خليفة سليماني يدخل على خط أزمة الحكومة العراقية

شكوك في قدرته على ممارسة نفوذ سلفه... و«انقسامات» بين الميليشيات التابعة لإيران

عراقيات يتجمعن في موقع مقتل سليماني والمهندس قرب مطار بغداد (رويترز)
عراقيات يتجمعن في موقع مقتل سليماني والمهندس قرب مطار بغداد (رويترز)
TT

خليفة سليماني يدخل على خط أزمة الحكومة العراقية

عراقيات يتجمعن في موقع مقتل سليماني والمهندس قرب مطار بغداد (رويترز)
عراقيات يتجمعن في موقع مقتل سليماني والمهندس قرب مطار بغداد (رويترز)

دخل قائد «فيلق القدس» في «الحرس الثوري» الإيراني إسماعيل قاآني، «أول اختبار» لقدرته على ممارسة النفوذ الذي كان يتمتع به سلفه قاسم سليماني في العراق، حيث التقى أمس قادة الكتل الشيعية والرئيس برهم صالح، في محاولة لحسم ملف تشكيل الحكومة المعلق، بحسب مسؤولين.
وأكد أربعة مسؤولين عراقيين لوكالة «أسوشييتد برس»، أمس، التقارير عن وجود قاآني في العراق منذ مساء الاثنين الماضي، «في محاولة لتوحيد» الزعامات السياسية الشيعية المنقسمة إزاء تكليف عدنان الزرفي تشكيل الحكومة المقبلة.
وبعد وصوله، غادر قاآني المطار تحت حراسة مشددة في قافلة من ثلاث مركبات. وبدأ لقاءاته، أمس، باجتماعات مع كل من زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر وزعيم «فيلق بدر» هادي العامري وزعيم «تيار الحكمة» عمار الحكيم ورئيس «ائتلاف دولة القانون» نوري المالكي، إضافة إلى رئيس الجمهورية برهم صالح.
وكان سليماني معروفاً بقدرته على جمع أشد الخصوم في السياسة العراقية، خلال رحلاته المتكررة إلى العاصمة العراقية. لكن مسؤولين كثيرين يشكون في أن قاآني يمكنه أن يجسر الانقسامات العميقة بين الكتل الشيعية، بالنظر إلى افتقاره العلاقات الشخصية مع القيادات الرئيسية وإلمامه الضعيف باللغة العربية.
ونقلت «أسوشييتد برس» عن مسؤول سياسي شيعي بارز طلب عدم نشر اسمه للتعليق بحرية على الزيارة التي لم يعلن عنها علناً، قوله: «هذا هو أول اختبار له لمعرفة ما إذا كان سينجح في توحيد الموقف الشيعي مثلما كان يفعل سليماني». ويرى محللون أنه في غياب الكاريزما التي كان يتمتع بها سليماني، سيتعين على إيران تبديل تكتيكاتها لجعل الأحزاب الشيعية العراقية في الصف.
وقال الباحث في «تشاتام هاوس» في لندن ريناد منصور، إنه «سيتعين على (قاآني) الاعتماد على التهديدات في محاولة لإيجاد طريقة لإعادة التفتت الهائل الذي تشهده سياسات النخبة العراقية اليوم... العصا والجزرة بدلاً من إدارة الشبكات». وأوضح أن «هناك الكثير من الناس الذين يشعرون بحق الحصول على قطعة من الكعكة... وتبدو المنافسة شديدة».

