إيران تكثف جهودها لإقامة «منطقة نفوذ دائمة» شمال شرق سوريا

دراسة ألمانية تؤكد أن طهران تسعى للوصول إلى البحر المتوسط

معبر البوكمال - القائم على الحدود السورية - العراقية الذي شجعت ايران على افتتاحه (سانا)
معبر البوكمال - القائم على الحدود السورية - العراقية الذي شجعت ايران على افتتاحه (سانا)
TT

إيران تكثف جهودها لإقامة «منطقة نفوذ دائمة» شمال شرق سوريا

معبر البوكمال - القائم على الحدود السورية - العراقية الذي شجعت ايران على افتتاحه (سانا)
معبر البوكمال - القائم على الحدود السورية - العراقية الذي شجعت ايران على افتتاحه (سانا)

انتقلت خطط إيران في دير الزور إلى مرحلة متقدمة لإقامة «منطقة نفوذ» شمال شرقي سوريا، تضمنت مواكبة ترسيخ الوجود العسكري بنشاطات في المجالات الاجتماعية، والثقافية، والاقتصادية، ذلك بهدف إقامة «ممر بري» يصل البلاد بلبنان عبر العراق وسوريا، بعد قطع أميركا الطريق التقليدي لدى إقامة قاعدة في التنف في زاوية الحدود السورية - العراقية - الأردنية، حسب ورقة أعدها حميد رضا عزيزي في «المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية».
كانت قوات النظام السوري استعادت بالتعاون مع إيران وميليشياتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 منطقة البوكمال الواقعة على الحدود السورية - العراقية من أيدي تنظيم «داعش»، بعد قيام «وحدات الحشد الشعبي»، المدعومة من إيران، بتحرير أجزاء كبيرة من الأراضي العراقية من قبضة «داعش»، واستعادت السيطرة على مدينة القائم التي تقع على الجانب الآخر من الحدود.
كانت تلك التطورات كبيرة ومهمة بالنسبة إلى إيران في ظل سيطرة القوات الأميركية أو حلفائها المحليين على المعبرين أو المعابر الثلاثة الرئيسية التي تربط العراق بسوريا، فقد حوّلت الولايات المتحدة الأميركية المناطق القريبة من معبر التنف في جنوب شرقي سوريا إلى قاعدة عسكرية رئيسية لها في البلاد، في حين تسيطر «قوات سوريا الديمقراطية»، التي يهيمن عليها العنصر الكردي، على معبر اليعربية.
وقد تمركزت القوات الإيرانية وتلك المدعومة من إيران خلال العامين الماضيين في عدة مناطق، في النصف الجنوبي من دير الزور، وأنشأت إيران من خلال تجنيدها قوات محلية جماعات شبه عسكرية جديدة في المنطقة، مثل ما يُسمى بـ«جيش القرى»، الذي يتكون من أكثر 2500 مقاتل عربي من القرى الموجودة في المنطقة.
كذلك أنشأت إيران قاعدتين عسكريتين على الأقل في الضواحي الغربية لمدينة الميادين وفي البوكمال، حسب الدراسة.
في المقابل، أقامت إيران مركزين ثقافيين، في دير الزور، لنشر آيديولوجيتها. ولمنظمة «جهاد البناء» الإيرانية نشاط كبير في مشروعات إعادة الإعمار والبنية التحتية في المنطقة. كذلك سعت إيران وراء إقامة شبكة من القوات الموالية لها في المنطقة، من خلال التعاون مع شيوخ قبائل دير الزور. وبعيداً عن محاولة الاستفادة من الحوافز المالية الإيرانية، ومشروعات إعادة الإعمار، ترى بعض القبائل المحلية أن إيران شريك يمكن الاعتماد عليه أكثر من النظام السوري. كل تلك الإجراءات تدل على تبني إيران استراتيجية طويلة الأمد تجاه المنطقة.

