عالم المخرج كريستوفر نولان الخيالي ـ العلمي

«بين النجوم» هو أكبر فيلم حققه في هذا المجال

المخرج كريستوفر نولان
المخرج كريستوفر نولان
TT

عالم المخرج كريستوفر نولان الخيالي ـ العلمي

المخرج كريستوفر نولان
المخرج كريستوفر نولان

بوصول «بين النجوم» (Interstellar) إلى صالات العرض الضخمة مزودا بموسيقى هانز زيمر وبمنجزات بصرية إلكترونية لم يسبقه إليها أحد على هذا النحو، يصل المخرج البريطاني الولادة كريستوفر نولان إلى صرح جديد لم ينجزه من قبل. تستطيع أن تتصوره، بعدما أنجز 7 أفلام من قبل في غضون 24 سنة، مثل شخص وقف عند باب موصد. فتحه ودخل ليجد بابا آخر. إذ يفتح ذلك الباب يجد نفسه وقد صار أمام باب ثالث وهكذا. وكلما فتح بابا وجد نفسه أمام قدرات جديدة تصوغ رؤيته الحاضرة وتشكل حوافزه للانتقال قدما. الرحلة التي من هذا النوع لا تنتهي.
«بين النجوم» هو أكبر فيلم حققه المخرج إلى اليوم، لكنه أيضا أكبر فيلم خيالي - علمي من حيث الحجم والمنجزات ومن حيث عناصره الفنية وحسن تحقيقها. تستطيع أن تضعه إلى جانب الأيقونتين البارزتين في هذا المجال، «2001: أوديسا الفضاء» لستانلي كوبريك (1968) و«سولاريس» لأندريه تاركوفسكي (1972) والبعض قد يرى أنه يتجاوزهما.
مخرج «باتمان يبدأ» (2005) وما تلاه من أجزاء، لديه القدرة على صنع ما يريد. تبدأ قدراته بالتخيل ثم بدفع الخيال إلى الواقع. الواقع إلى ميزانية متاحة وبلا شروط. ومنها إلى العمل حثيثا وطويلا في طي مئات التفاصيل التقنية لكي يأتي الفيلم بالصورة التي كونها الخيال بادئ ذي بدء.

* أرق وفقدان
* حبه للسينما ولد باكرا. في سن السابعة (سنة 1977) بدأ التصوير مستخدما كاميرا سوبر 8. لم يكن راضيا عن التصوير وحده. كان عليه أن يخلق حركة ما. في العاشرة وما بعد كون مجموعة من الأفلام التي حرك فيها دمى وألعابا أمام عدسة الكاميرا. الحكاية التي في باله كانت بسيطة. التنفيذ كذلك. الطموح هو الأكبر حجما من سنواته الشابة، وبل من مداركه آنذاك.
حين أصبح شابا اختار دخول معهد لدراسة اللغة الإنجليزية عوض أن يدخل معهدا لدراسة السينما، لكنه كان يعلم أن (University College London) التابعة لجامعة لندن لديها فرع سينمائي مزود بكل ما يحتاجه الهاوي لكي يحترف: كاميرات، عدسات، أدوات صوت وطاولات مونتاج. هناك حقق أعماله الأولى: دقائق محدودة من أحلام أكبر.
مع مطلع القرن الـ21، كان نولان ما زال مجهولا. كان حقق فيلما قصيرا كاملا بعنوان Doodlebuy سنة 1997 وتبعه سنة 1998 بفيلمه الطويل الأول Following. ثم انتقل إلى الولايات المتحدة تبعا لدرب تراءى له. نجمة غمزت له بعينها أن يتبع هذا الطريق فقام بذلك وحط في هوليوود ليحقق أول فيلم غريب الشأن له هناك: «ميمنتو».
القصة وضع السيناريو لها مع شقيقه جوناثان نولان تدور حول رجل أصيب بفقدان الذاكرة. فقدان جزئي يجعله غير قادر على تذكر الأحداث القريبة وكيف أنه قرر، وبنجاح، استخدام اللحظة الراهنة ليعود منها إلى الوراء ليتبين هوية المجرم الذي قتل زوجته. لكن ليس بطل الفيلم (غاي بيرس) هو وحده من يقدم على هذه الخطوة، بل المخرج أيضا فالفيلم يبدأ بدوره من النهاية ليعود أدراجه إلى الأمس. بذا، كشف نولان عن حبه لاكتشاف عوالم مقلوبة وعن رغبة في سرد ما هو غير متوقع بطريقة غير متوقعة. وإذ تم ترشيح هذا الفيلم لحفنة من الجوائز (بينها أوسكار أفضل سيناريو) نال تقديرا واسعا من بينها جائزة «معهد الفيلم الأميركي» (لأفضل سيناريو) وجائزة «جمعية الفيلم البريطاني المستقل» (أفضل فيلم) وأخرى من جمعيات نقدية مختلفة.
قاد نجاح هذا الفيلم لتحقيق فيلم ثان عن مأزق آخر لرجل آخر وهو «أرق» Insomnia سنة 2002. هذه المرة لدينا التحري آل باتشينو الذي ينتقل من المدينة الكبيرة إلى بلدة في ألاسكا والذي يعاني من أرق دائم لا يستطيع النوم بسببه. كل شيء حوله يهبط. مداركه. حالته النفسية. جسده المنهك.. ثم ها هو، خلال مطاردته المجرم الذي انتدب لكشفه، يصيب برصاصه زميله ويقتله ثم يحاول التستر على ذلك فعلته.

