رئيس «المصارف» اللبنانية: لا مفر من طلب دعم صندوق النقد

صفير أوضح لـ «الشرق الأوسط» أن المالية العامة أولى بإعادة الهيكلة و«الثقة مفتاح الإنقاذ»

خيبة أمل كبيرة حيال فرض العبء المالي لحل المشكلة المالية على المودعين اللبنانيين... وفي الاطار سليم صفير (رويترز)
خيبة أمل كبيرة حيال فرض العبء المالي لحل المشكلة المالية على المودعين اللبنانيين... وفي الاطار سليم صفير (رويترز)
TT

رئيس «المصارف» اللبنانية: لا مفر من طلب دعم صندوق النقد

خيبة أمل كبيرة حيال فرض العبء المالي لحل المشكلة المالية على المودعين اللبنانيين... وفي الاطار سليم صفير (رويترز)
خيبة أمل كبيرة حيال فرض العبء المالي لحل المشكلة المالية على المودعين اللبنانيين... وفي الاطار سليم صفير (رويترز)

أكد رئيس جمعية المصارف في لبنان الدكتور سليم صفير، أن إعادة بناء الثقة تشكل المعبر الإلزامي لإنقاذ لبنان، وينبغي أن تكون العنوان الأبرز لأي خطة معالجة شاملة تكفل انتشال الاقتصاد من أزمته العاتية، ومعالجة الفجوات المالية والنقدية التي تنذر بتداعيات أكثر إيلاما اجتماعيا ومعيشيا... وهذه مهمة ذات أولوية على رجال الدولة اعتمادها، بدلا من حصر التوجهات بإعادة الهيكلة لمؤسسات استراتيجية كالبنك المركزي والقطاع المصرفي.
وقال صفير لـ«الشرق الأوسط»: «ما دام أن نواة الأزمة تكمن في المالية العامة، فإنه ينبغي توجيه الاهتمام وصوغ الاقتراحات الملائمة لمعالجة أصل المشكلة، ومن ثم التعامل مع ما أنتجته من فجوات وتداعيات على الاقتصاد وقطاعاته المنتجة. فعندما يتم الإصلاح الهيكلي للمالية العامة ويستقيم حساب الموازنة بين المداخيل والإنفاق، يمكن السعي إلى تحقيق فائض أولي يغطي أقساط المستحقات المتوجبة على الدولة، وتنتفي تدريجيا عوامل التهيب من إدارة الدين العام، وتتمكن الدولة من تسديد موجباتها تدريجيا لدائنيها، ويعود التوازن تلقائيا إلى ميزانيات البنك المركزي والجهاز المصرفي».
ونبه إلى ضرورة حسم الخيارات الحكومية بشأن أولوية ضخ سيولة جديدة من العملات الأجنبية عبر مصادر خارجية، وعدم الاعتماد على احتياطيات البنك المركزي فقط لسد الاحتياجات التمويلية الملحة. فـ«شراء الوقت» المتاح حاليا من خلال استعمال مخزون العملات الأجنبية في تغطية مستوردات السلع الأساسية كالمحروقات والقمح والدواء، سيصبح تباعا أكثر صعوبة مع استنزاف هذا الاحتياطي، الذي يمكن استثماره بفاعلية وقيمة مضافة أعلى في حال العمل على فتح قنوات الدعم المالي الخارجي وتعزيز رصيد «الثقة» المحلية والدولية.
ويقر صفير بأنه لا مفر من اللجوء إلى صندوق النقد الدولي الذي يتيح لأي بلد تعظيم حصته الاقتراضية في الظروف الاستثنائية، على أن يتم في مرحلة لاحقة إعادة إنعاش وتسريع التزامات مؤتمر «سيدر» البالغة نحو 11.6 مليار دولار على هيئة قروض ميسرة لصالح القطاعين العام والخاص ولمشاريع البنى التحتية. وهذا المسار هو الأفضل والممكن في ظل تعذر طرق أبواب الدعم الإقليمي والدولي التقليدية التي اعتادها لبنان في أزماته السابقة بسبب عراقيل محلية وخارجية. وقد ازدادت الأمور صعوبة بفعل الوقائع التي أفرزها «فيروس كورونا» على الملاءة المالية للدول والأسواق العالمية، حيث يتم توجيه جزء كبير من الاحتياطيات لحماية الاقتصادات والأسواق في أغلب دول العالم.
وإذ تقدر الفجوة التمويلية ما بين 20 إلى 25 مليار دولار، فإن تأمين نصف هذا المبلغ أو أكثر عبر برنامج خاص مع الصندوق، سيمنح لبنان فرصة كبيرة لإعادة تصويب مجمل الأوضاع المالية والنقدية، فإن أي دعم مالي خارجي -كما يعتقد صفير- سيشترط أن تقوم الدولة بتنفيذ خطة إصلاحية شاملة إداريا وماليا، والخروج نهائيا من مشكلة الكهرباء التي تكبد البلاد نحو ملياري دولار سنويا.
ويوضح أن «قرار الإصلاح منوط بالسلطات، وهي تكرر قناعاتها بأولويته، كما التزمته الحكومة في بيانها الوزاري. ومع الأخذ بالاعتبار المعطيات المستجدة بعد اندلاع الاحتجاجات الشعبية منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وما رفعته من مطالب مشروعة، فإنه من السهل اعتماد برنامج متكامل من خلال جمع وتنسيق برامج الإصلاحات المتعددة، وبينها اقتراحات مقدمة سابقا من الصندوق وبرنامج يحظى بموافقته سبق أن قدمته الحكومة السابقة إلى مؤتمر المانحين في باريس. إضافة إلى الدراسة المستفيضة التي أعدتها الشركة الاستشارية «ماكينزي» والتقارير الدورية الخاصة بلبنان التي يصدرها البنك الدولي».

