كتاب ونقاد مصريون: النسيان لا يشمل الجميع وهناك من يزدهر بعد الغياب

لماذا ننسى كتابنا الراحلين سريعاً؟ (1-2)

كتاب ونقاد مصريون: النسيان لا يشمل الجميع وهناك من يزدهر بعد الغياب
TT

كتاب ونقاد مصريون: النسيان لا يشمل الجميع وهناك من يزدهر بعد الغياب

كتاب ونقاد مصريون: النسيان لا يشمل الجميع وهناك من يزدهر بعد الغياب

حين اخترنا عنوان هذا الملف «لماذا ننسى كتابنا الراحلين سريعاً»، كنا نقصد به القطيعة شبه الكاملة تقريباً، خصوصاً بالنسبة للأجيال الجديدة، مع كتابنا، شعراء وروائيين وقاصين ونقاداً، قدامى ومحدثين، بمعنى أنهم لم يعودوا حاضرين بقوة في المشهد الثقافي بأعمالهم ونتاجاتهم، التي شكلت أساس ثقافتنا المعاصرة. قد نذكرهم، ونستشهد بهم في هذه المناسبة أو تلك، وفي هذا المقال أو ذلك، ولكن لا تزال معظم أعمالهم ساكنة فوق الرفوف، وقلما نعود إليها درساً وبحثاً وقراءة، على المستوى النقدي والأكاديمي والتربوي، مما خلق فجوة كبيرة بين ماضينا الثقافي وحاضرنا، وقطع الوصل بينهم وبين الأجيال اللاحقة إلى حد كبير.
هنا مداخلات حول الموضوع من كتاب ونقاد عرب، يطرحون فيها تصوراتهم وأفكارهم حول أسباب هذا الخلل في ذاكرتنا الثقافية، وما يمكن عمله لتجاوزه.

محمد جبريل: حقيقة لا نريد أن نراها
حارتنا تحرص في أحيان كثيرة على أن يصبح النسيان لا مجرد آفة نسعى إلى التخلص منها إنما نظام وأسلوب حياة. أذكر حكاية عن شاعر في أحد البلدان ضاق بإهمال مواطنيه والنقاد لإبداعه ولشخصه فأزمع الرحيل إلي بلد آخر ولما طالت إقامته في ذلك البلد ظن المسؤولون في بلاده، أنه قد مات فدعوا المواطنين إلى التبرع بمبلغ يشيدون به تمثالا له في أكبر ميادين العاصمة. عاد الشاعر إلي وطنه وصارح شعبه بأنه لم يكن يظن أنه حظي بكل هذا الحب في قلوبهم ولأن ظروفه المادية قبل الرحيل وبعده قاسية للغاية فقد اقترح أن يقف هو في موضع التمثال على أن يتقاضى مقابل تكاليف إنشاء التمثال، رفض المواطنون عرض الشاعر وأصروا على إقامة النصب التذكاري لشاعرهم الراحل العظيم.
الحكاية كما ترى لا تخلو من رمز ودلالة وهي أننا نصر على وفاة مشاعلنا حتى في حياتهم عبر عدم الاهتمام واللامبالاة والتعتيم ونصرة الشللية، وإعطاء الحق لغير صاحبه ومنح الجوائز لغير مستحقيها فتصبح حكاية الشاعر ونصبه التذكاري مثلا يثير الأسى لكنه يعبر في الوقت نفسه عن الحقيقة التي لا نريد أن نراها.

