» عن ‏أسير فلسطيني أمضى في المعتقل ‏‏16 عاماً

أبو عليا لـ«الشرق الأوسط»: خفت ‏من لحظة فرح ‏قصيرة أن تكلفني ‏فراقاً طويلاً

أبو عليا في المستشفى الحكومي ببيت لحم  لفحص احتمال إصابته بالفيروس (وفا)
أبو عليا في المستشفى الحكومي ببيت لحم لفحص احتمال إصابته بالفيروس (وفا)
TT

كمامة تقطع «‏هواء الحرية» عن ‏أسير فلسطيني أمضى في المعتقل ‏‏16 عاماً

أبو عليا في المستشفى الحكومي ببيت لحم  لفحص احتمال إصابته بالفيروس (وفا)
أبو عليا في المستشفى الحكومي ببيت لحم لفحص احتمال إصابته بالفيروس (وفا)

بعد 16 عاماً ‏أمضاها في ‏معتقلات ‏الاحتلال ‏الإسرائيلي، لم ‏يستطع الأسير ‏فراس أبو عليا ‏الذي أُفرج عنه ‏بداية شهر أبريل ‏‏(نيسان) الحالي ‏ممارسة حريته، ‏بالشكل الذي ‏يفهمه ‏الفلسطينيون، ‏واختصره الشاعر ‏الفلسطيني الراحل ‏محمود درويش ‏بقوله: «حريتي ‏فوضاي».‏
كمامة حجبت ‏عنه بعضاً من ‏هواء الحرية ‏المنتظَر. وجد ‏نفسه مضطراً ‏للذهاب إلى ‏المستشفى ‏الحكومي في بيت ‏لحم، لفحص ‏احتمال إصابته ‏بفيروس «كورونا ‏المستجد»، قبل ‏أن يصل إلى ‏مخيمه الذي ‏يحب، مخيم ‏الدهيشة.‏
شاح أبو عليا ‏للأحبة من بعيد، ‏وألقى كلمة ‏مقتضبة من على ‏أحد الأسطح، ‏ثم دخل إلى حجر ‏بيتي؛ إجراء ‏اتخذته السلطة ‏الفلسطينية ‏لحماية الأسرى ‏والمجتمع من هذا ‏الوباء الذي ظهر ‏كعدو جديد ‏للفلسطينيين ‏الذين يعانون منذ ‏عشرات السنين ‏من عدو آخر.‏
قبل كل ذلك ‏وبعده، لم يستطع ‏أبو عليا ممارسة ‏عادة أخرى محببة ‏لدى ‏الفلسطينيين، ‏‏«عناق الأحبّة».‏
وقال أبو عليا ‏لـ«الشرق ‏الأوسط» إنه ‏تعالى على رغباته ‏الجامحة بغمر من ‏يحب ويحبونه. ‏وأضاف: «كنتُ ‏بحاجة إلى هذا ‏العناق بعد 16 ‏عاماً من الغياب. ‏لقد كانت ‏مشاعري مختلطة. ‏حين وصلتُ إلى ‏هنا كنتُ مرتبكاً. ‏كنت أود تقبيل ‏البشر والشجر ‏والحجر وكل شيء ‏في طريقي. كنت ‏بحاجة ماسّة ‏لأغمر من أحب ‏بعناق طويل ‏وقبلات. كنتُ ‏بحاجة ليغمروني ‏أيضاً. أنا أكثر ‏شخص كان ‏بحاجة للأحضان ‏الدافئة لكني كنتُ ‏مصمماً على ألا ‏يحدث. لقد ‏تدربتُ على ذلك ‏في عقلي. كان ‏لدي قرار داخلي ‏مسبق وأبلغتُه ‏لأهلي وأحبتي ‏قبل وصولهم. لا ‏عناق ولا قبلات ‏ولا أحضان».‏
ينطلق أبو عليا ‏من مبدأ أنه ‏جرّب الفراق ‏طويلاً، ولا يريد ‏لحلاوة اللقاء أن ‏تكلفه فراقاً آخر ‏جديداً.‏
وشرح بمشاعر ‏فياضة: «خفتُ ‏كثيراً من أن لحظة ‏فرح قصيرة قد ‏تكلفني فراقاً ‏طويلاً، وأنا تعبتُ ‏من فراق ‏الأحبة».‏
بالنسبة له، بعد ‏‏16 عاماً من هذا ‏الفراق كان ‏حريصاً على عدم ‏خسارة أحد، ولا ‏خسارة الوقت ‏أيضاً. كان يدرك ‏أن أي احتمال ‏بإصابته بـ«كوفيد ‏‏- 19»، الذي ‏أصاب أسرى ‏آخرين، ونقله ‏هذا الفيروس إلى ‏أحد أفراد عائلته ‏سيعني فراقاً أخرى ‏بشكل أو بآخر، ‏مؤقت أو دائم.‏
كان صعباً عليه ‏استيعاب أنه بعد ‏‏16 عاماً في ‏السجن سيسجن ‏‏14 يوماً في ‏غرفته بسبب ‏‏«كورونا».‏
لقد بدا الأمر ‏مثل تجديد الحبس ‏مرة أخرى، لكنه ‏كان أمراً لا ‏مناص منه.‏
