الحوثيون في فوهة «السلام»

هل حاك التحالف ستارة الأزمة اليمنية... وما فرص نجاح إسدالها؟

الحوثيون في فوهة «السلام»
TT

الحوثيون في فوهة «السلام»

الحوثيون في فوهة «السلام»

لم يتبقَّ على عام 2018 سوى أيام معدودات. كان يمشي كأنه يسابق الوقت في ليلة من ليالي استوكهولم الماطرة، المليئة بالاجتماعات تلو الاجتماعات.
اتخذ مكانه في ردهة فندقٍ سويدي يبعد أكثر بقليل من مائة كيلومتر عن مقر مشاورات السويد اليمنية. وأخذ يقول: «علينا أن نقيس نضج الحوثيين السياسي». كانت هذه الجملة أشبه بلازمة لطالما كررها السفير الأميركي السابق لدى اليمن ماثيو تولر، في أكثر من حوار أجرته معه «الشرق الأوسط».
ولكن في زمن وباء «كورونا» أو (كوفيد - 19)، ماذا سيكون رأي السفير الذي انتقل إلى العراق عام 2019 بعد خمس سنوات عاصر خلالها منعطفات الأزمة وحتى اللحظة حول الأزمة اليمنية؟
«كوفيد - 19» غربل أجندة العالم وفرض قوانينه، وقد لا يوازي تخريبه فتافيت فوائده، بل لعل الفائدة اليتيمة فيما يبدو: وقف القتال والتركيز على مجابهة الفيروس.
لم ينتظر التحالف الحوثيين ولا التزاماتهم. مسرحيات الجماعة السابقة ونقضها الدائم لعهودها عوامل جعلت التحالف يتخذ هذه المرة استراتيجية منح الفرص. وحاك ستارة تمهد بداية النهاية وتترك للطرفين العمل على إسدالها. لقد اختار، متكئاً على دعوة أممية ودولية، أن يضع الحوثيين في «فوهة السلام»... فهل تُظهر الجماعة ذلك «النضج السياسي»؟

يحذّر رئيس الوزراء اليمني الدكتور معين عبد الملك، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» من تبعات هذا الفيروس «كوفيد - 19» الخطير، متحدثاً عن تبعات ستتجاوز الأفراد إلى الاقتصاد، «ولن ينجو منها أحد».
في اليمن، يبدو الوباء العالمي الذي بدأ يتسلل إلى نشرات الأخبار نهاية العام الماضي، كأنه أراد منح فرصة قبل أن يتسلل إلى البلد الذي انقلب فيه الحوثيون على السلطة الشرعية منذ سبتمبر (أيلول) 2014، ولم يعد هناك نظام صحي أو إداري محلي قادر على التعامل مع أمراض قابلة للعلاج. ومن المؤكد أن الفيروس، الذي هزّ كبرى دول العالم، سيكون وبالاً على اليمن وأهله، ولن يفرّق بين أنصار الحوثيين أو أنصار الشرعية.
وسط هذا الخضمّ، فتح تحالف دعم الشرعية نافذة واسعة، بإعلانه وقف إطلاق النار المؤقت القابل للتمديد.

الحقائق والآمال
يعقد كبار المسؤولين والسياسيين والمحللين آمالهم على أن يفاجئ الحوثيون منتقديهم، بتخييب الشكوك، واستثمار اللحظة، ووقف الاندفاع الذي يرافق الانبهار بالسلطة. يأملون أن يختار الحوثيون وجهة اليمن، وأن يتخلوا ولو لمرة، عن إيران ومشروعها الرامي إلى هدم بلادهم فوق رؤوسهم.
ووسط جائحة «كوفيد - 19»، ما عاد الأمر يتحمل أنصاف الحلول لليمنيين المنهكين أصلاً من الحرب. والذين يعانون في جُلّ أرجاء البلاد من نقص الخدمات والغذاء والدواء.
المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث، سلم الطرفين مبادرة حل شامل، وقال في بيان إنها جاءت بعد نقاش مع الأطراف ومجموعات يمنية متنوعة. وتضمنت المبادرة: أولاً، مقترحاً لاتفاق لوقف إطلاق النار يشمل عموم اليمن ويكون خاضعاً للمساءلة. ثانياً، مجموعة من التدابير الاقتصادية والإنسانية للتخفيف من وطأة المعاناة عن الشعب اليمني وبناء الثقة بين الأطراف. ثالثاً، الالتزام باستئناف العملية السياسية.

