حمد الرشيدي: الأدب غير صالح للتعامل مع كارثة «كورونا»

صاحب «ليلى اليهودية» يقول إن روايته خليط من الحقيقة والخيال

حمد الرشيدي
حمد الرشيدي
TT

حمد الرشيدي: الأدب غير صالح للتعامل مع كارثة «كورونا»

حمد الرشيدي
حمد الرشيدي

أصدر الروائي الشاعر السعودي حمد حميد الرشيدي 4 روايات، ونحو 10 دراسات في القصة والنقد والتاريخ، وكان آخر أعماله الروائية «الصعاليك» التي صدرت هذا العام، سبقتها روايته ذائعة الصيت «مجنون ليلى اليهودية» 2016، ورواية «أقدام تنتعل السراب» 2007، ورواية «شوال الرياض» 1999.
كما أصدر مجموعتين شعريتين: «للجراح ريش وللرياح وكر» و«أبجديات الروح والجسد»، وقصصاً ممسرحة بعنوان «حكايات الرسول السعودي»، وقدم برامج في الإذاعة تهتم بالأدب العربي.
وهنا حوار معه، أجريناه عبر وسائل التواصل نظراً للتباعد الذي فرضته أجواء الفيروس:
> دعني أولاً أسألك: كيف ترى الأثر الثقافي الذي يمكن أن تخّلفه جائحة «كورونا» المستجد؟
- الحقيقة أن الكوارث الطبيعية والأزمات البشرية، وشيوعها أو تفشيها بين الناس، ليست بجديدة على التاريخ البشري، منذ أن خلق الإنسان على الأرض حتى الوقت الراهن. ومرض «كورونا» هو إحدى هذه الكوارث الطبيعية العالمية التي نواجهها اليَوْم. ومهما يكن من أمر هذا المرض، فإن «العزلة» التي تسبب بها بين الناس نتيجة فرض «حظر التجول» هذه الأيام، وضرورة البقاء في المنزل لمنع تفشيه، هي عزلة «اجتماعية صحية نفسية» مؤقتة، وسوف تزول قريباً، وليست عزلة ثقافية أو معرفية. طبعاً، لا ننسى أن التكنولوجيا الحديثة ووسائلها، كالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، ساهمت أيضاً إلى حد كبير بالتقليل من آثار هذه العزلة، على عكس ما كان في السابق، حين تتسبب مثل هذه الكوارث في القطيعة التامة بين الناس.
> كيف يمكن للثقافة أن «تخفف» من الاضطراب الذي يخلفه الرعب من «كورونا»؟ وهل يمكنها أن توفر بعض الطمأنينة؟
- إذا كان المقصود بكلمة «ثقافة» في السؤال هنا «الأدب بصفته فعلاً ثقافياً»، فإن الأمر يحتاج منا لوقفة، وذلك لأن «الأدب»، وإن كان فاعلاً مؤثراً بلا شك في كل الأحوال، غير صالح للتعامل المباشر مع مثل هذه الكوارث التي تتطلب تعاملاً مباشراً معها، كما هو حاصل مع «كورونا» الآن، لكون الأدب يقوم على التخييل والتصوير والتأمل والتفكر المتأني، وعلى التفسير «غير المباشر» للظواهر المحيطة، ولذلك يأتي فهمه والاستفادة منه عادة بطيئة ومؤجلة، لافتقاره لعنصر المباشرة في أثناء الأحداث الطارئة. وغالباً ما تظهر قيمة هذا النوع من الأدب، وهو ما يعرف بـ«أدب الأزمات» بعد انتهاء الكارثة أو الأزمة بوقت أو زمن ليس بالقصير، وليس في أثناء حدوثها. ومثل ذلك نجده في أعمال أدبية تنتمي لأدب الأزمات نالت شهرة عالمية واسعة، مثل «الطاعون» للكاتب الفرنسي ألبير كامو، و«الحب في زمن الكوليرا» للكاتب الكولومبي ماركيز، وغيرهما. فمثل هذه الأعمال لم تعرف قيمتها وأهميتها في وقتها، ولكن بعد أن انتهت الكوارث الداعية لتأليفها. إذن، يمكنني القول: إن أدب الأزمات والكوارث كالتحفة أو القطعة الأثرية التي تزداد قيمتها مع مرور الزمن، رغم أنها قد لا تحظى بهذه الأهمية لدى الناس من معاصريها في وقتها الذي وُجِدتْ فيه.
> هل يمكن أن ينتعش أدب الوباء أو أدب الخوف في هذه المرحلة أو بعدها؟
- ما يجعل «أدب الخوف والأزمات والأوبئة» قابلاً للانتعاش أكثر لدى عامة الناس أنه يوفر لهم التعاطف الإنساني مع الكاتب صاحب المعاناة، بشكل يفوق تعاطفهم أو تأثرهم بكاتب يتحدث لهم عما يسعده أو يبهجه ويضحكه.