- الممر البري
هناك وجهة نظر سائدة بين المحللين وواضعي السياسات في الغرب والعالم العربي مفادها أن إيران تسعى إلى إقامة ممر بري من أجل الربط بينها وبين لبنان، عبر العراق وسوريا. بحسب هذا الرأي، سيمكّن هذا الممر إيران من دعم الجماعات التابعة لها في الدول الثلاث بشكل أفضل، إلى جانب نقل السلاح والمعدات بسلاسة وسهولة إلى تنظيم «حزب الله» في لبنان. مع ذلك يبدو أن هناك مبالغة فيما يتعلق بأولوية ذلك الممر في الاستراتيجية الإيرانية تجاه سوريا، فمنذ المراحل الأولى من الأزمة السورية وحتى نهاية عام 2017، استمرت إيران في دعم «حزب الله» بعدة طرق مختلفة، من بينها استخدام ممر جوي، رغم عدم تمكُّنها من استخدام المعابر الواقعة على الحدود العراقية - السورية.
وبالنظر إلى الوجود العسكري الأميركي في عدة أجزاء من العراق وسوريا من جانب، والتفوق الاستخباراتي الإسرائيلي على الدولتين من جانب آخر، سيتضمن نقل الأسلحة والمعدات بشكل مباشر عبر ما يُسمى بالممر البري مخاطر كبيرة، فقد قصفت إسرائيل أهدافاً إيرانية في سوريا أكثر من 200 مرة خلال الفترة بين 2016 و2018.
تكمن أهمية معبر البوكمال - القائم بالنسبة إلى إيران من منظور عسكري بدرجة أكبر في تيسير انتقال القوات العسكرية وشبه العسكرية عبر الحدود السورية - العراقية، لذا تجعل سيطرة إيران على مناطق واقعة على جانبي الحدود من السهل بالنسبة للقوات الإيرانية، وتلك المدعومة من إيران، الانتقال جيئة وذهاباً، وإعادة الانتشار والتموضع في مناطق أخرى. على سبيل المثال، تم إرسال نحو 400 عنصر من «الحشد الشعبي» العراقية إلى جبهة إدلب من خلال هذا المعبر خلال شهري فبراير (شباط) ومارس 2020.
يمكن لتزايد حركة القوات المدعومة من إيران جعلها محصنة جزئياً من الهجمات الأميركية والإسرائيلية التي تحدث بين الحين والآخر. كذلك يزيد انسحاب القوات الأميركية من قاعدة عسكرية في مدينة القائم في منتصف مارس (آذار) (آذار) قدرة إيران على المناورة في المنطقة.
- البعد الاقتصادي
من المعروف منذ عام 2013 أن لمبادرة «الحزام والطريق» الأولوية في السياسة الخارجية الصينية، وتستهدف تيسير التبادل التجاري بين الشرق والغرب. وجعلت في الخطط الأولية لربط الصين بأوروبا الأولوية لإقامة الطرق البرية الشمالية عبر روسيا ووسط آسيا، إلى جانب طريق بحري عبر الخليج العربي. مع ذلك تحاول طهران جذب اهتمام بكين إلى طريق بري جنوبي يربط إيران والعراق وسوريا بالبحر الأبيض المتوسط ثم بأوروبا.
وكشفت إيران في نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 عن خطة لإنشاء خط سكة حديد يربط معبر الشلامجة الحدودي الواقع على الحدود الإيرانية - العراقية بميناء البصرة في جنوب شرقي العراق. ومن المفترض أن يمتد الخط بعد ذلك باتجاه الساحل السوري المطل على البحر الأبيض المتوسط. كذلك تم الإعلان في ربيع 2019 عن اعتزام إيران استئجار محطة الحاويات في ميناء اللاذقية. ومن المؤكد أن هناك مكوناً وعنصراً اقتصادياً للتدخل الإيراني في سوريا، فالسيطرة على المناطق المضطربة وغير المستقرة في غرب العراق، وشرق سوريا، أمر ضروري لتنفيذ خططها الاقتصادية الخاصة بالمنطقة.

