العاصمة الإدارية الجديدة لمصر... مدينة حديثة تحمي البيئة

العاصمة الإدارية الجديدة لمصر... مدينة حديثة تحمي البيئة
TT

العاصمة الإدارية الجديدة لمصر... مدينة حديثة تحمي البيئة

العاصمة الإدارية الجديدة لمصر... مدينة حديثة تحمي البيئة

تعدّ القاهرة الكبرى أكبر تجمّع سكّاني في أفريقيا والشرق الأوسط، بتعداد سكّاني يقارب 25 مليون نسمة. وهي تواجه عدداً من المشاكل التي تعيق تطورها كإحدى المراكز الحضرية العالمية، خاصة مع اتّساع السكن العشوائي نتيجة استمرار الهجرة من الريف إلى المدينة منذ ستينيات القرن الماضي ونقص عدد الوحدات السكنية في المناطق المنظمة.
كما تعاني القاهرة من تدهور بيئي خطير، لا سيما في نوعية الهواء، إذ تبلغ نسبة المعلقات الدقيقة في الجو المحيط 11.7 مرة الحد المسموح به وفق منظمة الصحة العالمية، وكذلك الضجيج، حيث تأتي القاهرة في المرتبة الثالثة بعد غوانزو في الصين ودلهي في الهند كأكثر المدن صخباً في العالم. ويتسبب الزحام والتكدس المروري بخسائر سنوية كبيرة تشمل تكاليف الوقود والآثار الصحية الناتجة عن سوء نوعية الهواء والحوادث، إلى جانب خسائر وقت العمل الناجمة من التأخير في الانتقال.
وفيما يشهد العالم هجرة مستمرة من الأرياف ستؤدي إلى ارتفاع نسبة سكان المدن لتبلغ ثلثي تعداد البشر في سنة 2050. فإن مصر لن تكون استثناءً في هذا الاتجاه. ومنذ خمسين سنة تعمل الحكومات المصرية على إنشاء مدن جديدة توفر البيئة العمرانية المناسبة لاستيعاب الزيادة المتوقعة في أعداد سكان المدن حيث تعتبر «العاصمة الإدارية الجديدة» أحدث التجمعات الحضرية في مصر، التي صُممت لتراعي الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. وإذ كان من المنتظر أن تُفتتح المدينة الجديدة منتصف هذه السنة، فلا بد أن الانعكاسات الضخمة لجائحة «كورونا» ستؤدي إلى تأخير المواعيد.