رسالة الاستشاري المصرفي

في سياق متصل، عبرت جمعية المصارف، عبر رسالة وجهها الاستشاري الأميركي «هوليكان لوكي» ردا على مسودة الخطة التي أسهمت شركة «لازارد» بإعدادها بصفتها المستشار الأجنبي للحكومة، عن خيبة أمل كبيرة حيال المقاربة الحكومية لعملية الإصلاح، وخصوصا لجهة التوجه إلى اعتماد استراتيجية قوامها تحميل القطاع المصرفي مسؤولية الأزمة المالية، وبالتالي فرض العبء المالي لحل المشكلة المالية على المودعين اللبنانيين. فيما كان «من واجب الحكومة أن تجهز تحليلا متكاملا ومستقلا للوضع النقدي الحالي، وأن تعلن هذا التحليل ليكون جزءاً من جهد بناء وحسن النية للتعاون مع الأطراف الرئيسيين المعنيين من أجل صوغ خطة متكاملة وعادلة تعالج جذور المشكلة».
ولفتت إلى أنه بعكس عمليات إعادة الهيكلة للديون السيادية في بلدان أخرى، يمثل الدين الخارجي في لبنان نسبة صغيرة نسبياً من إجمالي المستحقات على الحكومة ولا تحل من خلال مقاربات تقليدية مثل اقتطاع جزء من الديون. ولذا ينبغي نشر كل المعلومات الضرورية المتوافرة لبناء تشخيص كاف وشامل للمشكلة، وبالتالي إطلاق نقاش تعاوني وشفاف بين الأطراف الرئيسيين المعنيين للتوافق على الممارسات والمقاربات المثلى والتوصل إلى الحلول البناءة والمنصفة.
واعتبر الاستشاري الدولي أن «قطاعاً مصرفياً متعافياً يمثل عنصراً أساسياً في أي خطة إنعاش اقتصادي، لأنه كان ويبقى دائماً المصدر الوحيد لتمويل الاقتصاد الحقيقي. وحالياً، تبلغ مطلوبات المصارف من القطاع الخاص اللبناني ما مجموعه 46 مليار دولار (تعادل مائة في المائة من إجمالي الناتج المحلي). وتمثل المصارف اللبنانية الطرف الرئيسي الذي يحمل سندات «يوروبوندز»، وهو شأن يتعين على الحكومة - وعلى لبنان ككل - أن يستفيدا منه لصوغ خطة إصلاحية تتمتع بالمصداقية، وتستطيع حل مشكلة الدين مع الحفاظ على سلامة القطاع المصرفي، وخصوصاً الحفاظ على أموال المودعين».
ونبه إلى أن «الحل المقترح والمتمثل في تحميل المودعين اللبنانيين القسط الأكبر من الأعباء المالية اللازمة لإعادة الهيكلة، يتناقض مع حقيقة أن هؤلاء المودعين هم من كان يمول الحكومة من خلال المصارف (بشكل مباشر، أو غير مباشر عبر مصرف لبنان). وبدلاً من أن تستثمر الحكومة هذه الأموال في مبادرات منتجة وموجهة تنموياً، وظفتها لتمويل حسابات جارية غير منتجة، فأكثر من 50 في المائة من العوائد الحكومية مرصودة لخدمة الدين العام ولتمويل شركة كهرباء لبنان التي لا يتسم عملها بالكفاءة... وقبل الطلب من اللبنانيين المساهمة في حل المشكلة، ينبغي التدقيق في التمويل والإنفاق الحكوميين، ونشر الخلاصات بشفافية».
