السودانيون يحتفلون بذكرى اقتلاع البشير... و«كورونا» تمنعهم التظاهر

في ذكرى خلع نظام «الإخوان» الأولى

TT

السودانيون يحتفلون بذكرى اقتلاع البشير... و«كورونا» تمنعهم التظاهر

شروق شمس اليوم، 11 أبريل (نيسان)، أكمل السودانيون عاماً بالتمام والكمال على نغمات «الموسيقى العسكرية»، التي دقت في الصباح الباكر معلنة نهاية حكم «الإخوان» للسودان، وبداية مرحلة جديدة من تاريخ البلاد، وتحقيق شعارات الثورة السودانية، التي هتف بها الثوار طوال أربعة أشهر «حرية سلام وعدالة»، وقدموا مئات الشهداء والجرحى من أجلها.
غير أن جائحة «كورونا» حالت بين السودانيين والاحتفال بثورتهم كما ينبغي. فقد كان من المتوقع أن يخرج الملايين مجددا في ذكرى النصر الشعبي، لكن السلطات الصحية حرمتهم من هذا الاحتفال، بالقرارات التي اتخذتها للحد من انتشار الجائحة.
في ديسمبر (كانون الأول) 2018 انطلقت شرارة الثورة، حيث خرج السودانيون في مواكب عفوية، شملت البلاد بأكملها للمطالبة بتنحي الرئيس البشير وحكومته، قبل أن يتبنى تنظيمها وقياداته «تجمع المهنيين السودانيين» وقوى «إعلان الحرية والتغيير»، وينقلانها من العفوية للتخطيط.
وأطلق المحتجون السودانيون مواكب هادرة وجسورة، تحدت قوات الأمن، بإعلان زمان ومكان انطلاقها وتوجهها، وأصبحت «الساعة الواحدة ظهرا» توقيتا للثورة والميادين المعلنة مكاناً لها، وضجت شعارات وهتافات «تسقط تسقط بس، وأي كوز ندوسو دوس»، و«حرية سلام وعدالة... الثورة خيار الشعب» مضاجع النظام وإسلامييه طول أربعة أشهر، ولم تهدأ طوال فترة الاحتجاجات.
وواجهت أجهزة الأمن والقمع، التابعة للنظام، المحتجين بعنف مفرط، واستخدمت ضدهم الرصاص والرصاص المطاطي، والعصي والغاز المسيل للدموع والاعتقالات، ما أدى إلى مقتل العشرات برصاص الأمن والميليشيات، وجرح العديد واعتقال المئات. لكن العنف أحال أوار الثورة ناراً، وتواصلت المواكب، التي توجها المحتجون بالاعتصام الشهير والباسل أمام القيادة العامة لقوات الشعب المسلحة في السادس من أبريل، وشارك فيها الملايين، ما اضطر القيادة الأمنية للنظام بقيادة نائبه، عوض بن عوف، إلى إعلان تنحية البشير وتكوين مجلس عسكري انتقالي، وإعادة إنتاج النظام بوجوه جديدة، بعد خمسة أيام من الاعتصام، ليدون يوم 11 أبريل في ذاكرة الشعب بأنه «يوم انتصار».
ولم ترهب المحتجين حالة حظر التجول، التي أعلنها بن عوف، وظلوا يهتفون «تسقط... تسقط تاني، وبن عوف جابو الكيزان» وغيرها من الشعارات، ولم تصمد حكومة بن عوف ليوم واحد، ودونت في تاريخ البلاد أسرع حكومة تتم تنحيتها، ليحل الفريق عبد الفتاح البرهان في رئاسة المجلس العسكري الانتقالي.
وخاض الثوار معارك شرسة ضد بقايا النظام المعزول، وقاموا بمحاولات مستميتة لإعادة السيطرة على مقاليد الحكم، وواصلوا اعتصامهم بعد تكوين المجلس العسكري الانتقالي، واستمروا في المطالبة بحكومة مدنية. لكن المجلس العسكري الانتقالي فجع السودانيين في 3 يونيو (حزيران) 2019. ونفذ مأساة فض الاعتصام، التي شهدت فظائع لا توصف، حيث قتل فيه أكثر من مائة معتصم سلمي، وجرح واختفى العشرات، وحينها أعلن رئيس المجلس العسكري الانتقالي وقف التفاوض مع «تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير».
ولم ترهب فظائع فض الاعتصام الشعب، الذي خرج عن بكرة أبيه في الثلاثين من يونيو في مدن البلاد، لرفض الحكم العسكري، والمطالبة بحكم مدني والثأر لدماء الشهداء، فاضطر العسكريون للعودة إلى مائدة التفاوض مجدداً، ولعبت الوساطة الإثيوبية والأفريقية، التي قادها رئيس الوزراء آبي أحمد دوراً محورياً في الوصول إلى اتفاق، قضى بمشاركة العسكريين والمدنيين في حكومة انتقالية تحكم لثلاث سنوات، ووقعوا وثيقة دستورية تحكم البلاد خلال فترة الانتقال.