- مدن الجيل الرابع

تختلف الآراء عالمياً حول سياسة بناء المدن الجديدة ما بين مؤيد ومعارض. وفي حالة القاهرة يلعب التاريخ والجغرافيا دوراً حاسماً في توزيع مكونات مركزها التقليدي على مراكز متباعدة ولكنها مترابطة. فإنشاء تجمع إداري جديد سيخفف من حالة الاكتظاظ في وسط القاهرة، من دون الإخلال بقيمته الثقافية والسياحية، مع ما يعنيه ذلك من تخفيف للتلوث الذي تواجهه المدينة المحاطة بتلال لا تساعد على تهويتها.
وسيضم المركز الحضري الجديد المتمثل في العاصمة الإدارية مقرات البرلمان والرئاسة والوزارات والسفارات ومجمعات سكنية وخدمية. وهو يقع على بعد 60 كيلومتراً إلى الشرق من قلب القاهرة، وهي المسافة ذاتها التي تفصله عن مدينتي السويس والعين السخنة. وتمثّل العاصمة الإدارية الجديدة منطقة تطوير عقاري واعدة، بدأ التخطيط لها منذ سنة 2015، على أرض بحجم سنغافورة تبلغ مساحتها 700 كيلومتر مربع. وتستوعب في مرحلتها الأولى 7 ملايين شخص، ومن المتوقع أن يصل تعداد سكانها إلى 40 مليون نسمة في سنة 2050.
وشهدت مصر منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي إنشاء نحو 40 مدينة جديدة توزعت على أربع فترات أو أجيال. وظهر الجيل الأول من المدن بين 1977 و1988 بهدف التوسع في الأنشطة الاقتصادية وإقلال الهجرة من الريف إلى مدينتي القاهرة والإسكندرية، ومن بين مدن هذه الفترة مدينة العاشر من رمضان ومدينة السادات ومدينة 6 أكتوبر. ثم أتت مدن الجيل الثاني والثالث بين 1995 و2010 لتوسعة المدن القائمة في ضواحيها والتغلب على محدودية الأراضي، وتُعرف مدن هذه الفترة بتوائم عواصم المحافظات، مثل مدينة العبور ومدينة الشيخ زايد ومدينة القاهرة الجديدة. أما مدن الجيل الرابع فهي تجمع بين توفير متطلبات الإسكان وتحريك عجلة الاقتصاد الوطني، بعد الركود الذي عرفته البلاد خلال فترة «الربيع العربي»، وهي تضم 24 مدينة يجرى تصميمها لتكون خضراء وذكية ومستدامة، كالعاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة والمنصورة الجديدة وغيرها.
وترى وزارة الإسكان المصرية أن مدن الجيل الرابع ستكون مبنية على الطراز المعماري الذي يعتمد على التخطيط السليم واستخدام وسائل التكنولوجيا والطاقة الحديثة، ويضم مقومات عصرية متكاملة للسكن والحياة، ويخلو تماماً من العشوائية. وتتوقع الوزارة أن تستوعب هذه المدن قريباً أكثر من 30 مليون نسمة، فتساهم في تخفيف التكدّس السكّاني في المدن الكبرى عبر زيادة مساحة العمران من 6 إلى 12 في المائة حتى سنة 2030.
وتطمح مدن الجيل الرابع إلى تعظيم تنافسية مصر لجذب الاستثمارات، وربط شبكة مراكز التنمية بالمناطق الإنتاجية، وتحفيز التنمية خارج وادي النيل بعيداً عن الأراضي الزراعية، ودعم مشروعات الربط القارية والإقليمية، إلى جانب تشجيع الاستثمار في الأقاليم المغلقة ضمن البلاد.
وتمثل العاصمة الإدارية الجديدة نموذجاً لهذه التوجهات، حيث صُممت باعتبارها مدينة خضراء يبلغ نصيب ساكنها 15 متراً مربعاً من المساحات الخضراء والفراغات المفتوحة. وهي أيضاً مدينة مستدامة تعتمد على النموذج الدائري في معالجة مياه الصرف الصحي وتدوير النفايات، إلى جانب مراعاة الكفاءة في الطاقة واستخدام 70 في المائة من أسطح المباني لوحدات الطاقة الشمسية.
كما أن المدينة صديقة للمشاة، حيث تبلغ حصة شبكة الممرات المخصصة للمشاة والدراجات 40 في المائة من شبكة الطرق العامة فيها، التي يبلغ طولها الإجمالي 650 كيلومتراً. وهي مدينة للسكن والحياة تضم مليوناً ونصف المليون وحدة سكنية مخصصة بأغلبها للسكن متوسط الكثافة. والمدينة توفر سهولة التنقل، من خلال وسائل النقل المختلفة كالقطارات والعربات السككية بأنواعها والباصات وسيارات الأجرة. وهي أيضاً مدينة ذكية تقدم خدماتها إلكترونياً وتغطيها شبكة المعلومات العالمية، ومدينة أعمال تعد بمثابة مركز مالي للقاهرة الكبرى وإقليم قناة السويس.

