«نت فليكس» هل يكسر آخر صروح الاستثناء الثقافي الفرنسي؟

قلق عام على الصناعة الثقافية وكنوز التراث وصل إلى البرلمان

نت فليكس
نت فليكس
TT

«نت فليكس» هل يكسر آخر صروح الاستثناء الثقافي الفرنسي؟

نت فليكس
نت فليكس

مرة أخرى ينتاب أنصار الاستثناء الثقافي الفرنسي خوف جديد من تراجع رموز إرثهم الحضاري، وهاجسهم الأول هو أفول نجم ما يسمى بالإشعاع الثقافي الفرنسي أمام هيمنة رموز الثقافة الأميركية. وأقل ما يقال هو أن هواجسهم لا تنفك تتفاقم مع التطورات الهائلة التي تشهدها تقنيات الاتصال الحديثة التي تؤدي إلى سعة وسهولة تبادل المضامين الثقافية المختلفة، لا سيما تلك المقبلة من بلاد العام سام.

* «نت فليكس» يهدد السينما الفرنسية
* أصابع الاتهام تتجه هذه المرة نحو «نت فليكس» عملاق البث التدفقي الأميركي (ستريمنغ) الذي دخل المشهد السمعي البصري الفرنسي منذ 15 سبتمبر (أيلول) الحالي، وسط تغطية إعلامية واسعة، محدثا جدالا كبيرا ما بين مؤيد ومعارض. هذا لأن موقع البث التدفقي يقترح على الفرنسيين عددا هائلا من البرامج الترفيهية معظمها مسلسلات أميركية لفترة غير محدودة ومقابل اشتراك شهري بسيط يتراوح ما بين 7 إلى 11 يورو، حسب عدد أجهزة البث ونوعها (تلفزيون، حاسوب، هاتف جوال..). عرض مغرٍ جدا إذا علمنا بأن «كنال بلوس» أول قناة خاصة بالسينما في فرنسا تقترح عددا محدودا من المضامين الترفيهية باشتراك شهري يتراوح ما بين 40 إلى 60 يورو.
الإشكالية التي طرحها المعارضون لهذا الموقع ترتكز على نقطتين: أولا احتمال تكريس ولع الفرنسيين بالبرامج الترفيهية الأميركية أكثر، لا سيما المسلسلات وما يمكن أن يأتي معه من ضربات موجعة لأحد أهم مقومات الهوية الفرنسية: الصناعة الثقافية. القضية أيقظت هواجس المسؤولين على أعلى مستويات الدوائر السياسية؛ النائب الاشتراكي باتريك بلوش اهتم بالموضوع، وقدم تقريرا للبرلمان الفرنسي من 33 صفحة بعنوان «من أجل احترام الاستثناء الفرنسي» (بور لوريسبي دو لإكسبسيون فرانسيز) كشف فيه أن الحضور القوي للرباعي المعروف بـ«غافا» وهم عمالقة الشبكة الأميركيين: «غوغل»، «أمازون»، «فيسبوك» و«آبل» في فرنسا، والانتصارات التي باتوا يحققونها يوما بعد يوم أصبحت تهدد بجد صناعتها الثقافية، مذكرا بأن «أمازون» مثلا سيصبح مع مطلع عام 2017 أول مكتبة في فرنسا، بعد أن قضى على نشاط أصحاب المكتبات المستقلة التي يعدها الفرنسيون من أعرق مؤسساتهم الثقافية. أما «غوغل»، فهو يحضر لمشروع أكبر متحف افتراضي عالمي «آرت بروجيكت» وترقيم محتويات أهم مكتبات العالم، مما قد يعني ببساطة استحواذ العملاق الأميركي على كنوز التراث الثقافي العالمي.
ومع «نت فليكس» موقع البث التدفقي، فإن الوضع قد يسوء، يضيف النائب الفرنسي، لأن صناعة السينما هي المستهدفة الأولى، والسبب أن الموقع الأميركي سيصبح أول منافس للقنوات التلفزيونية التي تمول، بحكم بند في القانون الفرنسي، وبنسبة لا يُستهان بها إنتاج الأفلام والمسلسلات، وعلى رأسها قناة «كنال بلوس» التي تدعم صناعة السينما الفرنسية، بنسبة 13%. منافسة الموقع الأميركي قد يضعف القناة الخاصة، ويحرمها على الأقل من 10% من مشتركيها، وهو ما يعني بالتالي أن السينما ستفقد أيضا أهم ممول لها. أخطر منه، يضيف النائب باتريك بلوش، أن دخول «نت فليكس» بيوت الفرنسيين سيكرس شغفهم بالمسلسلات الأميركية، ويخلق نوعا من الإدمان عليها، لا سيما أنها ستكون متاحة على كل أجهزة البث ودون تحديد للمدة. علما بأن الحضور القوي لرموز الثقافة الأميركية في المشهد السمعي البصري الفرنسي قد أصبح حقيقة ملموسة، الباحث فريديك مارتيل (المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية) يذهب على صفحات جريدة «لوفيغارو» إلى حد الإقرار بأن الولايات المتحدة قد فازت في «حرب المضامين الثقافية العالمية»، على الأقل في أوروبا، حيث يعد الفرنسيون والألمان والبريطانيون مثلا أكثر المستهلكين للإنتاجات السينمائية الأميركية. هذه المعلومة مؤكدة في فرنسا، وفقا لدراسات جادة أنجزت أخيرا، آخرها دراسة صادرة عن معهد «أورو داتا تي في» تكشف أن المسلسلات الأميركية هي التي تحقق أعلى نسب المشاهدة لدى التلفزيونات الفرنسية، وهي الظاهرة التي تخص فرنسا دون باقي الدول الأوروبية، بحسب دراسة أخرى من إنجاز المرصد العالي للسمعي البصري (سي إس إيه) التي تكشف بأن الدول الجارة تفضل إنتاجاتها الوطنية على الأجنبية (الأميركية). البريطانيون مثلا يشاهدون بالدرجة الأولى مسلسل «داوتون أبي» أو«شيرلوك»، وكذا يفعل الدنماركيون الذين يتابعون في غالبيتهم المسلسلين الدنماركيين «كيلينغ» و«بورغن».

