هل ينهي الفيروس العولمة كمرحلة؟

كأن بني البشر ارتدّوا إلى الكهوف كما في بدايتهم الأولى

رينيه ديكارت
رينيه ديكارت
TT

هل ينهي الفيروس العولمة كمرحلة؟

رينيه ديكارت
رينيه ديكارت

خرق فيروس كورونا النظام العالمي ككائن ما بعد مجهري ينذر البشرية بالفجيعة، ويضعها على شفا حفرة من هلاك تام، والسبب قوة تفشيه التي أيقظت العالم على مرحلة جديدة صار يعايشها مذهولاً ويحاول أن يعيها مرغماً بفزع كبير. وطبيعي جداً أنْ تتخذ هذه المرحلة اسمها من اسم الذي أرعبها لتكون (كورونية) نسبة لهذا الكائن الذي اجتاحها بلا سابق إنذار وجعلها مهددة بمخاوف لا حصر لها ولا عد.
ويبدو أنّ الكورونية ستُنهي العولمة كمرحلة عالمية سعت نحو تحقيق الاندماج والتداخل والانفتاح فكانت النتيجة شكلاً مستجداً من فيروس يهدد العموم البشري جاعلاً العالم عبارة عن جماعة تربطها قرابة متخيلة بوصف بندكت أندرسن. ولم يعد العالم قرية صغيرة كما كان زمن العولمة. إنه الآن بيت صغير وأفراده متضايفون فرضاً لا اختياراً، وواجب كل واحد التكاتف لمواجهة الخطر الذي إذا وقع على الواحد شمل المجموع لا محالة، وكأن بني البشر ارتدوا كما في بدايتهم الأولى إلى الكهوف.
وها قد غدا ما ألقته العولمة على كاهل البشرية من مسائل وأزمات في كفة، وما سببه فيروس كورونا على طارئيته وحداثة حضوره في الكفة الأخرى وصار الفرد يحسب لنفسه وللجماعة حساباً جسدياً تباعدا وتقاربا.
وبدت الكرة الأرضية بمحيطاتها وقاراتها وأقاليمها وبلدانها وأممها وشعوبها ومنظماتها في مواجهة عدو هو أصغر من الصغر لا يعرف الجهات بشرقيها وغربيها ولا يعنيه التفوق التكنولوجي والصناعي غير مفرِّق بين الأغنياء والفقراء ولا ناطحات السحاب والمساكن العشوائية وليس مهتماً أن يكون مضيفه شاباً أو كهلاً، متعلماً أو جاهلاً، أسود أو أبيض، مؤمناً أو غير مؤمن.
ولأن العولمة لم تعط الأجساد أهمية وجدت البشرية نفسها فجأة وبشكل طارئ وغير محسوب أمام عدو يترصدها بالتهلكة ويهددها بالعدوى متفشياً في كل ميادينها وقد توقفت بظهوره برامج التسلح ومشاريع غزو الفضاء وأرجئت مشاكل البيئة كالاحتباس الحراري وتناقص موارد المياه وتأجلت أزمات اقتصادية بدءاً من نضوب الطاقة إلى كوارث المجاعة والبطالة والهجرة وغدا الاهتمام موجها للأجساد التي صارت لها الأولوية، وصار الهم كله محددا في كيفية الحفاظ على هذه الأجساد سليمة ومعافاة.
لقد فشلت العولمة في صنع مجتمع ما بعد أنواري كوسوموبولتي معطية الدليل على بلاهة استراتيجياتها التي لم تجلب للبشرية سوى الدمار ولم تحقق لها الرفاهية؛ بل خصخصتها بلا طائل نفعي وهكذا استسلمت ورفعت راياتها البيض من الوهلة الأولى التي ظهر فيها الفيروس المستجد، لتبدأ مرحلة جديدة هي جسدية فيها الجسم البشري يتعالى على كل مفاهيم الاستقطاب دامجاً ليبراليها براديكاليها ومؤمركها بروسيها وقد ترسملت الاشتراكية وتأشركت الرأسمالية وصار المهيمن بلا تابع والتابع بلا مهيمن والمستقطب غير أحادي وما من صراع هويات ولا حضارات لكنه صراع صحة وأمراض.