وخلص الاستشاري الدولي «في اعتقادنا، لا مفر من الحصول على تمويل خارجي من صندوق النقد الدولي (و/أو من مصادر أخرى متوافرة) لإيجاد حل فعلي للمشكلة. إلا أن هذا التمويل لا يمكن أن يتم إلا بعد إصدار البيانات المطلوبة، وتحليلها ونشرها. وبناء على المحادثات الجارية حتى اللحظة، فإن هذه الخطوة لم تتم بعد. إضافة إلى ذلك، لن تحصل الحكومة على أي تمويل إن لم تبدأ بتنفيذ إصلاحات أساسية، وإن لم تقدم خطة مستدامة ومتكاملة لتمويل القطاعين العام والخاص، تؤكد أن الدائنين سيستعيدون أموالهم».



قرار ترمب بشأن النفط الروسي يرفد خزينة الكرملين بمليارات الدولارات

العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
TT

قرار ترمب بشأن النفط الروسي يرفد خزينة الكرملين بمليارات الدولارات

العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، ودفعت بحلفاء واشنطن إلى التعبير عن قلقهم، اتخذت إدارة الرئيس دونالد ترمب قراراً برفع العقوبات عن النفط الروسي المنقول بحراً لمدة 30 يوماً. وبينما تسعى واشنطن من خلال هذا الإجراء إلى كبح جماح أسعار الطاقة التي اشتعلت بفعل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ترى روسيا في هذا القرار «اعترافاً» دولياً لا غنى عنه، في وقت تحذِّر فيه كييف وعواصم أوروبية من أن هذه التنازلات قد تمنح الكرملين شريان حياة مالياً لتمويل حربه في أوكرانيا.

روسيا تحتفي

تسود حالة من الابتهاج في موسكو، بعد قرار وزارة الخزانة الأميركية السماح لتجار الطاقة بشراء النفط الروسي المحمَّل بالفعل على الناقلات، دون الخوف من «العقوبات الثانوية». وقد اعتبر المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون للاستثمار والتعاون الاقتصادي، كيريل ديميترييف، أن الولايات المتحدة «أقرَّت أخيراً بالواقع»، مؤكداً أن سوق الطاقة العالمية لا يمكن أن تبقى مستقرة من دون النفط الروسي.

وفي رسالة عبر «تلغرام»، توقع ديميترييف أن يكون المزيد من تخفيف القيود «أمراً حتمياً» مع ازدياد أزمة الطاقة العالمية، رغم ما سماه «مقاومة بيروقراطية بروكسل».