* لا للاحتكاك بالمارد الأميركي
* وقد أثبت الفرنسيون رفضهم الاحتكاك بالمارد الأميركي في مجالات الثقافة والإبداع في عدة مناسبات، آخرها مفاوضات التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية حين رفضت باريس بشدة ضم قطاع الصناعة الثقافية لبنود الاتفاق خوفا من فشل هذا القطاع المدعوم من طرف الدولة في التصدي لمنافسة الشركات الأميركية العملاقة التي تسيطر على السوق العالمية، معتبرة هذه النقطة بمثابة «الخطوط الحمراء» التي لا يمكن تجاوزها حسب تعبير الرئيس فرنسوا هولاند نفسه. وكانت باريس قد جندت لهذا الغرض 14 دولة من الاتحاد إضافة للبرلمان الأوروبي للتوقيع على خطاب بهذا المعنى في مايو (أيار). وهي ليست فقط سياسات ثقافية للحماية، بل مبادئ التزمت بها الحكومات الفرنسية من اليسار واليمين منذ بداية الجمهورية الخامسة حين رفض الرئيس السابق فرنسوا متران دمج قطاع السينما والأغنية والكتاب في مفاوضات الاتحاد الأوروبي خشية من التفوق الإنجليزي والألماني. المعروف أن الموقع الأميركي الذي بدأ نشاطه منذ عام 2000 يشهد حاليا نجاحا كبيرا، حيث يسجل اشتراك أكثر من 35 مليون مشاهد في الولايات المتحدة، وأكثر من 50 مليون في العالم بأرباح صافية تتجاوز الـ4 مليارات دولار، وهو حاضر بقوة في دول ككندا وكبريطانيا ودول أوروبا الشمالية وحتى أميركا اللاتينية. أهم ما يميز خدمة «نت فليكس» تقديم برامج تلفزيونية مفصلة «حسب الطلب»، تحت شعار: «إذا أعجبك هذا فسوف يعجبك هذا أيضا». أي أنها تأخذ في الاعتبار الأذواق الخاصة لكل متفرج بفضل تقنية برمجية جديدة طورها مهندسو الموقع (لوغاريتم) بصفة حصرية لكي تستجيب بدقة لرغبات المشتركين. أحيانا لغاية التصميم والفكرة كما هو الحال مع مسلسل «هاوس أوف كارد» و«أورانج إز ثي نيو بلاك» اللذين أنتجتهما شركة البث التدفقي «نت فليكس» بنفسها، بناء على رغبات المشتركين.