وأوضح: «والدي ‏كبير بالعمر. ‏قلتُ له قبل أن ‏أصل: يا حبيبي ‏صحتك ‏بالدنيا... بدي ‏أفرح فيك أطول ‏وقت، ما بدي ‏أكون سبب ‏بأذيتك بأي ‏شكل».‏
وقال وهو ‏يضحك: ‏‏«واجهتُ مشاكل ‏أكثر مع الأبناء، ‏لكن أجبرتهم على ‏الابتعاد. كانت ‏مشاعري مختلطة ‏وصعبة ومعقدة». ‏إذ لدى فراس 3 ‏من الأبناء، ‏شابان في عمر ‏‏17 و18، ‏وشقيقتهما الأكبر ‏قليلاً في الجامعة، ‏كانوا جميعاً ‏يريدون مثل هذا ‏العناق، لكنهم لم ‏يحصلوا عليه ‏سوى بعد ‏أسبوعين. ‏خلال أسبوعين ‏جرب أبو عليا ‏الفرق بين حبس ‏إجباري وآخر ‏اختياري، وكانت ‏لياليهما طويلة ‏جداً، مع فوارق ‏أخرى جوهرية.‏
تجربة أبو عليا ‏انسحبت على ‏جميع الأسرى ‏الذين أطلقت ‏إسرائيل سراحهم ‏منذ وصول ‏الفيروس للمنطقة، ‏وهي إجراءات ‏نسفت كل ‏‏«الفوضى» ‏الإيجابية التي تعود ‏عليها ‏الفلسطينيون في ‏استقبال أسراهم.‏
إذ عادة ما يبدأ ‏استقبال الأسير ‏بقُبَل وعناق وزفّة ‏طويلة عبر ‏مواكب سيارات ‏لا تُحصى، قبل أن ‏يصل إلى نقطة ‏الاستقبال المركزية، ‏وفيها يحمل ‏الأصدقاء الأسير ‏المفرَج عنه على ‏الأكتاف، ثم ‏يطلقون له النيران ‏كجزء من ‏الاحتفال وتحدي ‏آسريه، قبل أن ‏يخطب في الناس ‏ويرحبون به، في ‏عرس لا ينتهي.‏
عن ذلك، قال ‏عامر ضراغمة ‏أمين سر «حركة ‏فتح» في مخيم ‏الدهيشة: «مثل ‏كثيرين، كنتُ ‏بحاجة لأن ‏أعانقه. لكن ‏الالتزام كان عالياً، ‏سواء من قِبَلنا أو ‏من قِبَل الأسير». ‏وأضاف لـ«الشرق ‏الأوسط»: ‏‏«مشاعر الجميع ‏كانت مرتبِكة، ‏لكن المسؤولية ‏العالية تحتّم ‏ذلك».‏
كان ضراغمة ‏يجهز لاستقبال ‏حمزة الخمور، وهو ‏أسير قضى 18 ‏عاماً في السجون.‏
تم إبلاغ الطب ‏الوقائي، وسمح ‏فقط لموكب صغير ‏من سيارات ‏العائلة على ألا ‏يتجاوز عدد ‏راكبي كل سيارة ‏ثلاثة أفراد، ‏بالذهاب ‏لاستقباله.‏
وشرح ضراغمة: ‏‏«حين اتصلت ‏بأبو عليا، كان ‏سعيداً بأنه أنهى ‏قبل ساعات قليلة ‏فقط حجره، ‏ودعاني إلى لقاء ‏قريب. كان أيضاً ‏فرغ من عناق مع ‏أحد أصدقائه. ‏وقال لي: (هذا ‏أول عناق خارج ‏العائلة)».‏
قبلها بساعات ‏وصلت أبو عليا ‏نتيجة الفحص ‏الأخير، وكان ‏سلبياً، فذهب ‏فوراً نحو والده ‏الذي انتظر هذه ‏اللحظة 16 عاماً ‏‏(فترة الأسر)، ‏و14 يوماً (فترة ‏حضانة فيروس ‏‏«كورونا») ساعةً ‏بساعةٍ.‏
وقال أبو عليا: ‏‏«أيقظته من نومه ‏واحتضنته طويلاً ‏طويلاً دون كلام. ‏كان الصمت ‏أبلغ، وفعلتُ ‏الأمر نفسه مع ‏أولادي، كان ‏عناقاً حتى مطلع ‏الفجر، وكثير من ‏الأحاديث ‏والضحك والبكاء ‏والصمت».‏
لقد كانت ‏باختصار فرحة ‏مزدوجة؛ فرحة ‏اللقاء المباشر ‏وفرحة النجاة من ‏فيروس ‏‏«كورونا»، لكنها ‏بالنسبة لأبو عليا ‏تظل فرحة ‏منقوصة، لأنه ‏أيضاً ترك خلفه ‏أصدقاء العمر ‏الذين شاركهم ‏الضحك والبكاء ‏والألم والأمل ‏والزنازين الصغيرة.‏
يوجد في السجون ‏الإسرائيلية اليوم ‏‏5000 أسير، ‏بينهم 180 طفلاً ‏و42 امرأة. قدر ‏الفلسطينيون ألا ‏يحصلوا على فرحة ‏كاملة، وتضاعف ‏هذا في مواجهة ‏وباءين.‏



تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

تحركات جديدة لـ«حماس» والوسطاء لكسر جمود «اتفاق غزة»

جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
جرافة تحاول تجفيف شارع غمرته المياه في مخيم مؤقت يؤوي نازحين فلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

حراك جديد يشهده مسار مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، يقوده الوسطاء بعد اجتماعات في القاهرة لتنفيذ بنوده المتعثرة مع زيادة حدة الجمود منذ اندلاع حرب إيران.

الاجتماعات التي سوف تتجدد الأيام المقبلة في القاهرة، تهدف، حسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، لكسر جمود اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، وتحقيق تقدم في القضايا العالقة مثل عمل «لجنة التكنوقراط»، فضلاً عن إحراج إسرائيل وعدم السماح لها بتكريس الأمر الواقع.

وأشارت فضائية «القاهرة الإخبارية»، السبت، عن مصادر لم تسمها، إلى أن «القاهرة استضافت خلال اليومين الماضيين، مباحثات بمشاركة الوسطاء والممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، لاستكمال جهود وقف إطلاق النار في غزة».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع الممثل الأعلى لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف في 1 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

وأكدت المصادر أن «أجواء إيجابية سادت المفاوضات مع إبداء جميع الأطراف الالتزام بالعمل على تنفيذ كل بنود خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن غزة»، لكنها أوضحت أن «حماس» تتمسك بتنفيذ كل مخرجات قمة شرم الشيخ وخطة الرئيس ترمب بشأن غزة.

وأضافت المصادر أن «حركة (حماس) والفصائل الفلسطينية أكدت جديتها لاستكمال خطوات تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار بغزة بكل مراحله، وهناك توافق بين جميع الأطراف على استكمال المحادثات في القاهرة، خلال الأسبوع المقبل».

جاءت تلك التأكيدات غداة حديث «حماس»، في بيان، الجمعة، أن وفدها التقى مسؤولين مصريين وممثلين عن الفصائل الفلسطينية، كما عقد لقاء مع الممثل السامي لمجلس السلام نيكولاي ملادينوف، بحضور وسطاء من مصر وقطر وتركيا، مؤكدة ضرورة استكمال تنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق بجميع بنودها.

وأعرب وفد «حماس»، عن التزام الحركة والفصائل الفلسطينية باتفاق وقف إطلاق النار بكافة مراحله، مشيراً إلى أنه تلقَّى دعوة لاستكمال المحادثات في القاهرة خلال الأيام المقبلة.