- الاستفادة من التجارب

هذه الرؤية المصرية للعاصمة الإدارية الجديدة تحاول تجاوز الإشكاليات التي واجهت أغلب مشاريع المدن السابقة، ذلك أن بناء مدينة جديدة من الصفر يُعدّ مغامرة ضخمة، والمدن المستدامة لا تظهر عادة بشكل مفاجئ أو من دون بدايات خاطئة. وفيما تكلّلت بعض هذه المغامرات بالنجاح كما حصل في تطوير مدينة دبي الحديثة خلال العقود الأخيرة، فإن مغامرات أخرى لم تحقق غاياتها المأمولة بعد، كما في مدينة مصدر الإماراتية ومدينة القاهرة الجديدة. ويرتبط ضعف التجمعات الحضرية الجديدة في جذبها السكان، مع نقص البنية التحتية والعمالة. فالقاهرة الجديدة مثلاً لم توفّر وظائف كافية للسكّان الأكثر فقراً، أو وسائل نقل غير مكلفة إلى المناطق التي توفر فرص العمل. وتسعى العاصمة الجديدة للتغلب على هذه المخاوف من خلال إعادة توطين كتلة كبيرة من الوظائف الحكومية والإدارية لتسريع ظهور الوظائف المرتبطة وغير المباشرة. كما تمثّل خطط النقل المتنوعة، بما فيها القطار الكهربائي الذي تبلغ تكلفته 1.2 مليار دولار ويربط مدينة القاهرة الكبرى بالمجتمعات العمرانية الجديدة والعاصمة الإدارية الجديدة، حلول تنقّل جيدة للمستثمرين والعاملين. وتبقى المخاوف من ارتفاع البصمة الكربونية للعاصمة الجديدة قائمة، لا سيما خلال فترة الإنشاء وبعد البدء بالاستثمار. فتشييد المباني واستثمارها يملكان حصة الأسد في انبعاث غازات الدفيئة العالمية بنسبة تقارب 40 في المائة. كما أن المدن الجديدة ستمثل عبئاً كبيراً على النمو الاقتصادي ما لم تراعِ معايير الكفاءة وحفظ الطاقة.
وتعتمد العاصمة الإدارية الجديدة في تأمين الطاقة على ثلاث محطات تعمل على الغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء. وقد أنجزت المحطة الأولى باستطاعة تصل إلى 4800 ميغاواط مع تبنّي تكنولوجيا ذات مردود هو الأعلى عالمياً، إذ يبلغ 65 في المائة. كما تستفيد العاصمة الجديدة من الربط مع شبكة خطوط التوتر العالي في البلاد، وتحقيق بعض الوفورات عبر ألواح الطاقة الشمسية فوق الأبنية.
وإلى أن يتحوّل الموظفون إلى الاستقرار في المدينة الجديدة كموطن لهم إلى جانب كونها مكاناً للعمل، ستبقى البصمة الكربونية مرتفعة نتيجة الحاجة للتنقل مسافات طويلة. ومن أهم عوامل الاستقرار، التي غابت في أغلب مدن الأجيال السابقة، توفير متطلبات الإقامة الأساسية، لا سيما المدارس والجامعات والحدائق ومراكز الثقافة والترفيه والخدمات البلدية.
وتضم العاصمة الجديدة حالياً مؤسسة جامعية خاصة، كما تحتوي على «نهر أخضر» بطول 35 كيلومتراً، يرتبط بجميع أحياء وجامعات المدينة ليحاكي نهر النيل في مدينة القاهرة. ويُعتبر النهر أكبر محوراً أخضر في العالم، حيث يشتمل على حدائق مركزية وترفيهية ضمن مساحة تزيد عن 20 كيلومتراً مربعاً تُسقى بمياه محطة معالجة الصرف الصحي التي تبلغ استطاعتها 250 ألف متر مكعب يومياً. وتحصل المدينة على مياهها العذبة من نهر النيل، عبر محطة مياه القاهرة الجديدة ومحطة مياه العاشر من رمضان، ومن خلال محطتها الخاصة.
وفي مجال جمع النفايات ومعالجتها، عقدت إدارة العاصمة الجديدة اتفاقاً مع الشركة الإماراتية «بيئة»، المتخصصة في مجال الاستدامة والخدمات البيئية، لإدارة النفايات الناتجة عن المدينة، بحيث تصل نسبة الاسترداد إلى 80 في المائة. وتعدّ نسبة الاسترداد هذه مرتفعة جداً، إذا ما قورنت بمعدلات معالجة النفايات في العالم العربي بالتدوير والتحويل إلى سماد، التي بالكاد تصل إلى 15 في المائة، فيما يذهب الباقي إلى المطامر والمكبات العشوائية.
وإلى جانب البرج الأيقوني الذي يبلغ ارتفاعه 385 متراً، ستحتضن المدينة الجديدة أول غابة عمودية في أفريقيا مكوّنة من ثلاثة مبانٍ سكنية بارتفاع سبعة طوابق تنمو على واجهتها وأسطحها أكثر من 350 شجرة و14 ألف شجيرة. ويخشى البعض أن تستأثر هذه المرافق والبنى الضخمة بالموارد والاهتمام، فتصبح العاصمة الإدارية الجديدة مدينة حصرية وخاصة بأصحاب الدخل المرتفع، كما كانت القاهرة في بداية نشأتها قبل أكثر من ألف سنة.
إن الوضع الحالي للمدن المصرية الكبرى حرج للغاية ويهدّد مستقبل الأجيال القادمة، لأنها تفتقر إلى البنية التحتية الكافية التي تسمح لها بالاستدامة. ولعل سياسة بناء المدن كالعاصمة الإدارية الجديدة هي الخيار النهائي لاستيعاب النمو السكاني السريع وتوفير فرص العمل وتحسين الوضع البيئي. ومع ذلك لا بد من العمل أيضاً على تأهيل وتطوير المدن القائمة وتحفيز التنمية الاقتصادية المستدامة، التي تمثل الرافعة الحقيقية في بناء المدن الجديدة.


