«نت فليكس» هل يكسر آخر صروح الاستثناء الثقافي الفرنسي؟

قلق عام على الصناعة الثقافية وكنوز التراث وصل إلى البرلمان

نت فليكس
نت فليكس
TT

«نت فليكس» هل يكسر آخر صروح الاستثناء الثقافي الفرنسي؟

نت فليكس
نت فليكس

مرة أخرى ينتاب أنصار الاستثناء الثقافي الفرنسي خوف جديد من تراجع رموز إرثهم الحضاري، وهاجسهم الأول هو أفول نجم ما يسمى بالإشعاع الثقافي الفرنسي أمام هيمنة رموز الثقافة الأميركية. وأقل ما يقال هو أن هواجسهم لا تنفك تتفاقم مع التطورات الهائلة التي تشهدها تقنيات الاتصال الحديثة التي تؤدي إلى سعة وسهولة تبادل المضامين الثقافية المختلفة، لا سيما تلك المقبلة من بلاد العام سام.

* «نت فليكس» يهدد السينما الفرنسية
* أصابع الاتهام تتجه هذه المرة نحو «نت فليكس» عملاق البث التدفقي الأميركي (ستريمنغ) الذي دخل المشهد السمعي البصري الفرنسي منذ 15 سبتمبر (أيلول) الحالي، وسط تغطية إعلامية واسعة، محدثا جدالا كبيرا ما بين مؤيد ومعارض. هذا لأن موقع البث التدفقي يقترح على الفرنسيين عددا هائلا من البرامج الترفيهية معظمها مسلسلات أميركية لفترة غير محدودة ومقابل اشتراك شهري بسيط يتراوح ما بين 7 إلى 11 يورو، حسب عدد أجهزة البث ونوعها (تلفزيون، حاسوب، هاتف جوال..). عرض مغرٍ جدا إذا علمنا بأن «كنال بلوس» أول قناة خاصة بالسينما في فرنسا تقترح عددا محدودا من المضامين الترفيهية باشتراك شهري يتراوح ما بين 40 إلى 60 يورو.
الإشكالية التي طرحها المعارضون لهذا الموقع ترتكز على نقطتين: أولا احتمال تكريس ولع الفرنسيين بالبرامج الترفيهية الأميركية أكثر، لا سيما المسلسلات وما يمكن أن يأتي معه من ضربات موجعة لأحد أهم مقومات الهوية الفرنسية: الصناعة الثقافية. القضية أيقظت هواجس المسؤولين على أعلى مستويات الدوائر السياسية؛ النائب الاشتراكي باتريك بلوش اهتم بالموضوع، وقدم تقريرا للبرلمان الفرنسي من 33 صفحة بعنوان «من أجل احترام الاستثناء الفرنسي» (بور لوريسبي دو لإكسبسيون فرانسيز) كشف فيه أن الحضور القوي للرباعي المعروف بـ«غافا» وهم عمالقة الشبكة الأميركيين: «غوغل»، «أمازون»، «فيسبوك» و«آبل» في فرنسا، والانتصارات التي باتوا يحققونها يوما بعد يوم أصبحت تهدد بجد صناعتها الثقافية، مذكرا بأن «أمازون» مثلا سيصبح مع مطلع عام 2017 أول مكتبة في فرنسا، بعد أن قضى على نشاط أصحاب المكتبات المستقلة التي يعدها الفرنسيون من أعرق مؤسساتهم الثقافية. أما «غوغل»، فهو يحضر لمشروع أكبر متحف افتراضي عالمي «آرت بروجيكت» وترقيم محتويات أهم مكتبات العالم، مما قد يعني ببساطة استحواذ العملاق الأميركي على كنوز التراث الثقافي العالمي.
ومع «نت فليكس» موقع البث التدفقي، فإن الوضع قد يسوء، يضيف النائب الفرنسي، لأن صناعة السينما هي المستهدفة الأولى، والسبب أن الموقع الأميركي سيصبح أول منافس للقنوات التلفزيونية التي تمول، بحكم بند في القانون الفرنسي، وبنسبة لا يُستهان بها إنتاج الأفلام والمسلسلات، وعلى رأسها قناة «كنال بلوس» التي تدعم صناعة السينما الفرنسية، بنسبة 13%. منافسة الموقع الأميركي قد يضعف القناة الخاصة، ويحرمها على الأقل من 10% من مشتركيها، وهو ما يعني بالتالي أن السينما ستفقد أيضا أهم ممول لها. أخطر منه، يضيف النائب باتريك بلوش، أن دخول «نت فليكس» بيوت الفرنسيين سيكرس شغفهم بالمسلسلات الأميركية، ويخلق نوعا من الإدمان عليها، لا سيما أنها ستكون متاحة على كل أجهزة البث ودون تحديد للمدة. علما بأن الحضور القوي لرموز الثقافة الأميركية في المشهد السمعي البصري الفرنسي قد أصبح حقيقة ملموسة، الباحث فريديك مارتيل (المدرسة العليا للعلوم الاجتماعية) يذهب على صفحات جريدة «لوفيغارو» إلى حد الإقرار بأن الولايات المتحدة قد فازت في «حرب المضامين الثقافية العالمية»، على الأقل في أوروبا، حيث يعد الفرنسيون والألمان والبريطانيون مثلا أكثر المستهلكين للإنتاجات السينمائية الأميركية. هذه المعلومة مؤكدة في فرنسا، وفقا لدراسات جادة أنجزت أخيرا، آخرها دراسة صادرة عن معهد «أورو داتا تي في» تكشف أن المسلسلات الأميركية هي التي تحقق أعلى نسب المشاهدة لدى التلفزيونات الفرنسية، وهي الظاهرة التي تخص فرنسا دون باقي الدول الأوروبية، بحسب دراسة أخرى من إنجاز المرصد العالي للسمعي البصري (سي إس إيه) التي تكشف بأن الدول الجارة تفضل إنتاجاتها الوطنية على الأجنبية (الأميركية). البريطانيون مثلا يشاهدون بالدرجة الأولى مسلسل «داوتون أبي» أو«شيرلوك»، وكذا يفعل الدنماركيون الذين يتابعون في غالبيتهم المسلسلين الدنماركيين «كيلينغ» و«بورغن».