ويرى أستاذ العلوم السياسية المحلل السياسي في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أن القاهرة حريصة على أن يبقى ملف اتفاق غزة قائماً بما لا يسمح لإسرائيل بتكريس الأمر الواقع واستمرار سيطرتها على القطاع في ظل استمرار حرب إيران، وبالتالي يحاول الوسطاء كسر جمود الاتفاق، واستمرار المحادثات حول القضايا العالقة ومنها بدء لجنة التكنوقراط عملها.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، أن «حماس» تدرك أن إسرائيل لن تنفذ المرحلة الثانية لأسباب عديدة، بينها التملص من الالتزامات والاستحقاقات عليها، وتريد أن تلقي بالكرة في الملعب الإسرائيلي من أجل إحراجه أمام العالم، وتقول إنها جاهزة لتنفيذ كل الاتفاق، بما يسمح بتفكيك الجمود الحالي.

فلسطينيون نازحون يتجمعون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

كان مصدر فلسطيني مقرب من «حماس» والفصائل الفلسطينية أكد لـ«الشرق الأوسط»، الجمعة، أن وفد «حماس» برئاسة خليل الحية التقى ملادينوف، وناقش معه الإطار المطروح، وما يتضمنه من ملف السلاح، بخلاف ملف دمج الموظفين في جهاز الشرطة والمؤسسات، لافتاً إلى «أن مطالب الحركة كانت خلال اللقاءات بالقاهرة واضحة، وتتمثل في انسحاب الاحتلال، ووصول قوات الاستقرار وتشكيل الشرطة، قبل الحديث عن أي تنفيذات في ملف السلاح، باعتبار أن أي شيء مخالف يعدّ مجازفة، ويفضي لفراغ أمني كبير».

وبحثت الحركة أيضاً مع الفصائل بالقاهرة ملف السلاح، والكل أجمع على أهمية تهيئة الأمور بوصول «قوات الاستقرار» وتشكيل الشرطة، بخلاف مناقشة ملف تمكين «لجنة التكنوقراط» من عملها. وأكدت «حماس» أن إسرائيل ترفض مرورها، والمشكلة لديها، وفق المصدر، الذي لفت إلى أن ردّ «حماس» النهائي لا يزال محل دراسة.

ويُعدّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ملادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام دولية وإقليمية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقق النهائي من خلو غزة من السلاح».

وتقول إسرائيل إنها لن توافق على الانسحاب من غزة، ما لم يُنزع سلاح «حماس» أولاً.

ويرى نزال أن ملادينوف لا يتفاوض وإنما ينقل رسائل، لافتاً إلى أن الجميع على باب المرحلة الثانية، لكنه لن يُفتح إلا بعد إنهاء حرب إيران، وحالياً ما يتم هو تجهيز لكل الملفات لبَدْئها على الفور بعد انتهاء الأزمة الدولية.

ويعتقد فهمي أن الاجتماعات المقبلة سوف تشهد ترتيبات لتحقيق إنجاز على الأرض، لا سيما في ملف عمل «لجنة التكنوقراط».


تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
TT

تحذيرات دولية من تكلفة باهظة على اليمن جراء الصراع الإقليمي

ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يواجهون نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات وسط تراجع تمويل المساعدات (أ.ف.ب)

تزايدت التحذيرات الدولية من تأثر اليمن بتداعيات التصعيد العسكري في الشرق الأوسط، في وقت يعاني فيه بالفعل من واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، وتراجع العمل الإنساني في أجزاء واسعة من البلاد، ما قد يدفع إلى مرحلة جديدة من التدهور الاقتصادي والإنساني.

وتعكس التطورات الاقتصادية الناجمة عن العمليات العسكرية الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة ومصادر الطاقة، المخاوف المتزايدة من تأثير التوترات الإقليمية على الوضع الداخلي في اليمن، وتزيد من الضغوط على ملايين السكان الذين يعيشون أصلاً في ظروف معيشية شديدة الهشاشة.

وتشهد مدينة عدن حالة قلق بين الأهالي تظهر في تزايد الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، بعد سريان مخاوف من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، ما دفع شركة النفط اليمنية إلى التأكيد على انتظام تموين كل المحطات الحكومية والخاصة بالوقود، والتحذير من الشائعات التي اتهمت جهات، لم تسمّها، بالوقوف خلفها لإثارة الفوضى.