- منطقة نفوذ
كان هدف إيران الرئيسي من التدخل في الأزمة السورية عام 2012 هو الإبقاء على حليفها الرئيس بشار الأسد في سدّة الحكم. ومع ظهور تنظيم «داعش»، تمت إضافة محاربة الإرهابيين ومنعهم من التقدم باتجاه الحدود الإيرانية إلى قائمة أولويات إيران. مع ذلك، أدى إسهام إيران بشكل كبير في استعادة الجيش السوري للسيطرة على حلب في نهاية 2016، ثم انهيار ما يُسمى بتنظيم «داعش»، في نهاية 2017، تدريجياً، إلى وضع إيران لأهداف ومصالح جديدة في سوريا.
ومنذ ذلك الوقت، ظهرت مؤشرات تدل على الاتجاه إلى المزيد من التوسع في الاستراتيجية الإيرانية تجاه سوريا؛ فقد وقّعت إيران منذ عام 2018 على مجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية مع الحكومة السورية، مما يشير إلى رغبة إيران في الاضطلاع بدور فاعل في إعادة إعمار سوريا بعد انتهاء الحرب. كذلك وقّعت كل من إيران وسوريا، في أغسطس (آب) 2018، على اتفاقية للتعاون العسكري.
في الوقت ذاته، يدرك صُنّاع القرار في القيادة و«الحرس» الإيراني جيداً عدم وجود أي ضمان لتنفيذ تلك الاتفاقيات على المدى الطويل، حيث يقوم النفوذ الإيراني في سوريا بشكل كبير حتى الآن على صلته المباشرة بالأسد والدوائر المؤيدة لإيران داخل النظام السوري والجيش السوري. مع ذلك توجد آراء غير مؤيدة للوجود والتدخل الإيراني في البلاد حتى داخل التركيب الحالي للنظام السوري، خاصة بين صفوف مؤيدي روسيا. وفي حال ترك الأسد للسلطة، أو حدوث تغير في النظام السياسي في سوريا، مثل تطبيق اللامركزية، على سبيل المثال، سيكون دور إيران ونفوذها في سوريا على المحك.
وأفادت الدراسة بأنه «يبدو أن إيران تسعى إلى إقامة منطقة نفوذ جيوسياسية واجتماعية في سوريا كنهج بديل أو كخطة احتياطية». أي أن نشر الآيديولوجيا الإيرانية وإنشاء جماعات شبه عسكرية جديدة في دير الزور، محاولة إيرانية لإقامة قاعدة اجتماعية موالية لها في منطقة محددة في سوريا، حيث يمكن للسيطرة على منطقة النفوذ تلك أن تضمن تحقيق المصالح الإيرانية طويلة الأجل في سوريا في وجه أي تحديات محتملة. على سبيل المثال إذا تم تطبيق نظام حكم فيدرالي في سوريا، سيظل وجود إيران في إحدى تلك المناطق الفيدرالية المهمة في الشرق وجنوب الشرق قائماً وراسخاً. وبالمثل إذا نجحت إيران، في تغيير البنية الاجتماعية والثقافية لدير الزور، سيحمي نواب موالون لإيران مصالح طهران في النظام البرلماني المحتمل إقامته في سوريا. كذلك قد تمنح إقامة منطقة نفوذ محددة إيران ورقة ضغط قيّمة خلال المفاوضات الخاصة بمستقبل سوريا.

- طبقة ردع إضافية
رغم عدم خوض إيران وإسرائيل مواجهة عسكرية مباشرة منذ ما يزيد على أربعة عقود، منذ تأسيس الجمهورية الإيرانية، يمثل وجود مجموعة من التهديدات الواقعية في وجه بعضهما البعض أحد الأعمدة والدعائم الرئيسية للاستراتيجية العسكرية للبلدين. بالنسبة إلى إيران، يتم تطبيق هذا النهج بطريقتين رئيسيتين هما: تطوير برنامجها الصاروخي، وإنشاء شبكة من الجماعات التابعة لها التي تعمل بالوكالة في أنحاء المنطقة. وقبل اندلاع الأزمة السورية كانت هذه الشبكة توجد بشكل أساسي في لبنان وفلسطين، لكن مكّن الفراغ السياسي في سوريا خلال الأعوام الماضية إيران من تمديد نطاق شبكتها بحيث تمتد إلى الأراضي السورية. ربما تكون مناطق مثل درعا مناسبة بدرجة أكبر لإيران لتأسيس وجود لها على المدى الطويل نظراً لقربها الجغرافي من إسرائيل، لكن الهيمنة العسكرية الكاملة لتل أبيب على تلك المناطق من جانب، والمعارضة الروسية لتوسع نفوذ إيران العسكري في غرب وجنوب غربي سوريا من جانب آخر، جعلت من الصعب على إيران تحقيق تلك الطموحات.
في هذا السياق، بعد المسافة بين دير الزور والحدود الإسرائيلية، إلى جانب عدم اهتمام روسيا كما يبدو بهذا الجزء من سوريا، جعل تلك المنطقة الهدف الرئيسي لخطط إيران طويلة الأمد. نظراً لوقوع دير الزور بين مناطق خاضعة لسيطرة الولايات المتحدة الأميركية، وحلفائها في التنف وشرق الفرات، ستمكّنها هذه المنطقة من توجيه تهديد واقعي وحقيقي للقوات الأميركية في سوريا. بعد اغتيال القوات الأميركية لقاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني، في يناير (كانون الثاني) 2020. كانت هناك تكهنات مشروعة بشأن استخدام إيران تلك المناطق في الانتقام من الولايات المتحدة الأميركية.