وليس غريباً أن تكون الكورونية مرحلة غير مبرمجة وهي تواجهنا بالاستحواذ وتشن علينا حرباً من نوع جديد فيها الفيروسات جاهزة لأن تجتاحنا بالأوبئة في كل آن ومكان، والعالم بيت عنكبوت تهزه هذه الكائنات اللامرئية وتهدده بالنكوص وربما العودة للوراء أجيالا وأجيالا. هذا إن لم تستعد لها البشرية استعداداً يضاهي حجم هذه المرحلة الكورونية.
فالسيادة كامنة في الجسد الذي ينبغي أن يحتاط له الإنسان بما حوله وبأبسط أفعاله وممارساتها متعايشا مع العالم بوصفه بيتا يمكن لأحد قاطنيه ـ إذا ما نسي سيادة جسده أو تركها لسيادة شيء آخر ـ أن يكون شره مستطيراً على البيت بمجموع أهله.
ولقد عرفت العولمة خطر الفيروسات الإلكترونية التي بها يمكن أن ينهار نظام مصرفي أو تفلس شركات وتخسر أموالها بيد أن الخطر الذي نواجهه في زمن الكورونية أعتى وأشد، كون الفيروسات لا تستهدف الأنظمة والشركات وإنما تستهدف أجساد وأرواح أصحابها ومنتسبيها والمنتفعين منها.
وفي عصرنا الكوروني أصبحت المساحات متقلصة والمعالم متجاورة والمخاطر والتهديدات واحدة وتحولت أزمنة العولمة السائلة واللايقينية إلى أزمنة هوائية مزمنة حدودها الشهيق والزفير.
وبهذه المسافة التنفسية تتقارب التوقعات وتلغى الحدود وتتآكل الأعراف وتتهالك الفواصل الطبقية وتتشرذم الحدود الاصطناعية وتغدو أواصر الروابط متمحورة حول الجسد التزاماً تجاه المجموع وتشاركاً في الأزمة مع ضرورة توفر حسن النية في توكيد اللحمة المجتمعية.
والأفراد في المجتمع البشري لا يعانون الوحدة؛ وإنما يخافونها وكل فرد في المجتمع رأسماله غيره الذي خوفه منه هو ترسانة اطمئنانه إليه. هذا الخوف الذي لا يقيه من الشعور به كاميرات مراقبة ولا شركات الحراسة ونظم التأمين؛ بل يقيه اهتمامه بجسده الذي هو غير مسوّر ولا مفصول عن أجساد الآخرين أصحاء ومرضى وأغنياء وفقراء.
ولا يسعنا اليوم أن ننظر للبشر فلسفياً على أنهم على أعتاب نهاية تاريخية كما ذهب فرنسيس فوكوياما ولا هم نفايات كما وصفهم ريغمونت باومان، ولا حياتهم عارية كما قال اغامبين، بل البشر اليوم مجسدنون بديمقراطية هي شعبية وهي مدنية وعسكرية وإيديولوجية وبيولوجية. ودرجة الخوف في كل ذلك متصاعدة وبوتيرة متأهبة، وديمومة حياتية تتعايش جسديا.
ولن تصبح الكورونية عصرا اعتياديا ومستقبلها متكهنا به ما لم تكن الأجساد مركزية فلسفيا ومعرفيا وقد تأنسن كل شيء حتى التكنولوجيا التي ستضع الإنسان في اعتبارها عمليا وجماليا وتواصليا.
وسيكون من متطلبات الاهتمام بالجسد التجريب فيه بصورة لا نمطية والتنظير له معرفيا والتفكير في مستقبله حيث كل جزيئة فيه لها دورها الخاص والمركزي اتصالا بالأجزاء الأخرى وباختيار أخلاقي.