وعلى الرغم من ثبات أسعار الوقود وتوفره، فإن مصادر محلية نقلت لـ«الشرق الأوسط»، وجود ملامح أزمة بالغاز المنزلي بدأت في الظهور من خلال تراجع المعروض منه بسبب الإقبال والزحام المتزايدين على شرائه وتخزينه، وهو ما أدى إلى ارتفاع أسعاره في منافذ بيع جديدة غير خاضعة للرقابة، يخشى السكان من أن تكون مقدمة لسوق سوداء.

طوابير السيارات أمام محطات الوقود في عدن قبل 5 أعوام (أ.ف.ب)

ويرى عبد الواحد العوبلي، الباحث الاقتصادي اليمني، أن تكلفة أسعار الوقود هي أكثر ما يلحق الضرر بالاقتصاد اليمني ومستوى المعيشة، وفي حال استمرار المواجهات العسكرية الحالية وتداعياتها، فإن هذه التكلفة ستزيد من الأعباء على السكان والمغتربين.

وقال العوبلي لـ«الشرق الأوسط»، إن تكلفة استيراد الوقود قبل 3 أعوام كانت تصل إلى 3 مليارات ونصف مليار دولار، وإذا استمرت الأزمة الحالية، فستكون هناك زيادة تقدر بمليار دولار، سواء في مناطق سيطرة الحكومة أو مناطق سيطرة الحوثيين، وهو ما سيدفع إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ويجبر المغتربين على مضاعفة تحويلاتهم إلى أقاربهم.

وحذر تقرير حديث صادر عن منظمة «ACAPS» المعنية بتنسيق وتحليل بيانات الطوارئ الإنسانية، من احتمال حدوث تصعيد خطر في اليمن على خلفية تطورات الصراع الإقليمي.

احتياجات متزايدة

بيّن التقرير الصادر في أول أيام الشهر الحالي، أن اليمن يعدّ من أكثر الدول عرضة للتأثر بالتوترات الإقليمية، خصوصاً مع احتمالية انخراط الجماعة الحوثية في النزاع بشكل يؤدي إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية داخل البلاد، وزيادة الضغوط على الأوضاع الاقتصادية والإنسانية المتدهورة، وانعدام الأمن الغذائي، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع أسعار الطاقة.

سكان عدن أظهروا قلقاً من عودة أزمات الوقود برغم التطمينات الحكومية (شركة النفط اليمنية)

ونبه إلى أن ذلك سينعكس مباشرة على حياة السكان، في ظل اعتماد البلاد بدرجة كبيرة على الواردات، والهشاشة الاقتصادية المزمنة.

ولمّح إلى أن التصعيد العسكري قد يعطل طرق التجارة ويزيد من تكاليف النقل والإمدادات، ويدفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات أعلى، ويعمّق مستويات الفقر والجوع.

وحدّد 3 سيناريوهات محتملة للتطورات، تبدأ بانتهاء سريع للصراع الإقليمي مع بقاء تداعياته الاقتصادية، إلى جانب استمرار تعقيد المشهد العسكري الداخلي، وصولاً إلى سيناريو تصعيد واسع النطاق، وهو السيناريو الذي وصفه التقرير بأنه الأخطر على اليمن، حيث قد يؤدي إلى انهيار إضافي في الخدمات الأساسية واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية بشكل كبير.

ولا تقتصر التحديات على الغذاء فقط؛ إذ حذرت منظمة «الصحة العالمية»، بدورها، من أزمة متفاقمة في القطاع الصحي، حيث يواجه عدد من المستشفيات نقصاً في الأكسجين الطبي، مع استمرار أنشطتها لتقييم احتياجات المرافق الصحية، والسعي لإنشاء محطات أكسجين وتطوير شبكات داخلية لنقله مباشرة إلى غرف المرضى، ومحاولة تفادي انهيار بعض الخدمات الطبية الحيوية.

سلاسل الإمداد إلى اليمن معرضة للخطر جراء تداعيات التصعيد العسكري الإقليمي (أرشيفية - رويترز)

كما حذّر مجلس الأمن الدولي من تدهور متسارع في الأوضاع الإنسانية في اليمن، مع استمرار الجمود السياسي وتراجع التمويل الدولي، في وقت يواجه فيه ملايين السكان ظروفاً معيشية قاسية. وزادت السيول الأخيرة من تعقيد المشهد بعد تضرر آلاف الأسر، ما دفع وكالات أممية لتقديم مساعدات طارئة لنحو 12 ألف متضرر.