لحظات حرجة
يقول الدكتور معين عبد الملك «إنها لحظة خطيرة من تاريخ العالم... هناك ضرورة قصوى لإنجاح الهدنة وتوحيد الجهود في مواجهة عدو مخيف يستهدف الجميع بلا تمييز». ويذكّر عبد الملك بأن تأثيرات الجائحة العالمية «ستكون مضاعفة على بلادنا التي أنهكتها حرب الميليشيات العنصرية، ودفعت الاقتصاد وقطاع الخدمات ومستوى حياة المواطنين إلى مستويات غير مسبوقة من التردي والتدهور... نأمل أن الميليشيات ستذهب معنا للهدنة بدافع من هذا الإدراك الواعي ومن شعور عالٍ بطبيعة الخطر الذي يتربص بالعالم وبشعبنا».
ويتابع: «في تقديري، نجاح إنجاز مهمة هذه الهدنة، وتحاشي التعامل معها كفرصة للمساومة أو الربح أو تغيير موازين القوى، سيشكّلان بالإضافة إلى تأمين وحماية شعبنا وأهلنا من هذا الوباء المخيف؛ أرضية واعدة لبناء الثقة والتعاطي الإيجابي مع خطط السلام وتحويلها إلى اتفاق قابل للحياة والتطبيق». ويضيف: «الساعات الأولى للهدنة لا تبشّر بخير بسبب عدد وفداحة الخروق التي ارتكبها الحوثيون، ولكن لدينا أمل أن يستوعب الحوثيون مخاطر اللحظة وضروراتها وأن يتعاملوا مع هذه الهدنة كفرصة لإنقاذ شعبنا ولإنهاء الحرب. لدينا تجربة سيئة في الحديدة وأرجو ألا تتكرر».

طلاق إيران
بعد إعلان مبادرة وقف إطلاق النار الأحادية الجانب، حضّ خطاب كبار المسؤولين في دول التحالف على ضرورة اختيار اليمن وتغليب مصلحته على مصلحة إيران، فهو الخيار الأبقى والأنجح للحوثيين، وستنتج عنه بداية لنهاية الأزمة.
من خلال المتابعات المتسقة مع الأحداث في اليمن، تلخص ثلاث رؤى علاقة الحوثيين مع إيران، بغضّ النظر عن نسبة مؤيدي أي منها. إذ يرى البعض تبعية كاملة لا يمكن فصلها، ويقرأ آخرون أنها تبعية جزئية، لكن القرارات الحاسمة بيد إيران، وبالخصوص، مسألة الصواريخ الباليستية والمسيّرات والقرار السياسي، بينما هناك من يعتقد أن الجماعة لديها قرار وتستطيع الاختيار وعلاقتها مع النظام الإيراني أشبه بما تكون تكميلية.
تقول الخبيرة في الشأن اليمني الدكتورة إليزابيث كاندِل، وهي أستاذة في جامعة أكسفورد لـ«الشرق الأوسط» «إنها هذه خطوة ذكية من التحالف... تضع الكرة في ملعب الحوثيين»، وإذا لم يستجيبوا بشكل إيجابي ومتبادل فإنهم يتنازلون عن الأرضية الأخلاقية العالية لصالح لتحالف. وعن خروج أصوات حوثية تحاول سَوْق اتهامات بأن وقف النار «مراوغة» لإرضاء المجتمع الدولي، تقول كاندل: «الواضح أن بيان التحالف يترك الخيار مفتوحاً لتمديد وقف إطلاق النار، ويضعه صراحة كخطوة أولى نحو حل قضايا أكبر... إذا كان الحوثيون يرغبون في الاحتفاظ بأي مصداقية قيادية في مواجهة جائحة يمكن أن تهلك سكانهم الضعفاء، لن يكون أمامهم خيار سوى رد مبادرة وقف إطلاق النار بالمثل، وتركيز جهودهم بدلاً من ذلك على مكافحة انتشار الجائحة».

