التقشف يهيمن على عادات الدمشقيين استعداداً لشهر رمضان

امراة عائدة مع طفليها من سوق في دمشق (أ.ب)
امراة عائدة مع طفليها من سوق في دمشق (أ.ب)
TT

التقشف يهيمن على عادات الدمشقيين استعداداً لشهر رمضان

امراة عائدة مع طفليها من سوق في دمشق (أ.ب)
امراة عائدة مع طفليها من سوق في دمشق (أ.ب)

أرخت الحرب السورية مع وباء «كوفيد - 19»، بظلالهما الثقيلة على غالبية الدمشقيين مع قرب قدوم شهر رمضان، وإجبارهم على التخلي عن مزيد من عادات تاريخية لاستقباله، وإلغائهم للمرة الأولى طقوساً طالما التزموا بها. وبات بعضهم يتسوق كميات قليلة وتقشف أو يعودون من الأسواق دون تبضع، فيما ينتظر آخرون عطاءات الجمعيات الخيرة.
ورغم بقاء أيام قليلة على حلول الشهر المبارك، وبعد أن خفت نوعاً ما خلال سنوات الحرب، تغيب حالياً إلى حد كبير تهاني الدمشقيين «الشخصية» لبعضهم بعضاً بهذه المناسبة وكانوا اعتادوا عليها منذ قرون، ذلك بسبب استمرار العمل بالإجراءات الوقائية التي اتخذتها الحكومة لمواجهة تفشي «كوفيد - 19»، من إرشادات بعدم التجمع والتقليل من الاختلاط مع الأخرين وإيقاف الدوام في معظم المؤسسات والدوائر وإغلاق المعامل والورشات والمطاعم والمقاهي.
«أبو يونس»، وهو رجل في العقد السابع من العمر، يتذكر بحسرة: «أيام زمان عندما كان حديث رمضان الشغل الشاغل للناس قبل شهر من قدومه وتسابقهم للمباركة لبعضهم بعضاً بالشهر الفضيل، حيث تلتم الناس عند بعضها بعضاً بهذه المناسبة قبل أسبوعين وحتى ثلاثة من قدومه، بينما تجتمع أفراد العائلات والأقارب على موائد الإفطار خلاله»، ويصف لـ«الشرق الأوسط»: «الحال التي وصل إليها الناس هذه الأيام بأنها (تدمي القلب)». ويقول: «أولادنا بعضهم هجرتهم الحرب إلى بلاد الغربة، وبعضهم بجانبنا وأصبحنا لا نستطيع الذهاب إليهم، والجيران في نفس البناء نراهم ولا نستطيع مصافحتهم»، ويضيف: «قد تكون هذه العادات تراجعت خلال سنوات الحرب بسبب انشغال الناس بهمومها المعيشية وغير ذلك، لكن أن تنعدم بهذا الشكل ويقتصر الأمر على التليفون والواتساب فهذا حتماً غضب رباني».
العجوز يعرب عن أسفه الشديد لتراجع البهجة بقدوم شهر الصيام تدريجياً عاماً بعد عام. ويضيف: «الحرب و(كورونا) سرقا رمضان منا، ولم يبقَ لنا منه سوى الامتناع عن الطعام، وهي مسألة تعوّد كثير من السوريين عليها طيلة أشهر السنة بسبب الفقر، ولا نملك إلا الدعاء والتضرع إلى من أجل أن يرفع الله البلاء عنا ويفرج الضيق الذي نحن فيه».