* لا للاحتكاك بالمارد الأميركي
* وقد أثبت الفرنسيون رفضهم الاحتكاك بالمارد الأميركي في مجالات الثقافة والإبداع في عدة مناسبات، آخرها مفاوضات التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية حين رفضت باريس بشدة ضم قطاع الصناعة الثقافية لبنود الاتفاق خوفا من فشل هذا القطاع المدعوم من طرف الدولة في التصدي لمنافسة الشركات الأميركية العملاقة التي تسيطر على السوق العالمية، معتبرة هذه النقطة بمثابة «الخطوط الحمراء» التي لا يمكن تجاوزها حسب تعبير الرئيس فرنسوا هولاند نفسه. وكانت باريس قد جندت لهذا الغرض 14 دولة من الاتحاد إضافة للبرلمان الأوروبي للتوقيع على خطاب بهذا المعنى في مايو (أيار). وهي ليست فقط سياسات ثقافية للحماية، بل مبادئ التزمت بها الحكومات الفرنسية من اليسار واليمين منذ بداية الجمهورية الخامسة حين رفض الرئيس السابق فرنسوا متران دمج قطاع السينما والأغنية والكتاب في مفاوضات الاتحاد الأوروبي خشية من التفوق الإنجليزي والألماني. المعروف أن الموقع الأميركي الذي بدأ نشاطه منذ عام 2000 يشهد حاليا نجاحا كبيرا، حيث يسجل اشتراك أكثر من 35 مليون مشاهد في الولايات المتحدة، وأكثر من 50 مليون في العالم بأرباح صافية تتجاوز الـ4 مليارات دولار، وهو حاضر بقوة في دول ككندا وكبريطانيا ودول أوروبا الشمالية وحتى أميركا اللاتينية. أهم ما يميز خدمة «نت فليكس» تقديم برامج تلفزيونية مفصلة «حسب الطلب»، تحت شعار: «إذا أعجبك هذا فسوف يعجبك هذا أيضا». أي أنها تأخذ في الاعتبار الأذواق الخاصة لكل متفرج بفضل تقنية برمجية جديدة طورها مهندسو الموقع (لوغاريتم) بصفة حصرية لكي تستجيب بدقة لرغبات المشتركين. أحيانا لغاية التصميم والفكرة كما هو الحال مع مسلسل «هاوس أوف كارد» و«أورانج إز ثي نيو بلاك» اللذين أنتجتهما شركة البث التدفقي «نت فليكس» بنفسها، بناء على رغبات المشتركين.