* النموذج الثقافي الفرنسي في مفترق الطرق
* بيد أن «نت فليكس» بالنسبة لمعارضيه ليس فقط «ديفيد في مواجهة جولياث» بل هو أيضا من كشف عن فداحة الأزمة التي يعاني منها نموذج ثقافي شكل مفخرة أصحابه لعقود طويلة. وزيرة الثقافة الجديدة فلور بيلوران (سابقا وزيرة الاقتصاد الرقمي) نفسها أيقظت هذه الهواجس حين أعلنت بمناسبة مهرجان ديجون السنيمائي الأخير متحدثة عن «نت فليكس» أن «وفرة المضامين تخلق نقصا في الاهتمام.. وأن المورد النادر اليوم ليس (المضمون)، وإنما كيفية الفوز باهتمام الناس». الوزيرة التي اعتبرت أن لا شيء يمكن أن يوقف هجمة عمالقة الشبكة على المجال الثقافي ترى أن الاستثناء الثقافي الفرنسي المبني على مجموعة من الإجراءات الداعمة للقطاع الثقافي يجب أن يتأقلم ويشق طريقه بين المضامين الأخرى ليجد جمهوره.
البعض اعتبر أن كلمات الوزيرة قد أحدثت شرخا في 300 سنة من السياسة الثقافية لفرنسا. فالوزيرة لا تتحدث عن أفلام، ولا عن تحف فنية وإنما عن «مضامين» وعن «جمهور»، وكأنها تعد ضمنيا الثقافة كأي قطاع اقتصادي آخر يجب أن يكيف «منتجاته» لكي تتلاءم مع الاقتصاد، تماما كما يفعل «نت فليكس» مع عملائه. الكاتب والباحث في جامعة ليون أنتوني نيلزان يكتب على صفحات جريدة «لوموند»: «لا نملك إلا أن نعترف بأن الخصوصية الفرنسية في خطر حين نسمع بأن وزيرة الثقافة تريد تسيير الثقافة حسب شعار (نت فليكس)؛ (إذا أعجبك هذا فسيعجبك هذا أيضا). الوزيرة التي تريد أن تطبق مبدأ (لوغاريتم التوجيه) في وزارتها (روكومندايشن ألغوريتم) كما يفعل (أمازون أيضا مع الكتب) وقد بدأت في هذا المشروع فعلا بإشراف الحائز على جائزة نوبل الجديد جون تيرول، تقول لنا إنه إذا أردنا مواجهة المارد الأميركي فعلينا أن نكون واثقين من أن كل ما نستثمره سيعود علينا بالضعف، صحيح أن الصناعة الثقافية يحكمها أيضا منطق السوق، لكن أين دور القطاع العام في تشجيع الإبداع ودعم المواهب الشابة.. هل كان مهرجان (كان) ومتحف اللوفر ليوجدا لولا الاستثناء الفرنسي؟».
على أن الخصوصية الثقافية الفرنسية قد أصبحت على الجانب الآخر من الأطلنطي مدعاة للسخرية والتهكم؛ مجلة «التايمز» نشرت منذ مدة تقريرا بعنوان «موت الثقافة الفرنسية» أثار الكثير من ردود الأفعال، أحصت فيه كل مظاهر الثقافة الفرنسية التي فقدت من بريقها ورونقها في العقود الأخيرة بسبب إصرار فرنسا على إدارة ظهرها للعولمة الثقافية. وكذا مجلة «فانيتي فير»، بمقال آخر صدر منذ شهور مستوحى من رموز الجمهورية بعنوان: «ليبيرتي، إغاليتي.. فاتيغي» (عوض فراتيرنيتي) أو «حرية، مساواة.... تعبت»، والعنوان كتب قصدا باللغة الفرنسية بريشة الكاتب البريطاني أنتوني أدريان جيل الذي استهل مقاله بهذه الأسئلة: «متى كانت آخر مرة استمتعتم فيها بمشاهدة فيلم فرنسي؟ كم من الممثلين الفرنسيين تعرفون؟ جيرار ديبارديو؟ هو الآن يحمل الجنسية الروسية ويعيش في بلجيكا؟ أعطوني اسم رسام فرنسي معاصر يستحق الاهتمام أو أي مغن أو كاتب؟».
البعض يرى أن الجدل القائم في فرنسا حول «نت فليكس»، على اعتباره خطرا جديدا يتربص بمقومات الهوية الفرنسية، ويدفع بها أكثر في هاوية التبعية الثقافية مبالغ فيه، لأن دخول موقع البث التدفقي الأميركي في عدة دول أخرى لم يؤثر على صناعتها السينمائية، لا بل كان محفزا جيدا للمنافسة، فهل هو جدل فارغ؟ وهل ينجح الفرنسيون في قطع الطريق أمام أطماع عمالقة الشبكة الأميركيين في هجمتهم على الثقافة، أم أن التطورات التي يشهدها هذا المجال قد تكسر آخر صروح الاستثناء الثقافي الفرنسي؟!