«انقسامات» بين الميليشيات
وإضافة إلى خلافات القوى السياسية المقربة من إيران، ضرب مقتل سليماني وذراعه في العراق نائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي» أبو مهدي المهندس، بغارة أميركية مطلع العام، وحدة الميليشيات التابعة لإيران. وذكرت وكالة «رويترز»، أمس، أن تعيين عبد العزيز المحمداوي المُدرّب إيرانياً، خلفاً للمهندس، أدى إلى «انقسامات جديدة».
وأشارت إلى أن «الفصائل رفضت الاعتراف بالمحمداوي المعروف باسمه الحركي أبو فدك قائداً لقوات الحشد الشعبي» التي تنضوي الميليشيات تحت لوائها. بل إن البعض في فصيله، «كتائب حزب الله»، عارض ارتداءه عباءة القيادة، حسبما قال «بعض العارفين ببواطن الأمور في الفصيل»، وفق توصيف الوكالة. وأوضحت أن «مصادر في الفصائل المدعومة من إيران بقوات الحشد الشعبي وقادة جماعات أقل قرباً من إيران، تتحدث عن خلافات متزايدة على القيادة وتقلص الأموال الإيرانية، ما يحبط محاولات الوحدة في مواجهة الظروف المعاكسة».
وتزيد هذه الخلافات من سرعة التراجع على الساحة السياسية، حيث أصبح قادة الميليشيات يختبئون خوفاً من أن تغتالهم الولايات المتحدة ومن مواجهة معارضة مناهضة لإيران في الشوارع بعد أن كانوا يسيطرون في وقت من الأوقات على مناصب حكومية ومقاعد في البرلمان. كما يواجهون تنصيب رئيس وزراء ينهج نهجاً مماثلاً للنهج الأميركي، ويشير إلى أنه سيعمل على وقف هيمنة الجماعات التي تعمل بالوكالة لحساب إيران.
كان محور الانقسامات هو قيادة قوات «الحشد الشعبي» التي تمولها الدولة وتضم عشرات الميليشيات الشيعية صاحبة الولاءات المختلفة، غير أن الميليشيات الأقوى التي تتلقى أوامرها من إيران، تهيمن على «الحشد»، ومنها «كتائب حزب الله» التي كان المهندس قائدها، و«منظمة بدر» و«حركة النجباء»، وغيرها.
وتولى المحمداوي منصب المهندس في فبراير (شباط) الماضي، وهو يعمل في مكتب المهندس القديم في بغداد، وفقاً لمصدر كبير في «كتائب حزب الله»، طلب إخفاء هويته قبل الحديث عن الخلافات بين الميليشيات. وقال المصدر: «خلق هذا انقسامات بما في ذلك داخل الكتائب». ووصف هو ومسؤولان آخران من الميليشيات تحول التحالفات، بما في ذلك تحولات في صفوف فصيلين مؤيدين لإيران. وقالوا إن الانقسامات تدور حول خلافة المهندس وأوجه إنفاق الأموال الإيرانية، للعمل العسكري أم للنفوذ السياسي.
وأوضح المصدر الأول أن «هناك معسكراً في الكتائب بقيادة أبو فدك، ومعسكراً آخر يعارضه يسيطر على قوات الحشد الشعبي... في بدر، ويوجد جناح يؤيده وكان مقرباً من المهندس وجناح آخر لا يؤيده وهو الجناح السياسي».
ولم تقدم المصادر تفاصيل عن تخفيض التمويل الوارد من إيران التي تضررت بشدة من انتشار فيروس «كورونا» والعقوبات الأميركية. ولفتت إلى أنه من شأن الخلافات أن تبدأ الميليشيات شن هجمات من تلقاء نفسها من دون التشاور مع بعضها البعض.
وفي إشارة إلى هجوم أسفر عن مقتل جنديين أميركيين وجندي بريطاني في مارس (آذار)، قال مسؤول: «لم يوافق الكل على استهداف قاعدة التاجي العسكرية... بعض الجماعات تعمل من دون التشاور مع التسلسل القيادي في الحشد الشعبي».