وفي أغسطس (آب) 2019 تم تكوين الحكومة المدنية، برئاسة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وتم تكوين مجلس سيادة مشترك بين العسكريين والمدنيين، يتولى مهام السيادة. لكن الحكومة الانتقالية واجهت صعوبات عديدة، إذ ورثت اقتصادا منهارا، وبني تحتية متلاشية، ودولة عميقة تعيق عملها بكل ما تملك، فتفاقمت الأزمات الاقتصادية والمعيشية والاجتماعية. لكن الشعب والثوار ما زالوا يتمسكون بشعارات الثورة، وبالحكومة الانتقالية التي أتت بها الثورة.
وقال عضو المجلس السيادي محمد الفكي سليمان، إن الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية حددت العديد من الأهداف للفترة الانتقالية، وهي أهداف الثورة، وعلى رأسها ملف «تحقيق السلام»، الذي يعد أهم الأهداف، وحددت له ستة أشهر، وملف الاقتصاد، وملف تصفية وتفكيك نظام الإنقاذ، وهي ملفات مترابطة ببعضها.
ويعترف الفكي في تصريحات بعدم تحقيق «تقدم كبير» في ملف الاقتصاد، وبأن الناس ما يزالون يعيشون أوضاعا اقتصادية قاسية، بقوله: «المطلوب من حكومة الثورة تحسين الوضع الاقتصادي، لكونه واحدا من الأهداف التي قامت بسببها الثورة».
ويربط الفكي بين ملف الاقتصاد وملف إزالة التمكين وملف السلام، بقوله: «كل موارد البلاد تحت مجموعة سياسية محددة ومحدودة، وبالتالي فإن إزالة التمكين الذي نصت عليه الوثيقة الدستورية يعد واحداً من مطالب الثورة، ويتمثل في تفكيك دولة الحزب لصالح دولة الوطن، واسترداد مقدرات الأمة».
ووجهت لجنة التفكيك، التي يترأسها الفكي بالإنابة أول من أمس، ضربة موجعة لمراكز النظام باسترداد قرابة 150 قطعة أرض مملوكة لرموز النظام المعزول وقادته، منها 99 مملوكة للقائد الأمني والتنظيمي للإسلاميين وزير الخارجية الأسبق علي كرتي، إضافة إلى ضرب المعقل الإخواني الأشهر «منظمة الدعوة الإسلامية» بإلغاء تسجيلها، واسترداد ممتلكاتها التي تعد مصدر تمويل كبير لـ«الإخوان». وقال بخصوص مواجهة الحملة التي يشنونها ضد القرار: «لقد بدأ صوتهم يتعالى لأنهم لا يريدون إعادة الأموال التي حاذوها من أموال الشعب دون حق».
وتوقع الفكي أن تؤدي عمليات استرداد أموال الشعب من «الإسلاميين»، وتفكيك الشركات «السرطانية» المتورمة التابعة لهم إلى تحسين الأوضاع الاقتصادية في البلاد، بيد أنه عاد ليقول: إن «الآمال أكبر مما تم إنجازه، ونعمل على الإيفاء بوعودنا للشعب، وإلاّ فسنوضع أمام محكمة التاريخ».
من جهته، قال القيادي البارز بقوى «إعلان الحرية والتغيير»، ساطع أحمد الحاج، إن قوى الشعب السوداني، بكل مكوناتها السياسية والشعبية، حققت في 11 أبريل 2019 انتصاراً جريئاً في مواجهة نظام استبدادي، بإرادة وتصميم الشعب.
ويؤكد الحاج أن انتصار الشعب في حراكه ضد النظام المعزول، «كان خالصاً ونتيجة حتمية لرغبة الجماهير، وإصرارها الباسل لإسقاط حكم الرئيس المعزول عمر البشير، وبطانته الإسلامية، ولم تلعب أي قوة دورا فيه»، مبرزا أن اللجنة الأمنية بقيادة وزير الدفاع عوض بن عوف، التي أعلنت إطاحة البشير، لم تلعب أي شيء في نجاح الثورة الشعبية، بل حاولت القفز على الإرادة الجماهيرية، وتسلقها للعب دور جديد.
ووفقا للحاج، فإن حراك الشعب، الذي امتد أشهراً، أكد أن الشعب لم يعد يقبل استمرار النظام الديكتاتوري في الحكم، واستطاع تحقيق إرادته وقام بعزله، وتابع موضحا: «بعد عام من سقوط نظام الجبهة الإسلامية، ما زالت بعض الصعوبات تكتنف مسيرة التغيير والثورة»، بيد أنه أكد تجاوز عقبات وصعوبات الطريق لتحقيق أهداف الثورة في الحرية والسلام والعدالة.
الفكي والحاج وخلفهم ملايين السودانيين، ينتظرون تحقيق شعارات الثورة في «الحرية والسلام والعدالة» رغم العثرات، لكن الجميع يضعون أياديهم على قلوبهم خوفا، وحرصاً على ثورتهم وحريتهم من «قوى الردة»، رغم ثقتهم بأن عودة «الإسلاميين» للحكم تعد في حكم «الغول والعنقاء والخل الوفي».



ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
TT

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)
الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

في خطوة أثارت موجة واسعة من الرفض والاستياء، فرضت الجماعة الحوثية إجراءات جديدة على طلاب المدارس الحكومية في محافظتَيْ إب وذمار (جنوب صنعاء)، ربطت بموجبها تسليم نتائج الامتحانات واستكمال إجراءات التسجيل للعام الدراسي المقبل بالمشاركة في معسكراتها الصيفية، في مسار عدّه تربويون وأولياء أمور ضغطاً مباشراً على الأسر والطلاب.

ووفق مصادر تربوية متطابقة، فإن إدارات المدارس تلقت تعليمات واضحة تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد، إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المعسكرات. هذه الإجراءات وضعت آلاف الأسر أمام معادلة صعبة، بين الحفاظ على حق أبنائهم في التعليم، والرضوخ لشروط لا تتصل بالعملية التعليمية.

ويشير عاملون في القطاع التربوي إلى أن هذا التوجه جاء في ظل تراجع إقبال الأسر على تسجيل أبنائهم في الأنشطة الصيفية؛ مما دفع بالجهات القائمة عليها إلى البحث عن وسائل بديلة لفرض المشاركة. ويؤكد هؤلاء أن المدارس باتت في موقف حرج، بين تنفيذ التعليمات المفروضة عليها، ومسؤوليتها تجاه الطلاب ومستقبلهم الدراسي.

أحد أولياء الأمور في محافظة إب قال إن إدارة المدرسة رفضت تسليم نتيجة نجله، وأبلغته بشكل غير مباشر ضرورة الالتحاق بالمركز الصيفي أولاً. وأضاف أن هذا الشرط لا يمكن قبوله؛ «لأنه يحول التعليم إلى أداة ضغط، بدلاً من أن يكون حقاً مكفولاً للجميع».

فتيات في صنعاء يجري تلقينهن أفكار الجماعة الحوثية (إعلام حوثي)

من جانبه، عبّر طالب في المرحلة الأساسية من محافظة ذمار عن قلقه من هذه الإجراءات، موضحاً أن اشتراط الحصول على شهادة مشاركة في المعسكرات الصيفية للتسجيل في العام المقبل يضعه أمام خيارين... «كلاهما صعب». وأكد أنه يخشى فقدان مستقبله الدراسي إذا لم يلتزم، رغم عدم رغبته في الانخراط بتلك الأنشطة.

ويكشف تربويون عن أن «بعض الطلاب تعرضوا لتهديدات غير مباشرة بالرسوب أو إسقاط أسمائهم من قوائم الناجحين، في مقابل تقديم وعود لآخرين متعثرين بالنجاح في حال مشاركتهم». ويرون أن «هذه الممارسات تضعف الثقة بالعملية التعليمية، وتحوّلها وسيلةً لتحقيق أهداف غير تربوية».

في المقابل، عبّر أولياء أمور عن رفضهم هذه السياسات، عادين أنها «تمثل انتهاكاً واضحاً لحقوق الأطفال، وتدفع بهم إلى مسارات لا تخدم تعليمهم أو نموهم الطبيعي». وطالبوا بضرورة «تدخل الجهات المعنية والمنظمات الدولية لحماية حق الطلاب في التعليم بعيداً عن أي ضغوط أو اشتراطات».