ليلى اليهودية
> مرت 4 سنوات تقريباً على صدور روايتك «مجنون ليلى اليهودية». بعدها صدرت في السعودية عدة روايات تتناول الحالة اليهودية... ما الذي يجعل روايتك مختلفة؟
- هذه الرواية عندما صدرت كانت -ولا تزال- لها ردود فعل متباينة من قبل عامة القرّاء، منها ما هو مؤيد لما طرحته فيها، ومنها ما هو معارض أو ساخط نتيجة تفسير بعض هؤلاء للعمل تفسيرات شتى، أبرزها اتهامه بأنه محاولة لتطبيع العلاقات مع الوجود اليهودي في المنطقة العربية. وربما كانت هناك تفسيرات أخرى، أدلى بها بعضهم بدلوه، لها طابع شخصي ومبنية على رؤى أحادية وأحكام جاهزة مسبقاً. وقد نسي جميع هؤلاء أو فات عليهم أني أتعامل مع الموضوع اليهودي تعاملاً أدبياً فنياً، بصفة الكاتب أو الروائي الذي يدخل الخيال والتصوير والرمز ويوظفه بنسبة كبيرة في عملي هذا، وهو خليط من الحقيقة والخيال. والأدب -كما هو معروف- فن له تقنياته وأدواته الخاصة به، التي تمكنه من تجاوز الواقع. وعليه، فأنا هنا أكتب «رواية أدبية»، ولست مؤرخاً أو باحثاً يقدم بحثاً علمياً على أسس علمية منهجية، أو يتناول اليهودية وتاريخها تناولاً موضوعياً مجرداً لا يمكنه الحياد عنه. وعلى أي حال، تقوم جميع هذه الآراء المتباينة على مبدأ التكهن والتوجس والاحتمالات التي لا تستند إلى دليل واضح، وأنا احترمها حتى إن كانت غير صحيحة، لأن من حسناتها أنها أثارت الجدل حول الرواية لدى نشرها. وهذا الجدل أو الخلاف هو ما جعل «الرواية مختلفة» فعلاً، وكأنها قد ألقت حجراً حرك المياه الراكدة!
> لماذا اخترت الدخول للموضوع اليهودي من خلال «ليلى شالوم اليهودية»؟
- لأن الشخصية اليهودية، وخاصة عندما تكون (امرأة)، تتمتع برموز تاريخية وأسطورية، ومماحكات ومأثورات خرافية، ومغالطات كثيرة سجلها التاريخ منذ القدم عن اليهود، بصفتهم قوماً أهل «شقاق ونزاع وتعنت وجدل وخلاف دائم مع غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى» كما في المخيال العام، وهذا ما وفر لي مساحة كبيرة لأن أوظف أو أتناول «الشخصية اليهودية» وتاريخها من زوايا عدة، على عكس فيما لو قمت باختيار شخصيات عادية من ديانات أخرى، فقيرة بالجانب التاريخي والأسطوري ورموزه، بحيث لا ينجذب إليها القارئ، ولا تثير اهتمامه في شيء.
> كثير من الأعمال الروائية تلج للمجتمع اليهودي من خلال فتاة يهودية فائقة الجمال؛ نموذجك هو «ليلى» التي سحرت ألباب الشباب في مصر... لماذا تختزل المرأة أسباب الغواية، حتى في إسقاطها القومي والسياسي؟