حركة خجولة
ومع موجة الغلاء الجديدة وغير المسبوقة التي تسببت بها الإجراءات الوقائية لمواجهة تفشي «كوفيد - 19»، والتراجع الجديد لسعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي، تفتح المحال التجارية أبوابها وحركة المارة طبيعية، لكن يلاحظ في الوقت نفسه تراجع الإقبال من قبل المواطنين على الشراء عما كان عليه في موسم رمضان العام الماضي، بسبب تزايد تردي قوتهم الشرائية، بينما تظهر استعدادات خجولة لأصحاب المحال وشكاويهم من قلة تصريف البضائع.
«أبو يونس» الذي جاء إلى محله في سوق للخضراوات والمواد الغذائية وسط دمشق، وهو يقود دراجة نارية، كان لافتاً أنه يضع على مقعدها الخلفي كيسين كبيرين أحدها سكر والآخر برغل فقط!.
ومع جلوسه خلف طاولة البيع وإظهاره ابتسامات خفيفة، في وجوه ثلاث أو أربع زبائن، وجدوا أمامه، عادت حالة الضجر لتسيطر على «أبو يونس»، مع طلب أحد الزبائن إعطاءه «أوقية (200 غرام) سمنة»!، وآخر «نصف كيلو غرام سكر»!، ويقول لـ«الشرق الأوسط» بكلمات ساخرة وتنهيدة طويلة في تعليقه على حركة السوق مع اقتراب قدوم الشهر المبارك: «هذه هي أحوالنا كما ترى «أوقية» سمنة، ونصف كيلو سكر، رغم أن رمضان على الأبواب!».

أيام زمان
وفي سنوات ما قبل، اعتادت غالبية «أهل الشام»، على التحضير لاستقبال رمضان، عبر تسوق كميات كبيرة من المواد الغذائية والخضراوات والعصائر من أسواق كثيرة في دمشق كان يحرص أصحاب محالها على جلب كميات كبيرة من البضائع وعرض أصناف كثيرة منها على واجهاتها وبداخلها في شكل مكثف وطريقة مميزة لجذب متسوقين تكتظ بهم تلك الأسواق في شكل لافت إلى درجة إيقاف حركة المركبات الآلية.
لكن خلال سنوات الحرب، ارتفعت الأسعار في عموم المناطق السورية بشكل تصاعدي ووصلت إلى أكثر من 25 ضعفاً، مع تراجع سعر صرف الليرة أمام الدولار الأميركي إلى أكثر من 1200 ليرة، بعد أن كان ما بين 45 - 50 ليرة قبل الحرب، على حين بقيت مرتبات الموظفين على حالها التي كانت عليها قبل عام 2011 (الراتب الشهري لموظف الدرجة الأولى نحو 50 ألف ليرة)؛ الأمر الذي ضيّق سبل العيش على الغالبية العظمى من الناس، وبات 87 في المائة من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، بحسب أرقام البنك الدولي.
وما فاقم أكثر من تردي الوضع المعيشي للناس، الإجراءات الوقائية لمواجهة تفشي «كوفيد - 19»، وترافقها مع ارتفاع جديد للدولار ووصوله إلى أكثر من 1250. واستغلال كبار التجار للوضع عبر احتكارهم لمواد غذائية أساسية ورفع أسعارها ضعفين أو أكثر مما كانت عليه قبل تلك الإجراءات، إذ يصل سعر لتر الزيت النباتي حالياً إلى 1600 ليرة، وكيلو الرز الوسط أكثر من 850 ليرة، بينما حلق كيلو الفروج المذبوح إلى أكثر من 2000 ليرة.

التالف هو الخيار
في أسواق الخضراوات والفاكهة تبدو معظم الأصناف متوفرة، وتبدو معها الأسعار في ذروة الاشتعال، إذ يبلغ سعر كيلو البندورة من الصنف الجيد 800 ليرة والفاصوليا الخضراء ما بين 1000 – 1200 بينما حلق الليمون الحامض إلى أكثر من 2000، على حين كان الفول الأخضر بسعر 350 وكذلك الكوسا بنحو 300.
مع ذلك المشهد المتعالي للأسعار، لوحظ أن أنظار معظم المتسوقين وأسئلتهم تتجه إلى الأصناف الوسط والرديئة، التي يضعها الباعة جانباً ويعرضون عليها أسعار منخفضة لبيعها بسرعة قبل أن تتلف.
«سعاد» ورغم التحذيرات من عدم السير في الأماكن المزدحمة تجنباً للعدوى بالفيروس، تروي لـ«الشرق الأوسط» أثناء وجودها في السوق، أنها تجوب كامل سوق الخضراوات أكثر من مرة عند قدومها إليه، على أمل أن تحظى ببعض الأنواع بأسعار منخفضة وإن كانت من نوعيات «سيئة».
وتبدي السيدة كثيراً من الاستغراب لدى سؤالها عن التحضير لشهر رمضان، وتقول: «الناس نسيت التحضير لشهر رمضان، همها حالياً تأمين طبخة اليوم فقط، وقد لا تؤمن». وتوضح «سعاد»، أن بعض الناس أصبحوا «يشترون بالحبة، وميسورو الحال قليلاً باتوا يتقشفون. وكثيرون يعودون من السوق من دون أن يشتروا شيئاً ويقضون نهارهم على النواشف»، بينما تزايد مشهد الناس الذين يجمعون الخضراوات التالفة عن الأرض والموجودة حول البساطات أو في صناديق القمامة التي خصصها لهذا الغرض أصحاب المحال والبساطات.

