كتاب ونقاد مصريون: النسيان لا يشمل الجميع وهناك من يزدهر بعد الغياب

لماذا ننسى كتابنا الراحلين سريعاً؟ (1-2)

كتاب ونقاد مصريون: النسيان لا يشمل الجميع وهناك من يزدهر بعد الغياب
TT

كتاب ونقاد مصريون: النسيان لا يشمل الجميع وهناك من يزدهر بعد الغياب

كتاب ونقاد مصريون: النسيان لا يشمل الجميع وهناك من يزدهر بعد الغياب

حين اخترنا عنوان هذا الملف «لماذا ننسى كتابنا الراحلين سريعاً»، كنا نقصد به القطيعة شبه الكاملة تقريباً، خصوصاً بالنسبة للأجيال الجديدة، مع كتابنا، شعراء وروائيين وقاصين ونقاداً، قدامى ومحدثين، بمعنى أنهم لم يعودوا حاضرين بقوة في المشهد الثقافي بأعمالهم ونتاجاتهم، التي شكلت أساس ثقافتنا المعاصرة. قد نذكرهم، ونستشهد بهم في هذه المناسبة أو تلك، وفي هذا المقال أو ذلك، ولكن لا تزال معظم أعمالهم ساكنة فوق الرفوف، وقلما نعود إليها درساً وبحثاً وقراءة، على المستوى النقدي والأكاديمي والتربوي، مما خلق فجوة كبيرة بين ماضينا الثقافي وحاضرنا، وقطع الوصل بينهم وبين الأجيال اللاحقة إلى حد كبير.
هنا مداخلات حول الموضوع من كتاب ونقاد عرب، يطرحون فيها تصوراتهم وأفكارهم حول أسباب هذا الخلل في ذاكرتنا الثقافية، وما يمكن عمله لتجاوزه.

محمد جبريل: حقيقة لا نريد أن نراها
حارتنا تحرص في أحيان كثيرة على أن يصبح النسيان لا مجرد آفة نسعى إلى التخلص منها إنما نظام وأسلوب حياة. أذكر حكاية عن شاعر في أحد البلدان ضاق بإهمال مواطنيه والنقاد لإبداعه ولشخصه فأزمع الرحيل إلي بلد آخر ولما طالت إقامته في ذلك البلد ظن المسؤولون في بلاده، أنه قد مات فدعوا المواطنين إلى التبرع بمبلغ يشيدون به تمثالا له في أكبر ميادين العاصمة. عاد الشاعر إلي وطنه وصارح شعبه بأنه لم يكن يظن أنه حظي بكل هذا الحب في قلوبهم ولأن ظروفه المادية قبل الرحيل وبعده قاسية للغاية فقد اقترح أن يقف هو في موضع التمثال على أن يتقاضى مقابل تكاليف إنشاء التمثال، رفض المواطنون عرض الشاعر وأصروا على إقامة النصب التذكاري لشاعرهم الراحل العظيم.
الحكاية كما ترى لا تخلو من رمز ودلالة وهي أننا نصر على وفاة مشاعلنا حتى في حياتهم عبر عدم الاهتمام واللامبالاة والتعتيم ونصرة الشللية، وإعطاء الحق لغير صاحبه ومنح الجوائز لغير مستحقيها فتصبح حكاية الشاعر ونصبه التذكاري مثلا يثير الأسى لكنه يعبر في الوقت نفسه عن الحقيقة التي لا نريد أن نراها.