- منع عودة «داعش»
في أوج نشاط تنظيم «داعش»، سمحت السيطرة على المناطق الشرقية من سوريا في دير الزور، ومحافظة الأنبار في غرب العراق، للإرهابيين بالتحرك بكل حرية على جانبي الحدود العراقية - السورية. لذا كان العنصر الأساسي في الاستراتيجية الإيرانية الرامية إلى مقاومة تنظيم «داعش» هو قطع هذا الرابط. وحتى بعد انهيار التنظيم بشكل رسمي واضح، ركّز النهج الإيراني في العمل على منع عودة ظهور تلك الجماعة الإرهابية على تلك المناطق، حيث ترى إيران أن وجودها العسكري في دير الزور ضروري للحيلولة دون تجمع خلايا تنظيم «داعش» المتشرذمة مرة أخرى في العراق وسوريا.
ويخلص البحث إلى أن طهران تستهدف إيران من خلال محاولة توسيع وتعزيز نفوذها في محافظة دير الزور تحقيق مجموعة من الأهداف الجيوسياسية والاقتصادية والأمنية والعسكرية طويلة الأجل. وهناك سبب آخر مهم أيضاً لقيامها بذلك هو «خوفها من التهميش التام لها من جانب الأطراف الفاعلة الأخرى في العمليات الدبلوماسية»، حسب المركز.



اغتيال شرق بيروت وتصعيد إسرائيلي لفصل جنوب الليطاني عن شماله

جنود لبنانيون في محيط المبنى الذي استهدف في منطقة الحازمية شرق بيروت حيث قتل شخص (أ.ف.ب)
جنود لبنانيون في محيط المبنى الذي استهدف في منطقة الحازمية شرق بيروت حيث قتل شخص (أ.ف.ب)
TT

اغتيال شرق بيروت وتصعيد إسرائيلي لفصل جنوب الليطاني عن شماله

جنود لبنانيون في محيط المبنى الذي استهدف في منطقة الحازمية شرق بيروت حيث قتل شخص (أ.ف.ب)
جنود لبنانيون في محيط المبنى الذي استهدف في منطقة الحازمية شرق بيروت حيث قتل شخص (أ.ف.ب)

طال القصف الإسرائيلي مرة جديدة شرق بيروت عبر غارة استهدفت شقة سكنية في منطقة الحازمية السكنية، فيما تشهد الجبهة الجنوبية تصعيداً متسارعاً، مع توغل القوات الإسرائيلية في عدد من البلدات الحدودية، حيث تسجل مواجهات مباشرة مع «حزب الله»، بالتوازي مع قصف إسرائيلي واسع طال الجنوب والبقاع، بينما استمر الجيش الإسرائيلي في سياسة تدمير الجسور التي تربط منطقة جنوب الليطاني بمنطقة شمال الليطاني.

اغتيال شرق بيروت

مع توسّع نطاق الضربات الإسرائيلية لتشمل مناطق سكنية داخلية، في موازاة تجدد التحذيرات للضاحية الجنوبية لبيروت، استهدفت غارة شقة سكنية في منطقة الحازمية، ما أثار حالة من الذعر بين السكان وتسبب في أضرار مادية في المكان، فيما فرضت القوى الأمنية طوقاً حول الموقع.

وفي بيان مقتضب، أعلن الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أنّ «الجيش هاجم عنصراً من وحدة (فيلق القدس) في بيروت»، من دون كشف مزيد من التفاصيل، قبل أن تفيد وسائل إعلام إسرائيلية بأن العملية استهدفت شخصاً يُدعى «صادق كوراني»، مشيرة إلى أنه «ينتمي إلى (فيلق القدس) ويقود بنية تحتية مرتبطة بـ(حزب الله)»، في إطار عملية اغتيال قرب العاصمة.

من جهتها، أعلنت وزارة الصحة اللبنانية أن الغارة أسفرت في حصيلة أولية عن مقتل شخص واحد، فيما وصل عدد القتلى منذ بدء الحرب الإسرائيلية في 2 مارس (آذار) إلى 1039، كما ارتفع عدد الجرحى إلى 2876.

الشقة التي استهدفت بغارة إسرائيلية في منطقة الحازمية شرق بيروت (أ.ف.ب)

فصل جنوب الليطاني عن شماله

ميدانياً؛ على الجبهة الجنوبية وفي موقف واضح للخطط الإسرائيلية، قال وزير الماليّة الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش: «رؤيتي أن يصبح نهر الليطاني هو الحدود بيننا وبين لبنان».

وأضاف: «كما نسيطر على 55 في المائة من غزة علينا أن نفعل ذلك في لبنان، وهذه الحرب ستنتهي بانتصار مبهر عندما لا يبقى نظام إيراني معاد ولا (حزب الله)».

من هنا وفي استمرار لسياسة قطع أوصال الجنوب عبر استهداف الجسور، استهدفت عبّارتان في القاسمية والمطرية، كما دُمّر جسر القعقعية بشكل كامل عبر استهدافه لليوم الثاني على التوالي، وهو الذي يربط النبطية بوادي الحجير وقطاع الغندورية بشكل كامل، واستهدف جسر صيدا - صور في برج رحال للمرة الثالثة، ما أدى إلى قطع الأوتوستراد الساحلي.