وبسبب هذه الأهمية لم يغب الجسد ككينونة معرفية عن اهتمام الفلاسفة الإغريق كأفلاطون وأرسطو كما نال اهتمام فلاسفة العقل مثل رينيه ديكارت وكانط وصار له وجود في كل ميادين المعرفة من الفلسفة والدين وعلم النفس إلى العلم المعرفي والأنثروبولوجي واللساني والتاريخي والنقدي وكل أنواع الفنون. واحتل الجسد في فلسفة موريس ميرلوبونتي المركزية مالكا قصديته الخاصة ولكل فرد جسمه الخاص فهو الرائي والمرئي وهو الوسيلة لامتلاك العالم وكل إنسان عبارة عن جسم حي هو الموضوع كما هو الذات.
بيد أن هذه الأهمية وتلك المعرفية صارت معززة اليوم بالمرحلة الكورونية كمرحلة عبور حضاري وحوار (بين ثقافي)، فيها الجسد البشري هو المركز بناء على حقيقة كونه هو المارد الكبير حين لا ينال تلك المركزية وتكون له الأولوية في الترسانة المعرفية المعاصرة.
وإذا كان العقل في مرحلة الحداثة هو المركز وكان الفكر في مرحلة ما بعد الحداثة هو المركز؛ فإن الجسد في مرحلتنا الكورونية هو المركز وترسانته تصوراته وإمكانياته الحقيقية الكامنة في كل خلية حيوية تحوسب أهميتها حوسبة دقيقة على وفق سيرورات ومتواليات ليس فيها تفوق لعضو على آخر أو استحواذ لجزء أو استهانة بأجزاء أخرى. لتغدو معطيات الجسد كلها باعتياديها وغير اعتياديها هي أساس وجودنا.
بهذه النظرة الكلية للجسم تتوضح خطورة المرحلة الكورونية التي تختلف عن المراحل التي سبقتها في أن المعرفة فيها مجسدنة. وإذا كنا قد عرفنا كيف أن النمذجة بالذكاء البشري أتاحت مجالا معرفيا لبرمجيات الذكاء الصناعي وبرامج الحاسوب الآلي؛ فإن في خارطة الجسد البشري مناطق بحث معرفية ما زالت بكرا وأهميتها تتعدى كل أجندات التكنولوجيا النووية والهندسة الجينية وأنظمة التحكم بالصواريخ وحمل الرؤوس النووية، التي ما استطاعت إنقاذ البشرية من خطر ما بعد مجهري داهمها على حين غفلة.
وفي هذا درس تتعلمه البشرية وهي تواجه الكائنات الفيروسية كعدوة أزلية للبشر تتحداهم، والبشر يتحدون أنفسهم في مواجهتها كأنموذج تواصلي به يثبت البشر ذكاءهم ويدللون على تقدم علومهم ومستواهم الدماغي والرمزي والسلوكي والذاكراتي والتعلمي والبصري.
ومثلما قالوا قديما العقل السليم في الجسم السليم صار الجسد هو السمة المتعالية في الكون، ولم يعد العقل بمفرده هو الجوهر والسبب صلته الوثيقة بالأجزاء الجسمية الأخرى التي لا يمكن إنكارها أفعالا واستجابات مادية وتجريدية. والجسم لا يتطور إلا وهو متشكل بالعقل الذي هو متطور باستمرار بما يشبه التطورية الدارونية ومتحرر بحياة مشاعية واعتيادية وروح مشتركة نعيش فيها ضمن نسق تصوري كلي.
ولأن الإنسان بكليته هو الكيان المجسدن الذي فيه يكمن ما يهدده صار فرضاً عليه وواجباً أن يعيد التفكير في حقيقة هذا الجسد وأهمية معرفة ألغاز كينونته: مم يكون؟ وكيف يكون؟ ولماذا يكون؟



الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا
TT

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

الرواية العربية... من الواقعية إلى الفانتازيا

في أقصوصة فرانز كافكا «المسخ» يستيقظ شاب يدعى جريجور سامسا من نومه ذات صباح ليجد نفسه وقد تحول في فراشه إلى حشرة مقلوبة على ظهرها لا تملك أن تعتدل فتروح تتخبط عبثاً بأرجلها النحيلة في الهواء.

وفي رواية الأديب الفلسطيني إميل حبيبي «الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل» (1972) يختفي الفلسطيني بفعل «فضائيين» («فدائيين»؟) جاءوا من السماء، حسب تفسير البعض لاختفائه.

وفي رواية نجيب محفوظ «ليالي ألف ليلة» (1982) حكاية تحمل عنوان «معروف الإسكافي». معروف فقير مطحون يعاني الأمرين على يدي زوجته الشرسة إلى أن يأتيه عفريت من عالم الجن يمنحه خاتم سليمان -رمز القدرة السحرية- فيطلق امرأته الظالمة ويستخدم الخاتم في صنع الخير وإقرار العدل وإسعاد الناس.

هذه نماذج من أدب الفانتازيا أو الإغراق في الخيال. وكلمة «فانتازيا» fantasy -حسب قاموس «النفيس: إنجليزي- عربي» للدكتور مجدي وهبه- تعني عدة أمور: عجيب، غريب، خيالي، وهمي، محال، غير معقول، ضخم إلى حد لا يصدق، خارق. فالفانتازي ضرب من القص نجد فيه أن الممكن وغير الممكن يختلطان إلى حد يحير القارئ (وكثيراً ما يحير الراوي أو الشخصية الرئيسية في القصة) إذ لا يجد تفسيراً متسقاً لأحداث القصة الغريبة. ويذهب تزفتان تودوروف في كتابه «مدخل إلى الأدب الفانتازي» (1970) إلى أن الحكي الفانتازي يتضمن تردداً لا حل له بين التفسيرات الخارقة للطبيعة التي نجدها في قصص العجائب أو الخوارق وبين التفسيرات الطبيعية أو النفسية التي نجدها في حكايات «الغريب».

والفانتازيا قديمة قدم الأدب والفن: فنحن نجدها في أساطير الإغريق، وكتاب «ألف ليلة وليلة»، وحكايات الجنيات والقصص الخيالية في المأثورات الشعبية لمختلف الأمم، والمدن الفاضلة أو نقيضها من مدن كابوسية، وقصص الرعب القوطية مثل «فرانكنشتاين» لماري شِلّى، و«دراكولا» لبرام ستوكر، وروايات الخيال العلمي، والواقعية السحرية عند أدباء أميركا اللاتينية ومن حذوا حذوهم.

هذه الفانتازيا موضوع كتاب باللغة الإنجليزية صدر في هذا الصيف عن مطبعة جامعة إدنبرة. يقع الكتاب في قرابة ثلاثمائة صفحة وهو من تأليف ألكسندرا شريتح الأستاذة المساعدة للأدب العربي والدراسات الأدبية والبصرية الدولية في جامعة تفتس الأميركية. وعنوان الكتاب

Alexandra Shraytekh، The Modern Arabic Fantastic، Edinburgh University Press، 2026

تقول شريتح إن الفانتازيا بما تشتمل عليه من حكايات عجيبة وأخبار غريبة نمط من الكتابة يرتبط عادة بأزمة اجتماعية أو سياسية أو جمالية، ونقلة من اليقين إلى الشك ناجمة عن تقحم عنصر خارجي على الواقع اليومي المألوف. إنه نتاج مواجهات مع غرباء (قد يكونون أشباحاً أو موتى عادوا إلى الحياة، أو كائنات من خارج الأرض). فالفانتازي موقع للالتباس أو الغموض، واختراق لقوانين العلية والزمان والمكان، ومسرح لما هو خارق وسحري.

وتسلط المؤلفة عدسة منظارها التحليلي على عدد من الأعمال الأدبية لكتاب عرب من مختلف الأجيال: «قنديل أم هاشم» ليحيى حقي، «عالمي المجهول» لأليفة رفعت، «فرانكشتاين في بغداد» لأحمد السعداوي، «فقهاء الظلام» لسليم بركات وغيرهم. وفي هذه الأعمال نجد جدلاً بين عالم الغيب وعالم الشهادة، وإبحاراً بين عوالم العلم والصوفية، ومجالاً للتفريج عما هو مكبوت وقد يحمل أبعاداً سياسية.

توجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول»

وتوجه المؤلفة اهتماماً خاصاً إلى رواية القاص الرائد محمود تيمور «موباسان المصري» «نداء المجهول» (1939) وهي مروية على لسان سائح مصري في لبنان يزور قرية صغيرة وينطلق منها للبحث عن قلعة أسطورية سحرية في قلب الجبل. ويقع الراوي في حب مستشرقة إنجليزية تجيد اللغة العربية، ومهتمة بالفكر الصوفي، تدعى مس إيفانز. إن أحداث الرواية تدور في عام 1908 ولكنها ترتد بالذاكرة إلى صراع الدروز والطائفة المارونية في لبنان في 1860. والرحلة إلى القلعة أشبه برحلة حج وضرب من رياضة النفس يستخدم فيها تيمور مصطلحاً لفظياً وصوراً شعرية أشبه بما نجده في نثر جبران خليل جبران. إن «الاستشراق» الغربي يتحول هنا إلى «إشراق» صوفي. واتجاه إيفانز إلى المشرق وهي الأوروبية يمثل امتزاجاً بين الشرق والغرب، الذات والآخر، الحاضر والماضي.