السفير آرون: مصلحتهم مع السعودية
يجد السفير البريطاني لدى اليمن مايكل آرون، احتراماً واسعاً من اليمنيين، وأيضاً ثمة منتقدون، خصوصاً أنه يخاطبهم باللغة العربية من خلال حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي. في السابق، تحدث السفير عن إمكانية الفصل بين إيران والحوثيين في حديث سابق أجرته معه «الشرق الأوسط»، وهو ما أثار جدلاً في تلك الأيام. بينما ترى الأستاذة في أكسفورد أن الحوثيين في وضع يمكّنهم من اتخاذ القرار بأنفسهم دون الرجوع إلى إيران. وتعتقد أن الحوثيين «يتشاركون في قضية مشتركة مع إيران عندما تناسبهم، لكن لا يجري تشغيلهم عن طريق (التحكم عن بُعد) من قِبل إيران، خصوصاً ليس الآن، عندما تكون إيران في وضع ضعيف بعد تفشي الفيروس، والعقوبات المؤلمة، وانهيار أسعار النفط. لا يحتاج الحوثيون إلى موافقة إيران. والأمر متروك لهم ليقرروا بأنفسهم».
«الشرق الأوسط» سألت السفير آرون بعد إعلان التحالف وقف النار: «هل ما زلت متمسكاً برأيك بأن الحوثيين يستطيعون أن يتوقفوا عن التبعية لإيران؟»، فأجاب: «نعم، وأعتقد أن الحوثيين يمكن أن يقتنعوا بأن المملكة العربية السعودية حليف أوثق وأكثر موثوقية من إيران»... وأردف: «تهتم إيران فقط بالحوثيين كوكلاء في صراعهم مع السعودية... بينما للسعودية روابط تاريخية طويلة مع الشعب اليمني وتهتم بأمنه واستقراره ورخائه».
ويعتقد السفير البريطاني أن «وقف إطلاق النار الذي أعلنته السعودية سيعطي المساحة اللازمة لبدء المحادثات»، متابعاً: «طالب الحوثيون مراراً بوقف إطلاق نار على الصعيد الوطني. الآن ها هو لديهم. يحتاجون إلى إظهار أنهم يريدون السلام وبدء المحادثات».
من ناحيته، يذكر اللواء سلطان العرادة، محافظ مأرب في حديث عبر الهاتف مع «الشرق الأوسط»، أن الشرعية والتحالف حريصان على السلام الصادق العادل الذي يستحقه اليمنيون. ويقول: «الحوثيون يخرقون الهدن، آخرها الليلة الماضية (الليلة التي جرى فيها إعلان وقف النار) أطلقوا صاروخاً باليستياً على مأرب»، مشدداً على التزام الحكومة بكل سبل السلام، وأن مأرب ستبقى عصيّة إذا ما حاولوا أن يستمروا في استهدافها.