انتظار التدخل الدولي

في ضوء هذه التحذيرات، جدّد برنامج الغذاء العالمي التذكير بأن اختطاف الجماعة الحوثية موظفيه، واستيلاءها على مكاتبه وأصوله، أدى إلى تراجع كبير في نطاق العمليات الإنسانية بالمناطق الخاضعة لسيطرتها خلال العام الماضي.

وأورد البرنامج في تقرير سنوي، أن بيئة العمل الإنساني أصبحت مليئة بالعقبات السياسية والأمنية، وأن احتجاز موظفي الوكالات الأممية، تسبب في تعليق كامل للأنشطة الإنسانية في تلك المناطق.

قوة أمنية حوثية أمام بوابة مقر الأمم المتحدة في صنعاء (رويترز)

واختطفت الجماعة الحوثية عشرات الموظفين المحليين العاملين في المنظمات الدولية، متسببة في عرقلة وصول المساعدات الغذائية إلى الأسر الأكثر ضعفاً، وإضعاف قدرة المنظمات الإنسانية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة في بلد يعتمد ملايين سكانه على المساعدات للبقاء.

وينبه إيهاب القرشي، الباحث اليمني في الشأن الإنساني، إلى أن برنامج الغذاء العالمي سبق وأعلن، قبل عامين، توقف أنشطته الخاصة بتوزيع الأغذية في مناطق سيطرة الحوثيين، متوقعاً استمرار بعض الأنشطة في مناطق سيطرة الحكومة، بالحدود الدنيا بسبب نقص التمويل.

ويذهب القرشي في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن تراجع العمليات الإنسانية وتقلص التمويل الدولي قد يدفع الأزمة إلى مستويات أكثر خطورة، خصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين التي تضم الحجم الأكبر من المحتاجين، متوقعاً أن يكون أكثر من 23 مليون يمني لا يعرفون ما سيأكلونه في اليوم التالي.

انخراط الحوثيين في الصراع الإقليمي تهدد بزيادة تدهور معيشة اليمنيين (رويترز)

ووصف القرشي تخلي المجتمع الدولي عن اليمنيين، بأنه «وضع غير مقبول إنسانياً»، داعياً الحكومة والداعمين إلى إنجاز خطوات اقتصادية بالاعتماد على الموارد ومواجهة الفساد.

ومن كل ذلك، تبدو الأزمة الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور، ما لم تتخذ خطوات دولية عاجلة لتخفيف الضغوط الاقتصادية وتعزيز العمل الإنساني، لإنهاء واحدة من أطول الأزمات الإنسانية في العالم.


صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
TT

صندوق النقد يشيد بإصلاحات اليمن ويدعم مسار التعافي

وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)
وفد من البنك الدولي زار مركز الإنزال السمكي في عدن (إعلام حكومي)

في خطوة تعكس تحسن الأداء المؤسسي في اليمن وعودة الانخراط الدولي، أقرّ مجلس إدارة صندوق النقد الدولي نتائج مشاورات المادة الرابعة مع الحكومة الشرعية بعد توقف استمر أكثر من 11 عاماً، في تطور يعدّ مؤشراً مهماً على استعادة قنوات التعاون مع المؤسسات المالية الدولية وتعزيز الثقة بالمسار الإصلاحي الذي تتبناه الحكومة.

وأكد الصندوق في بيانه أن استئناف هذه المشاورات يعكس تحسن القدرات المؤسسية وإنتاج البيانات الاقتصادية، مشيداً بالجهود التي بذلتها السلطات اليمنية لتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، رغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد.

وأشار الصندوق إلى أن الاقتصاد بدأ يُظهر بوادر تعافٍ تدريجي بعد الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية.

وعلى الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، حذّر الصندوق من أن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط قد تؤثر سلباً على الاقتصاد اليمني خلال العام الحالي، في ظل هشاشة الأوضاع الاقتصادية واعتماد البلاد على الواردات، ما يجعلها عرضة لتقلبات أسعار الغذاء والطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.

وفد من البنك الدولي يشهد تدشين مشروع للمياه في عدن (إعلام حكومي)

وشدد بيان صندوق النقد على أهمية التزام الحكومة اليمنية بتعبئة الإيرادات وتعزيز الحوكمة المالية، باعتبارهما عنصرين أساسيين لضمان استمرارية تقديم الخدمات العامة الأساسية.

