كتاب ونقاد مصريون: النسيان لا يشمل الجميع وهناك من يزدهر بعد الغياب

لماذا ننسى كتابنا الراحلين سريعاً؟ (1-2)

كتاب ونقاد مصريون: النسيان لا يشمل الجميع وهناك من يزدهر بعد الغياب
TT

كتاب ونقاد مصريون: النسيان لا يشمل الجميع وهناك من يزدهر بعد الغياب

كتاب ونقاد مصريون: النسيان لا يشمل الجميع وهناك من يزدهر بعد الغياب

حين اخترنا عنوان هذا الملف «لماذا ننسى كتابنا الراحلين سريعاً»، كنا نقصد به القطيعة شبه الكاملة تقريباً، خصوصاً بالنسبة للأجيال الجديدة، مع كتابنا، شعراء وروائيين وقاصين ونقاداً، قدامى ومحدثين، بمعنى أنهم لم يعودوا حاضرين بقوة في المشهد الثقافي بأعمالهم ونتاجاتهم، التي شكلت أساس ثقافتنا المعاصرة. قد نذكرهم، ونستشهد بهم في هذه المناسبة أو تلك، وفي هذا المقال أو ذلك، ولكن لا تزال معظم أعمالهم ساكنة فوق الرفوف، وقلما نعود إليها درساً وبحثاً وقراءة، على المستوى النقدي والأكاديمي والتربوي، مما خلق فجوة كبيرة بين ماضينا الثقافي وحاضرنا، وقطع الوصل بينهم وبين الأجيال اللاحقة إلى حد كبير.
هنا مداخلات حول الموضوع من كتاب ونقاد عرب، يطرحون فيها تصوراتهم وأفكارهم حول أسباب هذا الخلل في ذاكرتنا الثقافية، وما يمكن عمله لتجاوزه.

محمد جبريل: حقيقة لا نريد أن نراها
حارتنا تحرص في أحيان كثيرة على أن يصبح النسيان لا مجرد آفة نسعى إلى التخلص منها إنما نظام وأسلوب حياة. أذكر حكاية عن شاعر في أحد البلدان ضاق بإهمال مواطنيه والنقاد لإبداعه ولشخصه فأزمع الرحيل إلي بلد آخر ولما طالت إقامته في ذلك البلد ظن المسؤولون في بلاده، أنه قد مات فدعوا المواطنين إلى التبرع بمبلغ يشيدون به تمثالا له في أكبر ميادين العاصمة. عاد الشاعر إلي وطنه وصارح شعبه بأنه لم يكن يظن أنه حظي بكل هذا الحب في قلوبهم ولأن ظروفه المادية قبل الرحيل وبعده قاسية للغاية فقد اقترح أن يقف هو في موضع التمثال على أن يتقاضى مقابل تكاليف إنشاء التمثال، رفض المواطنون عرض الشاعر وأصروا على إقامة النصب التذكاري لشاعرهم الراحل العظيم.
الحكاية كما ترى لا تخلو من رمز ودلالة وهي أننا نصر على وفاة مشاعلنا حتى في حياتهم عبر عدم الاهتمام واللامبالاة والتعتيم ونصرة الشللية، وإعطاء الحق لغير صاحبه ومنح الجوائز لغير مستحقيها فتصبح حكاية الشاعر ونصبه التذكاري مثلا يثير الأسى لكنه يعبر في الوقت نفسه عن الحقيقة التي لا نريد أن نراها.