رحيل الكاتبة العراقية لطفية الدليمي

رحيل الكاتبة العراقية لطفية الدليمي
TT

رحيل الكاتبة العراقية لطفية الدليمي

رحيل الكاتبة العراقية لطفية الدليمي

نعى اتحاد أدباء العراق الكاتبة والروائية، الزميلة لطفية الدليمي، التي وافاها الأجل بعد صراع مرير مع المرض، في إحدى مستشفيات عَمَّان، بعد مسيرة غنية في كتابة القصة والرواية استمرت أكثر من خمسين عاماً.

ولدت الراحلة في بغداد عام 1943، وأكملت دراستها في مدارس بغداد، وحصلت على شهادة بكالوريوس الآداب في اللغة العربية. وتعتبر من المدافعات البارزات عن حقوق المرأة في العراق، وأسست مع عدد من المثقفات العراقيات منتدى المرأة الثقافي في بغداد.

عملت في تدريس اللغة العربية لسنوات عدَّة، ثم عملت محررة للقصة في مجلة الطليعة الأدبية العراقية، ومديرة تحرير مجلة الثقافة الأجنبية العراقية.

ساهمت على مدى سنوات في كتابة أعمدة صحافية في الصفحات الثقافية العراقية والعربية، ومنها صفحتا «ثقافة»، و«كتب»، في «الشرق الأوسط»؛ حيث نشرت كثيراً من المقالات الأدبية والترجمات على امتداد أكثر من ثماني سنوات.

درست اللغة الإنجليزية وآدابها في جامعة لندن، كلية غولدسمث عام 1978.

تُرجِمت قصصها إلى الإنجليزية والبولونية والرومانية والإيطالية، وتُرجمت رواية «عالم النساء الوحيدات» إلى اللغة الصينية، كما شاركت في معرض الكتاب الدولي في مدينة فرانكفورت الألمانية بدعوة من معهد غوته، وقدَّمت محاضرة عن تجربتها الإبداعية فيه عام 2004، وكذلك في مهرجان القارات الثلاث بجزر الكناري، في ندوة الرواية عام 2004.

وقُدمت رسائل دكتوراه وأطروحات ماجستير عدَّة عن قصصها ورواياتها في عدد من الجامعات العراقية والعربية والعالمية، وكانت عضواً مؤسساً في المنبر الثقافي العراقي. وعضواً مؤسساً في الجمعية العراقية لدعم الثقافة.

أسَّست مركز «شبعاد» لدراسات حرية المرأة في بغداد عام 2004، وترأست تحرير مجلة «هلا» الثقافية الشهرية التي صدرت في بغداد عام 2005، والتي صدر منها أربعة أعداد وتوقفت في 2006. وشاركت في كثير من المؤتمرات والملتقيات والندوات، في تونس والأردن والمغرب وسوريا والإمارات العربية وإسبانيا وفرنسا وسويسرا وألمانيا.

غادرت العراق عام 2006 إلى الأردن، ثم إلى فرنسا لحضور مؤتمر حرية الإعلام بدعوة من اليونيسكو وهيئة الإعلام العراقية. أقامت بصفة لاجئة في باريس أواخر عام 2006 وعام 2007، وغادرت نهاية 2008 إلى العاصمة الأردنية عمان؛ حيث كانت تقيم لحين رحيلها.

