العاصمة الإدارية الجديدة لمصر... مدينة حديثة تحمي البيئة

العاصمة الإدارية الجديدة لمصر... مدينة حديثة تحمي البيئة
TT

العاصمة الإدارية الجديدة لمصر... مدينة حديثة تحمي البيئة

العاصمة الإدارية الجديدة لمصر... مدينة حديثة تحمي البيئة

تعدّ القاهرة الكبرى أكبر تجمّع سكّاني في أفريقيا والشرق الأوسط، بتعداد سكّاني يقارب 25 مليون نسمة. وهي تواجه عدداً من المشاكل التي تعيق تطورها كإحدى المراكز الحضرية العالمية، خاصة مع اتّساع السكن العشوائي نتيجة استمرار الهجرة من الريف إلى المدينة منذ ستينيات القرن الماضي ونقص عدد الوحدات السكنية في المناطق المنظمة.
كما تعاني القاهرة من تدهور بيئي خطير، لا سيما في نوعية الهواء، إذ تبلغ نسبة المعلقات الدقيقة في الجو المحيط 11.7 مرة الحد المسموح به وفق منظمة الصحة العالمية، وكذلك الضجيج، حيث تأتي القاهرة في المرتبة الثالثة بعد غوانزو في الصين ودلهي في الهند كأكثر المدن صخباً في العالم. ويتسبب الزحام والتكدس المروري بخسائر سنوية كبيرة تشمل تكاليف الوقود والآثار الصحية الناتجة عن سوء نوعية الهواء والحوادث، إلى جانب خسائر وقت العمل الناجمة من التأخير في الانتقال.
وفيما يشهد العالم هجرة مستمرة من الأرياف ستؤدي إلى ارتفاع نسبة سكان المدن لتبلغ ثلثي تعداد البشر في سنة 2050. فإن مصر لن تكون استثناءً في هذا الاتجاه. ومنذ خمسين سنة تعمل الحكومات المصرية على إنشاء مدن جديدة توفر البيئة العمرانية المناسبة لاستيعاب الزيادة المتوقعة في أعداد سكان المدن حيث تعتبر «العاصمة الإدارية الجديدة» أحدث التجمعات الحضرية في مصر، التي صُممت لتراعي الاحتياجات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية. وإذ كان من المنتظر أن تُفتتح المدينة الجديدة منتصف هذه السنة، فلا بد أن الانعكاسات الضخمة لجائحة «كورونا» ستؤدي إلى تأخير المواعيد.