هل يريد اليمنيون إنهاء الحرب؟
يجيب الدكتور حمزة الكمالي، وكيل وزارة الشباب والرياضة عضو الفريق الإعلامي لوفد الحكومة اليمنية في مشاورات السويد، قائلاً: «لا يوجد بأي حال شك بأن هناك أي يمني لا يريد إنهاء الحرب، ولكن وفق قواعد أساسية». وتتمثل قواعد الكمالي التي تحدث عنها في «الدخول صوب سلام شامل ودائم يقوم على استعادة الدولة اليمنية، وإنهاء التمرد المسلح الذي نفّذته الميليشيات الحوثية، وأن يتحولوا إلى طرف سياسي مثلهم مثل الأطراف السياسية اليمنية الأخرى... أما أن يستمر الحوثيون في التصعيد فسنظل في حلقة مفرغة نحاول إرساء سلامٍ مع من لا يؤمن به».
ويقول الكمالي لـ«الشرق الأوسط» مستطرداً: «مبادرة التحالف تؤكد النهج الذي أتى على أثره التحالف، وهو السلام القائم على إنهاء الانقلاب في اليمن واستعادة الشرعية. الدعوة قوبلت بإيجابية من الحكومة اليمنية، ولكن ما نراه من الميليشيات الحوثية لا يبشّر بخير، ونتمنى أن يختلفوا هذه المرة ويتصرفوا بطريقة تؤدي للسلام وتمنحه لليمنيين».
أما رياض الدبعي، وهو أحد المؤسسين ومسؤول الرصد في التحالف اليمني لرصد انتهاكات حقوق الإنسان، فيرى أنه «من المهم في هذه الأوقات أن تكون هناك هدنة وتثبيت ووقف إطلاق النار في اليمن. اليمن بلد يعيش 5 سنوات منذ الانقلاب ولولا دعم الأشقاء في المملكة لكان الآن معظم المؤسسات منهارة خصوصاً الجانب الصحي الذي يعد أكثر القطاعات تضرراً في اليمن، وذلك بسبب كثرة الهجمات الحوثية على المستشفيات ومغادرة الأطباء اليمنيين بعد الانقلاب. وبالتالي تصبح الآن الهدنة ضرورة إنسانية في ظل جائحة (كوفيد – 19) وعلى جميع الأطراف التركيز على الوضع الصحي في اليمن ومحاولة تسخير الدعم لمواجهة الجائحة. هناك مبلغ 25 مليون دولار قُدم من المملكة كدعم إضافي لمواجهتها، إضافةً إلى دعمهم لخطة استجابة الأمم المتحدة 2020. كذلك يجب على الأطراف اليمنية أن تنظر إلى اليمنيين بعين الإنسانية في هذه الظروف وترك السلاح جانباً، والبدء في حوار سياسي شامل، وعليها أن تكون صادقة وتستجيب لدعوة الأمم المتحدة. وأنا هنا أخص بالذكر ميليشيا الحوثيين، عليهم أن يكونوا صادقين هذه المرة والابتعاد على المراوغة. لأنه لدينا تجارب سابقة مريرة فيما يخص الهدنات واستجابة الحوثيين. كل الهدن إلى وقف إطلاق النار لم يلتزم بها الحوثيون منذ عام 2015».

تشاؤم من استجابة الانقلاب
هل تتوقع التعامل الحوثي الإيجابي مع مبادرة وقف إطلاق النار؟ سألت «الشرق الأوسط» الكاتب السياسي اليمني سام الغباري، فأجاب: «على الرغم من إثبات الحكومة اليمنية والتحالف العربي حسن النيات سياسياً تجاه المعركة اليوم، لا تعير ميليشيا الحوثي هذه النيات أي احترام متبادل، وها نحن أمام مبادرة أحادية الجانب لم يلتزم بها الحوثي ولم يطلبها، وكانت تجاوباً مع المبعوث الأممي الذي صار ظهوره مثيراً للسخرية والريبة لدى اليمنيين. لا يمكن أن تقف هذه الميليشيا موقفاً مسؤولاً -إنسانياً- تجاه قتلاها الذين تقذفهم إلى الجحيم، ولم تستطع هذه الجماعة تقديم شخصية واحدة من داخلها قادرة على أن تقدم فرصاً للتعاطي المسؤول مع أي مبادرات سلام، فتركيبتها التنظيمية المستنسخة عن فكرة (الخميني) تدفعها إلى المناورة المفضوحة، لإعادة ترتيب صفوفها ومعاودة الكَرّة مجدداً».
ويضيف الغباري: «يمكنك العودة إلى محركات البحث لتشاهد الكمّ الهائل من الاتفاقات التي لم يلتزم الحوثي بها ولن يلتزم، كل همّه تجميد الحرب التي يخسرها، وترتيب صفوفه بعد وقع الخسائر الهائلة التي يتكبدها، كل هذا الاستنزاف البشري المميت يجب أن يتوقف بمعركة حاسمة أو اتفاق سياسي حقيقي، لكن السؤال: هل ستقبل الحوثية أي اتفاق سياسي؟ كل المعطيات التي يجب على أي سياسي حصيف أن يقرأها جيداً أن الحوثي وسلالته غير قادرين أو مؤهلين لذلك. بل من المستحيل وفق عقائدهم الفكرية الوصول إلى صيغة سلام، لأن ذلك يعني إلغاء الحق الحصري لهم في نظرية الولاية العنصرية على اليمنيين... من يريد تفسير هذه الحرب عليه أن يضع كل ملفاتها التاريخية أمامه، لأنها بالفعل معركة قديمة تتجدد، دون ذلك فالمبادرات السياسية لن تجدي نفعاً مع (مجتمع) يعيش داخل الجسد اليمني متورم بالعنصرية والحق الإلهي في الحكم وينازع اليمنيين الاتفاق على صيغة حكم معاصرة».
ويختتم الكاتب السياسي اليمني بالقول إن «الاتفاق مع أي فصيل يمني مثل المجلس الانتقالي ممكن الحدوث لأنه لا يستقي صراعات من حقوق متطرفة دينياً، لكن مع الحوثيين، أقولها كيمني، إن الحوثية تحولت إلى حركة سياسية مسلحة وعنيفة، سيطرت على صنعاء بدعم ثالوث العصبية السلالية والسلاح والفشل الإداري والسياسي للدولة حينها، والتمويل الإيراني الضخم بالمال والقدرات والسلاح النوعي».