د. عمار علي حسن: أمر يبعث على الأسى
أعتقد أن نسيان من ماتوا من الكتاب لا يشمل الجميع، فهناك من بينهم الذي يزدهي حضورا بعد الغياب، أو على الأقل يحافظ على الوجود الثقافي والفكري عقب رحيله. وهؤلاء إما أنهم قد تركوا خلف ظهورهم ما يستحق الاستدعاء والاستفادة منه، أو ما ينطوي في داخله على أمر قابل للتجدد وإعادة الاكتشاف والفهم بمرور الوقت، أو أنهم حرصوا على أن يربوا على أيديهم تلاميذ أوفياء، يحملون أفكارهم لأجيال لاحقة، ويستمرون في الحديث عنهم وكأنهم يعيشون بين ظهرانينا.
كما أن هناك من لا يتمكن من نشر كل ما أنتجه أو أبدعه وهو على قيد الحياة، فيتوالى صدور كتبه بعد وفاته فيتجدد جريان اسمه على الألسنة. وهناك من تتوالى طبعات كتبه إما لأن دور نشر قد تحمست له، أو له ورثة يحرصون على نشرها، ويبذلون جهدا في هذا. ويوجد أيضا من يجدون جهات تتحمس لأفكارهم؛ لأنها تخدم مصالحها ومسارها.
فالبعض تستدعي السلطة اسمه، وتدفع الجهات الثقافية الرسمية لتعقد لأعماله المؤتمرات والندوات، لأنها تعتبره ابنها، الذي يجب أن تظل وفية له، حتى تغري من هم على قيد الحياة بأن يحذوا حذوه. ويوجد من تخدم أفكاره اتجاهات سياسية أو اقتصادية معينة، كأن يستدعي أتباع التيار الإسلامي كتابهم وكبار باحثيهم بعد رحيلهم، ويروجون لهم، وفي الاتجاه المضاد يفعل التياران اليساري والليبرالي مع كتاب كانوا يقعون في قلب مشروعهما. ويضعف وجود أسماء الكتاب بضعف التيارات التي كانوا ينتمون إليها، سواء كان هذا الضعف من زاوية تمثيلها للجمهور، أو قدراتها المادية وسمعتها.
في وجه هذا لا يبقى للكاتب المستقل من سبيل لاستمرار وجود اسمه سوى الإخلاص لمشروعه، وبذل جهد فائق في إبداعه على أفضل وجه، وأن يكون مشروعا عميقا منحازا إلى قيم حقيقية، وينطوي على فن أصيل، ويعبر عن أشواق الناس إلى الحرية والعدل والكفاية والكرامة.
يكفي أن ننقر على أجهزة حاسوبنا لنبحث عن أسماء مثل طه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ ومحمد عبده وأمل دنقل ويوسف إدريس ومحمود درويش وبدر شاكر السياب ويحيى حقي، لنرى أخبارا عنهم وكتابات أكثر من تلك التي تتحدث عن كتاب على قيد الحياة.
في المقابل، هناك من يعتمد في وجوده الثقافي على حضور جسده، وينشغل بهذا أكثر من انشغاله بأعمال تتحدث عنه، سواء وهو بين الناس أو بعد أن يفارقهم إلى قبره. وهناك من لا يترك ما يراه اللاحقون مستحقا للاستدعاء والتفاعل من جديد، أو ليس له تلاميذ يتحدثون ويكتبون عنه إلى من لم يره أو يقابله، وربما لم يسمع عنه من قبل.
ولا يمكن في هذا المقام أن ننسى السرعة التي أصبحت حياتنا تتسم بها، والضجيج الذي يثيره الأدعياء في كل مجال حتى غطى على صوت الجدارة، وأيضا الموقف السلبي لبعض الورثة والأهل من إهمال كاتب هو أبوهم أو أخوهم.
في كل الأحوال فإن نسيان الكتاب بعد سنوات قليلة من رحيلهم، أمر يبعث على الأسى، لاسيما أن كثيرا من أصحاب الأقلام يفكرون دوما في خلود أسمائهم.

د. زينب العسال: نسيان أم قتل للآباء؟
«آفة حارتنا النسيان» هذه العبارة التي قالها نجيب محفوظ صارت مثلا يجرى على ألسنة المثقفين، بل سمعت بعض العامة يرددونها، لا أريد أن أذكر أمثلة أخرى أطلقها آخرون تفيد بأن العرب لا يستوعبون الدرس التاريخي بل هم ينسون ما مر عليهم من تجارب، لا يفيدون منها، ولا يفيدون من الأخطاء التي يقعون فيها. بالطبع أعلم من أطلق هذه العبارة الأخيرة، لكن أيعنى ذلك أننا نحيا بلا ذاكرة أم أن ذاكرتنا أصابها عطب. نحن نحيا اليوم بيومه، من لا يعرف المثل القائل «احييني النهارده وموتني بكرة»، أي أننا نعيش أيامنا وحياتنا لحظة بلحظة ويوما بيوم.
وجهة نظري للإجابة عن هذا السؤال المهم الذي يمثل بالنسبة لي سؤالًا محيرًا، لماذا تخبو تلك الأضواء الباهرة، التي سطعت في وجود المبدع... هل لأننا ننشغل بأنفسنا، نريد أن نتحقق بعد رحيل هؤلاء، هل يجب أن نتناسى هؤلاء فقد تمتعوا بكل ما يلازم الشهرة من أضواء ودراسات وأخبار وحوارات ومناصب سياسية أو ثقافية تتمسح في أذيال السلطة وما يتبع ذلك من نفوذ.
فإذا غيب الموت هؤلاء الكبار الذين اعتمدوا على ما سبق ترى ماذا يبقى لهم؟!... لذا لا يبقى إلا من اعتمد على فنه وإبداعه وحتى لا أطيل في ذكر الأمثلة أذكر بنجيب محفوظ ويحيى حقي وطه حسين ويوسف إدريس.
هل لأننا أصبحنا لا نؤمن بل نمارس «نظرية قتل الآباء»، هنا فعلينا التعتيم على ذلك أو ذكر ذلك، نلمح هذا إذا كان للراحل أبناء يقدرون إبداعه ويستمرون في ذكره وتذكير قرائه بأن إبداعه موجود ويحظى بالمتابعة وبالنشر والدراسة أي الاهتمام بالآباء البيولوجيين، وبخاصة إن أنعم الله على كتابنا الراحلين بابن أو ابنة ورثت الكاتبة والموهبة، هل الموهبة تورث؟ سؤال يحتاج هو الآخر إلى إجابة؟

