حمد الرشيدي: الأدب غير صالح للتعامل مع كارثة «كورونا»

صاحب «ليلى اليهودية» يقول إن روايته خليط من الحقيقة والخيال

حمد الرشيدي
حمد الرشيدي
TT

حمد الرشيدي: الأدب غير صالح للتعامل مع كارثة «كورونا»

حمد الرشيدي
حمد الرشيدي

أصدر الروائي الشاعر السعودي حمد حميد الرشيدي 4 روايات، ونحو 10 دراسات في القصة والنقد والتاريخ، وكان آخر أعماله الروائية «الصعاليك» التي صدرت هذا العام، سبقتها روايته ذائعة الصيت «مجنون ليلى اليهودية» 2016، ورواية «أقدام تنتعل السراب» 2007، ورواية «شوال الرياض» 1999.
كما أصدر مجموعتين شعريتين: «للجراح ريش وللرياح وكر» و«أبجديات الروح والجسد»، وقصصاً ممسرحة بعنوان «حكايات الرسول السعودي»، وقدم برامج في الإذاعة تهتم بالأدب العربي.
وهنا حوار معه، أجريناه عبر وسائل التواصل نظراً للتباعد الذي فرضته أجواء الفيروس:
> دعني أولاً أسألك: كيف ترى الأثر الثقافي الذي يمكن أن تخّلفه جائحة «كورونا» المستجد؟
- الحقيقة أن الكوارث الطبيعية والأزمات البشرية، وشيوعها أو تفشيها بين الناس، ليست بجديدة على التاريخ البشري، منذ أن خلق الإنسان على الأرض حتى الوقت الراهن. ومرض «كورونا» هو إحدى هذه الكوارث الطبيعية العالمية التي نواجهها اليَوْم. ومهما يكن من أمر هذا المرض، فإن «العزلة» التي تسبب بها بين الناس نتيجة فرض «حظر التجول» هذه الأيام، وضرورة البقاء في المنزل لمنع تفشيه، هي عزلة «اجتماعية صحية نفسية» مؤقتة، وسوف تزول قريباً، وليست عزلة ثقافية أو معرفية. طبعاً، لا ننسى أن التكنولوجيا الحديثة ووسائلها، كالإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها، ساهمت أيضاً إلى حد كبير بالتقليل من آثار هذه العزلة، على عكس ما كان في السابق، حين تتسبب مثل هذه الكوارث في القطيعة التامة بين الناس.
> كيف يمكن للثقافة أن «تخفف» من الاضطراب الذي يخلفه الرعب من «كورونا»؟ وهل يمكنها أن توفر بعض الطمأنينة؟
- إذا كان المقصود بكلمة «ثقافة» في السؤال هنا «الأدب بصفته فعلاً ثقافياً»، فإن الأمر يحتاج منا لوقفة، وذلك لأن «الأدب»، وإن كان فاعلاً مؤثراً بلا شك في كل الأحوال، غير صالح للتعامل المباشر مع مثل هذه الكوارث التي تتطلب تعاملاً مباشراً معها، كما هو حاصل مع «كورونا» الآن، لكون الأدب يقوم على التخييل والتصوير والتأمل والتفكر المتأني، وعلى التفسير «غير المباشر» للظواهر المحيطة، ولذلك يأتي فهمه والاستفادة منه عادة بطيئة ومؤجلة، لافتقاره لعنصر المباشرة في أثناء الأحداث الطارئة. وغالباً ما تظهر قيمة هذا النوع من الأدب، وهو ما يعرف بـ«أدب الأزمات» بعد انتهاء الكارثة أو الأزمة بوقت أو زمن ليس بالقصير، وليس في أثناء حدوثها. ومثل ذلك نجده في أعمال أدبية تنتمي لأدب الأزمات نالت شهرة عالمية واسعة، مثل «الطاعون» للكاتب الفرنسي ألبير كامو، و«الحب في زمن الكوليرا» للكاتب الكولومبي ماركيز، وغيرهما. فمثل هذه الأعمال لم تعرف قيمتها وأهميتها في وقتها، ولكن بعد أن انتهت الكوارث الداعية لتأليفها. إذن، يمكنني القول: إن أدب الأزمات والكوارث كالتحفة أو القطعة الأثرية التي تزداد قيمتها مع مرور الزمن، رغم أنها قد لا تحظى بهذه الأهمية لدى الناس من معاصريها في وقتها الذي وُجِدتْ فيه.
> هل يمكن أن ينتعش أدب الوباء أو أدب الخوف في هذه المرحلة أو بعدها؟
- ما يجعل «أدب الخوف والأزمات والأوبئة» قابلاً للانتعاش أكثر لدى عامة الناس أنه يوفر لهم التعاطف الإنساني مع الكاتب صاحب المعاناة، بشكل يفوق تعاطفهم أو تأثرهم بكاتب يتحدث لهم عما يسعده أو يبهجه ويضحكه.