وبعد الظهر استهدف جسر الدلافة الذي يربط قضاءي جزين والبقاع الغربي بعدما أعلن الجيش الإسرائيلي أنه ينوي استهدافه، وقال: «نظراً لأنشطة (حزب الله) ونقل عناصر إرهابية إلى جنوب لبنان برعاية السكان المدنيين يضطر جيش الدفاع إلى القيام باستهداف واسع ودقيق لأنشطة (حزب الله) الإرهابية. بناء على ذلك، ولمنع نقل تعزيزات ووسائل قتالية ينوي جيش الدفاع مهاجمة جسر الدلافة».

عناصر الجيش اللبناني في محيط المبنى الذي استهدف في منطقة الحازمية شرق بيروت (أ.ف.ب)

وفي هذا الإطار، يقول اللواء المتقاعد عبد الرحمن شحيتلي: «يعتمد الجيش الإسرائيلي بشكل متزايد سياسة استهداف البنى التحتية الحيوية، وفي مقدّمتها الجسور والطرق الرئيسية، في محاولة لفصل جنوب الليطاني عن شماله جغرافياً ولوجيستياً. ويهدف هذا النهج إلى تقطيع أوصال منطقة العمليات، وقطع خطوط الإمداد، وإرباك حركة التنقل والدعم، ما يؤدي تدريجياً إلى استنزاف القدرات الصاروخية لـ(حزب الله) وتقليص هامش مناورة قواته، تمهيداً لإضعاف قدرته على الاستمرار في المواجهة على المدى المتوسط».

ويضيف شحيتلي لـ«الشرق الأوسط» أن «استمرار إطلاق الصواريخ المتواصل من الجانب اللبناني، وتواصل الاشتباكات المباشرة في أكثر من محور، يشيران بوضوح إلى أن الأهداف الإسرائيلية لم تتحقق بالكامل حتى الآن، وأن (حزب الله) لا يزال يحتفظ بقدرة عملياتية تسمح له بتعطيل هذا المسار، ومنع تثبيت معادلة السيطرة الكاملة التي تسعى إسرائيل إلى فرضها جنوب الليطاني».

مواجهات وفرض أمر واقع

مع محاولة «حزب الله» منع القوات الإسرائيلية من تثبيت مواقعها على طول الجبهة الحدودية، تركزت المواجهات في الساعات الماضية، وفق بيانات «حزب الله»، في بلدات قضاء مرجعيون (القطاع الشرقي)، لا سيما الطيبة، العديسة، الخيام، ومركبا، حيث سُجلت استهدافات متكررة لتجمعات الجنود والآليات، بالتزامن مع ما أُفيد عن مواجهات مباشرة في مركبا مع تقدم دبابات إسرائيلية تحت غطاء ناري كثيف.

كما امتدت الاشتباكات إلى قضاء بنت جبيل (القطاع الأوسط)، خصوصاً في مارون الراس، عيترون، ويارون، وإلى قضاء صور (القطاع الغربي) في بلدات الناقورة، علما الشعب، الضهيرة، ومروحين.

في موازاة ذلك، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي أن قوات لواء «غفعاتي» تواصل نشاطها البري في جنوب لبنان «لتوسيع نطاق خط الدفاع الأمامي»، مشيراً إلى العثور على مواقع صواريخ مضادة للدروع ووسائل قتالية.

كما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن إصابة عدد من الجنود خلال الساعات الماضية، في ظل استمرار المواجهات.

ويرى اللواء شحيتلي، أن «المواجهات المتواصلة بين (حزب الله) والجيش الإسرائيلي على امتداد الحدود الجنوبية، ولا سيما في القرى الأمامية، تندرج ضمن سياق تصعيد إسرائيلي مدروس يهدف إلى فرض أمر واقع جديد جنوب نهر الليطاني»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط»: «هذا المسار لا يقتصر على تكثيف الضربات الجوية أو النارية، بل يتعداه إلى محاولة تحقيق سيطرة نارية شاملة تُترجم ميدانياً عبر تثبيت نقاط وجود مباشرة في القرى الحدودية، بما يعكس انتقالاً واضحاً إلى استراتيجية الإمساك التدريجي بالأرض وفرض معادلات ميدانية جديدة».

ويلفت إلى أن «هذا التصعيد يأتي في سياق سعي إسرائيلي لتسريع فرض الوقائع الميدانية قبل أي تحولات أو تسويات إقليمية محتملة قد تنعكس على الساحة اللبنانية، بحيث تحاول تل أبيب تثبيت أكبر قدر ممكن من المكاسب الميدانية المسبقة التي يمكن البناء عليها سياسياً لاحقاً».