تركت لطفية الدليمي آثاراً أدبية كثيرة. ففي مجال القصة والرواية نُشر لها أكثر من ثلاثين عملاً، وفي الترجمة أكثر من عشرين عملاً، إضافة إلى أعمال درامية في المسرح والتلفزيون.


مارلين مونرو... «مثقفة متخفية» في جسد أيقونة إغراء

كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».
كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».
TT

مارلين مونرو... «مثقفة متخفية» في جسد أيقونة إغراء

كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».
كانت تحتفظ بديوان والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب».

بمناسبة مئوية ميلادها التي تحلُّ هذا العام 2026، أعادت الأوساط الثقافية الفرنسية اكتشاف الوجه الآخر لأسطورة السينما مارلين مونرو من خلال الترجمة الأولى لكتاب الصحافي البريطاني ويليام ويذربي «حوارات مع مارلين» (Conversations avec Marilyn). هذا الكتاب، الصادر عن دار «سيغير» في 12 فبراير (شباط) الماضي يقدم شهادةً حية تُفكك الصورة النمطية التي سعت هوليوود لترسيخها حول «الشقراء القنبلة» أو «ممثلة الإغراء» التي لا تملك سوى جمالها.

يكشف ويذربي، الذي التقى بمونرو خلال تصوير فيلم «المختلون» عام 1960 واستمرت لقاءاتهما في حانات نيويورك المتوارية، عن امرأةٍ مسكونة بهواجس الفكر، تتحدث عن الأدب والسياسة والتحليل النفسي بوعيٍ حادٍ واهتمام بالغ. كانت مونرو تدرك تماماً «اللعبة» التي تفرضها الصناعة السينمائية؛ حيث وصفت الشخصية التي تؤديها بأنها «عبءٌ ثقيل» وفستانٌ ترتديه وتخلعه حسب الطلب، بينما يظل جوهرها الحقيقي غارقاً في بطون الكتب وعوالم الأدب.

ويذكر ويذربي أن مارلين مونرو لم تكن مجرد ممثلةٍ طاردتها العدسات، بل كانت «مثقفةً متخفية» في جسد أيقونة إغراء، وقد جاء كتابه «حوارات مع مارلين» ليمنح هذه الحقيقة توثيقاً إنسانياً بعيداً عن صخب النجومية. ففي ثنايا لقاءاتها السّرية بمدينة نيويورك، تبرز مونرو كعاشقة للأدب والشعر، تتعامل مع القراءة بوصفها ملاذاً أخيراً من زيف العالم الذي يحيط بها، وكأداةٍ لفهم الذات والمجتمع.

يشرح الكاتب أن مكتبة مارلين الشخصية لم تكن مجرد ديكور في الغرفة، بل بمثابة مختبر لعقلٍ جائع للمعرفة، حيث احتوت على أكثر من 430 كتاب، تنوعت بين الفلسفة والتحليل النفسي والأدب والشعر، منها أعمال لألبير كامو وبودلير وفيتزجيرالد، وعملاق الأدب الآيرلندي جيمس جويس التي كانت تحتفظ بنسخٍ مُعلّمة بخط يدها من أعماله، ولا سيما روايته «يوليسيس» التي تُعدُّ من أبرز أعمال الأدب الحداثي وتحدياً فكرياً يستحق المحاولة المتكررة، بحسب ما نقله الصحافي البريطاني. كما كانت مارلين قارئة نهمة للأدب الروسي، لتولستوي وبالأخص لدوستويفسكي الذي وجدت في شخصياته المعذبة صدىً لمعاناتها الشخصية، حيث قرأت «الإخوة كارامازوف» مرتين، وكانت تُعلّم المقاطع التي تتحدث عن الألم والخلاص، وكتبت عنه في مدونتها التي نشرت في السيرة الذاتية المخصصة لها بعنوان «الشظايا» ما يلي: «دوستويفسكي يفهمني، يعرف ما معنى أن تكون ممزقاً بين الضوء والظلام، بين الرغبة في القداسة والسقوط في هاوية الخطيئة». كما كانت من عشاق أعمال فرانز كافكا، واحتفظت بنسخة من روايته «المحاكمة»، وكانت مليئة بالملاحظات في الهوامش، ومنها هذه العبارة التي كتبت بخط يدها: «هذا هو عالم هوليوود بالضبط: محاكمة دائمة دون معرفة التهمة الحقيقية».