مقالات ذات صلة

ابيضاض الشعاب المرجانية يتسارع بوتيرة تفوق قدرتها على التعافي

بيئة شعاب مرجانية بالقرب من جزيرة في جزر غونا يالا الهولندية على الكاريبي - 24 أغسطس 2026 (أ.ب)

ابيضاض الشعاب المرجانية يتسارع بوتيرة تفوق قدرتها على التعافي

قال علماء، اليوم الاثنين، إن الشعاب المرجانية تتعرّض بشكل مستمر إلى عوامل تؤدي إلى ابيضاض لونها بدرجة لم تعد تتيح لها الوقت الكافي للتعافي.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
بيئة جفاف وتشقق التربة على ضفاف نهر ماغدالينا بكولومبيا في مشهد يعكس تداعيات الظروف المناخية المرتبطة بظاهرة «إلنينيو» (رويترز - أرشيفية)

«الأرصاد البريطانية» تتوقع أقوى ظواهر «إلنينيو» في التاريخ الحديث

قالت هيئة الأرصاد الجوية البريطانية، اليوم (الجمعة)، إن ظاهرة «إلنينيو» الجوية التي تتشكل حالياً مرشحة لأن تكون الأقوى في التاريخ الحديث.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أعلنت بعض المستشفيات في إيطاليا الطوارئ بسبب ارتفاع درجات الحرارة (أ.ب)

إيطاليا في حالة تأهب قصوى والمجر تطفئ الأنوار مع موجة حر تجتاح أوروبا

اتخذت ‌إيطاليا خطوة غير مسبوقة بوضع كل مدنها الكبرى في أعلى مستويات التأهب الصحي، بسبب ارتفاع ​درجات الحرارة اليوم الخميس

«الشرق الأوسط» (روما)
أوروبا صورة من بحيرة بايكال في روسيا (أ.ف.ب-أرشيفية)

مشروع سياحي في روسيا يهدد «بايكال» أكبر خزان للمياه العذبة في العالم

يثير مشروع لتطوير السياحة حول بحيرة بايكال في روسيا مخاوف بيئية متزايدة، بعدما سمحت تعديلات قانونية بقطع الأشجار في مناطق كانت تخضع لحماية مشددة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
العالم مارة يسيرون حاملين المظلات في شارع جيزو-دوري التجاري بسبب موجة حر شديدة بطوكيو يوم 23 يوليو 2026 (رويترز)

نقل المئات إلى المستشفيات جراء «كارثة» الحر الشديد في اليابان

نُقل أكثر من 450 شخصاً في طوكيو إلى المستشفيات خلال يوم واحد؛ للعلاج من مشكلات مرتبطة بالإجهاد الحراري.

«الشرق الأوسط» (طوكيو - باريس)

السعودية تؤكد التزامها بحماية الأمن الغذائي العالمي

الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
TT

السعودية تؤكد التزامها بحماية الأمن الغذائي العالمي

الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)
الدكتور علي الشيخي أكد أن السعودية تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية (واس)

أكدت السعودية التزامها بمواصلة جهودها الدولية والإقليمية لتعزيز استدامة الموارد البحرية، ومكافحة الصيد غير القانوني، ودعم الحوكمة الرشيدة للمصايد؛ بما يسهم في حماية الأمن الغذائي العالمي واستدامة النظم البيئية البحرية.