قلق من السيستاني
وتتحدث مصادر الميليشيات عن انقسام إضافي في «الحشد الشعبي»، فقد رفضت فصائل عدة أقرب إلى المرجع الشيعي الأعلى في العراق علي السيستاني الذي يعارض هيمنة إيران على «الحشد»، علناً تولي المحمداوي القيادة في فبراير، في تحدٍ نادر الحدوث للمعسكر الموالي لإيران.
وقال قادة تلك الفصائل إنهم اتفقوا من حيث المبدأ بعد ذلك مع وزارة الدفاع على الاندماج في القوات المسلحة في خطوة من شأنها أن تفصلهم عن الميليشيات المدعومة من إيران. وأكد مصدر مقرب من السيستاني أن مكتبه بارك تلك الخطوة.
ويعتري القلق الميليشيات المدعومة من إيران. وقال المصدر الأول: «إذا كان السيستاني يؤيد ذلك فربما يقتدي به 70 في المائة من المقاتلين من ذوي الرتب الأقل في كل الفصائل، إذ إنهم لم ينضموا إلا تلبية لفتواه» بالقتال ضد «تنظيم داعش».
ولا يمكن لأي من هذه الخطوات أن تكتسب الصفة الرسمية إلى أن تتولى حكومة جديدة السلطة. غير أن نواباً ومسؤولين في الحكومة يقولون إن من المرجح أن يوافق عليها رئيس الوزراء المكلف هذا الشهر، وذلك نتيجة لضعف الفصائل المؤيدة لإيران.
وقال نائب من أكبر تكتل في البرلمان العراقي طالباً عدم نشر اسمه: «من قبل كان بإمكان الفصائل والساسة المدعومين من إيران فرض من يختارونه رئيساً للوزراء. أما الآن فلا يمكنهم حتى الاتفاق في ما بينهم على من يريدونه لهذا المنصب... كثيرون يفضلون أن يشغل الزرفي هذا المنصب». ولن تستسلم الميليشيات المدعومة من إيران في هدوء. فقد حذرت «كتائب حزب الله» الأسبوع الماضي من أنها ستتصدى لأي قوة تتعاون مع واشنطن في مهاجمة الميليشيات.



طهران تندد بتصريحات ترمب حول «الاحتجاجات» وتحمله مسؤولية أي تصعيد

أرشيفية لسفير إيران لدى الأمم المتحدة سعيد إيروان يتحدث خلال جلسة لمجلس الأمن حول النووي الإيراني (تلفزيون الأمم المتحدة)
أرشيفية لسفير إيران لدى الأمم المتحدة سعيد إيروان يتحدث خلال جلسة لمجلس الأمن حول النووي الإيراني (تلفزيون الأمم المتحدة)
TT

طهران تندد بتصريحات ترمب حول «الاحتجاجات» وتحمله مسؤولية أي تصعيد

أرشيفية لسفير إيران لدى الأمم المتحدة سعيد إيروان يتحدث خلال جلسة لمجلس الأمن حول النووي الإيراني (تلفزيون الأمم المتحدة)
أرشيفية لسفير إيران لدى الأمم المتحدة سعيد إيروان يتحدث خلال جلسة لمجلس الأمن حول النووي الإيراني (تلفزيون الأمم المتحدة)

ردت إيران في رسالة إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة على التصريحات التي أدلى بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب حول الاحتجاجات التي تشهدها عدة محافظات إيرانية.

وقال سفير إيران لدى الأمم المتحدة سعيد إيرواني: «ندين تصريحات ترمب التدخلية والاستفزازية التي تشكل تهديدا للأمن والاستقرار».

وأضاف «نؤكد على حق إيران في الدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها وأمنها القومي من أي تدخل خارجي .. نشدد على أن إيران ستُمارس حقوقها بشكل حازم ومتناسب».

وقال السفير الإيراني إن بلاده تحمل الولايات المتحدة «المسؤولية الكاملة عن أي تبعات أو تصعيد ناتج عن هذه التهديدات غير القانونية».

وفي وقت سابق من اليوم، أكد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض بلاده التام لأي تدخل في شؤونها واستعداد القوات المسلحة للتصدي لأي عمل ينتهك السيادة الإيرانية، على حد تعبيره.

كان التلفزيون الإيراني أفاد يوم الخميس بمقتل 3 أشخاص وإصابة 17 آخرين «في أعمال شغب» بمحافظة لرستان بغرب إيران، وأفادت وسائل إعلام إيرانية باتساع نطاق الاحتجاجات فيما أعلنت الحكومة الإيرانية إنشاء «آلية للحوار" مع قادة الاحتجاجات بدون الكشف عن تفاصيل.