وليد علاء الدين: هل ننسى كتابنا الراحلين بسرعة؟
تعديل طفيف رأيته ضروريا في صيغة السؤال بدلا من «لماذا ننسى كتابنا بعد الرحيل بسرعة؟» حتى لا تكون الإجابة على صيغة «لماذا» اعترافًا بصحة فرضية لا يمكن اختبار صحتها من عدمه.
من نحن؟ ومن الكتاب الراحلون؟ إذا كانت نحن عائدة على القراء بالمعنى الحقيقي للكلمة، أي هؤلاء الذين قرأوا بالفعل لكتّاب بأعينهم، ففي ظني أن العلاقة لن تسمح بالنسيان؛ إذ صار الكاتب - متمثلًا في كتابته - جزءًا من ذاكرة وثقافة القارئ، فلا تذكّر ولا نسيان بالمعنى التقليدي، وإنما امتداد للحياة عبر الأفكار والرؤى. أما إذا كان المعني بنحن - في العلاقة مع الكتّاب - أي الجمهور بالمعنى الإعلامي؛ فلا توجد علاقة من الأساس، سوى ما يخلقه الإصرار الإعلامي على استعادة صورية واحتفالية لأسماء كتّاب راحلين بالجسد أو حتى حاضرين به. وهو في ظني استحضار لا قيمة له هنا؛ إذا افترضنا أن النسيان في السؤال مقصود به التأثر والتمثل والإفادة وليس مجرد الاحتفال بذكرى الميلاد أو الرحيل.
إذا عدنا لصيغة السؤال بلا التفاف، ففي ظني أننا ننسى كتابنا الراحلين لأننا لم نُحسن قراءتهم وهم أحياء... ونحن هنا، المقصود بها مفهوم ومعنى القراءة داخل المنظومة الثقافية، نحن أي ثقافتنا - لم تضع القراءة في موضعها الصحيح، بل فرغتها تماما من معناها، القراءة حالة حوار فكري، لكنها في ثقافتنا حالة تلق سلبي بهدف تمضية الوقت وليس استثماره، القراءة في ثقافتنا «ضريرة» لا تطمئن سوى لما تعرفه وتألفه، تخشى الجديد وتكره المختلف وترفض الجدل.
القارئ في ثقافتنا يبحث في الكتاب عما يعزز قناعاته المسبقة، لا ما يطورها لذلك ينسى إن لم يكره كل من يشكك في هذه القناعات أو يناقشها، يكره من يمنحه حجرًا يحرك ماءه الراكد ويقدس كل من يمنحه حجرًا يستخدمه لرجم من يخالف قناعاته المكتسبة بالتلقين.
إذا أردنا أن نتذكر كتّابنا الراحلين فعلينا أن نعيد للقراءة قيمتها بوصفها حالة تفكير في كل ما يُطرح علينا من أفكار ليصبح العقل قارئًا، وإذا صار العقل قارئًا تحول الكون كله إلى كتاب.



تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
TT

تهافت الكتابة والنشر والتوقيع على الفراغ

عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)
عراقيون يعاينون كتباً معروضة بشارع أبو نواس وسط بغداد ضمن فعالية «أنا عراقي أنا أقرأ» حيث وزع 30 ألف كتاب مجاناً (أ.ف.ب)

تكتسب الكتابة أهميتها البالغة من كونها خروجاً بالكلام من مستوى المشافهة والارتجال إلى مستوى التأليف والتركيب والمزاوجة غير العادية بين الألفاظ، إضافة إلى أنها تتصدى على نحو دائم للامتحان القاسي للزمن، خلافاً للكلام المنطوق والمتلاشي مع الهواء. والقرآن الكريم نفسه لم يكتمل إلا بالكتابة والتدوين، بعد أن كان كلاماً منقولاً على لسان الوحي. وحين اكتمل سُمّي «الكتاب»، باعتباره كمال الكتابة الجامعة ومطلقها ومعجزها الإلهي. وحين يضع الكاتب إشاراته وعلاماته على الورقة البيضاء، فهو يضع ما يختزله ويعرّف به، كأنه يقدم المحاولة الوحيدة والأهم التي تتيح له الحياة خارج الجسد وبمعزل عنه.

وقد تعددت معاني الكتابة ودلالاتها عند العرب. فاللحياني يعتبر أن الكتاب يعني الاسم، وهو تفسير يستند إلى الكتب السماوية التي تعادل أسماء العلَم لشدة شهرتها وتأثيرها. هكذا تصبح الكتابة في أعلى مراتبها، تسمية للأشياء وإعادة خلق لها من جديد. فأنت حين تسمي الشيء تسمية جديدة تبدو وكأنك تبدعه وتمنحه ولادة أخرى. وإذ يقوم الكاتب المبدع بهذه المهمة، فهو يترك في نفس قارئه حالة من الدهشة والذهول، شبيهة بتلك التي يتركها السحر في نفسه؛ الأمر الذي يؤكده الحديث الشريف: «إن من البيان لسحراً».

وحيث يذهب ابن الأعرابي إلى أن الكاتب هو العالِم؛ فهو يستند في تفسيره إلى الآية الكريمة «أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ»، بما يجعل من الكتابة معرفة بحقائق الكون وأسراره المحتجبة. وهو تفسير يبتعد بالكتابة عن التأليف الجمالي البحت ليجعلها أداةً لاكتشاف الحقيقة وسبر المجهول. فالكاتب الحقيقي هو راءٍ ومستشرف وسابر أغوار، وليس مجرد لاعب ماهر في «سيرك» الكلمات، أو مهرج على موائد اللغة. إنه الأمين على الحقيقة والمؤتمن على المعرفة والمنوط بتجديد مياه العالم، ومنع النهر المجازي الذي تسهم المخيلات العظيمة في تشكّل، من أن يتحول مستنقعاً لمياه الكلمات الآسنة.

لذلك كله؛ فإن هناك فوارق كبيرة بين الكتّاب والكتبة. ففي حين يشير الجمع الأول إلى أولئك المعنيين بتغيير العالم وتظهيره على صورة النص ومثاله، يشير الآخر إلى الذين يكتفون من الكتابة بجانبها التقني المتعلق بالصياغة وصحة التأليف وسلامة التركيب النحوي، بما يؤهلهم لتسنم الوظائف المختلفة وتحرير العقود وتدبيج المدائح والأهاجي، أو تحرير خطب الزعماء والقادة السياسيين. وقد يكون الفارق بين الطرفين هو نفسه الفارق بين الشعراء والنظامين، حيث لا يكتفي الشاعر بموهبته الخام وحدها، بل يضيف إليها فرادة اللغة وقوة الحدس وخلخلة العلاقة المألوفة بين الدال والمدلول، في حين يكتفي النظّام بالنوم الهانئ على حرير الإلمام بالأوزان والقوافي والصياغات المستهلكة.

وإذا كنا نجد في حقب التاريخ المختلفة ما نحتاج إليه من الشواهد الدالة على الفارق بين مستويي الكتابة المتباعدين، فقد يكون العصر العباسي أحد أكثر العصور ازدحاماً بالكتاب والشعراء الكبار من جهة، وبالكتبة والمتشاعرين، من جهة أخرى. وفي حين عُرف ذلك العصر الزاخر بالتناقضات، أسماء عديدة نهضت بالنثر العربي إلى مستوياته الأرفع، كما هو حال ابن المقفع والجاحظ وأبي حيان التوحيدي وبعض كبار الصوفيين، عرف بالمقابل كتائب لا تحصى من كتّاب الدواوين، وأهل الكدية والشطار والعيارين الذين كانوا يبيعون مهاراتهم اللغوية في سوق النخاسة الأدبي. ولم يكن حال الشعر بعيداً عن حال النثر، حيث شهدنا إلى جانب القامات العالية لأبي تمام وأبي نواس وابن الرومي والمتنبي والمعري، جحافل مقابلة من النظامين والقوالين الصغار، الذين وصفهم أبو الطيب بقوله:

«أَفي كُلِّ يَومٍ تَحتَ ضِبني شُوَيعِرٌ

ضَعيفٌ يُقاويني قَصيرٌ يُطاوِلُ؟»والأرجح، أن افتتان العرب بالشعر والشعراء في مختلف العصور هو واحد من الأسباب التي جعلت الكثير من شحيحي المواهب، يندفعون بحماس بالغ للحصول على لقب شاعر، ويستميتون لانتزاع الاعتراف بهم كشعراء «شرعيين». إلا أن ما كان يسود الساحات الأدبية القديمة من انتحالات المنتحلين واقتحامات الدخلاء لا تمكن مقارنته بالفوضى العارمة التي حولت ساحاتنا الثقافية الراهنة برج بابل هائلاً من الرداءة والعقم والانتحال، مضيفة إلى تهافت الشعر تهافتاً مماثلاً في الرواية والقصة والفنون المختلفة.

ومع أن التهافت المشار إليه لا يعود إلى عامل واحد، بل يجد بعض أسبابه في تراجع الحركة النقدية الجادة، والتراجع المماثل للصحافة الثقافية التي كانت قبل سنوات محل خشية الكثير من المتطفلين على الكتابة، وتحول مواقع التواصل الاجتماعي منصات مفتوحة لتفريخ الآلاف من المتشاعرين والمتشاعرات، عدا استثناءات قليلة لا تلغي القاعدة. ولم يكن ينقص المشهد المضحك المبكي سوى دخول الذكاء الاصطناعي على خط التأليف السريع، لكي نحصل على جيوش جرارة من الكتاب المعلبين، والجاهزين للاستخدام الفوري.

عبارة «الذكاء الاصطناعي» ولوحة مفاتيح ويد آلية (رويترز)

ولا يمكن في هذا المجال إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها. ذلك أن معظم هؤلاء لا يهمهم من الكتب التي ينشرونها سوى ما تدر عليهم من الأرباح، والمبالغ الفورية التي يتقاضونها من المؤلفين. أما الالتزام بما يوفر لمنشوراتهم الشروط الفنية والإبداعية المطلوبة، كالاستعانة بلجان للقراءة والمصححين ومحرري النصوص، فهي أمور لم تخطر إلا على بال القلة القليلة من الناشرين الأوفياء للثقافة وأهلها.

وإذا كان من موجبات الإنصاف التنويه بالجهود المضنية التي بذلها القيّمون على معرض بيروت الأخير للكتاب، سواء من حيث الإدارة والتنظيم وتوفير مساحات إضافية لحركة الزائرين، أو من حيث استضافة المعرض عدداً من المبدعين العرب وازدحام قاعاته بالندوات الفكرية والأدبية وأمسيات الشعر، فإن ذلك لا يمنع من الملاحظة بأن نسبة قليلة من هذه الندوات كانت تتسم بالعمق والغنى الفكري والمعرفي، في حين بدا جانبها الأوفر والأكثر هزالاً، وكأنه قد لُفق بين الناشرين والكتاب لأسباب تجارية وإعلانية محضة.

إلا أن الكارثة الحقيقية تمثلت في التفاقم غير المسبوق لحفلات التوقيع، حيث غصت أجنحة المعرض وأروقته بالمئات من الكتبة والمستكتبين والساردين والمستسردين والشعارير والمتشاعرين، الذين جلسوا متراصفين للتوقيع على مؤلفات فارغة، إلا من الضحالة وخواء الأفكار والهزال الأسلوبي والمعرفي. أما الناشرون، من جهتهم، فلم يتوانوا عن مضاعفة أسعار الكتب والمنشورات التي تم تلفيقها على عجل؛ لأنهم كانوا يدركون تماماً بأن الوافدين إلى المناسبة هم بغالبيتهم من عائلة المؤلف أو حزبه أو طائفته، أو أصدقائه ومناصريه، ممن لن يبخلوا عليه وعلى كتابه بالغالي والنفيس من العطاءات.