د. عمار علي حسن: أمر يبعث على الأسى
أعتقد أن نسيان من ماتوا من الكتاب لا يشمل الجميع، فهناك من بينهم الذي يزدهي حضورا بعد الغياب، أو على الأقل يحافظ على الوجود الثقافي والفكري عقب رحيله. وهؤلاء إما أنهم قد تركوا خلف ظهورهم ما يستحق الاستدعاء والاستفادة منه، أو ما ينطوي في داخله على أمر قابل للتجدد وإعادة الاكتشاف والفهم بمرور الوقت، أو أنهم حرصوا على أن يربوا على أيديهم تلاميذ أوفياء، يحملون أفكارهم لأجيال لاحقة، ويستمرون في الحديث عنهم وكأنهم يعيشون بين ظهرانينا.
كما أن هناك من لا يتمكن من نشر كل ما أنتجه أو أبدعه وهو على قيد الحياة، فيتوالى صدور كتبه بعد وفاته فيتجدد جريان اسمه على الألسنة. وهناك من تتوالى طبعات كتبه إما لأن دور نشر قد تحمست له، أو له ورثة يحرصون على نشرها، ويبذلون جهدا في هذا. ويوجد أيضا من يجدون جهات تتحمس لأفكارهم؛ لأنها تخدم مصالحها ومسارها.
فالبعض تستدعي السلطة اسمه، وتدفع الجهات الثقافية الرسمية لتعقد لأعماله المؤتمرات والندوات، لأنها تعتبره ابنها، الذي يجب أن تظل وفية له، حتى تغري من هم على قيد الحياة بأن يحذوا حذوه. ويوجد من تخدم أفكاره اتجاهات سياسية أو اقتصادية معينة، كأن يستدعي أتباع التيار الإسلامي كتابهم وكبار باحثيهم بعد رحيلهم، ويروجون لهم، وفي الاتجاه المضاد يفعل التياران اليساري والليبرالي مع كتاب كانوا يقعون في قلب مشروعهما. ويضعف وجود أسماء الكتاب بضعف التيارات التي كانوا ينتمون إليها، سواء كان هذا الضعف من زاوية تمثيلها للجمهور، أو قدراتها المادية وسمعتها.
في وجه هذا لا يبقى للكاتب المستقل من سبيل لاستمرار وجود اسمه سوى الإخلاص لمشروعه، وبذل جهد فائق في إبداعه على أفضل وجه، وأن يكون مشروعا عميقا منحازا إلى قيم حقيقية، وينطوي على فن أصيل، ويعبر عن أشواق الناس إلى الحرية والعدل والكفاية والكرامة.
يكفي أن ننقر على أجهزة حاسوبنا لنبحث عن أسماء مثل طه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ومحمد عبده وأمل دنقل ويوسف إدريس ومحمود درويش وبدر شاكر السياب ويحيى حقي، لنرى أخبارا عنهم وكتابات أكثر من تلك التي تتحدث عن كتاب على قيد الحياة.
في المقابل، هناك من يعتمد في وجوده الثقافي على حضور جسده، وينشغل بهذا أكثر من انشغاله بأعمال تتحدث عنه، سواء وهو بين الناس أو بعد أن يفارقهم إلى قبره. وهناك من لا يترك ما يراه اللاحقون مستحقا للاستدعاء والتفاعل من جديد، أو ليس له تلاميذ يتحدثون ويكتبون عنه إلى من لم يره أو يقابله، وربما لم يسمع عنه من قبل.
ولا يمكن في هذا المقام أن ننسى السرعة التي أصبحت حياتنا تتسم بها، والضجيج الذي يثيره الأدعياء في كل مجال حتى غطى على صوت الجدارة، وأيضا الموقف السلبي لبعض الورثة والأهل من إهمال كاتب هو أبوهم أو أخوهم.
في كل الأحوال فإن نسيان الكتاب بعد سنوات قليلة من رحيلهم، أمر يبعث على الأسى، لاسيما أن كثيرا من أصحاب الأقلام يفكرون دوما في خلود أسمائهم.