جاء ذلك خلال مشاركة وفدها الذي رأَسه الدكتور علي الشيخي الوكيل المساعد للثروة الحيوانية والسمكية بوزارة البيئة والمياه والزراعة، في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك (COFI37)، والحدث الرفيع المستوى للاحتفال بمرور عشر سنوات على دخول اتفاق تدابير دولة الميناء حيز النفاذ، بمقر منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» في العاصمة الإيطالية روما.

وأوضح الشيخي خلال كلمته أن المملكة تنظر إلى البحار والمحيطات بوصفهما إرثاً مشتركاً وركيزة للأمن الغذائي والتنمية والازدهار، وأن التحديات التي تواجه الموارد البحرية تتجاوز الحدود الوطنية، وتتطلب استجابة دولية متكاملة تقوم على التعاون والشفافية والابتكار والالتزام بالتنفيذ.

وأشار إلى أن المملكة انسجاماً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» تواصل تطوير منظومتها الوطنية لإدارة المصايد البحرية، وتعزيز أطر الحوكمة والرقابة والامتثال، ورفع كفاءة التفتيش، وتحسين جودة البيانات، والاستفادة من التقنيات الحديثة في التتبع والرصد؛ بما يعزز الإدارة المستدامة للموارد البحرية، ويرسخ شفافية سلاسل الإمداد، ويدعم تنمية الاقتصاد الأزرق.

وأكد أن البحر الأحمر يحظى بمكانة خاصة في جهود السعودية، لما يتميز به من تنوع أحيائي فريد ونظم بيئية ذات أهمية بيئية واقتصادية وتنموية، مبيناً أن المملكة تعمل على ترسيخ نموذج متوازن بين طموحات التنمية ومتطلبات الاستدامة، عبر حماية الموائل البحرية الحساسة، وتنظيم أنشطة الصيد، وتعزيز الرقابة والتتبع، وتطوير إدارة عمليات الإنزال، وتشجيع ممارسات الصيد المسؤولة والمستدامة.

تشارك السعودية في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك (واس)

وشدد على أهمية تعزيز الشراكة الإقليمية بين الدول المطلة على البحر الأحمر، وتبادل المعلومات والبيانات، وتكامل أعمال الرقابة والتفتيش، وبناء القدرات؛ بما يسهم في حماية موارده واستدامتها للأجيال القادمة.

وتشارك السعودية في أعمال الدورة السابعة والثلاثين للجنة مصايد الأسماك، التي تنعقد خلال الفترة من 7 إلى 11 سبتمبر (أيلول) الجاري، وتناقش قضايا رئيسية في قطاعي مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية، بينها تقرير «حالة الموارد السمكية وتربية الأحياء المائية في العالم 2026»، والتقدم المحرز في مكافحة الصيد غير القانوني، وتنفيذ الصكوك الدولية ذات الصلة، والتكيف مع تغير المناخ والتخفيف من آثاره، ودعم مصايد الأسماك وتربية الأحياء المائية صغيرة النطاق.

وأكدت السعودية أهمية الانتقال خلال المرحلة المقبلة من الرقابة التقليدية إلى الرقابة الذكية، ومن الاستجابة للمخالفات إلى استباقها، مع تعزيز التكامل بين دول العلم والساحل والميناء والسوق، وتوسيع استخدام أنظمة الرصد والتتبع وتحليل البيانات والتقنيات الحديثة.

كما جددت التزامها بمواصلة العمل مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة والدول الأعضاء والمنظمات الإقليمية والدولية والشركاء؛ لتعزيز الحوكمة الرشيدة للمصايد، ومواجهة الصيد غير القانوني، ودعم استدامة الموارد البحرية والأمن الغذائي العالمي، وتحويل الالتزامات الدولية إلى نتائج وأثر مستدام.


ما تأثيرات «النينيو» المتوقعة على المنطقة العربية الخريف المقبل؟

توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)
توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)
TT

ما تأثيرات «النينيو» المتوقعة على المنطقة العربية الخريف المقبل؟

توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)
توقعات بحدوث ظواهر متطرفة الخريف المقبل (إ.ب.أ)

حذرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، التابعة للأمم المتحدة، الخميس، من أن ظاهرة «النينيو» القادمة ستكون الأقوى منذ بدء تسجيل بيانات مماثلة قبل 4 عقود، وكما صرح الأمين العام للأمم المتحدة بأن العالم في «منطقة خطر الطقس المتطرف». وأفادت المنظمة بأن هذه الظاهرة المناخية ستصبح «شديدة للغاية» في الأشهر المقبلة.