ملاذ الجمعيات
وفي ظل انقطاع مصدر رزق الكثير من الأسر جراء توقف عمل معيلها، وترافق ذلك مع قرب قدوم شهر الصوم، الذي يتطلب مصاريف تفوق مرتين أو ثلاثة مصاريف الشهر العادي، كثر الاستفسار من قبل الرجال أو النساء في معظم الأحياء خلال أحاديثهم عن الجمعيات الخيرية التي يمكن أن تقدم لها معونات وسبل تسجيلهم بها، وسط تراجع كبير في العمل الخيري في معظم المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، وامتناع كبار التجار إلى حد كبير عن المبادرة في هذا المجال، رغم كثافة الدعوات الرسمية والشعبية لهم.
وإن كانت الصورة السابقة هي الطاغية على أغلب المشهد لما آلت إليه أحوال الدمشقيين مع قرب قدوم شهر رمضان، فإن الأمر لا يخلو من وجود عائلات ميسورة تعمل على التحضير لاستقباله، فـ«أم مروان» التي اعتادت في السنوات الماضية خلال شهر رمضان، القيام لوحدها بإعداد طبختين وأطباق متنوعة من المقبلات في اليوم بينما كان زوجها يصل إلى المنزل في لحظة إطلاق مدفع الإفطار، تهجس في هذا الموسم في كيفية القيام بذلك مع وجود زوجها في المنزل بسبب الحجر الذي فرضه «كورونا» وتقول: «واضح أن الأمور لن تمر على ما يرام، لأنه سيتدخل في كل طبخة وطبق كما يجري في أيام العطل الرسمية».



هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
TT

هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)

في الوقت الذي جدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأكيده على أن بلاده مولت بناء «سد النهضة» الإثيوبي على نهر النيل ووصفه بأنه «أمر فظيع يمنع تدفق المياه عن مصر ويتعين عليه حل الأزمة بشأنه»، رأت مصادر مصرية وإثيوبية مطلعة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» أن احتمالات نجاح ترمب في كسر جمود مفاوضات السد تظل ضعيفة، مع وجود عدة عوامل متشابكة في هذه الأزمة.

وخلال مؤتمر صحافي، الثلاثاء، جدد ترمب حديثه عن أنه «أوقف قتالاً» بين مصر وإثيوبيا كأحد إنجازاته في وقف الحروب حول العالم، كما أبدى تعجبه من تمويل بلاده لـ«سد النهضة»، مشيراً إلى أن «مصر ليس لديها ما يكفي من المياه»، وأنها تحتاج لمياه النيل في عديد من الاستخدامات.

ويأتي حديث ترمب بعد ثلاثة أيام من إرساله خطاباً إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، مؤكداً فيه استعداد واشنطن للتدخل واستئناف المفاوضات حول «سد النهضة» وحل الأزمة بشكل نهائي، وهو ما رحب به السيسي.