د. زينب العسال: نسيان أم قتل للآباء؟
«آفة حارتنا النسيان» هذه العبارة التي قالها نجيب محفوظ صارت مثلا يجرى على ألسنة المثقفين، بل سمعت بعض العامة يرددونها، لا أريد أن أذكر أمثلة أخرى أطلقها آخرون تفيد بأن العرب لا يستوعبون الدرس التاريخي بل هم ينسون ما مر عليهم من تجارب، لا يفيدون منها، ولا يفيدون من الأخطاء التي يقعون فيها. بالطبع أعلم من أطلق هذه العبارة الأخيرة، لكن أيعنى ذلك أننا نحيا بلا ذاكرة أم أن ذاكرتنا أصابها عطب. نحن نحيا اليوم بيومه، من لا يعرف المثل القائل «احييني النهارده وموتني بكرة»، أي أننا نعيش أيامنا وحياتنا لحظة بلحظة ويوما بيوم.
وجهة نظري للإجابة عن هذا السؤال المهم الذي يمثل بالنسبة لي سؤالًا محيرًا، لماذا تخبو تلك الأضواء الباهرة، التي سطعت في وجود المبدع... هل لأننا ننشغل بأنفسنا، نريد أن نتحقق بعد رحيل هؤلاء، هل يجب أن نتناسى هؤلاء فقد تمتعوا بكل ما يلازم الشهرة من أضواء ودراسات وأخبار وحوارات ومناصب سياسية أو ثقافية تتمسح في أذيال السلطة وما يتبع ذلك من نفوذ.
فإذا غيب الموت هؤلاء الكبار الذين اعتمدوا على ما سبق ترى ماذا يبقى لهم؟!... لذا لا يبقى إلا من اعتمد على فنه وإبداعه وحتى لا أطيل في ذكر الأمثلة أذكر بنجيب محفوظ ويحيى حقي وطه حسين ويوسف إدريس.
هل لأننا أصبحنا لا نؤمن بل نمارس «نظرية قتل الآباء»، هنا فعلينا التعتيم على ذلك أو ذكر ذلك، نلمح هذا إذا كان للراحل أبناء يقدرون إبداعه ويستمرون في ذكره وتذكير قرائه بأن إبداعه موجود ويحظى بالمتابعة وبالنشر والدراسة أي الاهتمام بالآباء البيولوجيين، وبخاصة إن أنعم الله على كتابنا الراحلين بابن أو ابنة ورثت الكاتبة والموهبة، هل الموهبة تورث؟ سؤال يحتاج هو الآخر إلى إجابة؟

وليد علاء الدين: هل ننسى كتابنا الراحلين بسرعة؟
تعديل طفيف رأيته ضروريا في صيغة السؤال بدلا من «لماذا ننسى كتابنا بعد الرحيل بسرعة؟» حتى لا تكون الإجابة على صيغة «لماذا» اعترافًا بصحة فرضية لا يمكن اختبار صحتها من عدمه.
من نحن؟ ومن الكتاب الراحلون؟ إذا كانت نحن عائدة على القراء بالمعنى الحقيقي للكلمة، أي هؤلاء الذين قرأوا بالفعل لكتّاب بأعينهم، ففي ظني أن العلاقة لن تسمح بالنسيان؛ إذ صار الكاتب - متمثلًا في كتابته - جزءًا من ذاكرة وثقافة القارئ، فلا تذكّر ولا نسيان بالمعنى التقليدي، وإنما امتداد للحياة عبر الأفكار والرؤى. أما إذا كان المعني بنحن - في العلاقة مع الكتّاب - أي الجمهور بالمعنى الإعلامي؛ فلا توجد علاقة من الأساس، سوى ما يخلقه الإصرار الإعلامي على استعادة صورية واحتفالية لأسماء كتّاب راحلين بالجسد أو حتى حاضرين به. وهو في ظني استحضار لا قيمة له هنا؛ إذا افترضنا أن النسيان في السؤال مقصود به التأثر والتمثل والإفادة وليس مجرد الاحتفال بذكرى الميلاد أو الرحيل.
إذا عدنا لصيغة السؤال بلا التفاف، ففي ظني أننا ننسى كتابنا الراحلين لأننا لم نُحسن قراءتهم وهم أحياء... ونحن هنا، المقصود بها مفهوم ومعنى القراءة داخل المنظومة الثقافية، نحن أي ثقافتنا - لم تضع القراءة في موضعها الصحيح، بل فرغتها تماما من معناها، القراءة حالة حوار فكري، لكنها في ثقافتنا حالة تلق سلبي بهدف تمضية الوقت وليس استثماره، القراءة في ثقافتنا «ضريرة» لا تطمئن سوى لما تعرفه وتألفه، تخشى الجديد وتكره المختلف وترفض الجدل.
القارئ في ثقافتنا يبحث في الكتاب عما يعزز قناعاته المسبقة، لا ما يطورها لذلك ينسى إن لم يكره كل من يشكك في هذه القناعات أو يناقشها، يكره من يمنحه حجرًا يحرك ماءه الراكد ويقدس كل من يمنحه حجرًا يستخدمه لرجم من يخالف قناعاته المكتسبة بالتلقين.
إذا أردنا أن نتذكر كتّابنا الراحلين فعلينا أن نعيد للقراءة قيمتها بوصفها حالة تفكير في كل ما يُطرح علينا من أفكار ليصبح العقل قارئًا، وإذا صار العقل قارئًا تحول الكون كله إلى كتاب.



حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول
TT

حجاج أدول: أنا حكاء بالفطرة وأكتب ما يجذب القارئ

حجاج أدول
حجاج أدول

تمتد تجربة الكاتب المصري حجاج أدول في عمق التاريخ والجغرافيا معاً، فهو مسكون بميراث الحكايات الخرافية وأجواء الفانتازيا العابرة للثقافات والحدود عربياً وعالمياً، كما أن جذوره نوبية عبر أقصى جنوب البلاد حيث الخصوصية الثقافية المدهشة، في حين أن نشأته كانت بمدينة الإسكندرية، أقصى الشمال، على ساحل البحر المتوسط.

كتب القصة القصيرة والرواية والمسرحية والمقال عبر لغة سردية مختلفة وشخصيات تلعب في المنطقة الوسطى بين الواقع والخيال، وهو ما انعكس على العديد من مؤلفاته، من أبرزها «ثلاث برتقالات مملوكية»، و«جبل الصعاليك»، و«سيرة المملوك عنطزة»، و«هضبة المساخيط»، و«بولاق الفرنساوي». كما يحظى فن السينما باهتمام خاص لديه.

هنا حوار معه:

> تعود في أحدث رواياتك «الطاووس الباكي والقرد اللاطم» إلى ولعك القديم بأجواء الفانتازيا وعالم القصص الخرافية الشهيرة في التراث العربي والعالمي... ما سر هذا الولع؟

- الإبداع الأدبي ملكة متعددة الأنواع، ما بين شعر ومسرح وقصة ورواية، وكل منها له تفريعات، وبعض التفريعات لها تفريعات، وكل جيل يبتكر الجديد ويضيفه على ما قد سبق. والأديب المبدع يولد بفطرته الخاصة، وأنا مدفوع في أغلب رواياتي على حب الفانتازيا، أي الحكي العجائبي.

والحكي عموماً، بالنسبة إليّ على الأقل، فطرة وجدت نفسي فيها، فقمت بتحقيقها مستمتعاً بها تماماً، ومن ثم، فأنا موقن بأن القارئ سيستمتع أيضاً، لأنه وجد روائياً فطرته الحكي.

والحقيقة أنني أحب الحكي، وأجد أنه ألذ بند في فن الرواية، ولا أتفق مع من يقدمون بنوداً فنية روائية أخرى عليه. أحب أن أسرح مع نفسي وأكتب ما يجذب صديقي القارئ ليسرح معي ونقفز معاً في مياه بحر ممتد الأفق، نسبح سباحة رائقة شائقة مثيرة، ونجد أسماكاً متنوعة من الفكر فنتفكر معاً في هدوء.