ليلى اليهودية
> مرت 4 سنوات تقريباً على صدور روايتك «مجنون ليلى اليهودية». بعدها صدرت في السعودية عدة روايات تتناول الحالة اليهودية... ما الذي يجعل روايتك مختلفة؟
- هذه الرواية عندما صدرت كانت -ولا تزال- لها ردود فعل متباينة من قبل عامة القرّاء، منها ما هو مؤيد لما طرحته فيها، ومنها ما هو معارض أو ساخط نتيجة تفسير بعض هؤلاء للعمل تفسيرات شتى، أبرزها اتهامه بأنه محاولة لتطبيع العلاقات مع الوجود اليهودي في المنطقة العربية. وربما كانت هناك تفسيرات أخرى، أدلى بها بعضهم بدلوه، لها طابع شخصي ومبنية على رؤى أحادية وأحكام جاهزة مسبقاً. وقد نسي جميع هؤلاء أو فات عليهم أني أتعامل مع الموضوع اليهودي تعاملاً أدبياً فنياً، بصفة الكاتب أو الروائي الذي يدخل الخيال والتصوير والرمز ويوظفه بنسبة كبيرة في عملي هذا، وهو خليط من الحقيقة والخيال. والأدب -كما هو معروف- فن له تقنياته وأدواته الخاصة به، التي تمكنه من تجاوز الواقع. وعليه، فأنا هنا أكتب «رواية أدبية»، ولست مؤرخاً أو باحثاً يقدم بحثاً علمياً على أسس علمية منهجية، أو يتناول اليهودية وتاريخها تناولاً موضوعياً مجرداً لا يمكنه الحياد عنه. وعلى أي حال، تقوم جميع هذه الآراء المتباينة على مبدأ التكهن والتوجس والاحتمالات التي لا تستند إلى دليل واضح، وأنا احترمها حتى إن كانت غير صحيحة، لأن من حسناتها أنها أثارت الجدل حول الرواية لدى نشرها. وهذا الجدل أو الخلاف هو ما جعل «الرواية مختلفة» فعلاً، وكأنها قد ألقت حجراً حرك المياه الراكدة!
> لماذا اخترت الدخول للموضوع اليهودي من خلال «ليلى شالوم اليهودية»؟
- لأن الشخصية اليهودية، وخاصة عندما تكون (امرأة)، تتمتع برموز تاريخية وأسطورية، ومماحكات ومأثورات خرافية، ومغالطات كثيرة سجلها التاريخ منذ القدم عن اليهود، بصفتهم قوماً أهل «شقاق ونزاع وتعنت وجدل وخلاف دائم مع غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى» كما في المخيال العام، وهذا ما وفر لي مساحة كبيرة لأن أوظف أو أتناول «الشخصية اليهودية» وتاريخها من زوايا عدة، على عكس فيما لو قمت باختيار شخصيات عادية من ديانات أخرى، فقيرة بالجانب التاريخي والأسطوري ورموزه، بحيث لا ينجذب إليها القارئ، ولا تثير اهتمامه في شيء.
> كثير من الأعمال الروائية تلج للمجتمع اليهودي من خلال فتاة يهودية فائقة الجمال؛ نموذجك هو «ليلى» التي سحرت ألباب الشباب في مصر... لماذا تختزل المرأة أسباب الغواية، حتى في إسقاطها القومي والسياسي؟