ولست أملك أخيراً، وأنا أعرض على نحو مرير لبعض ما يحكم حياتنا الثقافية من أعراض الضحالة المستشرية سوى تذكّر الشاعر اللبناني خليل حاوي الذي تتلمذت عليه مع زملاء كُثر في الجامعة اللبنانية، والذي كان إلى تجربته الشعرية المميزة، مفرطاً في عصبيته وتقلب مزاجه وتبرمه الدائم بالانهيارات المتسارعة التي آلت إليها أوضاع الوطن والأمة في تلك الحقبة من الزمن. وقد حدث أن التقيته صدفة في شارع الحمراء، حيث تبادلنا بعض الأحاديث المتعلقة بشؤون البلاد قبيل الاجتياح الإسرائيلي لبيروت عام 1982، وحين سألته عن سبب انقطاعه عن الكتابة لسنوات عدة سابقة، دخل للحظات في حالة من الكمد الصامت؛ ثم تغيرت ملامحه على نحو مفاجئ، وتدافعت كلماته كالسيل، وهو يتحدث متبرماً عن فوضى الكتابة والنشر، وعن غياب المعايير النقدية التي تمنع جحافل الطفيليين من الاستيلاء على الحياة الثقافية ومصادرتها.

وقد وجّه حاوي القسم الأكبر من سخطه باتجاه الشعر الذي استباح ساحته - وفق رأيه - عدد لا يحصى من النظامين والأدعياء وعديمي المواهب، ثم أنهى خطبته الغاضبة بالقول: «كيف يمكنني ألا ألوذ بالصمت وقد أصبح لقب (شاعر) أمراً باعثاً على الخجل؟». وإذ أتذكر هذا اللقاء مع خليل حاوي الذي جرت وقائعه في أوائل ثمانينات القرن الماضي، فإنني أتساءل على الدوام عما كان سيقوله صاحب «نهر الرماد»، لو امتد به العمر إلى أيامنا هذه؟!

لا يمكن إغفال الدور السلبي الذي يلعبه الكثير من الناشرين في تسويق الرداءة وتسويغها والترويج لها


مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام
TT

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

مجسمات أنثوية أموية من بوادي الشام

شيّد خلفاء بني أمية سلسلة من المنشآت المعمارية في نواحٍ متفرقة من بوادي بلاد الشام، خربت مع مرور الزمن، وتحوّلت إلى أطلال منسية بدت مجهولة الهويّة، إلى أن بدأ استكشافها في نهاية القرن التاسع عشر. تطور هذا الاستكشاف بشكل كبير خلال العقود الأولى من القرن العشرين، إثر قيام العديد من البعثات الأجنبية المختصة بحملات مسح وتنقيب موسّعة، أسفرت عن ظهور مواقع احتلت مكانة رفيعة في هذا الميدان. هكذا برزت المنشآت المعمارية المدنية في موازاة المنشآت الدينية التي اشتهر بها الأمويون، وبدت بأحجامها الضخمة قصوراً، عُرفت منذ تلك الحقبة باسم «قصور البادية». تميّز عدد من هذه القصور بحلله المنقوشة التي مزجت بين الحفر والنحت، وجمعت بين العناصر التصويرية والشبكات الزخرفية في قوالب مبتكرة. تعدّدت هذه العناصر التصويرية وتنوّعت بشكل كبير، واتخذت شكل مجسّمات شابهت في تكوينها التماثيل المنحوتة. احتلّت المجسّمات الأنثوية مقاماً رفيعاً في هذا الحقل، وشكّلت مجموعات متفرّقة، أكبرها وأهمّها تلك التي خرجت من قصر في قرية خربة المفجر، شمال أريحا.

يُعرف هذا القصر اليوم باسم «قصر هشام»، نسبة إلى هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء الدولة الأموية، وقد استخدمه من بعده كما يبدو الخليفة الوليد بن يزيد، على ما تؤكّد الدراسات الميدانية، وهو مؤلّف من طبقتَين وفناء أمامي، ويجاوره حمام يقع على بُعد أربعين متراً، إلى الشمال من القصر. في الركن الشمالي الغربي من قاعة الاستقبال الخاصة بهذا الحمّام، نقع على مقصورة صغيرة خاصة بالخليفة تُوصف بغرفة الديوان التي حوت مجموعة من الألواح الجصية المنقوشة زيّنت في الأساس جدرانها وقبّتها، كما حوت مجموعة من التماثيل، ضمّت عدداً من المجسّمات الأنثوية. كشفت عن «قصر هشام» بعثة بريطانية قامت بأعمال التنقيب فيه في ثلاثينات القرن الماضي، ونقلت مكتشفاته إلى متحف أنشأته في القدس الشرقية وأطلقت عليه اسم «متحف فلسطين للآثار»، الذي يُعرف باسم «متحف روكفلر» في ظل الحكم الإسرائيلي. تحضر مجسّمات «قصر هشام» الأنثوية في هذا المتحف، وتظهر مراجعة التقارير التوثيقية بأن القسم الأكبر منها وصل بشكل مجتزأ، وتمّ ترميمه لاحقاً.