إيران تهدد أميركا... و«استقرار المنطقة»

لقطة نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي لمتظاهرين يهاجمون مبنى حكومياً في مدينة فاسا، بجنوب إيران (أ.ف.ب)
لقطة نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي لمتظاهرين يهاجمون مبنى حكومياً في مدينة فاسا، بجنوب إيران (أ.ف.ب)
TT

إيران تهدد أميركا... و«استقرار المنطقة»

لقطة نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي لمتظاهرين يهاجمون مبنى حكومياً في مدينة فاسا، بجنوب إيران (أ.ف.ب)
لقطة نُشرت على وسائل التواصل الاجتماعي لمتظاهرين يهاجمون مبنى حكومياً في مدينة فاسا، بجنوب إيران (أ.ف.ب)

أثار تلويح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بـ«التدخل لإنقاذ المحتجين» في إيران، موجة تهديدات أطلقها مسؤولون كبار في طهران، وصلت إلى استهداف القواعد الأميركية و«الاستقرار في المنطقة».

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رداً على ترمب، إن «الجيش الإيراني القوي في حالة استعداد، ويعرف تماماً أين يوجه ضرباته في حال حدوث أي انتهاك للسيادة الإيرانية».

وقال علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، إن «ترمب هو من تدخل وبدأ المغامرة، فليعتنِ بجنوده». كما شدّد رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، على أن القواعد والقوات الأميركية في المنطقة «أهداف مشروعة».

وهدّد القائد السابق في «الحرس الثوري» الإيراني، محسن رضائي، بـ«زعزعة استقرار المنطقة».

ميدانياً، تواصلت الاحتجاجات في مدن إيرانية عدة، وواصلت قوات الأمن قمعها باستخدام القوة المفرطة، كما اشتبكت مع مشيعين لقتلى من المحتجين، سقطوا خلال الأيام الماضية.


ترمب على خط احتجاجات إيران... وموجة تهديدات لقواعد أميركا

متظاهرون يهاجمون مبنى حكومياً في مدينة فسا بمحافظة فارس الجنوبية (أ.ف.ب)
متظاهرون يهاجمون مبنى حكومياً في مدينة فسا بمحافظة فارس الجنوبية (أ.ف.ب)
TT

ترمب على خط احتجاجات إيران... وموجة تهديدات لقواعد أميركا

متظاهرون يهاجمون مبنى حكومياً في مدينة فسا بمحافظة فارس الجنوبية (أ.ف.ب)
متظاهرون يهاجمون مبنى حكومياً في مدينة فسا بمحافظة فارس الجنوبية (أ.ف.ب)

تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران، على خلفية تصريحات للرئيس الأميركي دونالد ترمب لوَّح فيها بالتدخل «لإنقاذ الإيرانيين المتظاهرين في حال تعرضوا للقتل»، ما فتح موجة واسعة من الردود الغاضبة من قِبل المسؤولين الإيرانيين من دوائر مختلفة، على رأسها تلك المقرَّبة من المرشد علي خامنئي، إذ هددوا باستهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية، بما في ذلك قواعد عسكرية وجنود بالمنطقة.

وتتواصل الاحتجاجات في مدن إيرانية عدة بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية وانخفاض قيمة العملة إلى مستويات قياسية.

تحذير ترمب

وأصدر ترمب، عبر منصته «تروث سوشيال»، تحذيراً شديد اللهجة من أي عنف ضد المتظاهرين، مؤكداً أن الولايات المتحدة «ستتدخل لإنقاذهم» في حال تعرضهم لأي اعتداء، مضيفاً: «نحن على أهبة الاستعداد»، دون أن يوضح طبيعة هذا التدخل.

كانت صفحة وزارة الخارجية الأميركية بالفارسية قد علّقت سابقاً على الاحتجاجات في إيران، وكتبت على «إكس»: «نحن قلقون بشدّة إزاء التقارير ومقاطع الفيديو التي تُظهر تعرّض المتظاهرين السلميين في إيران للترهيب والعنف والاعتقال. المطالبة بالحقوق الأساسية ليست جريمة. وعلى النظام الإيراني أن يحترم حقوق الشعب الإيراني وأن يضع حداً للقمع».