* مؤثرات
* حتى الآن، ما زال صاحبنا على الأرض وسنرى كيف سيرتفع عنها تدريجيا ليحلق اليوم بين النجوم. في عام 2004 قررت وورنر تسليمه مقاليد واحد من أكبر إنتاجاتها وأكثرها صعوبة: تحقيق الفيلم الذي سيعيد باتمان إلى الواجهة. كانت قد مولت عودة الرجل الوطواط إلى الشاشات الكبيرة في الثمانينات (الشخصية كانت من أملاك شركة فوكس في الستينات) عندما استقدمت صاحب رؤية فنية آخر هو تيم بيرتون لكي يحقق فيلما عن تلك الشخصية التي وضعها بوب كاين في مجلات الكوميكس في الأربعينات. هذا جلب للدور مايكل كيتون ووزع أدوار الشر على جاك نيكولسون وجاك بالانس وترايسي وولتر وأنجز فيلما ناجحا جمع 410 ملايين دولار حول العالم.
لكن تأثير وجودة هذه السلسلة خف في منتصف التسعينات عندما تسلم الإخراج جوول شوماكر وحول المغامرة إلى مرتع ترفيهي مباشر. وورنر رسمت فاصلا زمنيا قبل أن تجد أن كريستوفر نولان، المبرهن عن رؤيته التنفيذية الخاصة، هو خير من يصنع لها فيلم العودة.
نولان لم يخب هذا الاعتقاد ودلف منه إلى الجزء الثاني («الفارس الداكن»، 2008، و«صعود الفارس الداكن»، 2012). هذا الجزء الثالث جلب أكثر من مليار دولار حول العالم. بمقارنة الفيلم الثالث من السلسلة بالأول والثاني، يدرك المرء كيف انكب المخرج على تطوير ما لديه من قدرات، التي كانت لا تشكو من التطور أساسا. كل واحد من هذه الأفلام كان أفضل من سابقه. ولا واحد منها اعتبر أن النجاح أمر مضمون فاستكان إلى معطياته، بينها حقق فيلما آخر جيدا ومثيرا للاهتمام، لكنه أرضي بالكامل. بطله (هيو جاكمان) يعمد إلى السحر وألعاب الخفة، لكنه لا يرتفع عن الأرض شأن باتمان (كما أداه بنجاح في الأجزاء الثلاثة كريستيان بايل). بعده أنجز، سنة 2010 «تمهيد» ومع أن أحداثه أرضية (تدور في رحى فكرة رجل يسرق مصرفا مستخدما ما سماه «تقنية المشاركة في الحلم») إلا أن موضوعه حلق في جوانب غريبة (هل فلت زمام تلك التقنية فأصبحت حياة بطله كلها حلما؟) كذلك عمد إلى توظيف المؤثرات التقنية والغرافيكس على نحو غير مسبوق. المشاهد التي نرى فيها المدن وقد انقلبت رأسا على عقب تعبيرا عن عالم فقد توازنه كاملا، لا تنسى. والفيلم أنجز 817 مليون دولار عالميا وشركة وورنر أخبرته بأنها ستنتج له أي فيلم يريده. وما أراده هو آخر أعماله إلى اليوم «بين النجوم».
أفلام نولان ليست مشتتة من دون خط يجمعها، وليست مجرد أفلام تعتمد على الخيال والتقنيات الضخمة، بل هي نتيجة لبنة صلبة ولو مطواعة تحمل في طياتها بحث في الإنسان وفي العالم والمجتمعات. حتى «باتمان» هنا ليس باتمان في أي من الأفلام السينمائية قبل الستينات أو بعدها. نولان لا يستطيع إلا وأن يتحدث عن كل شيء ممكن جمعه من دون خطابية أو مباشرة تحت سقف فيلم واحد. وسقفه دائما عال ومرتفع بات من الصعب على الآخرين اللحاق به إليه.
* علامات النجاح