* النموذج الثقافي الفرنسي في مفترق الطرق
* بيد أن «نت فليكس» بالنسبة لمعارضيه ليس فقط «ديفيد في مواجهة جولياث» بل هو أيضا من كشف عن فداحة الأزمة التي يعاني منها نموذج ثقافي شكل مفخرة أصحابه لعقود طويلة. وزيرة الثقافة الجديدة فلور بيلوران (سابقا وزيرة الاقتصاد الرقمي) نفسها أيقظت هذه الهواجس حين أعلنت بمناسبة مهرجان ديجون السنيمائي الأخير متحدثة عن «نت فليكس» أن «وفرة المضامين تخلق نقصا في الاهتمام.. وأن المورد النادر اليوم ليس (المضمون)، وإنما كيفية الفوز باهتمام الناس». الوزيرة التي اعتبرت أن لا شيء يمكن أن يوقف هجمة عمالقة الشبكة على المجال الثقافي ترى أن الاستثناء الثقافي الفرنسي المبني على مجموعة من الإجراءات الداعمة للقطاع الثقافي يجب أن يتأقلم ويشق طريقه بين المضامين الأخرى ليجد جمهوره.
البعض اعتبر أن كلمات الوزيرة قد أحدثت شرخا في 300 سنة من السياسة الثقافية لفرنسا. فالوزيرة لا تتحدث عن أفلام، ولا عن تحف فنية وإنما عن «مضامين» وعن «جمهور»، وكأنها تعد ضمنيا الثقافة كأي قطاع اقتصادي آخر يجب أن يكيف «منتجاته» لكي تتلاءم مع الاقتصاد، تماما كما يفعل «نت فليكس» مع عملائه. الكاتب والباحث في جامعة ليون أنتوني نيلزان يكتب على صفحات جريدة «لوموند»: «لا نملك إلا أن نعترف بأن الخصوصية الفرنسية في خطر حين نسمع بأن وزيرة الثقافة تريد تسيير الثقافة حسب شعار (نت فليكس)؛ (إذا أعجبك هذا فسيعجبك هذا أيضا). الوزيرة التي تريد أن تطبق مبدأ (لوغاريتم التوجيه) في وزارتها (روكومندايشن ألغوريتم) كما يفعل (أمازون أيضا مع الكتب) وقد بدأت في هذا المشروع فعلا بإشراف الحائز على جائزة نوبل الجديد جون تيرول، تقول لنا إنه إذا أردنا مواجهة المارد الأميركي فعلينا أن نكون واثقين من أن كل ما نستثمره سيعود علينا بالضعف، صحيح أن الصناعة الثقافية يحكمها أيضا منطق السوق، لكن أين دور القطاع العام في تشجيع الإبداع ودعم المواهب الشابة.. هل كان مهرجان (كان) ومتحف اللوفر ليوجدا لولا الاستثناء الفرنسي؟».
على أن الخصوصية الثقافية الفرنسية قد أصبحت على الجانب الآخر من الأطلنطي مدعاة للسخرية والتهكم؛ مجلة «التايمز» نشرت منذ مدة تقريرا بعنوان «موت الثقافة الفرنسية» أثار الكثير من ردود الأفعال، أحصت فيه كل مظاهر الثقافة الفرنسية التي فقدت من بريقها ورونقها في العقود الأخيرة بسبب إصرار فرنسا على إدارة ظهرها للعولمة الثقافية. وكذا مجلة «فانيتي فير»، بمقال آخر صدر منذ شهور مستوحى من رموز الجمهورية بعنوان: «ليبيرتي، إغاليتي.. فاتيغي» (عوض فراتيرنيتي) أو «حرية، مساواة.... تعبت»، والعنوان كتب قصدا باللغة الفرنسية بريشة الكاتب البريطاني أنتوني أدريان جيل الذي استهل مقاله بهذه الأسئلة: «متى كانت آخر مرة استمتعتم فيها بمشاهدة فيلم فرنسي؟ كم من الممثلين الفرنسيين تعرفون؟ جيرار ديبارديو؟ هو الآن يحمل الجنسية الروسية ويعيش في بلجيكا؟ أعطوني اسم رسام فرنسي معاصر يستحق الاهتمام أو أي مغن أو كاتب؟».
البعض يرى أن الجدل القائم في فرنسا حول «نت فليكس»، على اعتباره خطرا جديدا يتربص بمقومات الهوية الفرنسية، ويدفع بها أكثر في هاوية التبعية الثقافية مبالغ فيه، لأن دخول موقع البث التدفقي الأميركي في عدة دول أخرى لم يؤثر على صناعتها السينمائية، لا بل كان محفزا جيدا للمنافسة، فهل هو جدل فارغ؟ وهل ينجح الفرنسيون في قطع الطريق أمام أطماع عمالقة الشبكة الأميركيين في هجمتهم على الثقافة، أم أن التطورات التي يشهدها هذا المجال قد تكسر آخر صروح الاستثناء الثقافي الفرنسي؟!



العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين
TT

العوامل المؤسِّسة لشاعرية الجنوب اللبناني

محمد علي شمس الدين
محمد علي شمس الدين

لم تكن الشاعريات العظيمة، كالفنون العظيمة على أنواعها، لتتكون فوق أرض المصادفات المجردة، أو في كنف فضاءات هلامية المنشأ، بل هي الثمرة الطبيعية لتضافر المواهب الفردية مع الشرط الموضوعي، الذي يحتل التاريخ جانباً منه، والجغرافيا جانباً آخر، إضافةً إلى عوامل حضارية وثقافية مختلفة. ولعل التقاء هذه العوامل في بؤرة واحدة هو الذي أتاح للجنوب اللبناني أن يكون حاضنة ملائمة لكل تلك الشاعريات التي تعاقبت فوق أرضه منذ أقدم العصور حتى يومنا هذا.

وإذا كان البعض قد نظر إلى شعراء الجنوب بوصفهم صنيعة الإعلام السياسي أو الآيديولوجيا «المقاوِمة» التي بلغت ذروتها في سبعينات القرن المنصرم، فإن في ذلك التوصيف الكثير من الافتئات والتعسف النقدي. فلو سلمنا جدلاً بأن الإعلام السياسي التعبوي قد أسهم في رفد هذه الظاهرة بجرعات إضافية من الانتشار، فإنه لم يخلقها من جهة، ولا يفسر من جهة أخرى تحالف الجنوب مع الشعر منذ مئات السنين. فقبل أن تظهر بزمن طويل الكوكبة التي أطلقت عليها التسمية، وبينها محمد علي شمس الدين وموسى شعيب وحسن عبد الله وإلياس لحود ومحمد العبد الله وحمزة عبود وجودت فخر الدين وأحمد فرحات وعصام العبد الله ومحمد فرحات، وعشرات غيرهم، كانت تصدح في الأرجاء العاملية أصوات محمد علي الحوماني وعبد الحسين عبد الله وموسى الزين شرارة وعبد المطلب الأمين وحبيب صادق، وآخرون كثر من ذوي المواهب الأصيلة الذين ظلوا، بفعل تهميش الجنوب والتباس هويته، خارج دائرة الضوء، ولم يحظوا بما حظيت به الأجيال المتأخرة من مكانة واهتمام.

جودت فخر الدين

ومع أن الضجيج الذي ثار حول هذه الظاهرة قبل عقود، قد أخذ طريقه إلى الخفوت، بينما لم يصر ضجيج الحروب التي تطحن الجنوب وأهله إلى مآل مماثل، فإن الوقت لم يَفُتْ تماماً على مقاربتها في إطار موضوعي، بمعزل عن الإعلاء أو التبخيس والأحكام النقدية المسبقة. ولعل أهم ما يمكن فعله في هذا السياق هو محاولة الوقوف على الأسباب والعوامل التي جعلت من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر لا تنضب مناجمه، بحيث يندر أن تخلو قرية من قراه، إن لم أقل منزل من منازله، من شاعر أو أكثر.

وإذا كانت عوامل كثيرة قد أسهم تضافرها في نشوء هذه الظاهرة، فإن العامل الوجداني الذي تشكلت من خلاله الروح الجمعية لسكان «جبل عامل»، والذي تعود جذوره البعيدة إلى واقعة كربلاء، يحتل دوراً متقدماً في هذا المجال. ولا أقصد هنا البعد المذهبي المغلق للواقعة الكربلائية، بل الواقعة في سياقها الثقافي الملحمي، حيث ظل الدم المراق فوق رمال الصحراء، على تقادم عهده، بعيداً عن التخثر، وقابلاً لتجديد نفسه مع كل مجابهة ضارية بين الحق والباطل. والواقع أن تلك الطقوس الفجائعية، التي تتغذى في بعض وجوهها من أساطير الشرق القديم، كبكاء إنانا على ديموزي وعشتار على تموز، قد تمكنت مع الزمن من رفد لغة الجنوبيين الشعرية بقدر من الاحتدام واشتداد العصب التعبيري، وبقدر مماثل من الحساسية المرهفة والتوهج القلبي.