كما أشار إلى أن اعتماد سعر صرف قائم على السوق، إلى جانب إصلاحات قطاع الطاقة وتحسين بيئة الأعمال، تمثل ركائز رئيسية لدعم التعافي الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

وأكد البيان أن استمرار الحوار مع الدائنين وتأمين التمويل الخارجي سيسهمان في تخفيف حدة الأزمة الاقتصادية، خصوصاً في ظل التحديات الإنسانية الحادة التي يواجهها اليمن. كما توقع أن يؤدي إعطاء الأولوية للإنفاق الأساسي إلى ضغوط مؤقتة على الميزان المالي، إلا أنه سيساعد في حماية الفئات الأكثر هشاشة.

من جانبها، رحّبت الحكومة اليمنية بإقرار نتائج المشاورات، معتبرةً أن هذه الخطوة تمثل تقديراً دولياً للإجراءات التي اتخذتها لتعزيز الانضباط المالي والشفافية ومكافحة الفساد، رغم تداعيات الحرب وتوقف صادرات النفط نتيجة الهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة في مختلف القطاعات، والعمل بالتنسيق مع الشركاء الدوليين لتخفيف المعاناة الإنسانية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، مشيرةً إلى إقرار الموازنة العامة لعام 2026 ضمن جهود إعادة تفعيل مؤسسات الدولة.

تحديات مستمرة

على الرغم من هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال التحديات التي تواجه الاقتصاد اليمني كبيرة ومعقدة، في ظل استمرار الحرب والانقسام المؤسسي وضعف الموارد المالية. وأكد صندوق النقد أن المخاطر المحيطة بالآفاق المستقبلية تظل مرتفعة، خصوصاً في ظل التطورات الإقليمية وتأثيراتها المحتملة على الاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن التضخم، وتذبذب أسعار الصرف، وارتفاع تكاليف الواردات، تمثل عوامل ضغط رئيسية على الاقتصاد اليمني، ما يتطلب تبني سياسات احترازية متوازنة للحفاظ على الاستقرار النقدي والمالي. كما شدد على أهمية تعزيز الإيرادات غير النفطية، وتوسيع قاعدة الصادرات، خصوصاً في القطاع الزراعي.

وفي هذا السياق، توقع الصندوق أن يبدأ الاقتصاد اليمني في استعادة زخمه تدريجياً اعتباراً من عام 2027، مدفوعاً بتراجع معدلات التضخم وتحسن الدخول الحقيقية وتخفيف السياسات المالية التقشفية، إضافة إلى نمو التحويلات المالية والصادرات غير النفطية.

سياسات مرنة

أكد محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، أن استئناف مشاورات المادة الرابعة يمثل عودة مهمة للتفاعل المؤسسي مع المجتمع الدولي، ويفتح آفاقاً جديدة للحصول على الدعم الفني والمالي.

وأوضح أن السياسات المالية والنقدية التي تم تبنيها خلال الفترة الماضية أسهمت في الحد من تدهور الأوضاع الاقتصادية وتهيئة أرضية أولية للتعافي، مشدداً على أن المرحلة الحالية تتطلب استمرار تبني سياسات واقعية ومتدرجة تأخذ في الاعتبار التحديات القائمة.

جانب من اجتماع وفد دولي في عدن مع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني (إعلام حكومي)

وأشار إلى أن البنك المركزي يواصل تنفيذ سياسات نقدية منضبطة ومرنة في آنٍ واحد، تهدف إلى الحفاظ على استقرار سعر الصرف والحد من التضخم، وضمان توفر السلع الأساسية، بالتنسيق مع الجهات الحكومية والشركاء الدوليين.

كما لفت إلى أن التطورات الإقليمية، خصوصاً تلك المتعلقة بأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، تمثل تحدياً إضافياً يتطلب استجابة سريعة وسياسات متوازنة لتقليل آثارها على الاقتصاد الوطني.

وشدد محافظ البنك المركزي اليمني على أن تحقيق الاستقرار الاقتصادي المستدام يظل مرهوناً بتضافر الجهود الوطنية والدعم الدولي، إضافة إلى إنهاء الحرب واستعادة مؤسسات الدولة، بما يمهد الطريق أمام مرحلة جديدة من التعافي والتنمية.