* بفضل سلسلة «باتمان» الثلاثية، حققت مجمل أفلام كريستوفر نولان ما يزيد على ملياري دولار حول العالم. من بينها نحو مليار من تلك السلسلة وحدها. لكنه شخص لا يزال يعيش في شرنقة الخيال وليس في الواقع. بسيط الهيئة وسهل الحديث ولو أنه قلما يدلي بمقابلات صحافية. هذا، حسب قوله في تصريح نادر «السبب الذي يجعلني على تواصل دائم مع ما أريد إنجازه».



أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.


شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
TT

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

 هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)
هيام عباس وأمين بن رشيد في «لمن يجرؤ» (مهرجان برلين)

Only Rebels Win

«لمن يجرؤ» ★★★

• إخراج:‫ دانيال عربيد‬

• لبنان/ فرنسا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

هناك تناقض بين ما يسرده الفيلم وبين العنوان التسويقي الذي اختاره وهو (Only Rebels Win) («لمن يجرؤ»). هذا لأن العلاقة بين سوزان المسيحية الفلسطينية الأصل (الجيد هيام عبّاس) وبين السوداني عثمان (أمين بن رشيد) لا تنتهي بأي ربح. بعد علاقة حب متبادل بين الأرملة التي تبلغ 63 سنة والعامل السوداني عثمان ذي الـ 27 سنة يمشي كل منهما في درب مختلف. تعود هي إلى كنفها وواقعها ويبعث لها برسالة بعدما هاجر إلى بلد آخر.

لا غبار على الحكاية ذاتها: سوزان تنقذ عثمان من شبّان تعرّضوا له بالضرب. تأويه إلى شقّتها في تلك الليلة التي تلتها ليالٍ أخرى حفلت بحب كلٍّ للآخر عاطفياً وجسدياً. هي تجد فيه أملاً أن تُحب من جديد، وهو يجد فيها أمل الاستقرار من حياة من العوز وعدم الاستقرار.

حديث عن زواجهما المحتمل (والذي لا يتم) يُضاعف من ردّ الفعل الذي يفوح بالعنصرية. تصبح سوزان حديث محيطها الاجتماعي في بيروت (حيث تدور الأحداث)، وسبباً في مواجهات وخناقات بينها وبين ابنتها وابنها، كما بين جيرانها.

الفحوى هنا يكاد يكون أهم ما يعرضه الفيلم. عربيد تعرف ما تتحدّث فيه وتعرض مواقف عنصرية عانى منها، كما يذكر الفيلم، الفلسطينيون والسوريون وأجانب آخرون. هنا تصبح سوزان عرضة لانتقاد القريب والبعيد لها على أساس أنها تعاشر سودانياً مسلماً. هناك فصول يشوبها الضعف (كمشهد سرقة بغية دفع عثمان لتكاليف السفر)، كذلك أن الانتقالات بين كل مشهد وآخر لا تقوم على الربط بينها في سياق مشدود. وبينما كل الشخصيات تعكس واقعاً وعمقاً، فإن شخصية عثمان تقوم على الفكرة وليس التجسيد.

TRACES

«آثار»

★★1/2

• إخراج:‫ أليسا كوڤالنكو، مرسيا نيكيوك‬

• أوكرانيا/ بولندا (2026)

• النوع: دراما عاطفية

الفيلم الخامس للمخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو.

في العام 2014، خلال احتلال الروس لمقاطعة دونباس، تعرّضت المخرجة أليسا كوڤالنكو للاغتصاب والعنف، ثم لمحاولات «إعادة تأهيلها». خرجت من التجربة وقد حدّدت هدفاً ثابتاً لها، وهو مساعدة أخريات عانين ما عانته. الناتج هو هذا الفيلم، الذي تشرح فيه ما حدث لها وكيف قررت إنشاء جمعية للاعتناء بالنساء اللواتي تعرّضن للتجربة ذاتها (تُعرف الجمعية بأحرفها الأولى CRSV).