وعَدَّ كبار المسؤولين في طهران أن تحذيرات ترمب تدل على تورط واشنطن في الأحداث، مع تأكيد أن أي «تدخل خارجي سيكون له عواقب مباشرة على المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة».

وكتب علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، على منصة «إكس»: «ليعلم ترمب أن التدخل من قِبل أميركا في المشكلة الداخلية سيؤدي إلى فوضى في المنطقة بأكملها وتدمير المصالح الأميركية. ترمب هو من بدأ المغامرة، فليعتنوا بجنودهم».

في السياق نفسه، قال علي شمخاني، مستشار خامنئي، إن «الشعب الإيراني يعرف جيداً تجربة إنقاذ الأميركيين، من العراق وأفغانستان، إلى غزة، وأي يد تدخلية تقترب من أمن إيران بذريعة واهية ستُقطع قبل أن تصل، بردٍّ مُندم. الأمن القومي الإيراني خطٌّ أحمر، وليس موضوعاً لتغريداتٍ مغامرة».

وكتب رئيس البرلمان الإيراني، محمد باقر قاليباف، على منصة «إكس»، أن القواعد والقوات الأميركية في المنطقة «أهداف مشروعة»، في حال قيام واشنطن بمجازفات، على حد تعبيره.

وهدد القائد السابق في «الحرس الثوري» الإيراني، محسن رضائي، بـ«تدمير إسرائيل والقواعد الأميركية وزعزعة استقرار المنطقة»، وذلك في منشور له على حسابه بمنصة «إكس».

كما قال وزير الخارجية عباس عراقجي، عبر منصة «إكس»، إن الشعب الإيراني سيرفض بحزمٍ أي تدخل في شؤونه الداخلية، مشيراً إلى أن «القوات الإيرانية المسلّحة في حالة استعداد، وتعرف تماماً أين تُوجه ضرباتها في حال حدوث أي انتهاك للسيادة الإيرانية».

وانتقد عراقجي رسالة ترمب للإيرانيين، واصفاً إياها بأنها «متهوّرة وخطيرة»، وقال إنها جاءت بتأثير أطراف «تخشى الدبلوماسية أو تعتقد خطأً أنها غير ضرورية». وقال عراقجي إن المتأثرين في إيران بتقلبات مؤقتة في سعر الصرف خرجوا في احتجاجات سلمية، وعَدَّها أن ذلك «حق مشروع للمواطنين». وأضاف أن هذه التحركات تختلف عن «حوادث معزولة لأعمال شغب عنيفة» شملت هجوماً على مركز للشرطة وإلقاء زجاجات حارقة على عناصر الأمن، مشيراً إلى أن الاعتداءات على الممتلكات العامة «لا يمكن التسامح معها».

من جهته، أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن الشعب الإيراني لن يسمح لأي طرف أجنبي بالتدخل في حواره الداخلي أو في تفاعله الوطني لحل مشكلاته، مشدداً على أن سِجل الولايات المتحدة الحافل بالانتهاكات يفضح زيف ادعاءاتها.

وربطت وسائل إعلام إيرانية، وعلى رأسها وكالتا «فارس» و«تسنيم» التابعتان لـ«الحرس الثوري»، تصريحات ترمب بدعم «العوامل الخارجية لأعمال الشغب»، وعَدَّت أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان لتأجيج الاحتجاجات. أما وزير الخارجية الإيراني، عبر متحدثه، فقد شدد على أن «الولايات المتحدة هي آخِر دولة يمكنها التدخل باسم الشعب الإيراني».

تأتي تصريحات المسؤولين الإيرانيين، التي تضمنت تلويحاً باستهداف المصالح الأميركية والإسرائيلية في المنطقة، في وقتٍ يشهد الشرق الأوسط توتراً مستمراً بسبب الوجود العسكري الأميركي الواسع.