وقالت سيليست ساولو، رئيسة المنظمة، للصحافيين في جنيف: «إذا استمر هذا المسار، فقد تكون هذه الظاهرة أقوى من أي شيء شهدناه منذ بدء رصدنا لها». وتؤدي ظاهرة النينيو إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار. وتحدث ظاهرة النينيو عادةً كل سنتين إلى 7 سنوات، وتستمر من 9 إلى 12 شهراً. ويمكنها أن تُغير أنماط الطقس والمناخ على بُعد آلاف الكيلومترات من المحيط الهادئ الاستوائي.

التأثير المتوقع على منطقتنا العربية

قال جوش ويليس، عالم محيطات في مختبر الدفع النفاث في جنوب كاليفورنيا، أحد المختبرات التابعة لوكالة «ناسا» الأميركية: «يمتد نطاق ظاهرة النينيو إلى ما هو أبعد من المحيط الهادئ. حيث تتفاعل هذه الحرارة المخزنة مع الغلاف الجوي، مُحدثةً تيارات الحمل الحراري، ومؤديةً إلى تغيرات في أنماط الرطوبة وهطول الأمطار بعيداً عن المنطقة التي بدأت فيها».

تظهر الخريطة موجة دافئة عملاقة تعبر المحيط الهادئ (ناسا)

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «بالنسبة للمنطقة العربية، يميل الوضع نحو ظروف أكثر رطوبة من المعتاد في أجزاء من شرق البحر الأبيض المتوسط ​​ومنطقة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، فيما تميل شمال أفريقيا عادةً إلى الجفاف. لكن هذه مجرد مؤشرات، وليست ضمانات.

فظاهرة النينيو هي أحد العوامل المؤثرة من بين مجموعة عوامل، ويمكن للأنماط الإقليمية أو الظواهر المناخية الأخرى، مثل تأثيرات ظاهرة النينيو في المحيط الهندي، أن تُضخّم أو تُبطل من هذا التأثير. وضربت عاصفة جوية صيفية نادرة وحالة من عدم الاستقرار الجوي لبنان وسوريا في أواخر شهر أغسطس (آب) 2026، مما أدى إلى هطول أمطار غزيرة غير مسبوقة في هذا الوقت من العام وتشكل سيول مفاجئة.

وقال الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «إن الطبيعة الجغرافية للمنطقة العربية والتضاريس الموجودة فيها من جبال ووديان ومنخفضات قد يعرض السكان في مثل هذه الظروف لخطر السيول، وحالات من عدم استقرار الظواهر المناخية والطقس، خصوصاً في الفصول الانتقالية مثل الربيع والخريف».

وأَضاف أن المنخفضات الجوية أيضاً هي أحد مظاهر فصل الخريف وتتكون على منطقة الشرق الأوسط، بعضها قادم من القارة الأفريقية من الجنوب وشمال السودان، وهناك أخرى تكون قادمة من جنوب أوروبا وتؤثر على المناطق الشمالية من المنطقة العربية. وتتوقع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن تشتدّ ظاهرة النينيو لتصبح حدثاً قوياً للغاية في الأشهر المقبلة، مع تأثيرات كبيرة على أنماط هطول الأمطار ودرجات الحرارة، وما يصاحبها من مخاطر الفيضانات والجفاف وموجات الحر الشديدة».

مخاوف من تأثير ظاهرة النينيو على الزراعة في المنطقة العربية (د.ب.أ)

ووفق التحديث المناخي الموسمي العالمي فإن هناك احتمالاً كبيراً لارتفاع درجات الحرارة عن المعدل الطبيعي في معظم المناطق البرية. وتمتد أقوى مؤشرات هذا الاتجاه عبر أفريقيا، وجنوب أوروبا، وشبه الجزيرة العربية، وشبه القارة الهندية، وشرق آسيا، ومناطق أخرى من العالم.