قصف متواصل

بالتوازي، كثّفت إسرائيل قصفها الجوي والمدفعي، حيث شهد محور الناقورة حامول وطيرحرفا والبياضة توتراً جراء الغارات الإسرائيلية، وتزامن ذلك مع قصف مدفعي مركز على مدخل الناقورة القريب من المقر العام لـ«اليونيفيل» ما أدى إلى أضرار دون وقوع إصابات في صفوف القوة الدولية.

جنود إسرائيليون على مقربة من الآليات العسكرية عند الحدود مع لبنان (رويترز)

وأوردت قوة «اليونيفيل» في بيان قالت إنه «أصاب مقذوف مبنى داخل مقرّ (اليونيفيل)، ويعمل حفظة السلام من المتخصصين في إبطال مفعول المتفجرات على التعامل مع الأمر، ونعتقد أن جهة غير تابعة للدولة هي من أطلقته».

وأتى ذلك بعدما تبنّى «حزب الله» هجومين على الأقل بالصواريخ، الاثنين، ضد قوات إسرائيلية في الناقورة، استهدف أحدهما عند الساعة الحادية عشرة «تجمّعاً لجنود جيش العدو الإسرائيلي في محيط مبنى بلدية الناقورة»، والثاني بعد ساعتين استهدف تجمعاً مماثلاً «قرب مدرسة الناقورة».

كما شنّ الطيران الإسرائيلي غارات على بلدات عدة بينها سحمر، الريحان، كفرصير، بريقع، كفرتبنيت، زلايا، شقرا، عيناثا والطيري، إضافة إلى استهداف طريق النهر باتجاه الزرارية ومنزل في جويا.

وأدت غارة على مجدل سلم إلى مقتل شخص وإصابة اثنين، فيما أسفرت غارة على الشهابية عن سقوط قتيل وأربعة جرحى، وسُجل قتيل وجريح في قصف مدفعي على الحنية. كما تعرضت بلدات مارون الراس، زبقين، الناقورة، حامول وطير حرفا لقصف مدفعي، واستهدفت غارة فجراً بلدة الخيام.

وامتد القصف إلى البقاع، حيث شنّ الطيران الإسرائيلي غارة على سهل سرعين التحتا.

قصف «حزب الله» باتجاه إسرائيل وإصابات في كريات شمونة

في المقابل، واصل «حزب الله» عملياته باتجاه إسرائيل، وأعلن الاثنين عن استهدافه كريات شمونة خمس بصلية صاروخية مما أدى لوقوع إصابات.

وأتى ذلك بعدما كان قد أعلن يوم الأحد حتى منتصف الليل، عن تنفيذ 63 عملية عسكرية، استهدفت مواقع عسكرية وتجمعات للجنود الإسرائيليين، إضافة إلى مستوطنات في شمال إسرائيل.

قوات الأمن الإسرائيلية تتجمع في موقع هجوم صاروخي شنه «حزب الله» استهدف حافلة في بلدة كريات شمونة الحدودية شمال إسرائيل في 23 مارس 2026

وبحسب بياناته، نفّذ الحزب هجمات بصليات صاروخية ومسيّرات انقضاضية طالت مواقع عسكرية، بينها ثكنة دوفيف مقابل يارون وثكنة أفيفيم مقابل مارون الراس، إضافة إلى استهداف تجمعات للآليات والجنود في محيط الطيبة.

وشمل القصف مستوطنات عدة، بينها زرعيت، والمطلة، حيث أعلن الحزب استهداف بعضها أكثر من مرة، في إطار استمرار الضغط الناري على طول الجبهة.


قوات إسرائيلية تتوغل في ريف القنيطرة بالجنوب السوري

مركبة عسكرية إسرائيلية تسير على جانب مرتفعات الجولان في 18 ديسمبر 2024 (رويترز)
مركبة عسكرية إسرائيلية تسير على جانب مرتفعات الجولان في 18 ديسمبر 2024 (رويترز)
TT

قوات إسرائيلية تتوغل في ريف القنيطرة بالجنوب السوري

مركبة عسكرية إسرائيلية تسير على جانب مرتفعات الجولان في 18 ديسمبر 2024 (رويترز)
مركبة عسكرية إسرائيلية تسير على جانب مرتفعات الجولان في 18 ديسمبر 2024 (رويترز)

ذكر تقرير إخباري أن دورية تابعة للجيش الإسرائيلي توغلت، الاثنين، في ريف القنيطرة جنوبي سوريا، واختطفت 5 شبان.