> ينتمي العمل إلى الرواية القصيرة «النوفيلا» الذي ينطوي على تحديات فنية قد لا توجد في النص الطويل المسهب... كيف تتحدد مساحة العمل لديك؟

- لا أختار النوع سواء أكان رواية أم قصة أم مسرحاً، فالعكس هو الصحيح والتجربة تختار قالبها، أي أن النوع هو من يأتي ليقول لي اكتبني كما أتيت لك. والرواية عندي تأتيني من عقلي الوجداني بصيغتها الخاصة وتقول لي، على سبيل المثال، أنا نوفيلا، فلا أستطيع أنا بعقلي الواعي أن أشوهها لأجعلها ملحمة.

> من بين أعمالك العديدة، يبدو أن رواية «بولاق الفرنساوي» تحظى بمكانة خاصة لديك... هل السبب يعود إلى أنك تستعيد عبرها مساحة ما من سيرتك الذاتية كمقاتل خاض حرب أكتوبر 1973؟ وما الذي تبقى من تلك التجربة إنسانياً وأدبياً؟

- لحظة القتال المحتدم ليست كغيرها من اللحظات، هي لحظة قاتل أم مقتول، سليم أم مصاب. غريزة الحياة تدفع المقاتل للحرص على حياته فيجبن أحياناً، لكن واجبه الوطني أو الديني أو غيرهما يدفعانه لتخطي الجبن ليكون شجاعاً؟ لحظات رهيبة. لذا سبع سنوات من القتال الشرس التي عشتها ما بين نهاية الستينيات وبدايات السبعينيات كان لها تأثيرها النفسي الرهيب، سنوات مجيدة وموجعة معاً.

كنت أنتوي كتابة ملحمة عن سنوات القتال، لكن ظروف قاسية حالت دون ذلك، فكتبت قصصاً ثم رواية «بولاق الفرنساوي»، وحالياً أكتب «ذكريات في دفتر العبور».

> كيف ترى مصطلح «أدب الحرب» عموماً وهل ينبغي أن يكون الكاتب المصنف ضمن تلك الدائرة خاض أهوال القتال بالفعل؟

- أي مصطلح أدبي يجب أن يجمع عدداً من التجارب والأعمال الأدبية ذات الخصوصية المشتركة. فنقول أدب البحر لنحتوي روايات وقصص البحر مثل رواية «موبي ديك» لهيرمان ميلفيل أو نقول أدب الصحراء ونأتي بنصوص إبراهيم الكوني.

وأدب الحرب يجتمع تحت جناحه كل سرد أساسه الحرب، والأمثلة عديدة منها «كل شيء هادئ في الميدان الغربي» لإريش ماريا ريماك. أما أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فليس بالضرورة، فتولستوي كتب «الحرب والسلام» لكنه لم يشارك في حرب روسيا ضد الغزو النابليوني، لكنه قرأ عنها وسمع، وتعمق في مشاعره تجاهها حتى صار وكأنه حارب فيها، لكن أن يكون الكاتب قد حارب فعلاً، فهذا أفضل.

> ما بين جذورك النوبية في أقصى جنوب البلاد ونشأتك بالإسكندرية بأقصى الشمال، كيف تكونت ملامح الخصوصية السردية في تجربة حجاج أدول؟

- جمعت بين أقصى الجنوب النوبي وأقصى الشمال السكندري، فحين يقال حجاج، فأنا البحر الذي يحتوي الإسكندرية، بكل ما يحمله من معانٍ، وحين يقال أدّول فأنا النيل الذي تربطه علاقة خاصة بالنوبة. وفي كتاباتي يحضر النيل مثلما في روايتي «الكُشَر» ومجموعتي القصصية «ليالي المسك العتيقة»، كما يحضر البحر في روايتَيَّ «رحلة السندباد الأخيرة» و«رحلة العنقاء إلى بلاد التبر والألماظ».