وللكتاب ببليوغرافيا في قرابة خمسين صفحة تشهد بسعة علم المؤلفة وإحاطتها الموسوعية بموضوعها. ولكني افتقدت فيه أي إشارة إلى كتاب باللغة الإنجليزية يبدو أنه لم يقع لها، وهو كتاب صدر عن دار إلياس للنشر في القاهرة في 1985، حررته الدكتورة ملك هاشم والدكتورة سيزا قاسم دراز، عنوانه «سبحات الخيال» Flights of Fantasy وهو يضم ترجمات إلى الإنجليزية لعدد من القصص العربية القصيرة الفانتازية لنجيب محفوظ ويوسف إدريس وشفيق مقار وآخرين.

وإذ يسجل كتاب شريتح جانباً من رحلة الرواية العربية من الواقعي إلى الفانتازي فإنه يلقي ضوءاً مهماً على الفانتازيا بين الشرق والغرب ويوضح كيف أن الفانتازيا حساسية من لون معين وأجرومية قصصية وتوتر بين أقطاب متقابلة: اليقظة والحلم، الحقيقة والوهم، الإيمان والعقل، الموروث والحداثة. والنتيجة التي تنتهي إليها هي أن الفانتازي يستعصي على أي معنى ثابت، ويتسع لعديد من التفسيرات، ولكنه يحدث تحولاً في نفس القارئ. إنه عابر للثقافات والأزمنة والأمكنة. ونحن أحوج ما نكون إلى أن ندرسه اليوم، خاصة وأننا نعيش في ظل مفارقة يلخصها قولها: «لقد غدا الفانتازي هو الواقعية الجديدة في زماننا».


«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي
TT

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

«ميدان سفير»... قاهرة الخمسينات في مذكرات فنان تشكيلي

بعين حساسة تجاه ثراء المشاهد البصرية ووجدان مرهف الحس، يحول الفنان التشكيلي المصري سمير فؤاد مذكراته إلى لوحة بانورامية دافئة يمتزج فيها الحنين بالأسى تجاه تحولات الأماكن من الجمال إلى الفوضى، ومن الهدوء إلى الصخب عبر كتابه «ميدان سفير - مذكرات الطفولة والصبا»، الصادر في القاهرة عن دار «الشروق».

من شرفة تطل على «ميدان سفير» الذي يتوسط حي «مصر الجديدة»، أحد أرقى أحياء القاهرة، وفي الشقة نفسها التي شهدت مولده عام 1944، يفتح الفنان نافذة واسعة على زمن كان الجمال فيه ركناً يومياً من أركان الحياة.

ويأخذنا في رحلة داخل مجتمع كان يضج بالتنوع والتعايش، حيث كانت الشوارع ملاعب آمنة للأطفال، والمترو وسيلة لاكتشاف العالم بلا خوف، ودور السينما طقساً اجتماعياً حميماً ومصدر بهجة للعائلات، لكن هذا لا يمنع أن الذاكرة اليقظة لا تزال تحفل بمشهد حرائق وسط العاصمة 1952.

وتلتقط عينا الفنان مشاهد المدارس التي شغلت قصوراً تاريخية، وحفلت بمعلمين كانوا قامات ثقافية وفنية لا مجرد ملقنين، ومنهم معلم الرسم الذي رعى المواهب البازغة، وفتح لها أبواب الفن العالمي، ومعلم اللغة الذي قاد تلميذه إلى صالون العقاد، وصولاً إلى مدرس الموسيقى الذي شكلت حصته وجدان الطلاب.

عبر صفحات الكتاب، نرى المباني على طراز «الآرت ديكو» البديع، وقصر البارون الشامخ، والحدائق الغنَّاء، وكيف مثّل الحي وعاء حاضناً لسلوكيات راقية، ونمط حياة متزناً. كل ذلك عبر شهادة حية لفنان يرى حاضره تحول إلى خيال مشوه لماضيه، فيقرر أن الفن هو فعله الوحيد للمقاومة، وأن استعادة تفاصيل هذا العالم المفقود هي محاولة جادة لترميم الذاكرة الجمعية ضد معاول النسيان والتجريف.

يتوقف فؤاد بشكل خاص أمام عام 1952، الذي عرف الأحداث الجسام في مصر، من حريق القاهرة في يناير (كانون الثاني)، إلى ثورة الضباط الأحرار في يوليو (تموز)، حيث لا يزال يتذكر كيف عاد والده من العمل مبكراً على غير العادة قائلاً: «إنهم يحرقون وسط البلد!».