أستاذ العلوم السياسية ورئيس وحدة أبحاث أفريقيا في مجلس الوزراء المصري، رأفت محمود، قال إن تصريح ترمب جاء نتيجة الرسالة المصرية التي وصلته من مستشاره للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، بعدما التقى السيسي الشهر الماضي وناقشا عدة ملفات، منها ما يتعلق بالسودان وأرض الصومال، وأيضاً ملف سد النهضة والهواجس المصرية، «وبالتالي ترمب التقط الرسالة وأخذها فرصة لينشط الوساطة الأميركية في سبيل صفقة ما تخص المنطقة».

وأضاف محمود قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هذه بمثابة محاولة محتملة من ترمب لإعادة ضبط المشهد السياسي المحيط بالأزمة، ورغبة واضحة في استعادة دور الوسيط الأميركي المؤثر».

وتابع: «في الإجمال، الخطاب الأميركي يجعل أديس أبابا تواجه أحد خيارين: إما الانخراط الجاد في مسار تفاوضي منظم، أو مواجهة ضغوط سياسية قد تؤثر على صورتها الدولية. ووفقاً للسلوك الإثيوبي في المفاوضات السابقة، فإن تمسك أديس أبابا بالنهج الذي اتبعته ورغبتها في السيطرة على مجرى نهر النيل النابع من أراضيها دون الالتزام باتفاقية ملزمة تدير تدفق المياه من سد النهضة هو العامل المرجح حالياً، خصوصاً مع ارتباط ملف سد النهضة بحسابات الداخل الإثيوبي والتي تشبعت خلال الفترة الماضية بأن هذا الملف يعد مشروعاً قومياً ضمن سيادة إثيوبيا».

وتابع: «هناك عدد من التغيرات السياسية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر حدثت مؤخراً استدعت التدخل الأميركي في هذا الملف، خاصة فيما يتعلق بأرض الصومال واعتراف إسرائيل بها، وهو ما أثار غضباً دولياً بالمنطقة. وهناك أيضاً ملف السودان وملف اليمن، وهذه الملفات حدث فيها تشابك بين عدد من القوى في الإقليم وبما قد يؤثر على المصالح الأميركية».

واستطرد: «لكن نجاح التدخل الأميركي مرهون بالقدرة على تحويل التصريح إلى أدوات فعل، وقدرة ترمب على إدارة صفقة ترضي كافة الأطراف، ومنها إثيوبيا التي ترغب في الوصول إلى البحر الأحمر؛ وهو أمر تظل احتمالات نجاحه ضعيفة في الوقت الحالي».

وكان ترمب قد خرج بتصريح مثير للجدل في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، عبر منصته «تروث سوشيال»، قال فيه إن الولايات المتحدة «موَّلت بشكل غبي سد النهضة، الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، وأثار أزمة دبلوماسية حادة مع مصر». لكن أديس أبابا نفت ذلك بشدة، مؤكدة أن السد «بُني بأموال الشعب الإثيوبي».

وفي الرابع من يوليو (تموز)، كرَّر ترمب الحديث نفسه خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، في البيت الأبيض قائلاً: «الولايات المتحدة موَّلت السد، وسيكون هناك حل سريع للأزمة». ومساء الثامن من يوليو، قال للمرة الثالثة في خطاب أمام أعضاء مجلس الشيوخ في واشنطن إنه «سيعمل على الأزمة بين مصر وإثيوبيا على المدى الطويل».

الرئيس المصري خلال مصافحة رئيس الوزراء الإثيوبي في عام 2019 (الرئاسة المصرية)

مستشار وزارة المياه والطاقة الإثيوبية، محمد العروسي، قال إنه «في ظل حساسية اللحظة وتعقيد المشهد السياسي المحيط بملف سد النهضة، من المهم التفريق بهدوء بين التصريحات السياسية ذات الطابع الخطابي والتحولات الفعلية في موازين التفاوض».

وتابع قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن تبني الرئيس الأميركي لوجهة نظر مصر أو التعبير عن تفهمه لمخاوفها «لا يعني بالضرورة وجود استراتيجية أميركية متكاملة لاستهداف المصالح الإثيوبية، لكن التجربة العملية مع الوساطة الأميركية في هذا الملف تجعلنا حذرين بطبيعتنا من باب القراءة الواقعية للتاريخ القريب، وليس من باب العداء لواشنطن».