وقال «تلفزيون سوريا» إن قوة تابعة لقوات إسرائيلية، مؤلفة من 30 جندياً وعربة، توغلت باتجاه منطقتَي سدي رويحينة والمنطرة، حيث احتجزت 5 شبان عند الأخيرة واقتادتهم إلى جهة مجهولة، دون معرفة التهم الموجهة إليهم.

وتشهد مناطق ريفَي القنيطرة ودرعا، منذ سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، توغلات إسرائيلية شبه يومية، تترافق في كثير من الأحيان مع عمليات اعتقال تطول مدنيين من أبناء المنطقة، أُفرج عن بعضهم لاحقاً، في حين لا يزال آخرون قيد الاحتجاز.

وبحسب التلفزيون السوري، تفرض القوات الإسرائيلية قيوداً على حركة السكان المحليين واستثمار الموارد الطبيعية، إضافة إلى تقليص المساحات المتاحة للزراعة ورعي المواشي، الأمر الذي يزيد الأعباء المعيشية على الأهالي في القرى الحدودية.


التوغل البري في جنوب لبنان يصطدم بحسابات التكلفة والجبهات المفتوحة

الجيش الإسرائيلي يحشد قواته عند الحدود مع لبنان (إ.ب.أ)
الجيش الإسرائيلي يحشد قواته عند الحدود مع لبنان (إ.ب.أ)
TT

التوغل البري في جنوب لبنان يصطدم بحسابات التكلفة والجبهات المفتوحة

الجيش الإسرائيلي يحشد قواته عند الحدود مع لبنان (إ.ب.أ)
الجيش الإسرائيلي يحشد قواته عند الحدود مع لبنان (إ.ب.أ)

رغم الحشود العسكرية الإسرائيلية الكبيرة على الحدود مع لبنان، حيث توحي التحركات الميدانية بالتهيئة لمرحلة مختلفة، فإن القراءة العسكرية تكشف عن أن ما يجري حتى الآن محكوم بسقف المعركة، وليس قراراً بعملية برية واسعة والحسم الميداني.

«إدارة نزاع» بدلاً من الاجتياح

وفي هذا الإطار، يرى العميد المتقاعد سعيد قزح أن ما يجري ميدانياً على الجبهة الجنوبية لا يندرج حتى الآن في إطار عملية برية شاملة، بل ضمن عملية «إدارة نزاع محدودة» ترتبط أولاً بأولويات إسرائيل الإقليمية، لا سيما انشغالها بالجبهة الإيرانية.

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الجيش الإسرائيلي لا يزال يركّز على عمليات موضعية في المناطق الحدودية، لا سيما التلال المشرفة على المستوطنات، حيث يسعى إلى السيطرة على نقاط استراتيجية تمنع وصول مقاتلي (حزب الله) إليها واستخدام صواريخ موجهة مثل (الكورنيت) بمدى نحو 5 كيلومترات، و(الألماس) بمدى يصل إلى 10 كيلومترات، ضد المواقع الإسرائيلية».

ويلفت إلى أنّ إسرائيل «تعتمد حالياً تكتيك التوغّل المحدود، عبر دخول وحدات إلى نقاط محددة، والاشتباك مع عناصر (حزب الله) للكشف عن مواقعهم، قبل الانسحاب واستدعاء نيران المدفعية والطيران لتدمير هذه المواقع»، عادّاً أن هذا الأسلوب «يشبه إلى حد بعيد ما اعتمدته في مراحل سابقة من المواجهة».

ويحدّد قزح الهدف المرحلي لهذه العمليات بأنه «تهيئة منطقة عازلة داخل الأراضي اللبنانية بعمق قد يصل إلى نحو 10 كيلومترات، عبر السيطرة على ما يُعرف بـ(خط التلال الثاني)، بما يوفّر حماية مباشرة للمستوطنات الحدودية».

دبابات إسرائيلية في الجانب الإسرائيلي من الحدود مع لبنان (رويترز)

وفي تقييمه لاحتمال توسّع العمليات، يشدد قزح على أن «المؤشرات على اجتياح بري واسع لم تكتمل بعد»، موضحاً أن «أي قرار من هذا النوع يرتبط بعوامل عدة، أبرزها استدعاء أعداد كبيرة من قوات الاحتياط، وقد طُرح سابقاً رقم يصل إلى 450 ألف جندي، وهو في حال إقراره يشكّل مؤشراً واضحاً على نية تنفيذ عملية واسعة النطاق»، عاداً أنّ «القوات المنتشرة حالياً، والمقدّرة بنحو 5 فرق مدعومة بعشرات الآلاف من قوات الاحتياط، قادرة على تنفيذ توغّل محدود وفرض منطقة عازلة، لكنها لا تكفي لعملية اجتياح عميقة ومستدامة».