د. عمار علي حسن: أمر يبعث على الأسى
أعتقد أن نسيان من ماتوا من الكتاب لا يشمل الجميع، فهناك من بينهم الذي يزدهي حضورا بعد الغياب، أو على الأقل يحافظ على الوجود الثقافي والفكري عقب رحيله. وهؤلاء إما أنهم قد تركوا خلف ظهورهم ما يستحق الاستدعاء والاستفادة منه، أو ما ينطوي في داخله على أمر قابل للتجدد وإعادة الاكتشاف والفهم بمرور الوقت، أو أنهم حرصوا على أن يربوا على أيديهم تلاميذ أوفياء، يحملون أفكارهم لأجيال لاحقة، ويستمرون في الحديث عنهم وكأنهم يعيشون بين ظهرانينا.
كما أن هناك من لا يتمكن من نشر كل ما أنتجه أو أبدعه وهو على قيد الحياة، فيتوالى صدور كتبه بعد وفاته فيتجدد جريان اسمه على الألسنة. وهناك من تتوالى طبعات كتبه إما لأن دور نشر قد تحمست له، أو له ورثة يحرصون على نشرها، ويبذلون جهدا في هذا. ويوجد أيضا من يجدون جهات تتحمس لأفكارهم؛ لأنها تخدم مصالحها ومسارها.
فالبعض تستدعي السلطة اسمه، وتدفع الجهات الثقافية الرسمية لتعقد لأعماله المؤتمرات والندوات، لأنها تعتبره ابنها، الذي يجب أن تظل وفية له، حتى تغري من هم على قيد الحياة بأن يحذوا حذوه. ويوجد من تخدم أفكاره اتجاهات سياسية أو اقتصادية معينة، كأن يستدعي أتباع التيار الإسلامي كتابهم وكبار باحثيهم بعد رحيلهم، ويروجون لهم، وفي الاتجاه المضاد يفعل التياران اليساري والليبرالي مع كتاب كانوا يقعون في قلب مشروعهما. ويضعف وجود أسماء الكتاب بضعف التيارات التي كانوا ينتمون إليها، سواء كان هذا الضعف من زاوية تمثيلها للجمهور، أو قدراتها المادية وسمعتها.
في وجه هذا لا يبقى للكاتب المستقل من سبيل لاستمرار وجود اسمه سوى الإخلاص لمشروعه، وبذل جهد فائق في إبداعه على أفضل وجه، وأن يكون مشروعا عميقا منحازا إلى قيم حقيقية، وينطوي على فن أصيل، ويعبر عن أشواق الناس إلى الحرية والعدل والكفاية والكرامة.
يكفي أن ننقر على أجهزة حاسوبنا لنبحث عن أسماء مثل طه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ومحمد عبده وأمل دنقل ويوسف إدريس ومحمود درويش وبدر شاكر السياب ويحيى حقي، لنرى أخبارا عنهم وكتابات أكثر من تلك التي تتحدث عن كتاب على قيد الحياة.
في المقابل، هناك من يعتمد في وجوده الثقافي على حضور جسده، وينشغل بهذا أكثر من انشغاله بأعمال تتحدث عنه، سواء وهو بين الناس أو بعد أن يفارقهم إلى قبره. وهناك من لا يترك ما يراه اللاحقون مستحقا للاستدعاء والتفاعل من جديد، أو ليس له تلاميذ يتحدثون ويكتبون عنه إلى من لم يره أو يقابله، وربما لم يسمع عنه من قبل.
ولا يمكن في هذا المقام أن ننسى السرعة التي أصبحت حياتنا تتسم بها، والضجيج الذي يثيره الأدعياء في كل مجال حتى غطى على صوت الجدارة، وأيضا الموقف السلبي لبعض الورثة والأهل من إهمال كاتب هو أبوهم أو أخوهم.
في كل الأحوال فإن نسيان الكتاب بعد سنوات قليلة من رحيلهم، أمر يبعث على الأسى، لاسيما أن كثيرا من أصحاب الأقلام يفكرون دوما في خلود أسمائهم.