آثار عميقة

ويرى مراقبون أن هذه الإجراءات الحوثية تحمل آثاراً نفسية واجتماعية عميقة على الأطفال؛ «إذ تضعهم تحت ضغط مستمر، وتزرع لديهم الخوف من فقدان مستقبلهم الدراسي. كما أنها تعكس توجهاً أوسع لاستغلال هشاشة قطاع التعليم في ظل الأوضاع الراهنة، واستقطاب النشء ضمن برامج ذات طابع تعبوي».

وتتزامن هذه التطورات مع تصاعد حملات استهداف طالت تربويين وأولياء أمور في عدد من المناطق، على خلفية رفضهم الانخراط في تلك الأنشطة. وشملت هذه الحملات حالات اعتقال واختطاف، من بينها توقيف مدير مدرسة في ذمار، إضافة إلى احتجاز معلمين وأولياء أمور في مناطق متفرقة من إب.

عامل يجهز مناهج حوثية تمهيداً لتوزيعها (إكس)

يأتي ذلك في وقت يواجه فيه قطاع التعليم باليمن تحديات متراكمة، تشمل تدهور البنية التحتية للمدارس، وانقطاع رواتب المعلمين، وارتفاع معدلات التسرب من التعليم. وتشير تقديرات أممية إلى أن ملايين الأطفال لا يزالون خارج المدارس؛ مما يزيد من تعقيد المشهد التربوي ويهدد مستقبل جيل كامل.

ورغم هذه الظروف، فإن المنظمات الدولية تواصل تنفيذ برامج لدعم التعليم، من خلال إعادة الأطفال إلى المدارس، وتوفير مستلزمات دراسية، وتأهيل المعلمين. غير أن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة على الأرض، في ظل استمرار الممارسات التي تقوض استقرار العملية التعليمية.


تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
TT

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)
شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

في ظل استمرار الصراع الذي فجَّره الحوثيون في اليمن، اتهمت تقارير حديثة الجماعة المدعومة من إيران بالتورُّط في أنشطة مرتبطة بالمخدرات، سواء عبر التهريب أو الترويج أو استخدام هذه المواد داخل صفوف مقاتليها، وذلك في سياق ما يُعرف بـ«اقتصاد الحرب»، حيث يلجأ الحوثيون إلى مصادر تمويل غير تقليدية لتعزيز نفوذهم واستمرار عملياتهم العسكرية.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة حديثة صادرة عن «مركز المخا للدراسات الاستراتيجية» عن تصاعد ملحوظ في نشاط تجارة المخدرات داخل مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، في تطوّر وصفته الدراسة بـ«التحول النوعي» الذي يعكس انتقال هذه التجارة من أنشطة تهريب محدودة إلى منظومة متكاملة ذات أبعاد اقتصادية وأمنية واجتماعية معقدة.

وبحسب الدراسة، لم تعد تجارة المخدرات مجرد مصدر تمويل ثانوي، بل تحولت إلى رافد رئيس، ضمن ما يُعرف بـ«الاقتصاد الأسود»، الذي تعتمد عليه الجماعة لتعزيز مواردها المالية خارج الأطر الرسمية، في ظل تراجع الإيرادات التقليدية وتصاعد الضغوط الاقتصادية.

مخدرات ضُبطت خلال تهريبها عبر البحر الأحمر إلى الحوثيين (المقاومة الوطنية)

وشهدت مناطق سيطرة الحوثيين خلال السنوات الأخيرة تحولاً لافتاً، حيث انتقلت من كونها ممرات عبور لشحنات المخدرات إلى مراكز نشطة لإعادة التصنيع والخلط والتغليف، تمهيداً لإعادة التوزيع محليّاً وإقليمياً. ويُعزى هذا التحول إلى حالة الانفلات الأمني وضعف الرقابة، إضافة إلى استغلال البنية الجغرافية الوعرة التي تسهّل عمليات التهريب.

وكشفت الدراسة عن وجود شبكات منظمة تعمل بتنسيق عالٍ، مستفيدة من تداخل المصالح بين أطراف محلية وإقليمية؛ ما أسهم في توسيع نطاق هذه التجارة وتعقيد مسارات مكافحتها، مؤكدة أن حالة الانفلات الأمني وتراجع مؤسسات الدولة أسهما في خلق بيئة ملائمة لنمو هذا النشاط، خصوصاً في ظل سيطرة الجماعة على عدد من المنافذ الحيوية؛ ما أتاح توسيع نطاق العمليات المرتبطة بالاتجار غير المشروع.