> تمتلك علاقة شديدة الخصوصية والعمق بفن السينما الذي وضعت فيه العديد من المؤلفات... ما سر تلك العلاقة؟

- من صغري وأنا عاشق لفن السينما. الشاشة الفضية أفق ساحر ممتع ملهم، وكتبت كثيراً عن «أفلام الويستيرن»، وكيف أنها تكشف جانباً عميقاً من نفسية الشعب الأميركي. ثم واصلت التعمق فأظهرت أن شخصية «الكاوبوي» لم تنحصر في فترة الوصول الأولى للمهاجرين من أوروبا، بل شخصية الكاوبوي متوغلة فيهم حتى الآن، بدليل فيلم «ذئب وول ستريت» على سبيل المثال وبطله ليوناردو دي كابريو الذي يقوم بدور صاحب شركة لها منافسون يتسمون بالشراسة، فيحفز العاملين عنده للعمل العنفواني العاصف، فماذا فعل؟ ينفعل ويقلد الغوريلا الهائجة، فيضرب بيمناه على صدره بقوة ويصيح: هُو هُو هُو، فيقلده موظفوه في حماسة ويعوون مثل الذئاب. إنهم رغم حداثة زمنهم، يبدون كأنهم في حالة توحش. إنهم حالة الكاوبوي الحديث.

> لكن إعجابك بأفلام بعينها كثيراً ما تحول إلى مشاريع كتب كاملة؟

- نشرت كتاب «رائعة خلّي بالك من زوزو» عن الأحداث التي رافقت عرض الفيلم، إنتاج 1972 بطولة السندريلا سعاد حسني وحسين فهمي، والمعارضات الحادة التي واجهته، رغم أنه لا يزال حتى الآن، الفيلم الذي ضرب الرقم القياسي في البقاء معروضاً على شاشات السينما.

بينت في الكتاب عظمة سعاد حسني، وكيف أنها تماهت تماماً مع شخصية بطلة الفيلم «زوزو»، فكان هذا التماهي زيادة في تألقها، ثم انقلب ليكون من أسباب متاعبها النفسية، حين تسرب منها الشباب وبهتت الشهرة.


«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز
TT

«دكاكين القرفة»... عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

برونو شولتز
برونو شولتز

بعض الكتب تحجز لنفسها مكانة خاصة في الذاكرة ليس لقيمتها فحسب، إنما لقصة تتفرد بها مع قارئها؛ قصص برونو شولتز المسماة بـ«دكاكين القرفة»، المدى، بغداد: 2026، أحد هذه الكتب المختلفة القادرة على أن تكون لها قصة مختلفة. كانت المدى، الدار الناشرة للقصص، قد روَّجت، بصورة أولية، للكتاب بتجنيسه بصفة الرواية، فيما كانت الكاتبة المصرية منصورة عز الدين تصرُّ بمقالين سابقين لها وبمحاورة مباشرة معها، أن الكتاب عبارة عن قصص. ثمّ وجدت أن الدار ذاتها قد صحَّحت نشرتها بوصف الكتاب بأنه «قصص». وهذا ما أكَّده المترجم نفسه، هاتف جنابي، برسالة جوابية وصلت إليّ منه، قال إن الكتاب: قصص، وهي كل تراث برونو شولتز القصصي المؤكد، بالإضافة إلى مجموعة قصص ثانية بعنوان: «مصحَّة عند الساعة الرملية» تضمنت 13 قصة قصيرة. لكن القراءة الفعلية لقصص «دكاكين القرفة» الخمس عشرة تنحاز، ربما، للنشرة الإعلانية الأولى للدار الناشرة؛ فالقصص تتضافر في تشكيل عالم سردي بخصائص موحدة ومكرَّرة. ماذا يعني هذا؟ عوالم رواية أم قصص مجموعة بمواضيع مكررة؟