ويرى العروسي، وهو عضو بالبرلمان الإثيوبي ورئيس «مجموعة الصداقة البرلمانية لدول غرب آسيا»، أن الوساطة الأميركية في محطتها السابقة «لم تكن محايدة بالكامل»، وأنه لا يمكن تجاهل أن ترمب نفسه «سبق أن أدلى بتصريحات خطيرة تحدث فيها صراحة عن احتمال قيام مصر بتفجير السد».

ومضى قائلاً: «كما أن تصريحاته الأخيرة التي تُفهم على أنها انحياز كامل لرواية طرف واحد تعزز القناعة بأن أي دور أميركي محتمل سيبقى محكوماً باعتبارات سياسية داخلية وتحالفات تقليدية أكثر من كونه سعياً نزيهاً لحل عادل ومتوازن».

وتابع: «من هذا المنطلق فإن حالة الفرح السريع والتهافت على فكرة الوساطة الأميركية لمجرد صدور تصريح إيجابي من واشنطن تبدو أقرب إلى قراءة عاطفية»؛ محذراً من تحويل التصريحات السياسية إلى «أوهام»، وهو «ما قد يعمق الجمود بدل أن ينهيه».

واستضافت واشنطن عام 2020، خلال ولاية ترمب الأولى، جولة مفاوضات بمشاركة البنك الدولي، لكنها لم تصل إلى اتفاق نهائي بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق الذي جرى التوصل إليه وقتها، حيث اتهمت إثيوبيا الولايات المتحدة بـ«الانحياز».


محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)

أثار اجتماع بين المغرب وإثيوبيا بشأن تعاون عسكري بينهما تساؤلات حول موقف مصر، خصوصاً وأنها على خلاف مع أديس أبابا بسبب تهديد الأمن المائي جراء «سد النهضة».

وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، الأربعاء، قال مصدر مصري مطلع إن ذلك التعاون العسكري المغربي - الإثيوبي، الذي لم تعلق عليه القاهرة رسمياً بعد، «لا يقلق القاهرة، وسيكون هناك حديث عبر الدبلوماسية الهادئة مع الرباط بشأنه».

ويتفق معه خبير عسكري كان مسؤولاً بارزاً سابقاً بالجيش المصري، مؤكداً أن ذلك التعاون «ليس مقلقاً للقاهرة»، لكنه تعجب من إبرام تعاون مغربي مع إثيوبيا التي يصفها بأنها «باتت عدواً للقاهرة وتقف ضد حقوقها المائية».

سد النهضة الإثيوبي (صفحة رئيس وزراء إثيوبيا على فيسبوك)

غير أنّ برلمانياً إثيوبياً نفى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن يكون هذا التعاون مع المغرب «موجهاً للقاهرة أو يحمل رسائل تهديد أو نية للمواجهة»، مشيراً إلى أن «أديس أبابا تركز على نهضة بلادها وتنميتها، ولا تنوي أي مناكفات عسكرية تجاه أحد».

اجتماع مثير للجدل

كانت صحيفة «هسبريس» المغربية قد أفادت، منتصف يناير (كانون الثاني) الحالي، بأن اللجنة العسكرية المشتركة المغربية الإثيوبية عقدت اجتماعها الأول في أديس أبابا، وأن الاجتماع تناول «دراسة مخطط عمل في مجال التعاون العسكري والدفاعي بين البلدين».

ونصت اتفاقية التعاون العسكري، الموقعة في يونيو (حزيران) 2025 في الرباط، على إنشاء هذه اللجنة العسكرية المشتركة، بالإضافة للتعاون في مجالات التكوين والتدريب، والبحث العلمي، والطب العسكري، وفق المصدر ذاته.

وفي اليوم التالي، أفادت وكالة الأنباء الإثيوبية، بأن أديس أبابا والرباط عقدتا أول اجتماع للجنة الدفاع المشتركة على الإطلاق، بهدف تعزيز التعاون الثنائي عبر مختلف المجالات العسكرية.