- الجمال -بمعناه المطلق- مثير لغواية الإنسان بطبيعته، خاصة عندما تكون «المرأة الجميلة» طرفاً في هذه الغواية، بحيث يتهيأ لها من سبل الغواية ما لا يتهيأ لغيرها من بنات جنسها الأقل منها جمالاً. يقول الكاتب العربي الكبير توفيق الحكيم في نظرته لجمال المرأة: «الجمال مهما يكن نوعه من خارجي وداخلي هو العذر الوحيد الذي به تُغْتَفَرُ للمرأة تفاهتها وحماقتها». كما يقول الكاتب الناقد الفرنسي أناتول فرانس أيضاً في نظرته الواسعة للجمال: «إن ميدان الجمال واسع، تكثر فيه المتناقضات». ولهذا السبب كانت «ليلى» في روايتي هذه شخصية مثيرة للجدل والغموض والريبة، نظراً لما تتمتع به من جمال فائق.
> هل كانت الرواية حقاً -مثلما قال عنها بعض النقاد- بمثابة «محاولة لإعادة قراءة التاريخ العربي»؟ وهل تصلح الرواية الأدبية لخوض هذه التجربة؟
- نعم! ما قاله أمثال هؤلاء عن الرواية أراه ينطبق عليها بنسبة كبيرة. إن بعضاً من الحقائق والوقائع والأحداث التاريخية لا يمكن فهمها أو تفسيرها في وقتها الذي حدثت فيه، بل بعد أن يمر عليها وقت أو زمن قد يطول أو يقصر. ولذلك يقول الزعيم النازي الألماني أدولف هتلر «إن بعض الناس يقرأون التاريخ ولا يفهمون منه شيئاً». كما أقول أيضاً إن الرواية -بصفتها جنساً أدبياً- تعد من حيث الشكل والمضمون صالحة لخوض التجربة التاريخية لأنها من أقدر وسائل التعبير الأدبي وأكثرها استيعاباً لقيم ومفاهيم إنسانية كثيرة، بشكل لا توفره للكاتب غيرها من فنون التعبير الأخرى.
> روايتك الأخيرة «الصعاليك» قدمت تجربة توظيف تقنيات متعددة -كالشعر والمسرح- فهل كانت حقاً كما وصفت من أنها «رواية متأخرة لمسرحية مبكرة»؟
- أجل! «الصعاليك» أعدها خليطاً من الفنون الأدبية في قالب واحد.
> لديك كثير من الكتب والإصدارات التي رصدت الإنتاج العربي والسعودي تحديداً... كيف ترى تطور التجربة الروائية في السعودية؟
- عموماً، الرواية العربية في العقد الأخير من الزمن تحديداً لاقت رواجاً كبيراً لدى القارئ العربي، بشكل لم يسبق له نظير من قبل. لكن لأكون صريحاً معك إلى حد كبير -وبصفتي متابعاً لكثير مما ينشر من روايات في الوطن العربي- حين أقول إن هذا التدفق المهول الذي نشهده الآن لصدور كم هائل من الروايات، خلال زمن قصير نسبياً، كان للأسف الشديد على حساب «الكيف» بشكل سافر فج! وهذا كانت له ردود فعل ونتائج سلبية على المشهد الروائي برمته، بسبب أن معظم ما ينشر من هذه الروايات لا يرتقي إطلاقاً للمستوى المطلوب. وهذا الكلام ينطبق على الواقع الحالي للرواية العربية كلها، بما فيها الرواية السعودية.
> ما أكثر الفترات ثراء في عمر التجربة الروائية في المملكة؟
- منذ عقد مضى من الزمن تقريباً حتى الآن؛ أعتقد أنها أكثر الفترات ثراء في عمر التجربة الروائية لدينا، ليس بالنسبة للرواية السعودية فحسب، بل يشمل أيضاً المشهد الروائي العربي كله. ولكن كما ذكرت آنفاً، فإن هذا الثراء -للأسف- «كمي»، وليس كيفياً.



جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»
TT

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

جائزة «أفضل رواية عربية» لأنطوان الدويهي عن «الشتاء الكبير»

بعد حيازته عام 2015 جائزة «أفضل عمل روائي لبناني» عن كتابه «غريقة بحيرة موريه»، التي منحته إياها وزارة الثقافة اللبنانية، أعلنت هيئة الشارقة للكتاب منحها جائزة «أفضل رواية عربية» للزميل الشاعر والروائي والباحث

أنطوان الدويهي

عن رائعته الأخيرة «الشتاء الكبير»، التي كانت «الشرق الأوسط» نشرت مؤخراً حواراً معه حولها.

وتشكّل هذه الجائزة للدويهي مفاجأة نظراً لبعد الكاتب عن الأضواء وتنسّكه في نشاطه الأدبي، فهو دائم الإقامة في الذات، ومنعزل منذ زمن طويل في خلوته على كتف وادي قزحيّا في أعالي جبل لبنان.

وترتكز أعمال الدويهي الأدبية والشعرية والسردية على عوالم الذات، وهي مستمدة بكاملها من «يوميات الحياة الداخلية»، المستمر في صوغها منذ سن الرابعة عشرة إلى اليوم، ولا مصدر آخر لكتاباته، بحثياً كان أم توثيقياً. ومن هنا وحدة عالمه الأدبي العميقة، وتكامله، ووحدة لغته وهواجسه ومشاعره، ورؤاه الجمالية في كل أعماله المتوالية على مدى ثلث قرن، من «كتاب الحالة» عام 1993 إلى «الشتاء الكبير» الصادر حديثاً.

ومن أهم مفاعيل هذه الجائزة أنها تلفت القراء العرب إلى أديب مختلف، بالغ الخصوصية في الآداب العربية، في غوصه في أعماق النفس البشرية وتماهيه مع روح الأمكنة والمشاهد والحالات، حيث تلتقي ذات الفرد بذات الأرض وذات الجماعة. وبهذا المعنى ذكر عنه الشاعر أنسي الحاج: «ماذا كتب؟ كتب ذات فرد وذات أرض وذات شعب». وذكر أيضاً: «يُقرأ أنطوان الدويهي كما تُفرد حبات اللؤلؤ». وبهذا المعني أيضاً كتب الأديب والصحافي سمير عطاالله: «منذ أن بدأت في قراءة الدويهي، اعتدت الانجذاب في غبطة إلى هذا الخدر الآسر الأثير. فليس أهنأ إلى نفسي من قلم له هذه التجربة في عمق الذات، وله مثل هذا الصمود في عمق النقاء».

وتأتي هذه الجائزة لتتجاوز الاتجاه الذي بات سائداً لدى عديد من الروائيين العرب، وفي الغرب أيضاً، الذي يمكن اختصاره بعبارة «أدب الموضوعات»، حيث ينتقل الروائي في كل عمل جديد من موضوع إلى آخر، يحشد له في كل مرة المعلومات البحثية والتوثيقية، وبات يشارك في صنعه في أحيان كثيرة الذكاء الاصطناعي. ويشكل هذا المنحى ابتعاداً عن عوالم الأدباء الذاتية، ونزوحاً من «أدب الكتّاب» إلى «أدب القراء» وفقاً لمنطق السوق وحركة العرض والطلب التجارية. أما أدب الدويهي، المستند إلى وحدة الحياة الداخلية في الزمان وفرادتها وذاتيتها وخصوصيتها وعمقها، فهو إعادة اعتبار للأدب الكبير، وهو النقيض الأمثل لعالم كتابي يغرق أكثر فأكثر في متاهات وسائل التواصل الاجتماعي ومؤثرات الذكاء الاصطناعي التي تقود إلى نهاية الأدب.

في «الشتاء الكبير»، يروي الدويهي عذابات سن السابعة عشرة، ويستحضر الذاكرة والمكان، بلغة عميقة وفلسفية ومتينة، تمزج بين التأمل ووصف الطبيعة واستكشاف أثر العنف والذاكرة على الإنسان. نحن أمام رواية رمزية وفلسفية تبحث في سلوك الإنسان وعلاقته بذاته، وتقوم على التأمل الذاتي الذي يعيشه الراوي، وعلى علاقته بالحياة والموت والعنف والحرب. أما الشخصيات الأخرى، فهي أقرب إلى ظلال تحيط به، ووجودها وظيفي لتحريك السرد أكثر مما هو محوري في بنية النص. وفي تأملاته العميقة، يناقش الدويهي ظواهر العنف والثأر والدم المستباح، ويربطها بالسلوك الفردي والجماعي، متسائلاً عن فكرة المسؤولية الجماعية وتأثيرها على النمط المتوارث في الثأر العائلي.


التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى
TT

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

التراجيديا العراقية وأسئلة الهوية والخيانة والمنفى

«لا أحد يعرف كيف مات. أكانت إبرة صغيرة حقنوا بها وريده ليعجلوا له بموت رحيم، أم سكتة باغتت قلبه من فرط الوحدة؟ أم إنه انتحر، حين لم يجد للحياة محاكمة أعدل من الموت؟ هكذا ظل موته قيد القيامة، مثل حياته تماماً».