وتوالت الأنباء عن الدمار الذي شمل الكثير من دور السينما والفنادق والمحلات التجارية. كان الأب مضطرباً ويريد الاطمئنان على زوج ابنته «سوسو» ومحله في شارع عماد الدين، لا سيما أن المحل يحمل «دانش»، ويمكن أن يوحي بأن صاحبه من الأجانب المستهدفين بالحرائق.

تلى ذلك فرض الأحكام العرفية بعد الحريق، فالمحال أغلقت أبوابها، والمترو توقف عن السير بعد الغروب، لكن سُمح للأفراد بالخروج. أصاب الأب الكمد بسبب ما حدث من تدمير لمنطقة وسط البلد التي امتلك ذكريات طويلة فيها، وتحدث بأسى عن فندق «شبرد»، أحد الفنادق العالمية الذي جري تدميره تماماً، وبالطبع عن مكانه المفضل «جروبي» بشارع عدلي، لكن حزنه كان أكثر على سينما «ريفولي» التي اعتادت العائلة الذهاب إليها في فصل الشتاء والجلوس في قاعة حفل الشاي الملحقة بها في الدور الأول.

من الذكريات المحفورة في ذاكرة سمير فؤاد من فترة الصبا، أحداث العدوان الثلاثي على مصر في نوفمبر (تشرين الثاني) 1956 بعد تأميم قناة السويس، والحماس الذي غلف الجو العام، حيث بقيت الإذاعة والصحف في حالة استنفار وشحن مستمريَّن، وكان الأب من المتحمسين لجمال عبد الناصر ووقوفه في وجه بريطانيا العظمى، أما الصبية فكانوا إما لاهين عن الأمر برمته، وإما يسيرون مع التيار العام.

يتذكر فؤاد جيداً ليلة الهجوم، حيث زارتهم ابنة خالته «رجاء بكري»، وجلس الجميع في الغرفة الغربية المطلة على ميدان سفير في جو خريفي جميل، وقد انتهى موسم السينمات الصيفية، وأغلقت سينما «رفييرا» أبوابها، والميدان يمتد خارج النافذة يغلفه الهدوء والسكينة، وأكملت المشهدَ أضواءُ المحلات المتناثرة في جنباته، وفجأة دوَّت صفارة الإنذار تمزق هدوء اللحظة، وبعد فترة سُمعت أصوات أزيز الطائرات، وبدأت طلقات المدفعية المضادة للطائرات تدوي، ثم امتلأت السماء بأضواء القناديل التي ألقتها الطائرات.

لم يمض الكثير وبدأت انفجارات القنابل تهز المنزل؛ لأن من الأهداف الرئيسية كان مطار ألماظة القريب منه، وشعرت العائلة أن مصدر الانفجارات كما لو أنه فوق رءوسهم. الضوء الساطع أضاء الميدان مثل وميض البرق، وبعده بلحظات أتى هزيم الانفجار الذي اهتز له المنزل بعنف كأنه سيهوي على الرؤوس.

اللقاء مع العقاد

تنوعت قراءات سمير فؤاد في شتى المجالات من العلوم والفلسفة والأدب، وفي المرحلة الثانوية تصدَّر عباس العقاد، حيث شغف بأسلوبه وتطويعه للمنطق لإثبات وجهة نظره، ثم أتيح له في نهاية الخمسينات، وهو في العام الثاني من المرحلة الثانوية، أن ينضم لندوته الأسبوعية بواسطة أستاذ اللغة الفرنسية عبد الوهاب المصري.

كان المصري شخصية استثنائية؛ فهو مثقف وقارئ نهم، وما إن علم بحب فؤاد لكتابات العقاد حتى بدأ يناقشه فيها، ووعده بأن يزور ندوته الأسبوعية يوم الجمعة صباحاً، وما زاد من شغفه بتلك الزيارة أنه قرأ وأعجب بكتاب العقاد «في بيتي» الذي يتحدث فيه عن منزله وكتبه ولوحاته، فأراد أن يشاهد بعينه بعض ما وصفه في كتابه.

في اليوم الموعود، ذهبا إلى منزل العقاد في شارع شفيق غربال بميدان «روكسي» بعمارة جميلة ما زالت قائمة حتى اليوم، لكنها تشتكي من الإهمال بدلاً من جعلها مزاراً ومتحفاً له. وكان العقاد قد شغل الطابق الأول بكامله.