ويبدو أن الردود الإيرانية الغاضبة، والتي باتت تتسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، تشير إلى حالة هلع من تصعيد أكثر خطورة، إذا لم يجرِ احتواء الاحتجاجات الداخلية.

سيارة مقلوبة وحرائق خارج مركز شرطة في أزنا بمحافظة لرستان (رويترز)

سادس أيام الاحتجاج

ميدانياً، وحتى مساء الجمعة، سادس أيام الاحتجاج، شهدت محافظة لرستان وقضاء ملارد في طهران تحركات أمنية مكثفة، إذ أعلن الجهاز القضائي في لرستان اعتقال عدد من المشاركين في الاحتجاجات بمدينة أزنا ودلفان، بعد أن أسفرت اشتباكات مع الشرطة عن مقتل 3 أشخاص، وإصابة 17 آخرين، وفق وكالة «فارس» الإيرانية.

وفي ملارد، اعتُقل 30 شخصاً متّهمون بالإخلال بالنظام العام، حيث تبيَّن أن بعضهم قَدِموا من مدن مجاورة.

وفي زاهدان، بمحافظة بلوشستان، وبعد انتهاء صلاة الجمعة، انضم مواطنون إلى احتجاجات في الشوارع. وقال عبد الحميد إسماعيل زهي، إمام جمعة زاهدان، وكان من أبرز الوجوه في الداخل التي دعمت الاحتجاجات عام 2020، إن الاحتجاجات السلمية تمثل حقاً قانونياً للشعب، داعياً المسؤولين إلى الاستماع لمطالب المواطنين وعدم فرض قرارات قسرية، مضيفاً: «حياة ومعيشة الشعب الإيراني وصلت إلى طريق مسدود». ورفع بعض المحتجين شعاراً يعكس التوتر الداخلي والخارجي: «لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران»، في إشارة إلى الانتقاد المتزايد للسياسات الخارجية للسلطة.

وانضمت مدينة قم المحافِظة، مَعقل رجال الدين في إيران، إلى الحركة الاحتجاجية، إذ أظهرت مقاطع مصوَّرة – لم يتسنَّ التأكد من صحتها - انتشاراً واسعاً لقوات الأمن وإطلاقها الغاز المسيل للدموع بهدف تفريق المتظاهرين.

جانب من الاحتجاجات في مدينة فسا بمحافظة فارس الجنوبية (أ.ف.ب)

العنف ضد الاحتجاج

استمرت الاحتجاجات الليلية في مدن عدة، مساء الخميس والجمعة، وأظهرت مقاطع مصوَّرة الشرطة الإيرانية وهي تطلق النار والغاز المسيل للدموع باتجاه المتظاهرين، الذين تعرَّض عدد منهم إلى الضرب باستخدام الهراوات.

وشهدت مدن مرودشت في محافظة فارس، وفولادشهر في محافظة أصفهان، وكوهدشت في محافظة لرستان، تشييع ثلاثة متظاهرين سقطوا خلال الاحتجاجات، من بينهم أمير حسام خداياري، الذي قدمته وسائل إعلام حكومية على أنه عنصر من قوات «الباسيج»، رغم أن والده نفى ذلك، كما استبعدت وكالة «فارس» انتماءه لتلك القوات.

من جهته، قال قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان إن «الشرطة تُحبط، بإشرافها وسيطرتها العملياتية، سيناريوهات الفوضى والتقسيم التي يخطط لها الأعداء... وتدافع عن كيان الوطن في مواجهة المُعتدين الأجانب والعملاء والأشرار في الداخل».

إلى ذلك، دعا صادق دقيقيان، المدَّعي العام في شمال الأحواز، إلى تدخل «وجهاء العشائر والعائلات» لتوعية الشباب وتجنّب الانجراف وراء التحريض الإعلامي، مؤكداً أن «تخريب الممتلكات العامة والإخلال بأمن الناس أمر غير مقبول».