- الجمال -بمعناه المطلق- مثير لغواية الإنسان بطبيعته، خاصة عندما تكون «المرأة الجميلة» طرفاً في هذه الغواية، بحيث يتهيأ لها من سبل الغواية ما لا يتهيأ لغيرها من بنات جنسها الأقل منها جمالاً. يقول الكاتب العربي الكبير توفيق الحكيم في نظرته لجمال المرأة: «الجمال مهما يكن نوعه من خارجي وداخلي هو العذر الوحيد الذي به تُغْتَفَرُ للمرأة تفاهتها وحماقتها». كما يقول الكاتب الناقد الفرنسي أناتول فرانس أيضاً في نظرته الواسعة للجمال: «إن ميدان الجمال واسع، تكثر فيه المتناقضات». ولهذا السبب كانت «ليلى» في روايتي هذه شخصية مثيرة للجدل والغموض والريبة، نظراً لما تتمتع به من جمال فائق.
> هل كانت الرواية حقاً -مثلما قال عنها بعض النقاد- بمثابة «محاولة لإعادة قراءة التاريخ العربي»؟ وهل تصلح الرواية الأدبية لخوض هذه التجربة؟
- نعم! ما قاله أمثال هؤلاء عن الرواية أراه ينطبق عليها بنسبة كبيرة. إن بعضاً من الحقائق والوقائع والأحداث التاريخية لا يمكن فهمها أو تفسيرها في وقتها الذي حدثت فيه، بل بعد أن يمر عليها وقت أو زمن قد يطول أو يقصر. ولذلك يقول الزعيم النازي الألماني أدولف هتلر «إن بعض الناس يقرأون التاريخ ولا يفهمون منه شيئاً». كما أقول أيضاً إن الرواية -بصفتها جنساً أدبياً- تعد من حيث الشكل والمضمون صالحة لخوض التجربة التاريخية لأنها من أقدر وسائل التعبير الأدبي وأكثرها استيعاباً لقيم ومفاهيم إنسانية كثيرة، بشكل لا توفره للكاتب غيرها من فنون التعبير الأخرى.
> روايتك الأخيرة «الصعاليك» قدمت تجربة توظيف تقنيات متعددة -كالشعر والمسرح- فهل كانت حقاً كما وصفت من أنها «رواية متأخرة لمسرحية مبكرة»؟
- أجل! «الصعاليك» أعدها خليطاً من الفنون الأدبية في قالب واحد.
> لديك كثير من الكتب والإصدارات التي رصدت الإنتاج العربي والسعودي تحديداً... كيف ترى تطور التجربة الروائية في السعودية؟
- عموماً، الرواية العربية في العقد الأخير من الزمن تحديداً لاقت رواجاً كبيراً لدى القارئ العربي، بشكل لم يسبق له نظير من قبل. لكن لأكون صريحاً معك إلى حد كبير -وبصفتي متابعاً لكثير مما ينشر من روايات في الوطن العربي- حين أقول إن هذا التدفق المهول الذي نشهده الآن لصدور كم هائل من الروايات، خلال زمن قصير نسبياً، كان للأسف الشديد على حساب «الكيف» بشكل سافر فج! وهذا كانت له ردود فعل ونتائج سلبية على المشهد الروائي برمته، بسبب أن معظم ما ينشر من هذه الروايات لا يرتقي إطلاقاً للمستوى المطلوب. وهذا الكلام ينطبق على الواقع الحالي للرواية العربية كلها، بما فيها الرواية السعودية.
> ما أكثر الفترات ثراء في عمر التجربة الروائية في المملكة؟
- منذ عقد مضى من الزمن تقريباً حتى الآن؛ أعتقد أنها أكثر الفترات ثراء في عمر التجربة الروائية لدينا، ليس بالنسبة للرواية السعودية فحسب، بل يشمل أيضاً المشهد الروائي العربي كله. ولكن كما ذكرت آنفاً، فإن هذا الثراء -للأسف- «كمي»، وليس كيفياً.



جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)
جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)
TT

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة تُعلن قائمتها القصيرة

جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)
جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، الاثنين، القائمة القصيرة للدورة الثامنة، التي تضم 5 مجموعات قصصية.

وضمت القائمة القصيرة: أماني سليمان داوود عن مجموعتها القصصية «جبل الجليد» (الأردن)، الصادرة عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»، وشيرين فتحي «عازف التشيلّو» (مصر)، ومحمود الرحبي «لا بارَ في شيكاغو» (عُمان)، «دار الشروق»، وندى الشهراني «قلب مُنقَّط» (قطر)، «دار جامعة حمد بن خليفة للنشر»، وهيثم حسين «حين يمشي الجبل» (سوريا - بريطانيا)، «منشورات رامينا».

وأطلقت جائزة «الملتقى» للقصة القصيرة العربية، على الدورة الثامنة، اسم: دورة الأديب الكويتي فاضل خلف، أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955.

وقالت جائزة «الملتقى»، في بيان: «يواصل المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (في الكويت)، أنشطته احتفاءً بالكويت عاصمةً للثقافة العربية والإعلام العربي لعام 2025، وفي تعاون مشترك بين المجلس الوطني وجائزة الملتقى للقصة القصيرة العربية، في دورتها الثامنة 2026 - 2025، فإنّ المجلس الوطني سوف يحتضن في مكتبة الكويت الوطنية احتفالية الجائزة في الكويت بداية الشهر المقبل».

المجموعات القصصية المؤهلة للقائمة القصيرة (الشرق الأوسط)

وأضافت أن لجنة تحكيم الجائزة ستجتمع لاختيار الفائز لهذه الدورة، واللجنة برئاسة الدكتور: محمد الشحّات، وعضوية كل من: الدكتور عبد الرحمن التمارة، والدكتورة عائشة الدرمكي، وسميحة خريس، وإستبرق أحمد.

وقد تم فتح باب الترشّح للدورة الثامنة بتاريخ الأول من مايو (أيار) حتى نهاية يونيو (حزيران) 2025. وبعد فرز الأعمال المتقدِّمة، وتحديد الأعمال المستوفاة لشروط الترشّح، تبيَّن أن العدد الإجمالي للمترشِّحين لهذه الدورة هو 231 مترشّحاً من جميع الأقطار العربية والعالم، من 28 بلداً.

وقالت الجائزة إن لجنة التحكيم وضعت جُملة من المعايير الإبداعية والنقدية الدقيقة شملت: «تحديد الثيمة، وتشمل: الجِدّة في التناول، وزاوية الرؤية، وحضور الخيال، ودقة العناوين. وتوظيف اللغة، بما يشمل: التجريب اللغوي، وانتقاء المفردات أو بناء الجملة السردية أو الأسلوب. وجماليات البنية السردية (الحبكة)، وتشمل: بناء الشخصية، والحدث، والزمكان، ومناسبة اللغة مع تقنيات السرد أو الحوار. ومنظومة القيم العُليا (الحق والخير والجمال)، وتشمل: الأبعاد الرمزية في القصص، وحُسن توظيفها لخدمة الرؤية الجمالية.

وكذلك الرؤية الجمالية والثقافية، وتشمل: تمثيلات القصص لقضايا الإنسان (العربي) المعاصر، وروح العصر، ومتغيِّرات الواقع المعيش. ومدى الإضافة النوعية للقصة القصيرة العربية، سواء في انتقاء الموضوعات أو الأساليب الفنية أو طرائق السرد والحوار».

وستُصدِر الاحتفالية كتاباً تذكاريّاً بعنوان «مُختارات من القصّ العربي»، إضافةً إلى مجموعة «أحلام الشباب» للكاتب الراحل فاضل خلف، وبمقدّمة من الدكتور سليمان الشطي، وكتاب تذكاري عن الأديب فاضل خلف.

الأديب طالب الرفاعي مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة (الشرق الأوسط)

وفي كلمة للأديب طالب الرفاعي، مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة، أشار إلى اعتزاز الجائزة بالشراكة المتينة مع المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وعبَّر عن سعادته بأن تبقى دولة الكويت، ممثّلة بجائزة الملتقى، مكاناً مضيئاً للقصة القصيرة العربية، وأنها ما زالت منذ عشر سنوات تقدّم سنوياً أسماء لقصاصين مبدعين يقدّمون أعمالهم القصصية للوطن العربي عبر الترجمات إلى مختلف اللغات العالمية.


مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي
TT

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

مكي حسين... جماليات الجسد السياسي

بعكس ما كانت عليه حال الرسامين في العراق من ميل للتجريد بحثاً عن هوية عالمية تكون بديلاً عن هوية محلية عمل رسامو الخمسينات على خلقها، ظهر بداية سبعينات القرن الماضي جيل جديد من النحاتين الذين وجدوا في التشخيص ضالتهم في التعبير عن رؤيتهم المعاصرة التي كانت في جزء مهم منها تجسيداً لمحاولة تجريبية يكمن أساسها في البحث عن مقاربات انفتحوا من خلالها على إنجازات النحت العالمي من غير أن يتخلوا عن شغفهم في الامتزاج بغموض اللحظة الجمالية التي عاشها النحات العراقي القديم بأساليب ومواد مختلفة، بدءاً من سومر وانتهاء بآشور مروراً ببابل. كان مكي حسين مكي (1947) الذي توفي أواخر العام الماضي في برلين واحداً من أهم أبناء ذلك الجيل.

وعلى الرغم من أن الجسد البشري كان ولا يزال محور النحت في كل أزمنته فإن نحاتي الحداثة الفنية نجحوا في إزاحة أيقونيته بعدّه رمزاً مقدساً وصولاً إلى إلحاقه برمزية جديدة عبارة عن تصوير لتجليات صلته بالحياة المباشرة بكل ما خالطها من فوضى وعبث وخواء وسواها من معاني الشقاء الوجودي.

كان النحات السويسري ألبرتو جياكومتي هو عنوان ذلك التحول. ذلك التحول الذي وجد صداه في تجربة مكي حسين بطريقة فتحت أمامه الأبواب للولوج إلى مسألة الجسد السياسي جمالياً. ولأن السياسة لا تحمل إلى الفن صفات حميدة، فقد كان الفنان العراقي الذي عاش مطروداً من وطنه منذ عام 1979 حتى وفاته سعى إلى التعامل مع الجسد بعدّه خلاصة جمالية وليس مجرد وثيقة يمكن ربطها بزمن محدد.

صحيح أن النحات حسين كان قد عاش حياة قلقة، بالأخص في المرحلة التي تلت هروبه من بغداد وانضمامه إلى المجموعات المقاتلة مع الأكراد شمال العراق ومن ثم الشتات، غير أن الصحيح أيضاً أنه كان يفكر بطريقة عميقة في الوضع البشري بصورته المطلقة. وهو ما حرره من عبء اللحظة الراهنة ووهب منحوتاته طابعاً زمنياً يقع خارج زمن إلهامها. إنه زمن الفن.

خيال الأسئلة الوجودية

«صرخة من عمق الجبال» ذلك هو عنوان المعرض الذي أقامه في لاهاي الهولندية. كان ذلك هو آخر معارضه ويمكن عدّه تحية وداع وخلاصة حياة.

غير أن ذلك ليس كل شيء. فالسنوات التي عاشها النحات في الغربة نجحت في ترويض ذاكرته السياسية انتصاراً للفن. تلك فكرة استمدها الفنان من خبرة أصابعه الجمالية وخيالها.

إلى جانب الجسد كانت لدى الفنان مفرداته التي يمكن النظر إليها بطريقتين من جهة المعنى. الإطار المربع والكرة. وهما مفردتان مركزيتان في لغته التشكيلية.

هل كانت الذاكرة السياسية ضرورية بالنسبة لمكي حسين الذي عُثر عليه ميتاً في شقته بعد أربعة أيام من وفاته؟ لقد اكتشف النحات في وقت مبكر من حياته أن أزمة الإنسان تكمن في مسعاه الوجودي من أجل التعرف على معنى مصيره وما ينطوي عليه ذلك المصير من اقتراحات خلاقة. معرضه الأخير كان شهادة، ولكنها شهادة لا تقع فيما هو متعارف عليه في عالم السياسة. كان صرخة احتجاج لم تضع كل شيء في سلة النهايات. لقد أراح الفنان ضميره حين قدم جردة حساب شاملة من غير أن يستثني المسكوت عنه لأسباب حزبية غير مقنعة.