مكتبة مارلين مونرو

وأشار الكاتب إلى أن مارلين كانت تحب قراءة أعمال من الأدب الاجتماعي التقدمي، كأعمال لينكولن ستيفنز، الصحافي الاستقصائي الذي فضح الفساد في أميركا، لكنها كانت تخفي كتبه في مواقع التصوير خوفاً من الاتهام بالتعاطف مع اليسار في تلك الحقبة التي عرفت بالمكارثية واضطهاد الاشتراكيين، كما قرأت أيضاً لجون شتاينبك، خاصة «عناقيد الغضب»، ووجدت في روايته صوتاً للمهمشين والفقراء، الطبقة التي انتمت إليها قبل أن تصبح نجمة. وكانت قد صرَّحت للكاتب ويذربي في حواريهما: «شتاينبك يكتب عن الناس الحقيقيين، الناس الذين عرفتهم في طفولتي، هؤلاء الذين يشكلون أميركا العميقة. هوليوود تريد مني أن أنسى من أين أتيت، لكن هذه الكتب تذكّرني دائماً بأصولي».

كما كان للشعر مكانة خاصة في قلب مارلين. فكانت تحتفظ بدواوين والت ويتمان على طاولة سريرها، وتحفظ مقاطع كاملة من قصيدته «أوراق العشب». أما كارل ساندبرغ، الشاعر الذي وصفته بـ«صوت أميركا الحقيقي»، فقد كان بمثابة الأب الروحي لها. التقت به شخصياً عدة مرات، وكانت تستشيره في قراءاتها، وكان قد أهداها نسخة موقعة من سيرته الذاتية عن أبراهام لينكولن، قرأتها أكثر من ثلاث مرات. أحبت مارلين قصائد إي. إي. كامينغز وكذلك إديث سيتويل وكانت تميل إلى الشعر الذي يكسر القواعد ويتمرد على الأشكال التقليدية، ربما لأنها رأت في ذلك انعكاساً لرغبتها الدائمة في التمرد على القوالب النمطية التي حُبست فيها. وما يجهله البعض هو أن مارلين مونرو قد كتبت نصوصاً شعرية جُمعت في كتاب «الشظايا» الذي نشر في 2010، كشفت عن موهبة شعرية حقيقية تبحث عن نفسها، حيث تناولت في كتابتها موضوعات الوحدة، والحب المضطرب، والهوية المشتتة.

كانت تتعامل مع القراءة بوصفها ملاذاً أخيراً من زيف العالم الذي يحيط بها

في قصيدة أسمتها «الحياة» كتبت ما يلي:

أنا من كلا الاتجاهين

أبقى بطريقة ما معلّقة نحو الأسفل أكثر ما أكون

لكنّني قوية كخيط العنكبوت في مواجهة الريح

أشدّ حضوراً حين يتجلّى الصقيع البارد المتلألئ

بيد أنّ أشعتي المُحبَّبة تحمل الألوان

التي رأيتها ذات مرة في لوحة

آه أيتها الحياة، لقد خدعوك

كما أشار كاتب «حوارات مع مارلين مونرو» إلى أن اهتمام مارلين بالتحليل النفسي أكثر من مجرد فضول فكري، حيث قرأت معظم أعمال فرويد، وكانت تحضر جلسات التحليل النفسي مع أساتذة معروفين، كما احتفظت بنسخٍ من «تفسير الأحلام» و«الأنا والهو»، وكانت تحاول فهم عقدها النفسية من خلال نظريات فرويد. في حواراتها مع ويذربي تقول: «فرويد علّمني أن أفهم لماذا أبحث دائماً عن الحب في الأماكن الخاطئة، ولماذا أخاف من النجاح بقدر ما أسعى إليه». كانت تقرأ أيضاً لكارل يونغ، وانجذبت بشكل خاص لنظريته حول «الظل»، أو الجانب المظلم من الشخصية الذي نحاول إخفاءه.

لم ينفصل وعي مارلين الثقافي عن التزامها بالقضايا الإنسانية الكبرى. ففي حواراتها مع ويذربي، أبدت فضولاً عميقاً تجاه نضال الأميركيين الأفارقة من أجل الحقوق المدنية، وربطت بين قراءاتها التاريخية وبين واقع التمييز الذي كانت ترفضه بشدة.