وتُظهر توقعات هطول الأمطار للفترة من أغسطس إلى أكتوبر (تشرين الأول) 2026 أنماطاً نموذجية لظاهرة النينيو القوية. ومن المتوقع هطول أمطار أكثر من المعتاد على منطقة القرن الأفريقي، وأجزاء من آسيا الوسطى، وجنوب أوروبا، وكذلك في مناطق أخرى بعيدة من العالم. في المقابل، من المرجح أن تسود ظروف أكثر جفافاً من المعتاد في شبه القارة الهندية، وجنوب وشرق أستراليا، وجنوب أميركا الوسطى وأجزاء من منطقة البحر الكاريبي، وشمال غرب أميركا الجنوبية، وشمال أوروبا.

الآثار الاستراتيجية على المنطقة العربية

ووفق مركز البيئة والتنمية للإقليم العربي وأوروبا (سيداري) يتزامن حدث النينيو لعام 2026 مع اضطرابات كبيرة في سلاسل الإمداد، لا سيما حول مضيق هرمز. ويخلق هذا وضعاً بالغ الخطورة لانعدام الأمن الغذائي، حيث تتضافر عوامل فشل المحاصيل الناجمة عن تغير المناخ مع ارتفاع تكاليف الأسمدة والوقود.

ووفق قطب فإن أبرز المجالات التي تتأثر بالتغيرات المناخية هي الزراعة؛ لأن المحاصيل الزراعية تحتاج لظروف مناسبة من درجة الحرارة والرطوبة ومعدلات المطر. وأضاف أن النقل البحري أيضاً أحد أبرز المجالات التي تتأثر بالتغيرات المناخية، لا سيما شدة الأمطار وارتفاع الأمواج، وهو ما قد يؤثر على سلاسل الإمداد في المنطقة.

تؤدي النينيو إلى تغيرات عالمية في الرياح والضغط الجوي وهطول الأمطار (أ.ف.ب)

وحسب سيداري فإنه من المتوقع أن يؤدي النقص الناتج في المياه والغذاء، خصوصاً في المناطق الزراعية، إلى تأجيج التوترات على مستوى المجتمعات المحلية، والنزاعات المحلية، والاحتجاجات المتعلقة بالمياه. وقد تهدد موجات الحر الشديدة والفيضانات المفاجئة المحتملة البنية التحتية.

يقول ويليس: «لتأثيرات ظاهرة النينيو تداعيات اقتصادية عالمية. فالمياه الدافئة التي نرصدها من الفضاء لها ثمنها، وقد يظهر هذا الثمن في أسعار أعلاف الحيوانات والغذاء بعيداً عن المحيط الهادئ».

إدارة استباقية

وتُعد المنطقة العربية شديدة التأثر بتقلبات أسعار الغذاء العالمية، التي من المرجح أن تزيدها ظاهرة النينيو. ويؤدي تداخل الصراعات مع الظاهرة المناخية إلى تعطيل إنتاج ونقل الأسمدة النيتروجينية، وهي ضرورية لإنتاج الغذاء في المنطقة. ومع وجود 19 دولة عربية تعاني بالفعل من شح المياه، فإن النينيو تهدد بشكل مباشر إمدادات المياه الأساسية، وفق سيداري.

وحثت رئيسة المنظمة العالمية للأرصاد الجوية، ساولو، سلطات إدارة الكوارث والقطاعات الحساسة للمناخ، مثل الزراعة ومصايد الأسماك والصحة والطاقة والمياه، على الاستعداد. وقالت: «إن ظاهرة النينيو الاستثنائية هذه لديها القدرة على توجيه ضربة قوية للمجتمعات والاقتصادات في جميع أنحاء العالم».

مخاوف علمية من حدوث سيول وفيضانات مفاجئة (أ.ب)

وشدد قطب على ضرورة اتخاذ الدول التدابير اللازمة للتكيف مع التغيرات المناخية، مثل سياسات التحول من استخدام الوقود الأحفوري إلى الطاقات الجديدة والمتجددة، والدفع نحو استخدام السيارات الكهربية والقطارات الحديثة الموفرة للطاقة والتي تقلل من نسب التلوث البيئي أيضاً، وبالطبع التوسع في إقامة المناطق الخضراء، وإنشاء مبانٍ سكنية صديقة للبيئة.