ولأن مكي حسين واحد من أكثر تلاميذ جياكومتي العراقيين كفاءة في تجريد الجسد من مؤهلات غوايته الخارجية وتقشيره وصولاً إلى جوهره فقد نجح في استخراج مفهوم الجسد السياسي من حيزه الضيق ليحرره من الأفكار الجاهزة أو المتاحة. لذلك لم يلجأ إلى تصويره، مقاوماً لظرف تاريخي جائر أو ضحية لتبدل في مزاج مقهور. وكان في ذلك ذكياً في التعبير عن انحيازه للفن، بوصفه ناقداً لا يخطئ طريقه في محاولة الوصول إلى مواقع الجمال الكامنة في التجربة الإنسانية.

كائنات على وشك التحليق

كل الكائنات التي نحتها مكي حسين تبدو في وضع قلق غير متوازن، كما لو أنها مهددة بالسقوط في أي لحظة. وهو ما يعكس شعور الفنان باكتظاظ التجربة الإنسانية التي عاشها بالأسئلة العائمة التي ظلت من غير جواب.

يقف أحد تلك الكائنات بقدم واحدة على مكعب فيما تُركت القدم الأخرى في الهواء كما لو أنه مشهد راقص أراد الفنان من خلاله أن يكسر واحدة من أهم قواعد النحت، وفي عمل آخر يحاول الكائن أن يتسلق سلماً تُركت نهايته سائبة في الفضاء. وهو ما يهب الفراغ قوة هي ليست منه. في الحالين تبدو المحاولة كما لو أنها صُممت من غير هدف إلا المجازفة في القيام بفعل بطولي خارق ومدهش بغض النظر عما ينطوي عليه من عبث.

لا يخلو ذلك العبث من فكرة ثورية، عرف الفنان كيف يجسدها من خلال عمله الذي صور من خلاله ذلك الكائن الذي يحمل صخرة على هيئة كرة ثقيلة كما لو أنه يحتضن مصيره ليذهب به إلى مكان آمن. وكما أرى فإن النحات الذي عاش حياته مُقتلَعاً كان مضطراً إلى حمل ذاكرته بمحتوياتها التي لا تسرعلى الرغم من شعوره بعبثية ما يفعل.

ليس من الصعب القول إن النحات كان يقاوم غربته بمفردات معجمه الثوري الذي يهب الإنسان قدرة استثنائية على مقاومة الظرف التاريخي. تلك فكرة ملهمة تساعد على العيش على الحافات. كما أنها بالنسبة له فناناً تشكل منجماً لتحديات، هي في حقيقتها المنقذ من رتابة العيش الذي يمر من غير معنى. في أكثر حالاته انغماساً في التقاط مسراته السابقة لم يكن مكي حسين إنساناً سعيداً.

النحات السياسي مقاوماً

وبسبب تربيته اليسارية، كان مكي حسين يفكر في المآل الرمزي لكائناته المشدودة مثل حبل قلق بين آمالها المخيبة وهزيمتها. إنه يدرك أن المحتوى الحكائي سيتم استهلاكه عبر مرويات قد تخون الحقيقة؛ لذلك انتقل بكائناته إلى المجال الرمزي الذي تبدو من خلاله تلك الكائنات كما لو أنها قُدّت من مادة أثيرية. في منحوتته «عبير في حلم زيارتها لأهلها» استلهم حسين حادثة واقعية، جريمة ارتكبها الجنود الأميركان في الفلوجة عام 2004 يوم اغتصبوا الطفلة عبير وقتلوها. وها هي عبير تعود إلى أهلها من خلال منحوتة الفنان بعدّها رمزاً للمقاومة.

لم تكن الطفلة عبير جسداً سياسياً بقدر ما كانت وطناً لأسئلة المصير الوجودية التي كان النحات مصراً على مواجهتها. من خلال أكثر من عشرين عملاً نحتياً صغيراً لخص فيها موقفه من الاحتلال الأميركي، استعاد مكي حسين انسجامه الروحي مع الجسد بوصفه موطن حكايات ومنجم أسئلة. ولكن الصعوبة تكمن في أن فناناً بنى تجربته على التفكير في الخلاصات لا يمكنه أن يكون حكائياً. هنا بالضبط تكمن أهمية فن مكي حسين الذي يمكن عدّه حدثاً مهماً في تاريخ النحت في العراق. من خلال ذلك الفن لن نعثر على حكايات تم اختزالها في جملة واحدة. هي تلك الجملة يتناغم فيها الجسد مع مصيره وهو جسد لم يخن أبجدياته حين ملك القدرة على إخفائها.