 


«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية
TT

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

«طواحين الهوى»... سردية الهامش والسخرية

في رواية «طواحين الهوى» يجعل الكاتب والروائي المصري السيد العديسي مسرح صعيد مصر بؤرة لطرح تأملاته في ذلك الهامش المكاني، الذي يبدو فضاءً زاخراً بالمهمشين الذين يلتحفون الكفاف، وهم «يكافحون الانصهار»، ليتجاوز المكان كونه مجرد خلفية جغرافية؛ بل بنية ضاغطة تُعيد إنتاج الفقر والقهر، كما تُعيد الطاحونة دورانها الأبدي.

في الرواية -الصادرة عن دار «تشكيل» للنشر والتوزيع بالقاهرة- يمهِّد الكاتب أرضيته السردية بنسج عالم يلوذ بالحكايات و«النميمة»، بوصفهما تسرية عن قسوة اليوم ووحشة الليل، لتصبح الحكايا هنا آلية بقاء، وطريقة جماعية لتخفيف ثقل الحياة، ومتعة ليلية بعد «قهر النهار»، يلتف حولها الناس بجوار «كانون» الشاي الثقيل، وقد اختار الكاتب تلك التهيئة الجمعية تمهيداً لتفاعل الأهالي مع لغز اختفاء أبناء النجع «حامد» و«صباح»، لتشتعل حولهما الشائعات.

سيزيف مُعاصر

يستدعي الراوي الذي تربطه بـ«حامد» علاقة ممتدة، حكاية هذا الفتى قليل الكلام، قوي البنيان، المُحب للغناء الصعيدي، والذي يقضي يومه عاملاً باليومية مستنداً إلى قوته الجسدية وحدها، يتندر به أهل القرية ويصفونه بالأبله، غير أن السارِد يبدو حريصاً على إنصافه سردياً، بعد أن حُكم عليه اجتماعياً.

يبدو اختيار مهنة «الفاعِل» اختياراً دالاً؛ فـ«حامد» أقرب إلى «سيزيف» معاصر، مربوط في طاحونة اليوم، يحمل ثقله كل صباح من أجل يومية زهيدة لا يرجو منها سوى «دُخان المعسل» الذي يكون عزاءه الوحيد في اليوم، ليُنذر ما تبقى من يوميته لأمه؛ حيث لا تبدو «اليومية» قيمة في ذاتها بالنسبة له، بقدر ما يعيد كل يوم الفعل نفسه، بما يُحيل إلى استعارة الطاحونة، في دينامية لا تتغيَّر ولا تفضي إلى تحول يُذكر.

يتروى العديسي في رسم سياقات القرية مشهدياً، ما بين قيظ يشتد، وعلامات طبيعية من حقول قصب وذرة، وأسطح بيوت فقيرة، محرراً الطقس من كونه مجرد خلفية ليصبح سلطة رمزية تُهيمن على المشهد: «كان صيف هذا العام ساخناً. والقيظ على أشده يتبختر بخيلاء بين الجميع وهو يعلن سلطانه على الملأ. تارة يتمشى بين حقول القصب، وتارة أخرى يقطع الطريق على الناس»، ليبدو القيظ هنا متصرفاً ومهيمناً، يفرض حضوره كما تفرض البنية الاجتماعية سلطانها. وكذلك الهواء المحمَّل بالسخونة يبدو متواطئاً على نشر الشائعات في البلدة الصغيرة التي «تأكل الحكايات وتقتات من فضلات الأخبار». هكذا يتقدم السرد على وقع اقتيات أهل النجع لخبر هروب «حامد» و«صباح»، بوصفهما «عاشقين» خرجا عن تقاليد القرية. وعلى إيقاع تلك الحكايا تُرسم صورة «حامد» (الأبله) الذي وُضع على هامش العقل، و«صباح» التي وُضعت على هامش الجمال، كثنائي اختارته القرية مسبقاً ليكون خارج مركزها، لذلك لم يكن هروبهما مجرد فضيحة؛ بل مناسبة لا تخلو من التندر والسخرية.