معضلة التمويل

كانت العقوبات التي فرضتها واشنطن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على عملاقَي النفط الروسي: «روسنفت» و«لوك أويل»، قد أجبرت موسكو على البيع بخصومات تصل إلى 30 دولاراً للبرميل، ما أدى إلى تقلص إيراداتها بنسبة 40 في المائة في فبراير (شباط). لكن الحرب على إيران قلبت الموازين؛ إذ تضاعف سعر مزيج «أورال» الروسي ليصل إلى 80 دولاراً للبرميل، وهو ما منح موسكو إيرادات إضافية تقدر بـ150 مليون دولار يومياً. ويرى اقتصاديون أن هذه الأموال ستسمح لموسكو بموازنة ميزانيتها، وحتى البدء في تراكم الفوائض في «صندوق الثروة القومي»، مؤكداً أنه «في الصراع بين أميركا وإيران، بوتين هو الرابح الأكبر».

رافعة مضخة نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان الروسية (رويترز)

غضب أوروبي

واجه القرار الأميركي انتقادات حادة من حلفاء واشنطن؛ حيث حذَّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن هذا التنازل قد يمنح موسكو 10 مليارات دولار إضافية لتمويل الحرب، واصفاً ذلك بأنه «لا يساعد على تحقيق السلام».

ومن جانبه، أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس موقفاً حازماً بقوله: «نحن نؤمن بأن تخفيف العقوبات الآن، لأي سبب كان، هو أمر خاطئ».

في المقابل، دافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن القرار، مؤيداً وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي زعم أن التأثير المالي على روسيا سيكون «محدوداً»؛ لأن معظم إيرادات الطاقة الروسية تُستمد من الضرائب عند نقطة الاستخراج، وليس من بيع الشحنات العالقة.

«توازن هش»

يرى الخبراء أن هذا القرار يهدد بتعميق الانقسامات داخل مجموعة السبع، ويخشون من أن تراهن روسيا على أن هذا الإجراء هو مجرد بداية لتفكيك نظام العقوبات بالكامل.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، تظل موسكو في موقف «توازن هش»؛ فهي تحاول الحفاظ على تحالفها مع إيران، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى تجنب أي صدام مع إدارة ترمب، آملة في لعب دور الوسيط في صراعات الشرق الأوسط، رغم أن مراقبين يرون أن فرص القيام بوساطة حقيقية تبدو ضئيلة للغاية في ظل الظروف الراهنة.

وبينما يتطلع الصقور في الكرملين إلى الفوضى التي قد تلي إغلاق مضيق هرمز، يبدو أن الكرملين يفضل حالياً عدم استفزاز البيت الأبيض، مفضلاً الاستفادة المالية من أزمة الطاقة العالمية على الانخراط المباشر في تصعيد قد ينهي قنوات الحوار مع واشنطن.


«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
TT

«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)

ذكرت شركة «هندالكو إندستريز» الهندية، أنها أوقفت إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب نقص الغاز في أعقاب انقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط.

وأظهر إشعار أن الشركة المملوكة لمجموعة «أديتيا بيرلا» أعلنت حالة القوة القاهرة لجميع عملاء منتجات الألمنيوم المبثوق في 11 مارس (آذار)، حسبما ذكرت «رويترز» نقلاً عن إشعار ومصادر مطلعة.

ويستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية.

وتعاني الهند من أسوأ أزمة غاز منذ عقود، بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران؛ إذ خفضت الحكومة الإمدادات للصناعات، لتجنيب الأسر أي نقص في غاز الطهي.

وقالت الشركة في الإشعار: «اتخذت (هندالكو) وتواصل اتخاذ جميع الخطوات المعقولة للتخفيف من تأثير حالة القوة القاهرة».