ورغم أن إمام جمعة طهران تجنب الحديث عن الاحتجاجات في الخطبة التي خصصها لأمور دينية، قال إمام جمعة مشهد أحمد علم الهدى إن «وسائل إعلام صهيونية» تسعى إلى استغلال تقنيات الذكاء الاصطناعي في سياق الاحتجاجات من خلال تركيب أصوات شعارات «مناهضة للثورة» على صور تجمعات شعبية، بهدف الإيحاء بأن الشارع الإيراني تجاوز «الثورة» ويطالب بإنهاء النظام، وفق تعبيره.

لقطة مأخوذة من فيديو متداول يُظهر عنصرين أمنيين يصوّبان سلاحهما على متظاهرين في همدان غرب إيران (إكس)

تحذير «العفو الدولية»

وعبّرت منظمة العفو الدولية، الجمعة، عن قلقها البالغ إزاء التقارير الواردة عن مقتل متظاهرين في إيران، خلال احتجاجات على تدهور الأحوال الاقتصادية بالبلاد.

وناشدت أنييس كالامار، الأمين العام لمنظمة العفو الدولية، عبر منصة «إكس»، السلطات الإيرانية احترام الحق في حرية التعبير والتجمع السلمي وعدم استخدام القوة غير المشروعة في مواجهة المحتجّين.

ولم تبلغ الاحتجاجات الراهنة في إيران، حتى الآن، مستوى الحراك الاحتجاجي الذي هز البلاد أواخر عام 2022 عقب وفاة مهسا أميني، أثناء توقيفها من قِبل شرطة الأخلاق، والتي تحولت إلى أكبر موجة احتجاجات شعبية امتدت لأشهر، وأسفرت عن سقوط مئات القتلى.

غير أن المؤشرات الميدانية الحالية تُظهر مساراً مختلفاً في التوقيت والدينامية، إذ تنتقل التحركات تدريجياً إلى مدن أصغر، مع عودة الاحتجاجات الليلية واتساع نطاق التوقيفات والتغطية الأمنية، ما يجعل من المبكر الجزم بسقفها النهائي أو استبعاد احتمال انتقالها إلى مرحلةٍ أوسع تبعاً لتطور تفاعل السلطات معها، خلال الفترة المقبلة.

«تراكم مطالب اجتماعية»

ومن ردود الأفعال، انتقد السياسي المعارض مهدي كروبي، وهو أحد رؤساء مجلس الشورى السابقين، الإنفاق على المؤسسات الحكومية والدينية، واصفاً ذلك بأنه «نهب المال العام»، داعياً الرئيس الإيراني إلى إعادة توجيه الموارد لخدمة الشعب، بدلاً من السياسات الخارجية.

وأدانت رئيس «جبهة الإصلاحات»، آذر منصوري، عبر منصة «إكس»: «أي تدخل خارجي، بوضوح وحزم»، وأعربت عن اعتقادها بأن «هذه التدخلات تضرّ الاحتجاجات السلمية». وشددت على أن «الاحتجاج حق للشعب، جذوره في المعاناة والمطالب الحقيقية ويجب أن يُسمع».

كان الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قد صرح، الخميس، بأن حكومته عازمة على تنفيذ إصلاحات اقتصادية تستهدف القضاء على الريع والتهريب والرشوة، رغم ما وصفه بصعوبة هذا المسار، مشدداً على أن الحفاظ على معيشة المواطنين يمثل «خطاً أحمر» لحكومته.

من جهتها، قالت مؤسّسة حائزة «نوبل» للسلام، نرجس محمدي، ومقرُّها باريس، عبر منصة «إكس»، إن الصمت حيال ما تشهده إيران من تصعيد أمني غيرُ مقبول، مشددة على أن «دعم المحتجّين واجب إنساني وليس خياراً سياسياً».

كما قالت جمعية مخرجي الأفلام الوثائقية في إيران، إن الاحتجاجات الحالية ليست مؤقتة وتعبر عن تراكم مطالب اجتماعية وإنسانية منذ عقود، مشيرة إلى أن ربط دوافعها بالعامل الاقتصادي فقط «وصف منقوص للواقع».