تأخذ هذه المنحوتات شكل قامات منتصبة، وتحاكي من حيث الحجم المثال الطبيعي، إذ يبلغ طولها نحو 1.5 متر. لا يزال تحديد هوّية هذه الأنصاب موضع بحث، والشائع أنها تمثّل جاريات الديوان الملكي، وتتبع من حيث التكوين العام طرازاً واحداً جامعاً، وقوامه امرأة تقف بثبات على قدميها، وترفع ذراعيها نحو الأعلى. كانت هذه التماثيل الأنثوية ملوّنة، كما تشهد بعض الآثار اللونية التي توشّحها، وأغلبها بالأحمر النبيذي والأسود الفحمي. اللباس واحد وقوامه إزار بسيط يلتف حول الخصر، وينسدل حتى أسفل الركبتين. تعلو هذا الإزار شبكة من الخطوط الملتوية تحاكي ثناياه، ويزيّنه شريط ينعقد حول الحوض على شكل حزام، وشريط آخر يحدّ طرف قماشته، مشكّلاً بطانة عريضة يستقر أعلاها وسط الساقين المتلاحمتين.

في قراءة سريعة، تبدو هذه التماثيل كأنها تتبع تكويناً أنثوياً واحداً وجامعاً، يتمثّل في جسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة. كذلك تبدو تسريحة الشعر واحدة، وهي على شكل كتلة ضخمة، تنعقد خصلاتها الطويلة إلى الخلف. سمات الوجوه واحدة، وهي في وضعية المواجهة، مع عينَين ضخمتَين تحدّقان في الفراغ، يعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان. في المقابل، تظهر القراءة المتأنيّة أن هذه التماثيل تتشابه في الظاهر، غير أنها لا تتماثل، إذ تختلف في التفاصيل، كما تشهد أربعة نماذج منها وصلت بشكل شبه كامل.

ترفع إحدى هذه الجاريات الأربع رأسها بثبات، وتتزيّن بعقد عريض تتدلّى منه قلادة نصف دائرية، وسوارين مجرّدين يلتفّان حول أعلى الذراعين، وتظهر منتصبة وهي ترفع بيدها اليمنى باقة من الزهور. في المقابل، تحني جارية أخرى رأسها انحناءة بسيطة، وتتزين بقرطين يتدليان من أذنيها، وتظهر وهي ترفع بيدها اليسرى سلة من الزهور. تتغيرّ هذه الوقفة في نموذج ثالث، وفيه تبدو الجارية وهي ترفع رأسها نحو الأعلى، وكأنها تحدّق في اتجاه اليسار، وتكلّل رأسها زهرة كبيرة تستقرّ في وسط كتلة شعرها. تتكرّر هذه الوقفة في نموذج رابع، مع اختلاف في حركة الرأس الذي يستعيد هنا سكونه الكلّي في وضعيّة المواجهة الثابتة. في الخلاصة، يتميّز كل من هذه التماثيل الأربعة بعناصر خاصة به، ويحتاج إلى قراءة معمّقة مستقلّة تكشف عن سمات هذه العناصر.

على الصعيد الفنّي، تعكس هذه المجسّمات أثر التقاليد الساسانية المكرّسة، وتشكّل امتداداً للنحت المحليّ الذي ساد خلال القرون التي سبقت الحقبة الأموية في تدمر كما في العديد من المواقع الصحراوية الكبرى. تستمدّ المجسّمات الأموية أسس تكوينها من هذا الميراث، غير أنها تتميّز بسمات خاصة، تشهد لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بـ«قصير عمرة». من جهة أخرى، تحضر هذه الخصائص كذلك في قطع نحتية جزئية خرجت مهشّمة من قصر آخر من قصور البادية الأردنية، يُعرف باسم «قصر المشتّى». تشكّل هذه القطع المهشّمة صورة ناقصة لهذا المثال الأنثوي المحلي، وتشكّل مجسّمات خربة صورة بالغة لاختمار هذا المثال الأنثوي المحلي، وتؤلّف مجموعة استثنائية لدراسة سماته وخصائصه.


تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية
TT

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

تاريخ العنف في رواية سريلانكية

صدر أخيراً عن «دار صفصافة للنشر»، في القاهرة، رواية «أقمار مالي ألميدا السبعة»، للروائي السريلانكي شيهان كاروناتيلاكا، بترجمة الشاعر والمترجم المصري ميسرة صلاح الدين. الرواية فائزة بجائزة البوكر عام 2022، وتدور في كولومبو 1990، أكثر الأعوام عنفاً في التاريخ السريلانكي.

تمزج الرواية بين التحقيق البوليسي والفانتازيا وقصص الأشباح والكوميديا السوداء، والرواية السياسية. وتنطلق من فكرة غريبة؛ إذ يستيقظ «مالي ألميدا»، المصور الحربي والمقامر، بعد موته ليجد نفسه في عالم الأموات. لا يعرف من قتله، وأين أصبح جسده، لكنه يملك وقتاً محدوداً للوصول إلى الأشخاص الذين يحبهم وإرشادهم إلى مجموعة من الصور السرية التي التقطها خلال الحرب. صور يمكن أن تكشف عن جرائم وحقائق خطيرة، وتحوّل أرشيف المصور الميت شهادةً أخيرة على عالم حاول طمس ذاكرته، وإقصاءه قسراً من الحياة.

يهيمن إيقاع الكوميديا بهالاتها السوداء على مناخ الرواية. فالجحيم الذي يصوره الكاتب ليس مكاناً للنيران والعذاب التقليدي، بل عالم بيروقراطي عبثي، تتكدس فيه الأرواح وتنتظر إجراءات انتقالها إلى المجهول. بينما تبدو الدوائر الحكومية في عالم الموتى امتداداً ساخراً لعالم الأحياء، وتتحول البيروقراطية أداةً روائية تكشف عن عبثية الحياة والموت معاً. ولا يكتفي الكاتب بالسخرية من الموت؛ فهو يستخدمها لمواجهة واقع أكثر قسوة، يغص بالاغتيالات، والاختفاءات، والعنف السياسي، والحرب الأهلية. لذلك؛ لا تأتي الضحكة في الرواية بوصفها هروباً من المأساة، وإنما بوصفها طريقة للنظر إليها من مسافة أبعد، ومراوغة أحياناً، مسافة تسمح باحتمالها.

يذكر أن شيهان كاروناتيلاكا كاتب سريلانكي بارز، وُلد عام 1975 في جالي، ونشأ في كولومبو، قبل أن ينتقل إلى لندن، ويُعدّ من أبرز الأصوات الأدبية المعاصرة في جنوب آسيا. تمتاز أعماله بمزج لافت بين الكوميديا السوداء والنقد الاجتماعي العميق، وتنطلق من تفاصيل الحياة اليومية، لتلامس قضايا كبرى، مثل الحرب والذاكرة والعدالة. وحظيت بتقدير عالمي، توّج بحصوله على جائزة البوكر، وجوائز مرموقة أخرى.

من أجواء الرواية، نقرأ: «تكمل شمس الصباح صعودها. يمتلئ الطريق بالسيارات والناس يتجولون للحصول على الغداء. تنظر إلى الدم على ملابسك. لا يبدو أنك مت في نومك. قتلت منظمة نمور التاميل د. راني سريداران، قتلت الحكومة ريتشارد دي زويسا، وقتلت الجبهة الشعبية للتحرير محبوبَ الشاشة فيجايا كوماراتونجا. فمن قتلك أنت؟

الأشجار مزدحمة بالعيون، والممر مسدود بالغِيلان. وهناك ثلاث جنازات، كل واحدة يحضرها حشد من الأرواح. يخبرك سينا أن الأشباح تحب الجنازات أكثر مما يحب البشر حفلات الزفاف.

تدفع نفسك عبر الريح وتطير بين قبور موتى كولومبو. هنا يرقد الجنود الأبطال، والسياسيون المقتولون، والصحافيون ذوو الأفواه الكبيرة. تبحث عن وجوه مألوفة، شخصيات مشهورة مثل د. راني أو ربما الأمير فيجايا. لكن كل ما تراه هو أرواح مجهولة ومنسية، كما كانت في حياتها. وبين المفجّرين، والمحروقين، والمختفين، توجد أنت، وسبب وفاتك لم يُحَدَّد بعد».