نباهة شعبية

يتجلى تعلُّق «حامد» بالراديو، وبغناء المداحين، وأغاني «الكف»، كنافذة لفهم تركيبته الإنسانية، فالراوي يتوقف عند مفارقة لافتة في قوله: «من الأشياء التي استوقفتني في أهل قريتي عموماً، أن بعضهم لم يتعلم القراءة والكتابة، ورغم ذلك يستمعون بشغف إلى غناء المداحين، وأحياناً يستوقفهم المعنى الجميل رغم صعوبة فهمه. كيف لهؤلاء إدراك المعنى الصعب في قصائد ابن الفارض وابن عربي؟ لم أصل إلى إجابة محددة، فتركت التفكير في هذا الأمر مثل أمور أخرى عجزت عن فهمها». هذا الاعتراف بالعجز يكشف عن وعي نقدي يتسرَّب داخل طبقات السرد، عبر لسان الراوي الذي ينظر إلى القرية من داخلها مع احتفاظه بمسافة تحليلية، فهو لا يدَّعي الفهم الكامل؛ بل يعترف بغموض الحس الشعبي، ونباهة ذلك الإدراك الحدسي الذي يتجاوز حدود التعليم النظامي.

عندليب أسود

يستدعي السارد ذكرياته مع «حامد» (الهارِب)، كمقوم سردي يظل يضيء تلك المنطقة الإنسانية الملتبسة لدى «حامد» الذي يسخر منه أهل النجع، ويُنابذونه بلقب «العندليب الأسود» وهو يغني بصوته الغليظ، في مقابل سعيه الدؤوب لحضور تجمعات المداحين والموالد والعزاءات والأفراح، بما يكشف عن توقه إلى الانتماء الجمعي، وإلى مساحة بديلة يجد فيها اعترافاً لا توفره له بنية القرية اليومية، بينما تبدو علاقته بوالدته «شفا» التي تحتل مكانة طيبة في النجع، علاقة رعاية ممتدة؛ فهي تظل حتى وفاتها ترعاه بحنو بالغ، لا يخلو من وعي باستعصاء حال ابنها اجتماعياً، وبالهامش الذي كُتب عليه أن يقيم فيه.

يبدو صوت الراوي المتداخل مع استدعاء ملامح «حامد»، قائماً على طبقتين ينهض عليهما السرد في تداخلٍ واضح، فمن جهة يستعيد طفولته التي جمعته بـ«حامد»، ومن جهة أخرى يكشف عن إحساسٍ غامضٍ يلازمه تجاهه، فيقول: «منذ أن كان طفلاً، كان دائماً يلازمني شعور ما بأن (حامد) ليس طفلاً عادياً؛ القوة البدنية التي يمتلكها، شروده الدائم وعدم إلمامه بما يدور حوله، تلكؤه الغريب وصمته اللامتناهي، نظراته الزائغة دوماً، حتى ردود أفعاله البطيئة، كانت تعبر دوماً عن شيء مغاير يمتلكه هذا (الحامد) دوناً عن الآخرين؛ شيء ليس بالذميم أو الحميد، ولكنْ هناك اختلاف ما يسترعي انتباه من يتعامل معه».

لا يحسم السارِد طبيعة هذا «الاختلاف»؛ بل يتركه موارباً، وهذا الإرجاء يمنح الشخصية عمقاً سردياً؛ إذ لا يُختزل «حامد» في توصيف جاهز؛ بل يظل في منطقة رمادية بين البراءة والغموض، بوصفه «شيئاً مغايراً»، وفي هذه المسافة يتجلى موقف السارِد بوضوح؛ فهو لا يتبنى حُكم الجماعة؛ بل يعيد مساءلته.

مع عودة «حامد» و«صباح» يدخل السرد إلى مساحة اشتباك أوسع، تكشف عن تبادل مواقع الهامش والسخرية، وكأن القرية باتت في حاجة إلى إعادة تعريف مركزها؛ حيث تتقاطع موازين القوة بين التمرُّد والسلطة الاجتماعية، وقوانين الثأر، غير أن رهان «حامد» في النهاية لا يتجاوز الوقوع في الحب، والتعلُّق بأغاني الصعيد الشجيَّة التي يتلقاها بحساسيته المرهفة، فتبادله الهوى بالحساسية نفسها.