كان يمكن لهذا المقطع المتعلق بموت ميخائيل، بطل رواية جاسم سلمان «وقوفاً على الأصابع»، أن يخفف بنسبة أو بأخرى، من شغفنا بقراءة العمل الذي آثر المؤلف أن يكشف منذ اللحظة الأولى عن مآل بطله الأخير، ولكن ما حدث هو العكس تماماً. ذلك أن المفتتح الروائي الذي طُرحت من خلاله واقعة الموت، والذي يتراوح بين الإخبار والاستفهام، فضلاً عن الأسئلة المتعلقة بمعنى الوجود نفسه، وفّرا لنا كقراء دوافع عديدة لمتابعة العمل، ليس الفضول سوى واحد منها.

في الصفحات الأولى للرواية، نتعرف على المحطات الأبرز في حياة ميخائيل، العراقي المسيحي، الذي وُلد في البصرة، وفقد أباه في حرب الخليج الثانية، ثم انتقل مع أمه إلى بغداد ليقيم في أحد أحيائها الفقيرة، حيث كان البشر بمختلف طوائفهم وعصبياتهم، يتخالطون دون فوارق. ومع إنهائه المرحلة الثانوية، يقرر ميخائيل دراسة اللغة الإنجليزية، والالتحاق بقسم الترجمة التابع لكلية الآداب في الجامعة المستنصرية.

بين أروقة الجامعة، يتعرف ميخائيل إلى ماري، الطالبة الجميلة والمتوقدة ذكاءً، التي كانت هي الأخرى قد فقدت أباها وخالها في يوم واحد، بعد أن لُفقت لهما تهمة الانتماء إلى أحد الأحزاب المناوئة للزعيم القائد. وحيث لم يتأخر المتخرجان العاشقان في تتويج علاقتهما بالزواج، تدبر لهما التراجيديا العراقية فصلاً آخر من فصولها، فيفقدان المولود الذكر الذي أنجباه في تفجير كنيسة «سيدة النجاة». ومع انعدام فرص العمل أمام الزوجين، لم يجد ميخائيل بداً، ورغم صراعه الضاري مع نفسه، من التعاون مع القوات الأميركية التي قامت بغزو العراق في مطلع القرن، والتي أعلنت عن حاجتها إلى مترجمين فوريين.

غير أن المبلغ الذي كان ميخائيل يتقاضاه عن عمله مترجماً، وإن منحه شعوراً بالأمان المعيشي، إلا أنه سلب منه بالمقابل احترامه لنفسه ورضاه عن الخدمات التي يقدمها لغزاة بلاده. وهو شعور لم يخفف منه كرهه للنظام البائد وما ألحقه به وبزوجته وبالشعب العراقي بأسره من كوارث. وعلى طريقة المثل القائل «إذا خفت من شيء فقع فيه»، لم يجد المترجم الفوري ما يفعله، إزاء مئات البشر يبعثون له برسائل التهديد، سوى الهجرة إلى أميركا، رغم علمه الأكيد بأن نجاحه في الفرار من العراق، لا يعني أبداً أن العراق، الهوية والمعنى، سيكف عن ملاحقته أينما ذهب.

وتعبيراً عن شعوره العميق بخيانة شعبه وأرضه ونفسه، لم يجد ميخائيل ما يجيب به موظف الجوازات في نيويورك، وهو يسأله عن مهنته، سوى التلفظ بكلمة «خائن»، على نحو عفوي ودون تفكير مسبق. ومع أن نيويورك الزاخرة بالصخب والشبيهة بالمتاهة، لم تكن لتبدو مدينة سهلة وأليفة في عيون قاصديها، فإن ما خفف من شعور زائريها الجديدين بالغربة، هو عثورهما السريع على نماذج من البشر، يشاركونهما الهوية نفسها، والشعور إياه بثقل المنفى ووطأة التمزق. وكان بين هؤلاء جوزف، العجوز اليوناني من أصل مصري، المهتم بالكتب والمخطوطات القديمة، والذي عرض على ميخائيل مساعدته في ترجمة بعض الأعمال الأدبية والتراثية. وبينهم ليزا، زوجة جوزف، وهارون، الشاعر السوري الصعلوك الهارب من نظام «الأبد» الدموي، وروبن، بواب البناية الأميركي، الذي شارك ابنه جيمس في غزو العراق، وتزوج من فتاة عراقية، قبل أن يعود إلى بلاده مقطوع الرجلين.