ووفق سيداري، تتطلب ظاهرة النينيو لعام 2026 إدارةً استباقيةً ومعززةً للموارد، بما في ذلك تسريع الاستثمارات في تحلية المياه والزراعة المستدامة، وتأمين طرق بديلة لإمدادات الغذاء، وتعزيز شبكات الأمان الاجتماعي لإدارة الاضطرابات الاجتماعية المحتملة. كما أنه لا بدّ لنا من التساؤل: هل بنيتنا التحتية العربية مُهيأة لمواجهة ظاهرة مُتفاقمة على كوكبٍ ذي حساسيةٍ أعلى وحمايةٍ أقلّ؟ هل إجراءاتنا المعتادة للإغاثة الزراعية والإنسانية كافيةٌ لمواجهة تحوّل جذري؟ إننا نشهد أزمة متوقعة تواجه عالماً غير مُستعد. لم يعد السؤال ما الذي سيحدث، بل هل نحن أخيراً على أهبة الاستعداد للاستجابة لما يُشير إليه هذا الحدث؟


ترمب يعتزم رفع غطاء الحماية عن الذئاب

ذئب رمادي أميركي (أرشيفية - رويترز)
ذئب رمادي أميركي (أرشيفية - رويترز)
TT

ترمب يعتزم رفع غطاء الحماية عن الذئاب

ذئب رمادي أميركي (أرشيفية - رويترز)
ذئب رمادي أميركي (أرشيفية - رويترز)

أعلنت الإدارة الأميركية، الجمعة، أنها تعتزم إنهاء الحماية الممنوحة للذئاب كأحد الأنواع المهددة بالانقراض، مما أثار غضباً واسعاً لدى المنظمات البيئية.

وفي مرسوم يهدف إلى مساعدة مربي المواشي للحدّ من خسائرها، طلب الرئيس دونالد ترمب من وزير داخليته دوغ بورغوم أن يحدّد في غضون 90 يوماً ما إذا كانت الذئاب الرمادية والذئاب المكسيكية تستوفي المعايير التي «تتيح رفع الحماية عنها، أو إعادة تصنيفها بموجب قانون الأنواع المهددة بالانقراض».

وإذا استوفت الذئاب المعايير، فبإمكان بورغوم البدء في شطبها من القائمة، الأمر الذي قد يدفع الحكومة إلى تشجيع الولايات على تخفيف القيود المفروضة على صيد الذئاب.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في طريقه إلى مروحية «مارين وان» للانتقال إلى نادي الغولف الذي يملكه في بيدمينستر بولاية نيوجيرسي لتمضية عطلة نهاية الأسبوع (أ.ف.ب)

وكانت الولايات المتحدة تضم ما لا يقل عن 250 ألف ذئب قبل وصول المستوطنين الأوروبيين الذين تسببوا في انخفاض أعدادها بشكل كبير مع توسعهم غرباً.

وتضم الولايات المتحدة القارية حالياً نحو 7600 ذئب رمادي، بحسب منظمة «وولف كونسرفيشن سنتر»، بينما قُدّر عدد الذئاب المكسيكية بنحو 317 ذئباً في نهاية عام 2025، بحسب المنظمة المكلفة بمراقبة أعدادها.

وقررت إدارة ترمب إلغاء قرار حماية الذئب الرمادي الذي صدر في سبعينات القرن الفائت بعد أن كاد ينقرض في الولايات المتحدة. وقد أعاد قاضٍ فدرالي العمل بالقرار في العام 2022.

ورأى بن غرويل، من منظمة «سييرا كلوب» المدافعة عن البيئة، أن هذا القرار محاولة لتهدئة مخاوف مربي المواشي الغاضبين من قرار الحكومة رفع الرسوم الجمركية مؤقتاً عن لحوم الأبقار المستوردة.

وأضاف: «إن تحويل حماية الذئاب إلى قضية تُدار سياسياً بذريعة الحد من الأضرار لن يُساهم في خفض أسعار المواد الغذائية، أو مساعدة الأسر التي تُعاني من ارتفاع تكاليف المعيشة».

وكانت إدارة ترمب قد أضعفت في يوليو (تموز) حماية موائل الأنواع المُهددة بالانقراض، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».