كان مكي حسين دائماً نحاتاً سياسياً لكن برؤية جمالية أنقذت الوقائع اليومية من بنيتها الهشة لتهبها قوة الإلهام ورهافته.


رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو
TT

رامبو في مرآة العباقرة

رامبو
رامبو

«سأغادر أوروبا. هواء البحر سوف يحرق رئتي، والمناخات البعيدة الضائعة سوف تسمر بشرتي. السباحة، هرس العشب، الصيد والقنص، التدخين بشكل خاص. سوف أشرب سوائل كالمعادن التي تغلي كما كان يفعل أسلافي الأعزاء حول مواقد النيران».

«سأعود بأعضاء من حديد، الوجه أسمر، والعين حانقة. ومن خلال قناعي سوف يقولون إني أنتمي إلى عرق قوي. سوف أمتلك الذهب».

«كان ذلك في البداية دراسة. كنت أكتب الصمت، الليالي، كنت أعبّر عمّا لا يُعبَّر عنه، كنت أثبت الدوخان».

«لم يبقَ شكل من أشكال الجنون إلا وعرفته». «الصراع مع الذات لا يقل خطورة عن معارك الرجال».

«لكن لماذا نتحسر على شمس أبدية إذا كنا منخرطين في البحث عن النور الإلهي - بعيداً عن البشر الذين يموتون على الفصول».

«آه لو الأزمنة تجيء... حيث تشتعل القلوب».

(مقاطع متفرقة من فصل في الجحيم)

والآن دعونا ندخل في صلب الموضوع. ماذا يقول المشاهير عن أزعر فرنسا الأكبر: آرثر رامبو؟ ماذا يقولون عن هذا المتمرد الأفاق الثائر على كل الأعراف والتقاليد؟ ماذا يقولون عن هذا العبقري المتوهج أو المتأجج الذي فجَّر الشعر في كل الاتجاهات؟ الجميع يستغربون كيف يمكن أن ينهي كاتب ما حياته الأدبية وهو في سن العشرين فقط. كيف يمكن أن يختتمها في مثل هذه السن المبكرة؟ ثم يتساءلون: هل يعقل أن يحدث هذا الشخص ثورةً شعريةً كبرى وهو لا يزال طفلاً في الـ15 أو الـ16؟ لا يوجد تفسير مقنع لهذه الظاهرة التي حيَّرت البشرية. يمكن القول إن العبقرية هي انفجار جنوني أو إعصار بركاني يهب فجأة، ثم ينطفئ، ولا تفسير له غير ذاته. هل هناك من تفسير لهبوب الرياح أو تفجر الينابيع أو تدفق الشلالات؟ رجاء تفهموا الوضع: العبقريات استثنائية، وجنونها خارق واستثنائي أيضاً. لا تحاولوا تفسير الظواهر الخارقة. لا تقيسوها بمقاييسكم الضيقة.

يعترف لويس أراغون بأن رامبو كان الأب الروحي لقادة «الحركة السريالية»؛ من أمثال أندريه بريتون وسواه. يقول ما معناه: لقد كنا أول مَن رأى العالم على ضوء الشمس الساطعة لرامبو. ثم يضيف قائلاً: «في أحد الصباحات فتحت بالصدفة ديوان (الإشراقات)، وفوراً اختفت من أمامي كل الوجوه الكالحة والخائبة للحياة. فجأة شعرت بتدفق الحياة والحيوية في شراييني وعروقي بعد أن كنت يائساً شبه ميت... فجأة راحت البحار تزمجر، والأمواج تتصاعد فوق البيوت. فجأة راح طوفان نوح يغمر البشرية. ما هذا الشعر؟ ما هذا الجنون؟ يا إلهي ما أجمل الوجود في حضرة رامبو! فجأة راحت أزهار خارقة جديدة، لم أشهدها قط من قبل، تتفتح وتبتسم لي، وأكاد أقول تغازلني. فجأة راح عالم جديد بكر ينبثق أمامي ويتلألأ. رامبو يبدد الظلمات».