وبينما يتبدى للقارئ بأن الاندماج في المنفى هو الحل الأمثل لمأزق «الهويات القاتلة»، والاغتراب الخياني عن الذات، ينعطف سلمان بعمله الملحمي نحو مسالك غير منتظرة، حيث يقرر أبطاله جوزف وليزا وميخائيل وماري وهارون، العودة ثانية باتجاه الشرق؛ بحثاً عن كتب مرجعية ومخطوطات قديمة، ليست في حقيقتها سوى إلحاح الذات المهددة في البحث عما يعصمها من الإمحاء. أما الثري التركي تيمور طابال الذي تلتقيه الزمرة القادمة إلى إسطنبول، والذي يأسره جمال ماري، فبدا إدخاله على خط السرد، محاولة لإظهار الجانب الآخر من الصورة، حيث تجد الذات المستلبة، في مراكمة الثروات والتماهي مع الغرب؛ ما يجنبها عناء الأسئلة المقلقة والتأرجح المرير بين الخيارات.

وإذ يقرر ميخائيل وهارون إكمال الرحلة باتجاه ماردين وبعض المدن الأخرى؛ أملاً في الحصول على ضالتهما المنشودة، تنتقل الحدود المتداخلة بين الشرق والغرب، إلى داخل كل منهما، حيث تعمقت على نحو مأزقي، الأسئلة المتعلقة بالهوية والتاريخ ونشوء الحضارات ومعنى الوطن والخيانة. وفي ظل هذا الوضع المأزقي، يقع هارون في غرام غجرية حسناء، ويقرر الارتماء في كنف الحرية المطلقة، بعد أن قال له صديقه الغجري «اترك كل شيء وراءك وانسحب. دعك من الأزمنة والأمكنة». ومع إصرار ميخائيل على إكمال المهمة التي جاء من أجلها، واختفائه اللاحق على نحو مبهم، لا يبقى أمام زوجته ماري وصديقيه جوزف وليزا، سوى العودة من دونه إلى نيويورك.

واللافت، أن تقدم السرد وتشعبه، لم يتسبب بترهل العمل، أو بجعله باعثاً على السأم، بل تستمر الرواية في تصاعدها، مع وقوع ميخائيل في حالة من الانشطار الهذياني بين الواقعي والمتخيل، عائداً حيناً إلى الحقبة الأندلسية، وما صحبها من ازدهار فكري وحضاري، ومتماهياً مع كريستوفر كولومببس في فتحه لأميركا حيناً آخر. ثم تتوالى المفاجآت مع تعرض المترجم العراقي للخطف من قبل المخابرات الأميركية، بعد أن وجهت إليه تهمة الخيانة، عبر تعمده ترجمة النصوص والحوارات المكلف ترجمتها بطريقة خاطئة ومحرّفة؛ الأمر الذي أدى إلى مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

ليس من المبالغة القول إن العمل بمثابة ملحمة روائية معاصرة لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده

إثر ذلك يُحمل ميخائيل إلى أميركا، ليساق إلى المحاكمة، بحضور أصدقائه الذين تلقوا النبأ الصادم عن طريق الإعلام، وزوجته ماري التي أصابها بالذهول إزاء الحقيقة التي أُخفيت عنها طيلة سنوات. وإذ تهتف ماري بزوجها قائلة: «لماذا لم تخبرني أنك لم تخن أهلك في العراق؟»، تذكرنا بصرخة السائق في رواية غسان كنفاني «رجال في الشمس»، الذي اكتشف أن الفلسطينيين الذين خبّأهم داخل شاحنته قد قضوا نحبهم من شدة القيظ، فهتف بهم قائلاً: «لماذا لم تقرعوا باب الخزان؟». وإذ تبلغ الفانتازيا ذروتها مع التطابق التام بين الخريطتين الجينيتين لكل من كولومبس وميخائيل، يصرّ الأخير على تحويل موته لغزاً آخر، شبيهاً بحياته نفسها، حيث لا دليل واضحاً على انتحاره، أو إعدامه بكرسي كهربائي، أو وفاته الطبيعية بفعل عجز جسده عن تحمل الصدمات.