كما لا يمكن أن نغفل الدور الذي لعبته المدارس الدينية التي انتشرت في جبل عامل عبر القرون، في تلقف مواهب الجنوبيين بالرعاية والاهتمام، باعتبار أنها لم تحصر مناهجها بعلوم الدين والتفسير والفقه، بل كان الشعر والأدب وقواعد اللغة واللسانيات، تُدرَّس جنباً إلى جنب مع العلوم الأخرى. وليس من قبيل الصدفة أن البيوتات الكبرى التي أتاح لها موقعها الطبقي والاجتماعي المتقدم، أن تُلحق أبناءها بتلك المدارس، هي نفسها البيوتات التي أنجبت العدد الأوفر من شعراء الجنوب وكتابه المرموقين.

الشاعر حسن عبدالله

أما العامل الثاني الذي يقف وراء شاعرية الجنوب وثرائه التخييلي، فهو ما اصطُلح على تسميته بعبقرية المكان، التي تجعل من الجغرافيا الطبيعية عاملاً أساسياً في تكوّن المواهب وبلورتها، وأخْذها في هذا الاتجاه أو ذاك. فنحن لسنا هنا إزاء جبال وعرة وشاهقة الارتفاع، ومغلقة على عزلتها الريفية الموحشة، ولا إزاء مدن ساحلية محصنة بإسمنتها الأصم، وبتهافت ساكنيها على المال والربح السريع، بل إزاء مشهدية بصرية باذخة، تتسم باعتدالها المناخي، وتتخللها هضاب «أنثوية» أليفة ومقوسة الخطوط. وكما هو حال الجغرافيا الجنوبية التي تقع على الحد الفاصل بين صلابة الصخور ورحابة المياه، فقد بدا شعراء الجنوب كأنهم يقيمون تجاربهم فوق أرض مشابهة، تتحالف في كنفها الجذور مع الأمواج، والوقائع مع الحدوس، والتراثي مع الحداثي.

كما شكلت الهوية القلقة للجنوب، والتباس كينونته التاريخية، وافتقار قاطنيه إلى الثبات والاستقرار، العامل الثالث من عوامل شاعريته، حيث وجد أهله في هذا الفن بالذات، ما يعبّرون بواسطتهم عن ذاتهم الجمعية، وما يؤرخون به تباريحهم، ويضمدون به جراحهم، ويلأمون بواسطته تصدُّع علاقتهم بالمكان. فقد ظل جبل عامل على امتداد قرون عدة، نهباً للأزمات المتلاحقة، ولصراع المصالح وتبدّل الموازين، بقدر ما ظل متناهباً بين الدول والإمبراطوريات والممالك. فقد تم إلحاقه حيناً بولاية عكا، وحيناً آخر بولاية دمشق، وحيناً ثالثاً بولاية صيدا. وبما أن الشعر هو الابن الشرعي للإقامة القلقة والوجود المهدد، فقد بات عبر العصور الركيزة الأكثر ثباتاً، التي ينهض فوقها حزن الجنوبيين وغضبهم وتشبثهم بالهوية.

الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج في سوية واحدة إلا أن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها

على أن نصيب الجنوب من انضمامه إلى الكيان الجديد، لم يكن أفضل بكثير من نصيبه في حقبة ما قبل التشكل. وإذا كان بعض ما لحق به من ظلم وتهميش، قد بدا نوعاً من العقاب الجماعي الناجم عن رفض قادته وأهل الرأي فيه، الانضمام إلى الجمهورية اللبنانية الوليدة، وإصرارهم على الالتحاق بالدولة العربية التي أعلنها فيصل الأول في الشام، فإن التهميش والحرمان لم يقتصرا من جهة أخرى على الجنوب وحده، بل اتسعت دائرتهما لتشمل مناطق الأطراف المماثلة، التي لم تُعرها الدولة ومؤسساتها أي اهتمام يُذكر. وكان من الطبيعي تبعاً لذلك أن يشكل إفقار الجنوبيين وتهميشهم الاقتصادي والاجتماعي، إضافةً إلى بوار الأرض وخراب الزراعة، والنزوح الكثيف باتجاه العاصمة، حيث تشكلت أحزمة الشقاء والبؤس... أحد العوامل المهمة التي حقنت مواهب الشعراء بأمصال الاستعارات وترجيعات الشجن القلبي.