«آثار» (مهرجان برلين)

هذا فيلم كاميرا تصوّر نساءً يتحدّثن أكثر من تصوير الأحداث ذاتها. لا ملامة هنا، إذ لا يمكن استعادة هذه الحكايات روائياً وإلا لخرج الفيلم عن كونه تسجيلياً، لكن بصرف النظر عن قيمة تلك المعاناة كما تتبدّى تباعاً عبر المقابلات، فإن القيمة الفنية محدودة. كل حكاية مروية هنا من قبل الضحايا (ستة) تستحق التسجيل، لكن لا شيء أبعد من ذلك على صعيد التأليف الجيد، باستثناء اعتماد المخرجتين على شريط الصوت وكيفية تصوير شخصياتهما في إضاءة خافتة. الفيلم، بطبيعة ما يسرده، مُحمّل بالعاطفة، وحسنته في هذا المجال هي مساحات من الصمت تسود بعض مشاهده لتسجّل المشاعر الحزينة والأمل بالتغلّب على ذاكرة قاسية.

AROUND PARADISE حول الفردوس

‫يوليا لوكشينا

• ألمانيا (2026)

• تسجيلي | ألوان (120 د)

• مهرجان برلين (بانوراما) | ★★★

في أواخر القرن التاسع عشر، سعت إليزابث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه، لتأسيس «عالم جديد» في منطقة نائية في باراغواي، قريباً من الموقع المسمّى بـ«الفردوس الأخضر»، والذي اختاره حديثاً رجل أعمال ألماني امتلك مساحات أرض كبيرة بغية بناء مجتمع جديد ينأى بنفسه عن العالم المحيط وما يدور فيه.

«حول الفردوس» (مهرجان برلين)

أحد أهم مشاهد الفيلم هو الذي يُبدي فيه أحد المستثمرين قلقه من أن يختلط سكانه البيض بآخرين من عناصر أخرى.

يكشف المشهد نفسه عن أمر آخر عندما يعبّر البعض عن شكوكهم حول المشروع بعدما استثمروا فيه، ليجدوا أنه ما زال أقرب إلى الوهم منه إلى الحقيقة.

ما يوحي إليه الفيلم هو أن فكرة إقامة شعب مختار بعناية عرقياً وطبقياً تراءت للأوروبيين منذ قرون سابقة، بصرف النظر عما انتهت إليه تلك الأحلام.

عرفت المخرجة كيف تكسب ثقة أصحاب المشروع وتُصوّر ما تريد، قبل أن تقوم بعملية توليف هادفة سياسياً وتحمل تحذيراً اجتماعياً. هناك تناسق بين المشاهد داخل المحمية وخارجها، ومتابعة لعدة شخصيات. هذا وحده لا يجعل الفيلم مميّزاً على صعيد الحرفة، بقدر ما يتبلور ككشف لهاجس يعكس فكرة خوف الإنسان من العالم المحيط به.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
TT

أيام على الأوسكار... بين الإبداع والتمثيل وفق المطلوب

مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)
مايكل ب. جوردان في «خاطئون» (مشهد من الفيلم)

ما الذي يجعل هذا الممثل جيداً وذاك أقلّ جودة؟ كيف الحكم على مستوى التمثيل بين ممثل وآخر؟ البعض يعتقد أنّ درجة التصديق مهمّة في هذا المجال. نعم، تصديق الممثل حين يلعب دوراً ما هو فعل مهم، لكنه ناتج عما هو أهم: مدى نجاح الممثل في تشخيص الدور المُسند إليه ليتبناه كما لو كان بالفعل هو. درجة التبنّي تصبح الهدف والإنجاز. لذلك صدّقنا أنطوني هوبكنز عندما لعب شخصية هانيبال في «صمت الحملان»، وصدّقنا مارلون براندو في «العرّاب»، وفانيسا ردغريف في «جوليا».

خيارات صعبة

إذ ينطلق حفل الأوسكار، الأحد المقبل، سنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً، التي هي عملية فرز وانتقاء تقوم على حسابات متداخلة وصعبة، كون المنافسة بين الممثلين المرشّحين للأوسكار، نساءً ورجالاً، صعبة ومربكة.

بينيسيو دل تورو وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى» (مشهد من الفيلم)

عدد المتنافسين 20 ممثلاً في 4 أقسام (أفضل ممثل في دور رئيسي، أفضل ممثلة في دور رئيسي، أفضل تمثيل رجالي مساند وأفضل تمثيل نسائي مساند)، معظمهم يستحقون الترشيح وبعضهم يستحقون الفوز.