وليس من المبالغة القول بأن العمل الذي قدمه جاسم سلمان إلى قرائه، هو بمثابة ملحمة روائية معاصرة، لا تنغلق دائرتها على الشأن العراقي وحده، بل هي تبلغ من الاتساع؛ ما يجعلها تلامس الأسئلة الأكثر عمقاً، التي تتعلق بنشوء الحضارات وتحولاتها، وبمعنى الهوية والانتماء وعلاقة الوطن بالمنفى، والأنا بالآخر. كما تتحول الرواية في الوقت ذاته، إلى مضبطة اتهام متعددة الوجوه لواقع العصر ومآلاته، حيث يتم تزوير القيم، ويبلغ الفساد ذروة استشرائه، ويحكم الأقوياء قبضتهم على العالم. ولم يكن أمراً بلا دلالة أن يطلب هارون من مرضاه، وقد اختار التحول إلى مدرب رياضي في إحدى المصحات، الوقوف على أصابعهم أطول مدة ممكنة؛ بهدف امتحان قدرتهم على الصبر. ذلك أن مثل هذا النشاط، الذي جعله المؤلف عنواناً لروايته، يمكن أن يعصم الأفراد والجماعات، من الوقوع في شرك الخنوع والاستسلام، ويساعدهم على اجتياز الامتحان الصعب للحرية المنشودة.

أما تساؤل المؤلف بلسان جوزف، عن معنى الخيانة، وعما إذا كان ميخائيل قد خان بلاده حقاً، أم أن بلاده هي التي خانته، فهو السؤال الأكثر التباساً وتعقيداً الذي دفع المترجم العراقي حياته ثمناً له. وهو السؤال نفسه الذي طرحه بدر شاكر السياب على نفسه وعلى العالم، حين هتف في قصيدته «غريب على الخليج» قائلاً:

إني لأعجب كيف يمكن أن يخون الخائنونْ

أيخون إنسانٌ بلاده؟

إن خان معنى أن يكونَ،

فكيف يمكن أن يكونْ؟


جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
TT

جلساء العرش الأموي

مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر
مجسّمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي نواحي تدمر

تطوّر فن النقش التصويري خلال العصر الأموي حيث اعتُمد بشكل أساسي في صوغ الحلل الزينية الخاصة بالمنشآت العمرانية المدنيّة التي شيّدها الخلفاء في نواح متعدّدة من صحاري بلاد الشام. اتضحت معالم هذا الفن في ثلاثينات القرن الماضي عند اكتشاف أطلال قصر يقع شمال أريحا، يُعرف اليوم باسم قصر هشام، قابله اكتشاف أطلال قصر آخر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف باسم قصر الحير الغربي. من بين أطلال هذين القصرين، خرج كمّ هائل من القطع التصويرية، دأب أهل الاختصاص على تصنيفها وتحديد موقعها الأصلي منذ اكتشافها. عرفت بعض هذه القطع شهرة واسعة، وظلّ البعض الآخر في الظل، مصدر بعضٍ منها قصر الحير الغربي، ومنها تبرز ثلاثة مجسّمات يمثّل كلّ منها قامة على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي انتشر انتشاراً واسعاً خلال الحقبة الرومانية.

تعود هذه المجسّمات إلى القاعة التي تشكّل مدخلاً للقصر، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طول كلّ منها نحو نصف متر. التأليف الجامع واحد؛ قامة آدمية تجلس بثبات في وضعية المواجهة على عرش وثير. ارتبط هذا النموذج عند تكوينه بالتصاوير الإمبراطورية المتعدّدة، وعُرف في معجم الفنون الكلاسيكية باسم «العرش الإمبراطوري». انتقل هذا النموذج إلى الفن المسيحي في القرن الرابع، حيث ظهر المسيح مترّبعاً عليه، وظهرت أمّه السيدة مريم العذراء في وضعية مماثلة، وتحوّل هذا المثال إلى ركن ثابت من أركان الفنون المسيحية، على اختلاف أنواعها. تبنّى الفن الأموي هذا المثال كما يبدو، وأعاده إلى صفته الإمبراطورية الأولى، كما تشهد قطعة تعود إلى واجهة القصر الداخلية، سقط منها النصف الأعلى للأسف. يبلغ طول ما تبقّى من هذا النقش الناتئ متر، وعرضه 90 سنتيمتراً، وفيه يظهر العرش بقواعده، مع منصة في الوسط تستريح عليها قدما جليسه الملكي.