- مدن الجيل الرابع

تختلف الآراء عالمياً حول سياسة بناء المدن الجديدة ما بين مؤيد ومعارض. وفي حالة القاهرة يلعب التاريخ والجغرافيا دوراً حاسماً في توزيع مكونات مركزها التقليدي على مراكز متباعدة ولكنها مترابطة. فإنشاء تجمع إداري جديد سيخفف من حالة الاكتظاظ في وسط القاهرة، من دون الإخلال بقيمته الثقافية والسياحية، مع ما يعنيه ذلك من تخفيف للتلوث الذي تواجهه المدينة المحاطة بتلال لا تساعد على تهويتها.
وسيضم المركز الحضري الجديد المتمثل في العاصمة الإدارية مقرات البرلمان والرئاسة والوزارات والسفارات ومجمعات سكنية وخدمية. وهو يقع على بعد 60 كيلومتراً إلى الشرق من قلب القاهرة، وهي المسافة ذاتها التي تفصله عن مدينتي السويس والعين السخنة. وتمثّل العاصمة الإدارية الجديدة منطقة تطوير عقاري واعدة، بدأ التخطيط لها منذ سنة 2015، على أرض بحجم سنغافورة تبلغ مساحتها 700 كيلومتر مربع. وتستوعب في مرحلتها الأولى 7 ملايين شخص، ومن المتوقع أن يصل تعداد سكانها إلى 40 مليون نسمة في سنة 2050.
وشهدت مصر منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي إنشاء نحو 40 مدينة جديدة توزعت على أربع فترات أو أجيال. وظهر الجيل الأول من المدن بين 1977 و1988 بهدف التوسع في الأنشطة الاقتصادية وإقلال الهجرة من الريف إلى مدينتي القاهرة والإسكندرية، ومن بين مدن هذه الفترة مدينة العاشر من رمضان ومدينة السادات ومدينة 6 أكتوبر. ثم أتت مدن الجيل الثاني والثالث بين 1995 و2010 لتوسعة المدن القائمة في ضواحيها والتغلب على محدودية الأراضي، وتُعرف مدن هذه الفترة بتوائم عواصم المحافظات، مثل مدينة العبور ومدينة الشيخ زايد ومدينة القاهرة الجديدة. أما مدن الجيل الرابع فهي تجمع بين توفير متطلبات الإسكان وتحريك عجلة الاقتصاد الوطني، بعد الركود الذي عرفته البلاد خلال فترة «الربيع العربي»، وهي تضم 24 مدينة يجرى تصميمها لتكون خضراء وذكية ومستدامة، كالعاصمة الإدارية الجديدة والعلمين الجديدة والمنصورة الجديدة وغيرها.
وترى وزارة الإسكان المصرية أن مدن الجيل الرابع ستكون مبنية على الطراز المعماري الذي يعتمد على التخطيط السليم واستخدام وسائل التكنولوجيا والطاقة الحديثة، ويضم مقومات عصرية متكاملة للسكن والحياة، ويخلو تماماً من العشوائية. وتتوقع الوزارة أن تستوعب هذه المدن قريباً أكثر من 30 مليون نسمة، فتساهم في تخفيف التكدّس السكّاني في المدن الكبرى عبر زيادة مساحة العمران من 6 إلى 12 في المائة حتى سنة 2030.
وتطمح مدن الجيل الرابع إلى تعظيم تنافسية مصر لجذب الاستثمارات، وربط شبكة مراكز التنمية بالمناطق الإنتاجية، وتحفيز التنمية خارج وادي النيل بعيداً عن الأراضي الزراعية، ودعم مشروعات الربط القارية والإقليمية، إلى جانب تشجيع الاستثمار في الأقاليم المغلقة ضمن البلاد.
وتمثل العاصمة الإدارية الجديدة نموذجاً لهذه التوجهات، حيث صُممت باعتبارها مدينة خضراء يبلغ نصيب ساكنها 15 متراً مربعاً من المساحات الخضراء والفراغات المفتوحة. وهي أيضاً مدينة مستدامة تعتمد على النموذج الدائري في معالجة مياه الصرف الصحي وتدوير النفايات، إلى جانب مراعاة الكفاءة في الطاقة واستخدام 70 في المائة من أسطح المباني لوحدات الطاقة الشمسية.
كما أن المدينة صديقة للمشاة، حيث تبلغ حصة شبكة الممرات المخصصة للمشاة والدراجات 40 في المائة من شبكة الطرق العامة فيها، التي يبلغ طولها الإجمالي 650 كيلومتراً. وهي مدينة للسكن والحياة تضم مليوناً ونصف المليون وحدة سكنية مخصصة بأغلبها للسكن متوسط الكثافة. والمدينة توفر سهولة التنقل، من خلال وسائل النقل المختلفة كالقطارات والعربات السككية بأنواعها والباصات وسيارات الأجرة. وهي أيضاً مدينة ذكية تقدم خدماتها إلكترونياً وتغطيها شبكة المعلومات العالمية، ومدينة أعمال تعد بمثابة مركز مالي للقاهرة الكبرى وإقليم قناة السويس.