وقال المصدران اللذان طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لأنهما غير مخولين بالتحدث إلى وسائل الإعلام، إن مصاهر الألمنيوم التابعة لشركة «هندالكو» تواصل العمل بشكل طبيعي.


كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
TT

كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)

بينما تثير التوترات في الشرق الأوسط مخاوف عالمية من ركود اقتصادي، يبرز الدولار الأميركي استثناءً مثيراً للجدل؛ إذ أدت الصدمة الحالية في إمدادات الطاقة إلى ارتفاع قيمته بنحو 2.5 في المائة وفقاً لمؤشر الدولار؛ مما يضع العملة الأميركية في موقع المستفيد الأول من نيران الحروب. هذا الصعود، الذي قد يبدو للوهلة الأولى منافياً للمنطق في ظلِّ الأزمات، يرتكز على معادلة اقتصادية معقَّدة جعلت من «العملة الخضراء» ملاذاً إجبارياً في وجه العواصف.

الدولار عملة ملاذ... ومحرك للأسواق

في جوهر هذا الصعود، تبرز طبيعة الدولار بوصفه عملة ملاذ آمن لا يُنافَس في أسواق المال العالمية. ففي أوقات عدم اليقين، وتحديداً حينما تلوح مخاطر إغلاق ممرات حيوية، يبادر المستثمرون عالمياً إلى التخلص من الأصول عالية المخاطر والتحوط بالسيولة الدولارية. وبالتالي، فإن من شأن عقلية الحفاظ على النقد هذه أن تحول الدولار إلى وجهة إجبارية لأموال ذعرت من تقلبات الأسواق، مستمدةً قوتها من عمق النظام المالي الأميركي، وقدرته الفائقة على استيعاب الصدمات مقارنة بأي اقتصاد آخر.

رجل يسير على طول الشاطئ بينما تصطف ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيق هرمز (أ.ب)

لكن القصة لا تقف عند حدود الملاذ الآمن النفسي، بل تمتد إلى طبيعة التجارة الدولية ذاتها. فالدولار يظلُّ العملة المرجعية لتسعير النفط والغاز عالمياً؛ ومع كل قفزة في أسعار الطاقة الناتجة عن الصراع، يرتفع تلقائياً حجم الطلب العالمي على العملة الأميركية، حيث تضطر الدول المستوردة للطاقة - مثل الاقتصادات الآسيوية والأوروبية - إلى زيادة مشترياتها من الدولار لتسوية فواتير استيرادها المرتفعة، مما يخلق ضغطاً شرائياً مستمراً يرفع من قيمة العملة الخضراء مقابل عملات تلك الدول التي تعاني أصلاً من استنزاف احتياطاتها.

لغز الذهب

في مقابل صعود الدولار، شهدت أسواق الذهب «لغزاً» مربكاً؛ إذ فشل المعدن الأصفر في استغلال الاضطراب الجيوسياسي لتعزيز مكاسبه. فبعد صعوده عقب بدء العمليات العسكرية مباشرة من 5296 دولاراً إلى 5423 دولاراً للأونصة، تعرَّض لعمليات بيع مكثفة هبطت بسعره إلى 5085 دولاراً.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

يوضح روس نورمان، الرئيس التنفيذي لـ «ميتالز دايلي» لشبكة «سي إن بي سي»، أن قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة سحبا البساط من تحت الذهب؛ فالمستثمرون باتوا يجدون في الأصول الأميركية ذات العائد جاذبية أكبر من الذهب غير المُدر للدخل في ظلِّ بيئة فائدة مرتفعة.

وأضاف نورمان أن ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى تضخم مطوّل وربما ارتفاع أسعار الفائدة، في ظلِّ سعي البنوك المركزية لاحتواء تداعيات إغلاق مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي للنفط والغاز.

وتميل أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة جاذبية الأصول ذات العوائد، مثل السندات الحكومية، مقارنةً بالمعادن النفيسة التي لا تدرّ عوائد، مثل الذهب.