... وقليل من التفاؤل
في المقابل، عند سؤال وكيل وزارة الخارجية اليمنية الأسبق مصطفى نعمان، عمّا يجدر ترقبه من الحوثيين، أجاب: «من المتوقع والمفترض أن تقبل الجماعة بالتعامل الإيجابي مع إعلان الهدنة التي كانت هي نفسها تطالب بها... أراها فرصة لليمنيين جميعاً للعمل بجدية ودون مماطلة واختلاق المبررات للخروج من مسار الحرب إلى مسار جديد». ثم أردف: «إن الدعوة السعودية للحضور مع جميع الأطراف اليمنية للبحث في استدامة الهدنة، وجعلها مدخلاً لتسوية سياسية تُنهي الحرب، جهد يجب دعمه دون شروط مسبقة. إن ما يواجه اليمن والمنطقة برمّتها هو أمر أخطر من الحرب وآثارها، وعلى الجميع أن يقرأ الرسائل السعودية التي عبّرت عنها تغريدات الأمير خالد بن سلمان، نائب وزير الدفاع، دون تأويلات وتشكيك».

«كوفيد - 19»... عواقب وخيمة
أخيراً، تتحدث منى لقمان، رئيسة مؤسسة «الغذاء من أجل الإنسانية - Food4Humanity»، فتقول: «رغم أننا نأمل مزيداً من الجهود الجادة في التوصل إلى وضع نهاية للحرب وليس فقط وقف إطلاق النار أو الهدنة الإنسانية المؤقتة، فإننا في الحقيقة كمراقبين وحقوقيين لا نعوّل كثيراً على التزام الحوثيين بالهدنة، والشواهد كثيرة».
لقمان تأمل «ألا يتعنت الحوثيون ويفوتوا الفرصة، خصوصاً أن الجائحة لن ترحم أحداً، وجميع حلفائهم من حكام إيران منشغلين بالكوارث التي حلّت بهم». وتحذر الناشطة الحقوقية اليمنية من انفجار هائل قد يتسبب في «تفشي الفيروس في اليمن سيكون كارثياً... ينبغي على طرفي الصراع في الحكومة الشرعية وجماعة الحوثي العمل بما تقتضيه مسؤوليتهما، أن يلتزما بالعمل المشترك والتنسيق بينهما لمواجهة الوباء، ولم نجد مؤشراً حتى اللحظة على أي تنسيق».


مقالات ذات صلة

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

حصاد الأسبوع مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري،

فتحية الدخاخني ( القاهرة)
حصاد الأسبوع تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه»

كمال بن يونس (تونس)
حصاد الأسبوع مقر "الاتحاد" (رويترز)

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي

«الشرق الأوسط» ( تونس)
حصاد الأسبوع النيران تلتهم غابات معمّرة في باتاغونيا (آ ب)

الأرجنتين: بين معطيات التاريخ... ومصالح الحاضر والمستقبل

في صباح اليوم التاسع من الشهر الماضي، وبينما كانت منطقة الشرق الأوسط تشهد أخطر الأعمال الحربية التي عرفتها منذ عقود، وقف الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي أمام

شوقي الريّس (مدريد)
حصاد الأسبوع طائرة حربية أردنية في مناورة فوق مدينة الزرقاء (أ.ب)

الأردن بين قرارات حكومية مثيرة للجدل وضغوط «الإخوان»

انتبهت الحكومة الأردنية متأخرةً لأهمية وضع المواطنين في صورة التحدّيات المتوقعة مع استمرار الحرب الإيرانية الدائرة، والمخاوف من تأثير النمط الاستهلاكي على

محمد خير الرواشدة (عمّان)

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.