- الاستفادة من التجارب

هذه الرؤية المصرية للعاصمة الإدارية الجديدة تحاول تجاوز الإشكاليات التي واجهت أغلب مشاريع المدن السابقة، ذلك أن بناء مدينة جديدة من الصفر يُعدّ مغامرة ضخمة، والمدن المستدامة لا تظهر عادة بشكل مفاجئ أو من دون بدايات خاطئة. وفيما تكلّلت بعض هذه المغامرات بالنجاح كما حصل في تطوير مدينة دبي الحديثة خلال العقود الأخيرة، فإن مغامرات أخرى لم تحقق غاياتها المأمولة بعد، كما في مدينة مصدر الإماراتية ومدينة القاهرة الجديدة. ويرتبط ضعف التجمعات الحضرية الجديدة في جذبها السكان، مع نقص البنية التحتية والعمالة. فالقاهرة الجديدة مثلاً لم توفّر وظائف كافية للسكّان الأكثر فقراً، أو وسائل نقل غير مكلفة إلى المناطق التي توفر فرص العمل. وتسعى العاصمة الجديدة للتغلب على هذه المخاوف من خلال إعادة توطين كتلة كبيرة من الوظائف الحكومية والإدارية لتسريع ظهور الوظائف المرتبطة وغير المباشرة. كما تمثّل خطط النقل المتنوعة، بما فيها القطار الكهربائي الذي تبلغ تكلفته 1.2 مليار دولار ويربط مدينة القاهرة الكبرى بالمجتمعات العمرانية الجديدة والعاصمة الإدارية الجديدة، حلول تنقّل جيدة للمستثمرين والعاملين. وتبقى المخاوف من ارتفاع البصمة الكربونية للعاصمة الجديدة قائمة، لا سيما خلال فترة الإنشاء وبعد البدء بالاستثمار. فتشييد المباني واستثمارها يملكان حصة الأسد في انبعاث غازات الدفيئة العالمية بنسبة تقارب 40 في المائة. كما أن المدن الجديدة ستمثل عبئاً كبيراً على النمو الاقتصادي ما لم تراعِ معايير الكفاءة وحفظ الطاقة.
وتعتمد العاصمة الإدارية الجديدة في تأمين الطاقة على ثلاث محطات تعمل على الغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء. وقد أنجزت المحطة الأولى باستطاعة تصل إلى 4800 ميغاواط مع تبنّي تكنولوجيا ذات مردود هو الأعلى عالمياً، إذ يبلغ 65 في المائة. كما تستفيد العاصمة الجديدة من الربط مع شبكة خطوط التوتر العالي في البلاد، وتحقيق بعض الوفورات عبر ألواح الطاقة الشمسية فوق الأبنية.
وإلى أن يتحوّل الموظفون إلى الاستقرار في المدينة الجديدة كموطن لهم إلى جانب كونها مكاناً للعمل، ستبقى البصمة الكربونية مرتفعة نتيجة الحاجة للتنقل مسافات طويلة. ومن أهم عوامل الاستقرار، التي غابت في أغلب مدن الأجيال السابقة، توفير متطلبات الإقامة الأساسية، لا سيما المدارس والجامعات والحدائق ومراكز الثقافة والترفيه والخدمات البلدية.
وتضم العاصمة الجديدة حالياً مؤسسة جامعية خاصة، كما تحتوي على «نهر أخضر» بطول 35 كيلومتراً، يرتبط بجميع أحياء وجامعات المدينة ليحاكي نهر النيل في مدينة القاهرة. ويُعتبر النهر أكبر محوراً أخضر في العالم، حيث يشتمل على حدائق مركزية وترفيهية ضمن مساحة تزيد عن 20 كيلومتراً مربعاً تُسقى بمياه محطة معالجة الصرف الصحي التي تبلغ استطاعتها 250 ألف متر مكعب يومياً. وتحصل المدينة على مياهها العذبة من نهر النيل، عبر محطة مياه القاهرة الجديدة ومحطة مياه العاشر من رمضان، ومن خلال محطتها الخاصة.
وفي مجال جمع النفايات ومعالجتها، عقدت إدارة العاصمة الجديدة اتفاقاً مع الشركة الإماراتية «بيئة»، المتخصصة في مجال الاستدامة والخدمات البيئية، لإدارة النفايات الناتجة عن المدينة، بحيث تصل نسبة الاسترداد إلى 80 في المائة. وتعدّ نسبة الاسترداد هذه مرتفعة جداً، إذا ما قورنت بمعدلات معالجة النفايات في العالم العربي بالتدوير والتحويل إلى سماد، التي بالكاد تصل إلى 15 في المائة، فيما يذهب الباقي إلى المطامر والمكبات العشوائية.
وإلى جانب البرج الأيقوني الذي يبلغ ارتفاعه 385 متراً، ستحتضن المدينة الجديدة أول غابة عمودية في أفريقيا مكوّنة من ثلاثة مبانٍ سكنية بارتفاع سبعة طوابق تنمو على واجهتها وأسطحها أكثر من 350 شجرة و14 ألف شجيرة. ويخشى البعض أن تستأثر هذه المرافق والبنى الضخمة بالموارد والاهتمام، فتصبح العاصمة الإدارية الجديدة مدينة حصرية وخاصة بأصحاب الدخل المرتفع، كما كانت القاهرة في بداية نشأتها قبل أكثر من ألف سنة.
إن الوضع الحالي للمدن المصرية الكبرى حرج للغاية ويهدّد مستقبل الأجيال القادمة، لأنها تفتقر إلى البنية التحتية الكافية التي تسمح لها بالاستدامة. ولعل سياسة بناء المدن كالعاصمة الإدارية الجديدة هي الخيار النهائي لاستيعاب النمو السكاني السريع وتوفير فرص العمل وتحسين الوضع البيئي. ومع ذلك لا بد من العمل أيضاً على تأهيل وتطوير المدن القائمة وتحفيز التنمية الاقتصادية المستدامة، التي تمثل الرافعة الحقيقية في بناء المدن الجديدة.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».