ليست الغاية هنا الحديث عن التوقّعات (هذا نتركه لتحقيق آخر)، بل البحث في جوهر أداء كلّ من مايكل ب. جوردان في «خاطئون»، وليوناردو ديكابريو في «معركة تلو الأخرى»، وإيثان هوك في «بلو مون»، وتيموثي شالامي في «مارتي سوبريم»، وواغنر مورا في «العميل السرّي» في الجانب الرجالي، وجوهر أداء جيسي باكلي عن «هامنت»، وإيما ستون عن «بوغونيا»، ورينات راينسفي في «قيمة عاطفية»، وكايت هدسون في «سونغ سونغ بلو»، وروز بيرن في «لو كانت لدي ساقان لرفستك».

إيما ستون في «بوغونيا» (مشهد من الفيلم)

على صعيد الممثلات، انضمّت إيما ستون إلى فريق من المرشّحات والفائزات السابقات مثَّلن أدواراً خاصة يُستَخدم فيها الجسد وقدرة الممثلة على تجسيد الألم النفسي درامياً. في «بوغونيا»، تؤدّي ستون شخصية امرأة تتعرَّض للعنف الجسدي ولحلق الرأس وبعض الضرب كذلك. تؤدّي ذلك بامتثال وليس بعكس قدرات من نوع الانسجام فعلياً مع الدور.

هي في مستوى جيسي باكلي ورينات راينسفي وروز بيرن عينه لجهة أنّ كلاً منهنّ يؤدّي الدور كما أوصى المخرج بذلك. راينسفي هي الأفضل لأن الشخصية وحواراتها هما الأفضل، وهذا ينطبق على كايت هدسون أيضاً.

ينطلق حفل الأوسكار يوم الأحد وسنتعرّف إلى نتائج سباق الممثلين قريباً

براهين

رجالياً يمكن طرح السؤال عمّا إذا كان تيموثي شالامي يؤدّي «نمرة» مكتوبة وموجَّهة، أم لعب الدور مستقلاً وبدفع من موهبته. في أيّ من الحالتين هو أفضل ما في الفيلم الذي تولّى بطولته.

ليوناردو ديكابريو هضم الشخصية التي يؤدّيها في «معركة تلو الأخرى» جيداً. هذا مبرهَن عليه بالمَشاهد التي تتوالى. على عكس شخصية مارتي كما لعبها شالامي التي انتهجت خطاً واحداً لا يتغيّر. ديكابريو فهم السيناريو ويؤدّيه وفق تطوّراته وكلّ مرحلة زمنية منه.

إذا كان هناك من ممثل عمد إلى فنّ التمثيل عاكساً مفهوماً كلاسيكياً بنجاح، فهو مايكل ب. جوردان عن «خاطئون»، يليه في المضمار ذاته إيثان هوك في «بلو مون»، والبرازيلي واغنر مورا في «العميل السرّي».

لكن المنافسة حامية أيضاً في مسابقة أفضل ممثل في دور مساند. يكفي هنا أن نجد ممثلين آخرين في فيلم «معركة تلو الأخرى» يتنافسان على هذه الجائزة هما بينيسيو دل تورو وشون بن. الممثل المخضرم دلروي ليندو أدّى دوره في «خاطئون» بمعية ذلك الحنين الزمني لموسيقى البلوز. جاكوب إلوردي لعب شخصية الوحش في «فرانكنشتاين»، وهذا تفعيل جسدي أكثر منه درامياً مهما كانت موهبة الممثل. ستيلان سكارسغارد في «قيمة عاطفية» هو فنان أداء في دور مناسب.

ليس عن انحياز من أيّ نوع، لكن أداء تيانا تايلور في «معركة تلو الأخرى» أكثر فاعلية من زميلاتها المرشَّحات لأوسكار أفضل تمثيل نسائي مساند، وهنّ إنغا إبسدوتر (قيمة عاطفية)، ويونومي موساكو (خاطئون)، وإيمي ماديجان (سلاح)، وإيل فانينغ عن «قيمة عاطفية».

ما سبق ذكره قادر على أن يعكس إلى أيّ مدى تبلغ حدّة المنافسة بين الأسماء العشرة المذكورة. إنه قراءة قائمة على التعرُّف إلى الأساليب التي تكوَّنت من خلالها بعض الأداءات، علماً بأنّ تصويت الناخبين قد يأتي مُطابقاً لما ورد هنا أو مختلفاً تبعاً لحسابات قد لا تكون محض فنّية.