تُعتبر هذه القطعة من أشهر قطع قصر الحير الغربي، وهي ليست فريدة من نوعها، إذ تقابلها المجسّمات الثلاثة الأصغر حجماً. لم تصل هذه القطع بشكل كامل، وهي تتشابه من حيث التكوين، غير أنها تختلف اختلافاً كبيراً في التفاصيل، وأكملها قطعة تمثّل رجلاً ملتحياً، يجلس على عرش سقط الجزء الأسفل من قاعدته، ومعه سقطت قدما صاحبه. كتلة الرأس بيضاوية، يكلّلها شعر طويل ينسدل من خلف الأذنين، مع شق في الوسط، يفصل بين خصل الشعر التي تحد الوجه من الجهتين بشكل متناسق. العينان مفتوحتان، وجفناهما محدّدان، ويعلوهما حاجبان عريضان منفصلان. سقط الأنف الناتئ، غير أن تكوينه بقي ظاهراً. الفم صغير، وقوامه شق يفصل بين شفتين غابتا تحت شاربين عريضين تتصلان بلحية كثيفة حدّدت خصلها بشبكة من الخطوط الغائرة. يغيب الجسد تحت رداء فضفاض، يعلوه معطف يلتف حول الكتفين والصدر، كاشفاً عن ذراعين ترتفعان في اتجاه الصدر، سقطت منهما اليد اليمنى. الركبتان متباعدتان بشكل طفيف، والقدمان متلاصقتان كما يبدو. يغلب على هذا النقش الأسلوب الكلاسيكي، غير أنه يحمل مسحة محلية خاصة، تظهر في رسم ثنايا اللباس، وفقاً لأسلوب اتبع بشكل واسع في ميراث تدمر الفني.

تتكرّر صورة العرش في المجسمين الشبيهين، وتحضر في كلّ منهما امرأة، فقدت إحداهما رأسها بشكل كامل. يظهر الرأس الذي نجا على قامة فقدت ذراعيها، وتبدو ملامح وجهه تدمرية بامتياز. العينان ضخمتان وشاخصتان، مع بؤبؤ دائري غائر في وسط كلّ منهما. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان. الفم والثغر مهشّمان. الشعر معقود حول الهامة، وخصله المرصوفة أشبه بشبكة زخرفية. اللباس بسيط، زينته عقد لؤلؤي تتدلى منه قلادة مربعة عريضة، وحزام مجدول ينعقد حول الخاصرة. الساقان متباعدتان، والقدمان ممدودتان أفقياً، وهما في وضعية جانبية.

تظهر المرأة الأخرى في وضعية مشابهة، زينتها عقد لؤلؤي تتوسّطه قلادة مستديرة تتدلّى منها ثلاثة فصوص بيضاوية، وحزام يأخذ شكل سلسلة من الحلقات المترابطة. تتميّز جليسة هذا العرش بما ترفعه ذراعاها نحو الأعلى. تنتصب اليد اليمنى عمودياً، وتحمل كتلة تبدو أشبه بكوز من الرمان، يقابلها عنقود من العنب يحتلّ طرف العرش الوثير. في المقابل، تمسك اليد اليمنى بقرن عريض، وهو في قاموس الفن الكلاسيكي «قرن الوفرة» المليء بثمار الأرض، وقد في القرن الخامس قبل الميلاد فارتبط بسيد العالم السفلي الذي عُرف باسم «هاديس»، أي «مانح الثروة»، كناية عما يحمله باطن الأرض من كنوز تشكّل جزءاً من مملكته. وارتبط في مرحلة لاحقة بسيدة الازدهار «تيكه»، سيدة الحظ السعيد والنجاح والازدهار ووفرة الغلال.

تعدّدت صور هذه السيدة ورموزها في الحقبة الرومانية، فبات لكل مدينة مزهرة «تيكه» خاصة بها. تجرّدت هذه الصورة في الحقبة البيزنطية فبقيت رمزاً لثراء الأرض الطيبة، ودخلت الفن الأموي المدني من هذا الباب، كما تشهد جداريات قصير عمرة في صحراء الأردن، حيث تحضر في الركن الذي يُعرف بـ«ركن العرش».

في الخلاصة، تُشكل مجسّمات قصر الحير الغربي من خلال هذه المقارنة صورة منقوشة موازية لهذا الحضور التشكيلي. يحضر المَلك على عرشه، وتجاوره وصيفتان تجسّدان الثراء والوفرة والعطاء، وهي المزايا التي تتميّز بها سلطته الملكية الصالحة.