ولست لأجافي الحقيقة بشيء إذا قلت إن الموقع الحساس الذي أغدق على الجنوب الكثير من نِعمه وكنوزه الجمالية، هو ذاته الذي رسم ملامح جلجلته وقدره التراجيدي. فقد كان عليه أن يدفع غالياً تكلفة مجاورته لحدود فلسطين، وأن يحمل بصبر سيزيف وإصراره، صخرة الأمل الهارب والانتصار المؤجل، بقدر ما كان على شعرائه أن يشحذوا قصائدهم على النصال الجارحة لآلام المكابدات والتهجير القسري، والمواجهات الدموية مع الاحتلال، وأن يقيسوا أعمارهم بعدد الحروب لا بالأعوام.

ومع أن الكوكبة التي أطلقت على أفرادها تسمية شعراء الجنوب لا تندرج من حيث قوة الموهبة ونفاذ الرؤية، في سوية واحدة، بما سيتكفل المستقبل بغربلته والفصل فيه، فإن ذلك لا يقلل بشيء من فرادة الظاهرة وخصوصيتها، التي تتكامل بشكل أو بآخر مع الفرادة المماثلة لشعرية الجوار الفلسطيني. ويبقى القول، أخيراً، إن الذين أشاروا إلى الجنوب بوصفه كنفاً وبوصلة وهوية، لم يفعلوا ذلك بهدف فصله عن الدوائر الإنسانية الأوسع، بل بهدف تعيين الجزء «المصاب» من الجسد، وبلسمة جراحه بترياق اللغة، علماً بأن الأسماء التي استلّت شاعريتها من أحشاء التراب الجنوبي، لم تكن منبتّةً أبداً عن حديقة الشعر العربي الوارفة، بل هي بعض عبقها ونكهتها وورودها المضافة.


مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
TT

مجالس العزف والغناء في الفنون الأموية

المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن
المعازف الأموية كما تظهر في جداريات قصير عمرة ببادية الأردن

شاع الغناء في العصر الأموي، وشاع معه العزف على الآلات الوترية والآلات الهوائية الخشبية، ورافق هذه الآلات الطبل والدف لتمييز الإيقاع، فتطوّر هذا الفن، وشكّل تقليداً تعدّدت طبقاته ومدارسه، وانتشرت مجالسه في الحجاز والشام والعراق. رصد أبو الفرج الأصفهاني أخبار هذه المجالس في البلاط الأموي، واستفاض في نقل أخبار مشاهيرها في موسوعة «الأغاني». في المقابل، يتردد صدى هذه الجلسات بين أطلال القصور التي شيّدها حكام بني أمية وزينوها بالصور والتماثيل، وأبرزها قصير عمرة في بادية الأردن، حيث نقع على لوحات جدارية تمثّل أصنافاً من العازفين.

نقل ابن عبد ربه الأندلسي في «العقد الفريد» روايتين تشهدان لنشأة فن الغناء في مطلع العهد الأموي. تقول الأولى إن معاوية دخل على عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، «فوجده مُفيقاً وعنده جارية في حِجرها عود»، فسأله: «ما هذا يا ابن جعفر؟»، فقال: «هذه جارية أروِّيها رقيق الشعر فتزيده حسناً بحسن نغمتها». حرَّكت الجارية عودها وغنَّت، فحرَّك معاويةُ رجلَه، فسأله ابن جعفر: «لم حركت رجلك يا أمير المؤمنين؟»، فردّ: «كلُّ كريم طَروب». الرواية الثانية طويلة، وتتألف من فصلين. في الأول، نزل معاوية المدينة ومرّ بدار عبد الله بن جعفر، «فسمع عنده غناءً على أوتار»، فأصغى ثم مضى وهو يقول: «أستغفر الله». وفي آخر الليل، مر بداره أيضاً، «فإذا عبد الله قائم يصلي، فوقف ليستمع قراءته، فقال: الحمد لله». وأضاف: «خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً عسى الله أن يتوب عليهم». بلغ ابن جعفر ذلك، فأعد له طعاماً، وأحضر ابن صياد المغني، وقال له: «إذا رأيت معاوية واضعاً يده في الطعام فحرّك أوتارك وغنّ». أعجب معاوية بأداء المغنّي وراح «يضرب برجله الأرض طرباً»، فسأله مضيفه: «يا أمير المؤمنين، إنما هو مختار الشعر يركب عليه مختار الألحان، فهل ترى به بأساً؟»، فأجابه الخليفة: «لا بأس بحكمة الشعر مع حكمة الألحان».