وشملت المناقشات «دفع التعاون العسكري بين البلدين بطرق تضمن المنفعة المتبادلة لمؤسساتهما الدفاعية، والتعاون في التعليم والتدريب، والصناعات الدفاعية، ونقل التكنولوجيا، ومجالات أخرى من المشاركة العسكرية»، وفق الوكالة.

وأكد المدير العام للعلاقات الخارجية والتعاون العسكري في قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، تشومي جيميتشو، آنذاك أن العلاقات بين إثيوبيا والمغرب تتعزز باطراد عبر قطاعات متعددة، وأن الصداقة طويلة الأمد بين البلدين تعكس التضامن الأفريقي والالتزام المشترك بالعمل معاً من أجل المصالح المشتركة.

وذكر أيضاً أن اجتماع اللجنة المشتركة «يمثل علامة فارقة تاريخية في العلاقات الإثيوبية - المغربية، ويفتح مرحلة جديدة للتنفيذ العملي لمجالات التعاون المتفق عليها».

ونقلت وكالة الأنباء الإثيوبية عن العميد عبد القهار عثمان، مدير مديرية التموين في القوات المسلحة المغربية، وصفه الاتفاق الذي تم التوصل إليه خلال الاجتماع بأنه «تطور مهم في العلاقات العسكرية»، وتأكيده أن «المغرب عازم على زيادة رفع مستوى التعاون الدفاعي مع إثيوبيا».

«الدبلوماسية الهادئة»

وتعليقاً على ذلك، قال مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن ذلك التعاون المغربي - الإثيوبي «بحاجة لتوضيح، لكنه بشكل عام ليس مقلقاً، خصوصاً وعلاقات القاهرة مع الرباط جيدة جداً».

وهو يعتقد أن «الدبلوماسية الهادئة» ستكون مسار التعامل مع الرباط، وأنه سيكون هناك حديث في هذا الأمر «ليس في إطار إلقاء اللوم، ولكن معرفة طبيعة الموضوع، ومناقشة الشواغل المصرية بشأنه».

وتزامن ذلك الاجتماع المغربي - الإثيوبي مع توجيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، منتصف يناير الحالي، رسالة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عارضاً التوسط في أزمة مياه النيل وملف سد النهضة الإثيوبي الذي قال أكثر من مرة إن إدارته منعت حرباً بين القاهرة وأديس أبابا بشأنه، دون مزيد من التفاصيل.

ويعتقد المصدر المصري المطلع أن إثيوبيا تحاول إرسال رسائل لمصر، وستزداد بعد إعلان ترمب الوساطة، وسط تجاوب مصري وسوداني وعدم تعليق من أديس أبابا.

في المقابل، يرى البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد أن التعاون مع المغرب ليس تعاوناً عسكرياً فحسب، بل يشمل التجارة والدبلوماسية، ويحمل رسائل مفادها تقوية العلاقات مع دول المنطقة، وليس أي تهديد لأحد.

وشدّد في حديث لـ«الشرق الأوسط» على أن مصر بلد شريك لبلاده «لم يتقاتلا ولن يتقاتلا، خصوصاً وأن أديس أبابا تهتم بالنهوض والازدهار، وليس لديها أي نية للقتال مع مصر أو غيرها».

غير أن الخبير الاستراتيجي العسكري المصري اللواء سمير فرج رفض تلك التبريرات الإثيوبية، ووصف أديس أبابا، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بأنها «عدوة لحقوق مصر المائية»؛ لافتاً إلى أن مصر «لا يقلقها هذا التعاون».

إلا أنه تساءل: «كيف لدولة بالجامعة العربية أن تتعاون مع أخرى تهدد مصالح مصر؟».