الجبهة الإيرانية تكبّل القرار

يربط قزح توقيت أي عملية برية واسعة بتوافر الغطاء الناري والجوي الكامل، قائلاً: «العملية البرية تحتاج إلى دعم مدفعي، ومواكبة من المروحيات الهجومية، إضافة إلى الغطاء الجوي البعيد الذي تؤمّنه المقاتلات، وهذه القدرات لا تزال منخرطة بشكل أساسي في الجبهة الإيرانية». ويتابع: «ما دام الجزء الأكبر من القوة الجوية الإسرائيلية مخصصاً للعمليات المرتبطة بإيران، فمن المستبعد فتح جبهة برية واسعة في لبنان. لكن في حال استقر الوضع على تلك الجبهة، فقد تعيد إسرائيل توزيع قدراتها وتنتقل إلى مرحلة مختلفة».

وبشأن تكلفة المواجهة، يشدد على أن «أي اجتياح بري سيواجَه بمقاومة مباشرة من مقاتلي (حزب الله) على الأرض؛ مما يعني خسائر بشرية ومادية مرتفعة، وهو عامل أساسي في حسابات القرار الإسرائيلي».

ويخلص إلى أن «الهدف النهائي لأي عملية برية؛ إذا وقعت، لن يكون مجرد توغّل مؤقت، بل فرض واقع ميداني جديد قد لا ينتهي بانسحاب سريع كما حدث سابقاً، بل قد يرتبط بترتيبات أو اتفاقيات تفرض شروطاً إسرائيلية؛ مما يعكس تغيراً في طبيعة الصراع مقارنة بالمراحل السابقة».

الاشتباك المباشر يحدّ من التفوق الجوي

من جهته، يرى العميد المتقاعد، ناجي ملاعب، أن التقدير العسكري لما يجري ميدانياً «يشير إلى عمليات محدودة لا أكثر، مرتبطة بطبيعة الانتشار ومحاولات التوغّل في نقاط بعينها».

ويقول ملاعب لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الجيش اللبناني كان قد لبّى سابقاً طلباً بالدخول إلى منازل وتفتيشها، برفقة (قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان - اليونيفيل) وضمن 3 مهام، ولم يُعثر خلالها على أي ذخائر أو أسلحة كما تدّعي إسرائيل».

الجيش الإسرائيلي يحشد قواته عند الحدود مع لبنان (إ.ب.أ)

ويضيف: «الإسرائيليون عادوا بعد ذلك إلى قصف تلك المنازل»، عادّاً أن هذا الأمر شكّل موضع استنكار. ويتابع: «الجيش اللبناني امتنع لاحقاً عن دخول المنازل، انطلاقاً من مبدأ أن حرمة المنزل يصونها الدستور اللبناني، وأنه لا يمكن دخوله ما لم يكن هناك أمر قضائي».

ويرى أن هذا الواقع قد يعني أن «بعض المنازل المقصودة ترتبط بأسلحة قريبة أو متوسطة المدى تُستخدم في حال وقوع توغّل أو التحام مباشر»، مشيراً إلى أن هذا النوع من السلاح «يبقى فاعلاً في التصدي عند الاشتباك وجهاً لوجه».

الخيام: رمزية ومعركة تكتيك

وبشأن محور الخيام، يقول ملاعب: «الدخول إليها يحمل طابعاً معنوياً بالنسبة إلى إسرائيل»، لافتاً إلى أنها تشرف على سهل مرجعيون وسهل سردة والقرى المحيطة، كما تطل على الجليل. ويضيف: «السيطرة عليها، من هذا المنظور، تحمل بعداً معنوياً أولاً، إلى جانب أهميتها الميدانية الناتجة من موقعها الجغرافي».

غير أن ما يجري ميدانياً، وفق ملاعب، لا يعكس تقدماً حاسماً؛ إذ يشير إلى أن «القتال الدائر على الأرض لا يعني بالضرورة أن عناصر (حزب الله) تسمح بالتوغّل في الخيام أو عيترون أو كفركلا، بل قد يكون ذلك جزءاً من تكتيك يقوم على استدراج القوات المتقدمة إلى أماكن محددة وتطويقها أو الاشتباك معها خارج تمركزها الدفاعي».

ويضيف: «القوات الإسرائيلية أقامت نقاطاً على عدد من المرتفعات، بما يشبه خطاً دفاعياً تنطلق منه في الهجوم»، عادّاً أن «التعامل مع هذا النوع من التمركز صعب، وأن استدراج القوات إلى مكان آخر والاشتباك معها هناك قد يكون أعلى فاعلية، وهذا هو الذي يجري على الأرض».