ويذكر المؤلف أنهما دخلا صالة فسيحة، وعلى اليمين منها غرفة الاستقبال، حيث كان العقاد يجلس في صدارتها. صافحهما ولم يبد أي استغراب من حداثة سن الصبي، فيما تراصت المقاعد حول الغرفة، وكان هناك عدد من مريدي الرجل، بينما دارت المناقشات حول موضوعات عديدة كيفما اتفق.

داوم سمير فؤاد على زيارة ندوة العقاد من باب الفضول، ويروي أنه في يوم أخذ لوحة من لوحاته ليريها للرجل على أساس أن له باعاً في النقد الفني، ولا يذكر الآن تعليقه؛ كلُّ ما يذكره أنه كان كلاماً عاماً. وسُمح له بالتجول بحرّية في منزل العقاد، حيث انتشرت أرفف الكتب في كل مكان، وتعجب لكيفية إيجاده الكتاب الذي يريده في هذه المتاهة؛ «لأنني لم أجد أي علامات تدل على أي نظام تبويب». وعلى الحوائط مجموعة من اللوحات الفنية، منها اثنتان للعقاد بريشة «صلاح طاهر» واحدة زيتية كبيرة والأخرى جانبية بالباستيل. ومن المجموعة لوحة لقطعة من التورتة تقف عليها ذبابة ذكر العقاد في كتابه «أنها ارتبطت بقصة غرامه الفاشلة للفنانة مديحة يسري التي أوحت إليه بروايته الوحيدة (سارة)».


حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين
TT

حكايات بين مدينتين

حكايات بين مدينتين

صدرا أخيراً عن مؤسسة شمس للنشر والإعلام بالقاهرة؛ للأديبة العراقية «عالية طالب» كتابها الجديد «القاهرة - بغداد: حكايات على ضفاف النهرين». يقع الكتاب في 208 صفحات من القطع المتوسط، ويتضمن 45 حكاية تتنوع ما بين حوارات ومقاربات وشواهد تاريخية، تحمل في سرديتها ملامح من الحاضر والماضي تجمع بين المدينتين، ليصبح المكان جسراً بين حضارتين وذاكرتين.

لكن الكتاب، رغم ذلك، ليس مجرد مقالات عن مكانين، بل يعدّ محاولة لفتح حوار بين مدينتين، القاهرة وبغداد،، واستعادة ما يجمعهما في الذاكرة والوجدان، عبر عين كاتبة عاشت التجربة وتأملتها من الداخل. وتأخذ عالية طالب القارئ في رحلة ثقافية وإنسانية بين مدينتين تختصران جانباً كبيراً من ذاكرة الحضارة العربية. ومن خلال مقالات ومشاهدات ومقاربات، تقرأ المؤلفة الأمكنة والشواخص والآثار، لا بوصفها حجارة صامتة، إنما بوصفها ذاكرة حيّة تستمر في مخاطبة الإنسان والحاضر، ورحلة ممتدة، مفتوحة دائماً على تخوم البدايات والنهايات.

بين النيل ودجلة، والقاهرة وبغداد، تتقاطع الحكايات والتاريخ والتراث، وتتجاور أهرامات مصر مع بابل العراق، لتكشف المقارنة عن وشائج عميقة، واختلافات ثرية، وتجارب إنسانية وحضارية تستحق أن تُقرأ من جديد.

وسبق أن أصدرت عالية طالب عدداً من الأعمال الأدبية، منها روايات «أُمٌّ هنا... أُمٌّ هُناك» و«الوجوه» و«قيامة بغداد»، وعدداً من المجموعات القصصية، منها: «الممرات» و«بعيداً داخل الحدود»، و«امرأة في العراء» و«بحر اللؤلؤ»، و«حكايات الرمل»، و«امرأة بلا نساء»، و«نُواح الآلهة».

من أجواء الكتاب، تقول الكاتبة:«...وقد عرفت المنافي قبل ذلك في وطني نفسه، خلال سنوات الخوف والإرهاب وانعدام الطمأنينة، حين تناثر الأهل والأحبة والأصدقاء بعيداً عن أرض العراق. ومن هنا جاءت مقارناتي بين القاهرة التي احتضنتني، والعراق الذي ظل حبة القلب. أحببت القاهرة التي ربتت على جراحي حتى تشافت، وودعتني بكل حب حين عدت إلى بلدي، ثم عدت إليها بعد سنوات، حاملة لها ولأهلها امتناناً لا ينتهي، لما منحتني وعائلتي من حب وسلام واحتواء».