ولا يعتقد فرج أن الرسائل الإثيوبية من تلك الاجتماعات تحمل أي تأثير على مصر سواء كان أمنياً أو عسكرياً، متوقعاً ألا تثير مصر هذا الأمر مع الرباط فوراً، لكن ذلك ربما يحدث في أي لقاءات مستقبلية بين البلدين «حيث ستبدي موقفاً دون أي تأثير يذكر على العلاقات المصرية - المغربية».


خمسة قتلى جراء السيول في تونس واستمرار تعليق الدراسة

هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات في تونس (أ.ف.ب)
هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات في تونس (أ.ف.ب)
TT

خمسة قتلى جراء السيول في تونس واستمرار تعليق الدراسة

هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات في تونس (أ.ف.ب)
هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات في تونس (أ.ف.ب)

ارتفعت حصيلة ضحايا السيول في تونس إلى خمسة قتلى بعد ثلاثة أيام من هطول أمطار غير مسبوقة منذ سنوات، ما تسبب أيضاً في أضرار مادية في عدة ولايات مع استمرار تعليق التعليم في المدارس والجامعات، على ما أفاد مسؤول بالحماية المدنية الأربعاء.

وقال المتحدث باسم الحماية المدنية خليل المشري لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الحصيلة «ارتفعت إلى خمسة قتلى».

وأوضح أن الفرق نفذت 466 عملية ضخ مياه، وساعدت 350 شخصاً على العبور في مناطق غمرتها مياه السيول.

وتم العثور على أحد الصيادين، فيما لا يزال أربعة آخرون في عداد المفقودين، بعدما أبحروا الاثنين من سواحل طبلبة قرب المنستير، وفقاً لإذاعة محلية.

وأكد المشري أن التقلبات الجوية ستتواصل على مستوى العديد من المحافظات ولكن «بأقل حدة ودرجة اليقظة والانتباه تبقى مرتفعة».

وزار الرئيس قيس سعيّد مناطق متضررة الثلاثاء على ما نقلت وسائل إعلام محلية.

ويتم تداول مقاطع مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهر منازل وسيارات غمرتها مياه الأمطار، إلى جانب نداءات استغاثة من مواطنين عالقين في المياه، ولا سيما في العاصمة تونس.

واستمر تعليق الدروس لليوم الثاني في المدارس الرسمية والخاصة والجامعات في 15 من الولايات الـ24 للبلاد، بسبب الأحوال الجوية.

والثلاثاء، أكد مدير التوقعات في المعهد الوطني للرصد الجوي عبد الرزاق رحال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «سجلنا كميات استثنائية من الأمطار خلال يناير (كانون الثاني)» في مناطق مثل المنستير (وسط شرق) ونابل (شمال شرق) وتونس الكبرى.

وأوضح أن تلك المناطق لم تسجّل كميات مماثلة منذ عام 1950.

ورغم أن هذه الأمطار تُعدّ قياسية، فإن مشهد الشوارع المغمورة بالمياه بعد هطول أمطار غزيرة مألوف في البلاد، وذلك بسبب سوء حالة غالبية البنى التحتية.

وغالباً ما تكون أنظمة الصرف الصحي وتصريف مياه الأمطار قديمة أو غير كافية أو سيئة الصيانة، لا سيما في المناطق الحضرية السريعة التوسع.

كما أن التوسع الحضري السريع وغير المنظم أحياناً، زاد من جريان المياه السطحية، في حين يعيق انسداد القنوات تصريف المياه.

وتأتي هذه الأمطار في وقت شهدت تونس في السنوات الأخيرة فترات جفاف طويلة تفاقمت بفعل التغير المناخي وترافقت مع تراجع كبير في مخزون السدود.

في الجزائر المجاورة، تسبب الطقس السيئ خلال الأيام الماضية في وفاة شخصين، رجل يبلغ نحو 60 عاماً عُثر عليه في منطقة غليزان (غرب)، وطفلة جرفتها السيول في الشلف، على بُعد 200 كلم غرب الجزائر العاصمة، وفقاً للحماية المدنية.

وفي غليزان وكذلك في الجزائر العاصمة وتيبازة، غمرت المياه أحياء بكاملها وانقطعت طرق عدة بسبب الفيضانات.