وقال نورمان: «تبدو تحركات أسعار الذهب والفضة ضعيفة في الوقت الراهن، ولكن ربما يكون هذا هو الشعور الطبيعي بعد بعض التحركات الهائلة التي شهدناها خلال الأشهر القليلة الماضية».

يُعزى تفسير آخر إلى أنَّ النزاعات تُثير موجة بيع مذعورة بين المستثمرين، مما يُسبب «تدفقاً مفاجئاً» يُجبر المتداولين على بيع مراكزهم مع انخفاض الأسعار، وفقاً لعامر حلاوي، رئيس قسم الأبحاث في شركة «الرمز».

وأضاف، في حديثه لـ«سي إن بي سي»: «في حال حدوث أزمة سيولة، سيتم بيع كل شيء حتى يستوعب الناس الوضع، وتُعاد توجيه الاستثمارات نحو الأصول المناسبة».

الفائدة من بين أسباب ارتفاع الدولار

من جهتها، تستعرض «وكالة الصحافة الفرنسية» الأسباب الكامنة وراء صعود العملة الأميركية أمام منافساتها في ظلِّ هذه الظروف، ووفقاً للوكالة، يرتكز هذا الصعود على 3 ركائز:

  • السيولة والملاذ الآمن: يظل الدولار الوجهة الأولى للمستثمرين الباحثين عن ملاذ آمن عالي السيولة، حيث يظل العملة الأكثر تفضيلاً في التجارة الدولية واحتياطات المصارف المركزية.
  • الاستقلال الطاقي الأميركي: الولايات المتحدة بمنأى عن أزمة الإمدادات كونها المنتِج الأكبر للخام عالمياً، حيث لا تستورد سوى 8 في المائة فقط من احتياجاتها من الخليج، مقارنة بثلثي احتياجاتها من كندا. هذا يجعل الاقتصاد الأميركي مصدّراً صافياً للمنتجات النفطية والغاز، مما يعزِّز ميزانه التجاري ويمنح الدولار حصانة مقارنة بالعملات الأوروبية والآسيوية التي تتلقى ضربات أقوى نتيجة اعتمادها المفرط على نفط الخليج.
  • توقعات الفائدة: من شأن ارتفاع تكاليف الطاقة أن يغذي مخاوف التضخم، مما يضطر «الاحتياطي الفيدرالي» لإبطاء وتيرة خفض الفائدة، وهو ما يعزِّز جاذبية الدولار على حساب الأصول الأخرى.
مضخة نفط في حقل مهجور شمال إسبانيا (أ.ف.ب)

بين سياسة ترمب وواقع الحرب

هذه التطورات تتعارض مع أهداف إدارة ترمب التي تعهَّدت بخفض أسعار الغاز ودعم صادرات «دولار ضعيف». وفي هذا السياق، أكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في نهاية يناير (كانون الثاني) 2026 تمسك الإدارة بـ «سياسة الدولار القوي»، موضحاً أن جوهر هذه السياسة يكمن في تهيئة بيئة اقتصادية داعمة للنمو عبر سياسات ضريبية وتجارية وتنظيمية تجعل من الولايات المتحدة أفضل وجهة لرأس المال في العالم، وذلك رغم التذبذبات الأخيرة في قيمة العملة.

يسير الناس قرب الأراضي الزراعية المجاورة لحقل الزبير النفطي في البصرة بالعراق (رويترز)

وفي الوقت الذي يرى فيه خبراء أن آراء الإدارة تبدو «متخبطة»؛ بسبب التناقض بين تصريحات ترمب المرحبة بضعف الدولار وسياسات بيسنت، تحذِّر المحللة المالية كاثلين بروكس من أن جاذبية الدولار قد تتضاءل إذا تفاقم العجز في الموازنة الأميركية نتيجة الإنفاق العسكري المتوقع للأشهر المقبلة، مما يضع الإدارة أمام معضلة حقيقية في إدارة التوازن بين القوة الاقتصادية والواقع الجيوسياسي.