د. زينب العسال: نسيان أم قتل للآباء؟
«آفة حارتنا النسيان» هذه العبارة التي قالها نجيب محفوظ صارت مثلا يجرى على ألسنة المثقفين، بل سمعت بعض العامة يرددونها، لا أريد أن أذكر أمثلة أخرى أطلقها آخرون تفيد بأن العرب لا يستوعبون الدرس التاريخي بل هم ينسون ما مر عليهم من تجارب، لا يفيدون منها، ولا يفيدون من الأخطاء التي يقعون فيها. بالطبع أعلم من أطلق هذه العبارة الأخيرة، لكن أيعنى ذلك أننا نحيا بلا ذاكرة أم أن ذاكرتنا أصابها عطب. نحن نحيا اليوم بيومه، من لا يعرف المثل القائل «احييني النهارده وموتني بكرة»، أي أننا نعيش أيامنا وحياتنا لحظة بلحظة ويوما بيوم.
وجهة نظري للإجابة عن هذا السؤال المهم الذي يمثل بالنسبة لي سؤالًا محيرًا، لماذا تخبو تلك الأضواء الباهرة، التي سطعت في وجود المبدع... هل لأننا ننشغل بأنفسنا، نريد أن نتحقق بعد رحيل هؤلاء، هل يجب أن نتناسى هؤلاء فقد تمتعوا بكل ما يلازم الشهرة من أضواء ودراسات وأخبار وحوارات ومناصب سياسية أو ثقافية تتمسح في أذيال السلطة وما يتبع ذلك من نفوذ.
فإذا غيب الموت هؤلاء الكبار الذين اعتمدوا على ما سبق ترى ماذا يبقى لهم؟!... لذا لا يبقى إلا من اعتمد على فنه وإبداعه وحتى لا أطيل في ذكر الأمثلة أذكر بنجيب محفوظ ويحيى حقي وطه حسين ويوسف إدريس.
هل لأننا أصبحنا لا نؤمن بل نمارس «نظرية قتل الآباء»، هنا فعلينا التعتيم على ذلك أو ذكر ذلك، نلمح هذا إذا كان للراحل أبناء يقدرون إبداعه ويستمرون في ذكره وتذكير قرائه بأن إبداعه موجود ويحظى بالمتابعة وبالنشر والدراسة أي الاهتمام بالآباء البيولوجيين، وبخاصة إن أنعم الله على كتابنا الراحلين بابن أو ابنة ورثت الكاتبة والموهبة، هل الموهبة تورث؟ سؤال يحتاج هو الآخر إلى إجابة؟

وليد علاء الدين: هل ننسى كتابنا الراحلين بسرعة؟
تعديل طفيف رأيته ضروريا في صيغة السؤال بدلا من «لماذا ننسى كتابنا بعد الرحيل بسرعة؟» حتى لا تكون الإجابة على صيغة «لماذا» اعترافًا بصحة فرضية لا يمكن اختبار صحتها من عدمه.
من نحن؟ ومن الكتاب الراحلون؟ إذا كانت نحن عائدة على القراء بالمعنى الحقيقي للكلمة، أي هؤلاء الذين قرأوا بالفعل لكتّاب بأعينهم، ففي ظني أن العلاقة لن تسمح بالنسيان؛ إذ صار الكاتب - متمثلًا في كتابته - جزءًا من ذاكرة وثقافة القارئ، فلا تذكّر ولا نسيان بالمعنى التقليدي، وإنما امتداد للحياة عبر الأفكار والرؤى. أما إذا كان المعني بنحن - في العلاقة مع الكتّاب - أي الجمهور بالمعنى الإعلامي؛ فلا توجد علاقة من الأساس، سوى ما يخلقه الإصرار الإعلامي على استعادة صورية واحتفالية لأسماء كتّاب راحلين بالجسد أو حتى حاضرين به. وهو في ظني استحضار لا قيمة له هنا؛ إذا افترضنا أن النسيان في السؤال مقصود به التأثر والتمثل والإفادة وليس مجرد الاحتفال بذكرى الميلاد أو الرحيل.
إذا عدنا لصيغة السؤال بلا التفاف، ففي ظني أننا ننسى كتابنا الراحلين لأننا لم نُحسن قراءتهم وهم أحياء... ونحن هنا، المقصود بها مفهوم ومعنى القراءة داخل المنظومة الثقافية، نحن أي ثقافتنا - لم تضع القراءة في موضعها الصحيح، بل فرغتها تماما من معناها، القراءة حالة حوار فكري، لكنها في ثقافتنا حالة تلق سلبي بهدف تمضية الوقت وليس استثماره، القراءة في ثقافتنا «ضريرة» لا تطمئن سوى لما تعرفه وتألفه، تخشى الجديد وتكره المختلف وترفض الجدل.
القارئ في ثقافتنا يبحث في الكتاب عما يعزز قناعاته المسبقة، لا ما يطورها لذلك ينسى إن لم يكره كل من يشكك في هذه القناعات أو يناقشها، يكره من يمنحه حجرًا يحرك ماءه الراكد ويقدس كل من يمنحه حجرًا يستخدمه لرجم من يخالف قناعاته المكتسبة بالتلقين.
إذا أردنا أن نتذكر كتّابنا الراحلين فعلينا أن نعيد للقراءة قيمتها بوصفها حالة تفكير في كل ما يُطرح علينا من أفكار ليصبح العقل قارئًا، وإذا صار العقل قارئًا تحول الكون كله إلى كتاب.



الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.


رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد
TT

رحلة شعرية إلى بغداد

رحلة شعرية إلى بغداد

صدر أخيراً عن دار «أكورا» المغربية كتاب «سنة أخرى من الاشتياق» للشاعر والناقد الفني فاروق يوسف.

وهو عبارة عن رحلة شعرية إلى بغداد، المدينة التي لم يرها الشاعر منذ نحو ثلاثين سنة.

يبدأ الكتاب بمفتتح:

«سنة واحدة وأعود» قلت لأمي. بعد عشرين سنة قالت لي من خلال الهاتف «ألم تنتهِ تلك السنة؟» صمتُ. كنت خجلاً لأني أخلفت وعدي. سمعتها تقول «لا بأس سأضيف عليها سنة أخرى، ربما تساعدني الملائكة على تحملها»، لا تدري أمي أنها وضعت في رقبتي جرساً فيما ذهبت بالبقرة إلى مكان خفي».

ومن الكتاب: «يوم كانت بغداد هي المدينة كنت أنعم برؤية مدن العالم. أما حين اختفت بغداد وانفصلت عن جنتها، فلم أعد أثق بالمدن. صرت أمرّ بالمدن كما لو أنها هي التي تمرّ بي. القطار السريع الذي يقلني يحملها هي الأخرى. سنضحك ونبكي حين نلتقي في محطات مهجورة، ولكن أصابعي لا تزال ممسكة بأزقة ضيقة على الخريطة، التي فرشتها على الطاولة. لن أسمح لمطابخ العالم بأن تزيح المطبخ العباسي من البيت. ذلك ما قررته وأنا أعرف أن لا بيت لي. فأنا في الطريق. تلك طريق تقيم على جانبيها مدن تيرنر، وإليوت، وفرجينيا وولف، وجيمس جويس، وكلود مونيه، وشارل بودلير وبروست، وروفائيل، وباخ، وغوته، وفيلاسكز وفليني، ولكن رائحة الباقلاء بالدهن تشد أعصابي. ما أزال طفلاً. المراهق يلعب بأصابعي والشاب هو الذي يعنى بخزانة ثيابي. المشرد الذي صرته لا يزال يقوى على أن يقف في منتصف الطريقة ويعود أدراجه. هناك مسافة للركض في الغابة لن يتمكن الكلب فيها من اللحاق بي ونحن نلعب. لا رغبة لديّ في العودة إلى حطام البيت لأتناول فطوري مثل طفل صحا من النوم، ليكتشف أن الطائرات أبقته حياً من أجل أن يغطي بكاؤه على ضجيجها. لقد سلمت حياتي للفوضى. وحياتي لا ثمن لها».