وأما ذلك المجنون الآخر تريستان تزارا، الذي أسَّس الدادائية أم السريالية، فيقول لنا هذه العبارة المدهشة: «بمعنى من المعاني يمكن القول إن شعر رامبو كان يحتوي منذ البداية على جرثومة تدميره أو بذرة تدميره. ولهذا السبب سكت نهائياً بعد العشرين. والشعر إن لم يكن تدميراً للشعر فما قيمته وما جدواه؟».

وأما موريس بلانشو، الذي بلغ بالنقد الأدبي الفرنسي ذروة العبقرية الخلاقة، فيقول لنا ما فحواه: لقد اتخذت فضيحة رامبو أشكالاً وأنواعاً عدة. فهو أولاً أتحفنا ببعض الروائع الأدبية والقصائد العبقرية التي لا يجود بها الزمان إلا قليلاً. وهو ثانياً سكت نهائياً وصمت صمت القبور، في حين إنه كان قادراً على إبداع قصائد أخرى جديدة لا تقل عبقريةً عمّا سبق. وقد أحبطنا ودمَّرنا بفعلته تلك. لقد أوصلنا إلى منتصف البئر وقطع الحبلة فينا. وهذه فضيحة كبرى. هذا ما لن نغفره له أبداً. ما فعله رامبو انتحار حقيقي، بل أفظع من الانتحار وأخطر من الجنون. إنه انتحار جماعي ضمن مقياس أنه نحرنا معه أيضاً. يا أخي لماذا تسكت عن الإبداع الشعري الأعظم في مثل هذه السن المبكرة؟ يا أخي لماذا تحرمنا من القصيدة وأنت قادر عليها؟ إنه الكفر المحض. لإيضاح كل ذلك اسمحوا لنا نحن العرب أن نقول ما يلي: هل تعتقدون أن المتنبي كان سيحرمنا من أعظم القصائد لو أنه عاش عشر سنوات إضافية فقط: أي حتى الستين؟ كان حتماً قد أتحفنا بديوان جديد آخر أهم من السابق. ولكنه قُتل في الخمسين وسقط مضرجاً بدمائه. وهذه أكبر كارثة حلَّت بتراثنا الأدبي والشعري على مدار 2000 سنة من تاريخه. لقد سقط المتنبي شاباً في عز العمر وأوج العبقرية: خمسون سنة فقط. ولا نزال ندفع ثمن هذه الجريمة منذ عام 965 ميلادية وحتى اللحظة. كنا نتمنى فقط لو أنهم اغتالوه في السبعين أو الثمانين بعد أن يكون قد نضب بركانه الشعري المتأجج وليس في الخمسين. أما رامبو فقد عاش 17 سنة إضافية دون أن يكتب حرفاً واحداً، دون أن ينبس ببنت شفة، دون أن يتحفنا بقطرة واحدة تروي الغليل. عيب عليك يا رامبو. اخجل على حالك.

وأما إيف بونفوا، فيقول لنا ما فحواه: إن عظمة رامبو تكمن في أنه رفض هامش الحرية الصغيرة الضيقة التي كان يؤمنها له عصره وبيئته وقريته. معظم الناس كانت تكفيهم تلك الحرية الضيقة الصغيرة ولكن ليس هو. ولذلك فضَّل أن يخوض تلك المعركة التراجيدية مع المطلق الأعظم حتى ولو تهشَّم رأسه على صخرته. وقد تهشم في نهاية المطاف في بلاد العرب، في حرار أو عدن أو اليمن... بمعنى آخر: لنا الصدر دون العالمين أو القبر. لا يوجد حل وسط في قاموس رامبو. ولكن هذا القرار الجنوني الذي اتخذه في غفلة من الزمن هو الذي جعل من أشعاره القصائد الأكثر راديكالية، وبالتالي الأكثر تحريراً وحريةً في تاريخ الآداب الفرنسية.

وأخيراً، لقد أتحفنا رينيه شار، رامبو القرن العشرين، بمقالة رائعة مطلعها: «حسناً فعلت إذ رحلت آرثر رامبو».