نشاط ممنهج

وأوضحت الدراسة أن إدارة تجارة وتهريب المخدرات في مناطق السيطرة الحوثية تتم بسرية عالية، وتحت إشراف مباشر من قيادات الصف الأول؛ ما يعكس تحولها إلى نشاط منظّم ومركزي مرتبط ببنية القيادة العليا للجماعة ومصالحها الاستراتيجية، مشيرة إلى أن العائدات الناتجة عن تجارة المخدرات تُستخدم في دعم الأنشطة العسكرية، بما في ذلك تمويل العمليات وشراء الأسلحة، في إطار ما وصفه بـ«الاقتصاد الموازي» الذي تعمل من خلاله الجماعة خارج أي رقابة رسمية. ​

عناصر حوثيون في أحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

وترى الدراسة أن هذا النمط من التمويل يساهم في إطالة أمد الصراع، ويزيد من صعوبة التوصل إلى حلول سياسية، نظراً لاعتماد بعض الأطراف على مصادر دخل غير مشروعة يصعب تفكيكها.

وفي جانب آخر، لفتت الدراسة إلى استخدام المخدرات وسيلة للتأثير على المقاتلين في صفوف الحوثيين، خصوصاً من فئة الشباب، من خلال تقليل مستوى الوعي وتعزيز قابلية الانقياد؛ ما يسهم في إحكام السيطرة داخل صفوف الجماعة.

تفكيك المجتمع

وحذرت الدراسة على الصعيد الاجتماعي، من تنامي معدلات تعاطي المخدرات، خصوصاً بين فئة الشباب بمناطق سيطرة الحوثيين، معتبرة أن انتشار هذه الظاهرة يشكل تهديداً مباشراً للنسيج المجتمعي. كما أشارت إلى استخدام المخدرات وسيلةً لتسهيل عمليات التجنيد، بما في ذلك استهداف القُصّر، من خلال تقليل الوعي وزيادة القابلية للانخراط في الأنشطة التعبوية والقتالية.

وأضافت أن هذا التوجه يمثل ما وصفته بـ«التفكيك الناعم» للمجتمع، حيث يتم إضعاف البنية الاجتماعية من الداخل، عبر نشر الإدمان وتآكل القيم؛ ما يفاقم من التحديات التي يواجهها اليمن على المدى الطويل.

وأكدت الدراسة أن نشاط تجارة المخدرات المرتبط بالحوثيين لا يقتصر على الداخل اليمني، بل يرتبط بشبكات تهريب عابرة للحدود؛ ما يضاعف من خطورته، ويجعله تهديداً للأمن الإقليمي.

جانب من عملية إتلاف مواد مخدرة ضُبطت سابقاً على الحدود اليمنية - السعودية (سبأ)

ودعت إلى ضرورة التعامل مع هذه الظاهرة بوصفها ملفاً استراتيجياً يتطلب تعزيز الجهود الأمنية والتعاون الإقليمي، إلى جانب إطلاق برامج توعية للحد من انتشار المخدرات وآثارها على المجتمع.

ويرى مراقبون أن استمرار تنامي تجارة المخدرات في مناطق سيطرة الحوثيين لا يهدد اليمن فحسب، بل يمتد تأثيره إلى الأمن الإقليمي؛ ما يستدعي تحركاً عاجلاً ومنسقاً للحد من هذه الظاهرة التي باتت تمثل أحد أخطر تداعيات الحرب المستمرة في البلاد.

ويشير هؤلاء إلى أن تحول المخدرات إلى أداة تمويل رئيسة يعكس نمطاً متكرراً في مناطق النزاعات، حيث تلجأ الجماعات المسلحة كالحوثيين إلى أنشطة غير مشروعة لتعويض نقص الموارد؛ ما يؤدي إلى ترسيخ اقتصاد الحرب وإطالة أمده.

كما يحذر المراقبون من أن تداعيات هذه الظاهرة لن تظل محصورة داخل اليمن، بل قد تمتد إلى دول الجوار، في ظل وجود شبكات تهريب عابرة للحدود؛ الأمر الذي يشكل تهديداً متزايداً للأمن الإقليمي، خصوصاً مع تزايد كميات المواد المخدرة المتداولة وتطور أساليب نقلها.


بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.