تقول لنا قراءة قصص شولتز إن هناك راوياً أساسياً واحداً يتكرر في القصص كلها، هو يوسف، فيما تدور أغلب القصص على الطبائع الغريبة للأب يعقوب وشخصيته المتفردة، وهو أبو يوسف نفسه، راوي القصص. وفي شخصية الأب نفسه ألف حجة ودليل تدعم فرضية تهافت منطق القصة القصيرة، نذكر منها بالإجمال اضطراب وصف الأب في القصص كلها؛ فلا صفات مكرَّرة عنه في القصص، وقد نقول إن كل قصة تصف لنا أباً مختلفاً عن الأب في القصة السابقة، عنها في القصة اللاحقة. وربما يكون الأمر الموحد، أو ما يجري تكراره في وصف الأب، أو حتى بناء شخصية الأب، هو تعاطف الراوي مع أبيه. وهناك الأم ذات الملامح الباهتة والشخصية النمطية التي لا يُظهر الراوي تعاطفاً معها. وثمة عم «شقيق الراوي»، وهو شخصية تشابه الأم في التزامها سلوكيات مكرَّرة. وفي القصص ثمة حضور جيد لشخصيات مكمِّلة، تدعِّم غلبة فرضية الرواية على منطق القصة القصيرة، هي: أغاتا، خالة الراوي، وزوجة العم مارك. ومارك نفسه، عم الراوي، وهو أبو لوتسيا وأميل. ولا ننسى كارول، العم الثاني للراوي. وهناك برازيا، خالة الراوي. فضلاً عن الموظف العامل في متجر الأب يعقوب: تئودور أو تيودور. ويقابل هذه الشخصيات «الواقعية» شخصيات تصفها هوامش المترجم، أو حتى الراوي/ الكاتب نفسه بأنها «خيالية»، مثل: أديلا، الشخصية الخيالية، بطلة قصة «دكاكين القرفة» التي اتَّخذت القصص من اسمها عنواناً لها. ويرد عنها في الملحق الخاتمي الإيضاح الآتي: «أديلا خادمة شابة ذات ساقين جميلتين ونحيلتين. في أعمال شولتز، ترمز إلى أنوثة شريرة ومظلمة».

هذه الشخصيات القصصية المكرَّرة، غالباً، تعيد تأسيس السرد بعيداً عن منطق السرد القصير، أو كما يُسمى بالقصة القصيرة، فهي شخصيات إشكالية متطلِّبة لأوصاف كثيرة وحكي متراكم ورؤى فكرية وسردية لتعبِّر عن عالمها وذاتها المأزومة. لذا؛ نراها تعمد إلى مراكمة التوصيفات وسرد الوقائع القصصية من زوايا مختلفة. وليست المشكلة القصصية كامنة في الشخصيات ومنطقها الحكائي المكرَّر فحسب؛ نحن نرى أن السرد وبنياته المتعددة يتلاعب بالقصة القصيرة ويتحرَّر منها، ويسعى إلى تشكيل عالمها بطرائق مختلفة تنسجم مع منطق الرواية القصيرة ذات الفصول المتعدِّدة. لكن تمرُّد السرد على منطق القصة القصيرة غير كافٍ، وحده، للتحول الأجناسي من القصة القصيرة إلى النوفيلا، مثلاً.

وقد نرجح فرضية المتتالية السردية، أو القصصية كما يستقر لدى نقاد عالميين وعرب. والقصص، مجتمعة، بتسلسلها الحالي تنتظم بمنطق التوالي؛ إذ يصعب أن تكتفي القصة الأولى، «أغسطس/ آب»، بعالمها المتفرِّد، وتكتفي به، ويظل العالم القصصي، والحدث، والزمان، والأوصاف، مفتوحة على مصراعيها كي تترحَّل أجزاء أساسية منها للقصة «المتتالية» اللاحقة، وهكذا.


«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن
TT

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

«بين عالمين»... رحلة من سوريا إلى بريطانيا بحثاً عن وطن

صدر في لندن بالإنجليزية كتاب «بين عالمين: رحلة سورية» للكاتبة دُنى حاج أحمد، عن دار النشر البريطانية «Palewell Press».

وهو عمل يمزج بين السيرة الذاتية والشهادة الإنسانية على واحدة من أكثر المراحل قسوة وتعقيداً في التاريخ السوري المعاصر.