في الفصل الثاني من هذه الحكاية، زار ابن جعفر معاوية بالشام، وسمعت زوجة الخليفة فاختة ذات ليلة غناءً عند الزائر، فغاظها ذلك. استمع الخليفة إلى هذا الغناء، وأطربه ما سمعه، وقال: «والله إني لأسمع شيئاً تكاد الجبال تخر له، وما أظنه إلا من تلقين الجن». وفي آخر الليل، سمع قراءة عبد الله وهو قائم يصلي، فقال لزوجته: «اسمعي مكان ما أسمعتني، هؤلاء قومي، ملوك بالنهار، رهبان بالليل».

في موسوعة «الأغاني»، سجّل أبو الفرج الأصفهاني جلسات الغناء والطرب في البلاط الأموي، ورصد طبقات المغنين، ومنهم ابن محرز، الذي «شخص إلى فارس فتعلم ألحان الفرس وأخذ غناءهم، ثم صار إلى الشام فتعلم ألحان الروم وأخذ غناءهم، فأسقط من ذلك ما لا يستحسن من نغم الفريقين، وأخذ محاسنها فمزج بعضها ببعض وألف منها الأغاني التي صنعها في أشعار العرب، فأتى بما لم يُسمع مثله». ارتبط هذا الغناء في بداياته بعزف اقتصر على الأوتار، وتطوّر سريعاً مع دخول الآلات الهوائية الخشبية، والآلات الإيقاعية المتمثّلة بالدفوف وغيرها مما يُضرب. وضع يوسف الكاتب أول المؤلفات العربية الخاصة بهذا الفن، وهي «كتاب الغناء» و«كتاب القيان»، ومفرد القيان قَيْنة، ومعناها «الأمَة، سواء غنّت أم لم تغنّ، ثم غلب على المغنية منهنّ»، كما جاء في «لسان العرب».

عُرفت مجالس الغناء بالمعازف، ويحوي ميراث الفن الأموي التصويري مجموعة من الشواهد تشكّل تعبيراً تشكيلياً معاصراً لهذا التقليد، أبرزها تلك التي تحضر ضمن جداريات قصير عمرة في بادية الأردن. ينفتح هذا الموقع على قاعة كبيرة تتكون من ثلاثة إيوانات، ونجد لوحة جماعية تمثّل ثلاثة عازفين، تحتل الطرف الشرقي من أعلى الجدار الشمالي في الإيوان الأوسط. تبرز في الوسط قامة تغلب عليها المعالم الأنثوية، تحضر في وضعية نصف جانبية وهي تنفخ بمزمار طويل تمسكه بيديها، في حركة حية تُظهر حركة الأصابع في هذا العزف. الوجه بيضاوي، وملامحه محدّدة، وقوامها عينان لوزيتان واسعتان، وأنف طويل بارز، وثغر صغير. تكلل هذا الوجه كتلة كثيفة من الشعر الأسود تنعقد من حوله على شكل هالة، وتخفي الأذنين. اللباس جبة فضفاضة، تزيّنها شبكة من النقوش المتنوعة، مع حزام عريض ينعقد حول الخاصرة.

يقف عن يمين هذه القامة شخص ذو ملامح مشابهة، يمسك بين ذراعيه دفاً مستطيلاً، يضرب عليه بكف يده اليمنى. إلى جانب هذين العازفين، يحضر عن جهة اليسار عازف ثالث امحت قامته، وبقي منها يد تمسك بصنج دائري عريض. في الجهة المعاكسة، تظهر امرأة في وضعية المواجهة وهي ترفع ذراعيها نحو الأعلى فوق هامة رأسها تحت أغصان مورقة تمتدّ من خلفها. ترتدي هذه المرأة جبة زرقاء، مع حزام معقود حول الخصر، ويوحي حضورها في هذا المشهد الجماعي بأنها قَيْنة تغني، أو جارية ترقص على أنغام هذه الفرقة الموسيقية الثلاثية.

يحدّ الإيوان الأوسط عقدان مقوسان يرتفعان فوق عواميد تفصل بينه وبين الإيوان الغربي والإيوان الشرقي. يظهر عازف عود على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، في لوحة استعادت بريقها الأصلي بفضل عملية الترميم التي شملتها أخيراً. يظهر هذا العازف جالساً في وضعية المواجهة وسط مساحة مستطيلة زرقاء، حاضناً عوده بين ذراعيه. ملامح الوجه واضحة، وتتميّز بشارب عريض ولحية ترتسم حول الذقن. اللباس مزين بشبكة من المكعبات، تعلوها خطوط متقاطعة متجانسة، وقوامه جبّة فضفاضة، يعلوها وشاح يلتف حول الكتفين. يمسك العازف مقبض عوده بيد، ويضرب على أوتاره باليد الأخرى، وهذه الأوتار أربعة، ويحدها هلالان معاكسان يزينان سطح هذا العود.

نقع على عازف آخر يحضر واقفاً على ظهر العقد الغربي من جهة الشرق، وصورته تبدو ضبابية في انتظار عملية تنقية تعيد لها بريقها. يجلس هذا العازف كذلك وسط فضاء أزرق، حانياً رأسه في اتجاه اليمين، حاضناً آلة وترية تبدو أشبه بقيثارة كما يظهر في الرسم التوثيقي، والأرجح أنها طنبور، كما يوحي مقبض عنقها الطويل. في المقابل نقع على عازف مزمار يقف في إطار مماثل يحتل الجهة الشمالية من ظهر هذا العقد. يظهر هذا العازف في وضعية نصف جانبية، مرتدياً جبة قصيرة، رافعاً مزماره بيديه نحو فمه، ويُظهر الرسم التوثيقي حرص المصوّر على إظهار حركة أصابعه في العزف.

تكتمل هذه المجموعة مع ثلاث صور تحضر ضمن شبكة تزين قاعة صغيرة في الإيوان الأوسط تتصل بقاعة الحمّام. تشكّل هذه الصور جزءاً من حلّة مستقلّة تجمع بين مشاهد آدمية ومشاهد حيوانية، وتستحق دراسة متأنيّة مستقلّة.


رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية
TT

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت خلال الأيام القليلة الماضية عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي، التي أنجزها المترجم الفرنسي الدكتور لوك باربلسكو/Loic Barbulsco بعنوان «الرواية المستحيلة للفاضل السيد ك» (L’Impossible roman de l’honorable monsieur K).

صدرت رواية «الثوب» بطبعتها العربية عن «دار المدى» عام 2009.

وتعتمد الرواية تكنيك «التخييل الذاتي»، حيث يحضر الكاتب في أعماله الروائية باسمه الصريح وبسيرته الذاتية الحقيقية، مع عائلته وأصدقائه ومكان عمله، وحيثيات عيشه.

تتناول الرواية الجديدة التجربة التي عايشها المؤلف في كتابة السيرة الذاتية لأحد الأغنياء، وكيف تنكشف التجربة على فكرة تسليع الأدب وبيع جهد الكاتب للمليونير المشتري، وبروز سؤال الرواية الأهم: هل يمكن للمال شراء الإبداع الإنساني؟

الاتفاق الذي يُعقد بين الكاتب والمليونير يأتي عبر المرور على السيرة الذاتية الحقيقية للرفاعي، بموقفه من الاتفاق، وموقف المحيطين به من أفراد أسرته بأسمائهم الحقيقية، وكذلك موقف الروائي الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، والمحامي الراحل محمد مساعد الصالح وغيرهما. ويكتب المؤلف أحداث الرواية بوصفه إحدى شخصياتها الروائية إلى جانب كونه المؤلف، وبما يقدّم مستوى ثانياً للنص، كون حبكة الرواية تقوم على كتابة الرواية داخل الرواية، وبذلك يكون القارئ شريكاً حاضراً في النص، وهو النهج نفسه الذي اتبعه الرفاعي في أعماله منذ صدور روايته الأولى «ظل الشمس» عام 1998، و«سمر كلمات»، و«الثوب»، و«في الهُنا»، ومجموعته القصصية «الدكتور نازل».

وسبق للدار نفسها «أكت سود» أن نشرت ترجمات لروايات الرفاعي، منها رواية «في الهُنا»، و«ظل الشمس»، و«النجدي»، و«حابي»، و«خطف الحبيب».

وحصل طالب الرفاعي على وسام الآداب والفنون برتبة فارس من الجمهورية الفرنسية عام 2022.