تنطلق دُنى حاج أحمد، في كتابها، من حياتها في سوريا قبل أن تتغير ملامح ذلك العالم، مع اندلاع الحرب السورية. ومن خلال تجربتها الشخصية، تروي ما تعنيه الحرب حين لا تعود خبراً سياسياً أو رقماً في نشرات الأخبار، بل تصبح جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية: الخوف، والفقد، والانفصال عن الأماكن والأشخاص، والاضطرار إلى اتخاذ قرارات يمكن أن تغيّر مسار حياة كاملة.

لكن «بين عالمين» ليس كتاباً عن الحرب وحدها. فهو يتابع رحلة اللجوء وما يأتي بعدها: الوصول إلى بلد جديد، ومحاولة البدء من الصفر، وتعلّم العيش داخل مجتمع مختلف، والبحث عن الأمان والاستقرار، ومواجهة الأسئلة المعقدة المتعلقة بالهوية والانتماء والذاكرة.

تتابع المؤلفة التحولات التي مرّت بها حياتها، وكيف يمكن للإنسان أن يحمل وطنه معه حتى بعد أن يصبح بعيداً عنه جغرافياً. ومن هنا يأتي عنوان الكتاب «بين عالمين»، إذ يعكس حالة العيش بينهما: عالم بقي في الذاكرة، وشكّل الهوية، وعالم جديد أصبح واقعاً يومياً ومكاناً لبناء مستقبل جديد.

ويحاول الكتاب كذلك أن يذهب أبعد من الصورة النمطية للاجئ بوصفه رقماً أو حالة إنسانية عابرة. فمن خلال التفاصيل الشخصية والعائلية والمهنية، يظهر اللاجئ إنساناً يحمل تاريخاً وذاكرة وأحلاماً وعلاقات وطموحات، ويواجه بعد وصوله إلى الأمان معركة أخرى لإعادة بناء حياته واستعادة الشعور بالاستقرار والانتماء.

في بلد اللجوء والأمان تبدأ أسئلة، مثل؛ ماذا يبقى من الوطن عندما يصبح بعيداً؟ وكيف يستطيع الإنسان أن يبني حياة جديدة من دون أن يشعر أنه يتخلى عن حياته الأولى؟ وكيف تتغير علاقتنا بالمكان والذاكرة والهوية عندما نجد أنفسنا، حرفياً ومجازياً، بين عالمين؟

ومن خلال قصتها الشخصية، تفتح دنى حاج أحمد نافذة على تجربة عاشها كثير من السوريين الذين حملوا معهم إلى المنافي أكثر مما يمكن أن تحمله حقيبة سفر؛ ذكريات البيوت والشوارع، تفاصيل العائلة والأصدقاء، اللغة والعادات، صورة حياة كانت تبدو يوماً عادية وبديهية، قبل أن تصبح جزءاً من الماضي. ولهذا، لا يحاول الكتاب أن يروي قصة الحرب بقدر ما يروي قصة الإنسان الذي عاشها، وما الذي يحدث له بعد أن تتغير حياته ومكانه وعلاقته بفكرة الوطن إلى الأبد.

وفي الوقت نفسه، لا يبقى الكتاب أسيراً للحزن أو الفقد. فإلى جانب ما ضاع، هناك أيضاً ما يُبنى من جديد؛ حياة جديدة، وعلاقات جديدة، ومساحة جديدة للانتماء والأمل. وبين العالم الذي تركته دُنى خلفها، والعالم الذي أصبحت جزءاً منه، تظهر رحلة أكثر تعقيداً من مجرد الانتقال من سوريا إلى بريطانيا؛ إنها رحلة البحث عن طريقة للتصالح بين ماضٍ لا يمكن التخلي عنه ومستقبل لا يمكن التوقف عن بنائه.

وربما هنا تكمن إحدى أكثر الأفكار حضوراً في الكتاب؛ أن الإنسان قد يغادر وطنه لكن الوطن لا يغادره بالسهولة نفسها، وأن البدء من جديد لا يعني محو ما سبق بل تعلّم كيف نحمل ما فقدناه معنا، من دون أن يمنعنا ذلك من الاستمرار في الحياة.